Verse. 3290 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰۗاَيُّہَا الْمَلَاُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ اِلٰہٍ غَيْرِيْ۝۰ۚ فَاَوْقِدْ لِيْ يٰہَامٰنُ عَلَي الطِّيْنِ فَاجْعَلْ لِّيْ صَرْحًا لَّعَلِّيْۗ اَطَّلِعُ اِلٰۗى اِلٰہِ مُوْسٰي۝۰ۙ وَاِنِّىْ لَاَظُنُّہٗ مِنَ الْكٰذِبِيْنَ۝۳۸
Waqala firAAawnu ya ayyuha almalao ma AAalimtu lakum min ilahin ghayree faawqid lee ya hamanu AAala altteeni faijAAal lee sarhan laAAallee attaliAAu ila ilahi moosa wainnee laathunnuhu mina alkathibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين» فاطبخ لي الآجر «فاجعل لي صرحا» قصرا عاليا «لعلى أطلع إلى إله موسى» أنظر إليه وأقف عليه «وإني لأظنه من الكاذبين» في ادعائه إلها آخر وأنه رسوله.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه وذكر ههنا شبهتين الأولى: قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } وهذا في الحقيقة يشتمل على كلامين: أحدهما: نفي إله غيره والثاني: إثبات إلهية نفسه، فأما الأول فقد كان اعتماده على أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته، أما أنه لا دليل عليه فلأن هذه الكواكب والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صانع، وأما أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر. واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة فإنا لا نسلم أنه لا دليل على وجود الصانع وذلك لأنا إذا عرفنا بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب، وعرفنا بالضرورة أن المحدث لا بد له من محدث فحينئذ نعرف بالدليل أن هذا العالم له صانع، والعجب أن جماعة اعتمدوا في نفي كثير من الأشياء على أن قالوا لا دليل عليه فوجب نفيه، قالوا وإنما قلنا إنه لا دليل لأنا بحثنا وسبرنا فلم نجد عليه دليلاً، فرجع حاصل كلامهم بعد التحقيق إلى أن كل ما لا يعرف عليه دليل وجب نفيه، وإن فرعون لم يقطع بالنفي بل قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذباً في دعواه، ففرعون على نهاية جهله أحسن حالاً من هذا المستدل. أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه، فاعلم أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقاً للسموات والأرض والبحار والجبال وخالقاً لذوات الناس وصفاتهم، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره، فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقاً للسماء والأرض، لا سيما وقد دللنا في سورة طه (49) في تفسير قوله: { أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } تفسير : على أنه كان عارفاً بالله تعالى وأنه كان يقول ذلك ترويجاً على الأغمار من الناس الشبهة الثانية: قوله: {فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ فَٱجْعَل لّى صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } وههنا أبحاث: الأول: تعلقت المشبهة بهذه الآية في أن الله تعالى في السماء قالوا لولا أن موسى عليه السلام دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول والجواب: أن موسى عليه السلام دل فرعون بقوله: { أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الشعراء: 24] ولم يقل هو الذي في السماء دون الأرض، فأوهم فرعون أنه يقول إن إلهه في السماء، وذلك أيضاً من خبث فرعون ومكره ودهائه. الثاني: اختلفوا في أن فرعون هل بنى هذا الصرح؟ قال قوم إنه بناه قالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه ورمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليهم وهي ملطوخة بالدم، فقال قد قتلت إله موسى فعند ذلك بعث الله تعالى جبريل عليه السلام لهدمه. ومن الناس من قال إنه لم يبن ذلك الصرح لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ورجوعه متلطخاً بالدم، فإن كل من كان كامل العقل يعلم أنه لا يمكنه إيصال السهم إلى السماء، وأن من حاول ذلك كان من المجانين فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل، فيصير ذلك مشرعاً قوياً لمن أحب الطعن في القرآن، فالأقرب أنه كان أوهم البناء ولم يبن أو كان هذا من تتمة قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } يعني لا سبيل إلى إثباته بالدليل، فإن حركات الكواكب كافية في تغير هذا العالم ولا سبيل إلى إثباته بالحس، فإن الإحساس به لا يمكن إلا بعد صعود السماء وذلك مما لا سبيل إليه، ثم قال عند ذلك لهامان: {ٱبْنِ لِى صَرْحاً أَبْلُغُ بِهِ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وإنما قال ذلك على سبيل التهكم فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم إنه رتب النتيجة عليه فقال: {وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فهذا التأويل أولى مما عداه. الثالث: إنما قال: {فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } ولم يقل اطبخ لي الآجر واتخذه لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة ولأن هذه العبارة أليق بفصاحة القرآن وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان، وهو وزيره بالإيقاد على الطين فنادى باسمه بيافي وسط الكلام دليل على التعظم والتجبر، والطلوع والاطلاع الصعود يقال طلع الجبل واطلع بمعنى واحد. أما قوله: {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } فاعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر في الحقيقة أي المبالغ في كبرياء الشأن، قال عليه السلام فيما حكى عن ربه « حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار » تفسير : وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. المسألة الثانية: قال الجبائي الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك وإلا لكان ذلك بحق وهكذا كل متغلب، لا كما ادعى ملوك بني أمية عند تغلبهم أن ملكهم من الله تعالى فإن الله تعالى قد بين في كل غاصب لحكم الله أنه أخذ ذلك بغير حق، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك إليه، إما أن يكون منه أو من الله تعالى، أو لا منه ولا من الله تعالى، فإن كان منه فلم لم يقدر عليه غيره، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولي للأمر؟ وإن كان من الله تعالى فقد صح الغرض، وإن كان من سائر الناس فلم اجتمعت دواعي الناس على نصرة أحدهما وخذلان الآخر؟ واعلم أن هذا أظهر من أن يرتاب فيه العاقل. أما قوله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى إلا أنهم كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا. أما قوله: {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } فهو من الكلام المفحم الذي دل به على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الكبير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله: { أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ } تفسير : [المرسلات: 27] { أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } تفسير : [الحاقة: 14] { أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر: 67] سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته. أما قوله: {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } فقد تمسك به الأصحاب في كونه تعالى خالقاً للخير والشر، قال الجبائي المراد بقوله: {وَجَعَلْنَـٰهُمْ } أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: { أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19] وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله فاسقاً وبخيلاً، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالاً، وقال الكعبي: إنما قال: {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً } من حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر، وذلك كقوله: { أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا } تفسير : [التوبة: 125] لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه، وإن أمكنه فإذا بخل به قيل للسائل جعلت فلاناً بخيلاً أي قد بخلته، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل الله تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين. واعلم أن الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم (83) في قوله: { أية : أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة في هذا الباب لأنهم بلغوا في هذا الباب أقصى النهايات، ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ } أو يكون معناه ويوم القيامة لاينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة. أما قوله: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً } معناه لعنة الله والملائكة لهم وأمره تعالى بذلك فيها للمؤمنين، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين أي المبعدين الملعونين، والقبح هو الإبعاد، قال الليث يقال قبحه الله، أي نحاه عن كل خير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من المشئومين بسواد الوجه وزرقة العين، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، والباقون حملوه على القبح في الصور. وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين الفضيحتين. ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأَولَىٰ } والكتاب هو التوراة، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس، من حيث يستبصر به في باب الدين، وهدى من حيث يستدل به، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما أهلك الله تعالى قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة، غير أهل القرية التي مسخها قردة » تفسير : . أما قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فالمراد لكي يتذكروا، قال القاضي: وذلك يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه، ونص القرآن دافع لهذا القول، قلنا أليس أنكم حملتم قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } تفسير : [الأعراف: 179] على العاقبة، فلم لا يجوز حمله ههنا على العاقبة، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك في الآخرة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه الله، كما قال الله تعالى: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} تفسير : [الزخرف: 54] الآية، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} وقال تعالى إخباراً عنه: {أية : فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 23 ــــ 26] يعني: أنه جمع قومه، ونادى فيهم بصوته العالي مصرحاً لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال: {أية : قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29]. وقوله: {فَأَوْقِدْ لِي يَٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} يعني: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، يعني: يتخذ له آجراً لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع العالي؛ كما قال في الآية الآخرى: {أية : وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَـٰذِباً وَكَـذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} تفسير : [غافر: 36 ــــ 37] وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: {وَإِنِّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي: في قوله: إن ثم رباً غيري، لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 23] وقال: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29] وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} وهذا قول ابن جرير. وقوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد {أية : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 13 ــــ 14] ولهذا قال تعالى ههنا: {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبقَ منهم أحد، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي: لمن سلك وراءهم، وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولاً بذل الآخرة، كما قال تعالى: {أية : أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ} تفسير : [محمد: 13]. وقوله تعالى: {وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، {وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ ٱلْمَقْبُوحِينَ} قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} تفسير : [هود: 99].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ } فاطبخ لي الآجرّ {فَٱجْعَل لّى صَرْحاً } قصراً عالياً {لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ } أنظر إليه وأقف عليه {وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ } في ادّعائه إلٰهاً آخر وأنه رسوله.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} قال ابن عباس: كان بينها وبين قوله {أنا ربكم الأعلى} أربعون سنة. {فأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانَ عَلَى الطِّينِ} قال قتادة: هو أول من طبخ الآجر. {فَاجْعَلَ لِّي صَرْحاً} الصرح القصر العالي. قال قتادة: هو أول من صنع له الصرح. {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} الآية. فحكى السدي أن فرعون صعد الصرح ورمى نشابه نحو السماء فرجعت إليه متلطخة دماً: قد قتلت إِله موسى. قوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} قال قتادة: بحر يقال له أساف من وراء مصر غرقهم الله فيه. قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} يعني فرعون وقومه، وفيه وجهان: أحدهما: زعماء يُتْبَعُونَ على الكفر. الثاني: أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر. {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} فيه وجهان: أحدهما: يدعون إلى عمل أهل النار. الثاني: يدعون إلى ما يوجب النار. قوله: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} فيه وجهان: أحدهما: يعني خزياً وغضباً. الثاني: طرداً منها بالهلاك فيها. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: من المقبحين بسواد الوجوه وزرقة الأعين، قاله الكلبي. الثاني: من المشوهين بالعذاب، قاله مقاتل. الثالث: من المهلكين، قاله الأخفش وقطرب. الرابع: من المغلوبين، قاله ابن بحر.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا عَلِمْتُ لَكُم} كان بينها وبين قوله {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] أربعون سنة "ع" {عَلَى الطِّينِ} هو أول من طبخ الآجُر. {صَرْحاً} قصراً عالياً وهو أول من صنع الصرح فصعده ورمى نُشَّابة نحو السماء فعادت ملتطخة دماً فقال قتلت إله موسى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، {فَأَوْقِدْ لِي يَٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، {فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً} أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، "وَإِنِّي لأَظنُّهُ" يعني موسى "من الكاذبين" في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه "حديث : الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار"تفسير : وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: "بِغَيْرِ الحَقِّ" حال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} قرأ نافع والأخوان ويعقوب "يَرْجِعُونَ" مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}تفسير : [المرسلات: 27] {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [الحاقة: 14] {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الزمر: 67]. وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ}. قوله: "وَجَعَلْنَاهُمْ" أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأنه فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة لـ "أَئِمَّة" وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف: 19]. وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، {وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} خزياً وعذاباً. قوله: "وَيَوْمَ القِيَامَةِ" فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق بـ "المَقْبُوحِينَ" على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره "المَقْبُوحِينَ"، كأنه قيل: وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: {أية : لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ}تفسير : [الشعراء: 168]، أو يعطف على موضع "في الدُّنْيَا"، أي: وأتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على "لَعْنَة" على حذف مضاف، أي: ولعنةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما, والمَقْبُوحُ: المطرود قبحه الله: طرده، قال: شعر : 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّهَا وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا تفسير : وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل: "مِنْ المَقْبُوحِينَ": من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: "مِنَ المَقْبُوحِينَ" من المهلكين. قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: "بَصَائر" يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و "هُدًى" من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه "رَحْمَةً"، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: حديث : ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةًتفسير : . وقوله "لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" بما فيه من المواعظ والبصائر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما قال فرعون ‏{‏يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري‏} ‏ قال جبريل عليه السلام‏:‏ يا رب طغى عبدك فائذن لي في هلاكه قال‏:‏ يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد اجلته حتى يجيء ذلك الأجل‏.‏ فلما قال ‏{أية : ‏أنا ربكم الأعلى‏}‏تفسير : [‏النازعات: 24‏] قال‏:‏ يا جبريل قد سكنت روعتك‏.‏ بغى عبدي وقد جاء أوان هلاكه‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏كلمتان قالهما فرعون ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ وقوله ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ قال‏: كان بينهما أربعون عاماً ‏{‏فأخذه الله نكال الآخرة والأولى‏}‏ [‏النازعات: 26‏]‏ ‏". تفسير : أما قوله تعالى: ‏{‏فأوقد لي يا هامان‏} ‏ الآية. أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر قال‏:‏ حدثنا أسد عن خالد بن عبد الله عن محدث حدثه قال‏:‏ كان هامان نبطياً‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فأوقد لي يا هامان على الطين‏} ‏ قال على المدر يكون لبناً مطبوخا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كان فرعون أول من طبخ الآجر، وصنع له الصرح‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ فرعون أول من صنع الآجر وبنى به‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏فأوقد لي يا هامان على الطين‏} ‏ قال‏:‏ أوقد على الطين حتى يكون آجرا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ لما بنوا له الصرح ارتقى فوقه، فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال‏:‏ قتلت إله موسى‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} قاله اللعينُ بعدَ ما جمعَ السَّحرةَ وتصدَّى للمُعارضةِ فكانَ من أمِرهم ما كانَ {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَـٰمَـٰنُ يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ} أي أصنعْ آجرَّاً {فَٱجْعَل لّي} منه {صَرْحاً} أي قصراً رفيعاً {لَّعَلّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} كأنَّه توهَّم أنَّه لو كان لكان جسماً في السَّماءِ يمكن الرُّقيُّ إليه ثم قال: {وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أو أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً يترصَّدُ منه أوضاعَ الكواكبِ فيرى هل فيها ما يدلُّ على بعثةِ رسولٍ وتبدلِ دولتِه. وقيل: المرادُ بنفي العلمِ في المعلومِ كما في قولِه تعالى: {أية : قُلْ أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [سورة يونس: الآية 18] فإنَّ معناهُ بما ليس فيهنَّ وهذا من خواصِّ العلومِ الفعليةِ فإنَّها لازمةٌ لتحققِ معلوماتِها فيلزم من انتفائِها انتفاءُ معلوماتِها ولا كذلكَ العلومُ الانفعاليةُ، قيل أولُ من اتَّخذَ الآجرَّ فرعونُ ولذلك أُمرِ باتخاذِه على وجهٍ يتضمَّنُ تعليمَ الصَّنعةِ مع ما فيهِ من تعظمٍ، ولذلك نادى هامانَ باسمهِ بـيا في وسطِ الكلامِ {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ} أرضِ مصرَ {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} بغيرِ استحقاقٍ {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} بالبعثِ للجزاءِ. وقُرىء بفتحِ الياءِ وكسرِ الجيمِ من رجعَ رجُوعاً والأولُ من رجع رجعاً وهو الأنسبُ بالمقامِ. {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ} عقيبَ ما بلغُوا من الكفرِ والعتُوِّ أقصى الغاياتِ {فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ} قد مرَّ تفصيلُه وفيه من تفخيمِ شأنِ الأخذِ وتهويلِه واستحقارِ المأخوذينَ المنبوُذينَ ما لا يخفى كأنَّه تعالى أخذَهم مع كثرتِهم في كفَ وطرحَهم في البحرِ، ونظيُره قولُه تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 67] {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وبـيَّنها للنَّاسِ ليعتبرُوا بها {وَجَعَلْنَـٰهُمْ} أي صيَّرناهم في عهدِهم {أَئِمَّةً يَدْعُونَ} النَّاسَ {إِلَى ٱلنَّارِ} إلى ما يُؤدِّي إليها من الكفرِ والمَعَاصي أي قدوةً يَقتِدي بهم أَهلُ الضَّلالِ لمَّا صرفُوا اختيارَهم إلى تحصيلِ تلك الحالةِ وقيل سمَّيناهم أئمةً دعاةً إلى النَّار كما في قولِه تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }تفسير : [سورة الزخرف: الآية 19] فالأنسبُ حينئذٍ أن يكونَ الجعلُ بعدهم فيما بـين الأممِ وتكونَ الدَّعوة إلى نفسِ النَّارِ وقيل: معنى الجعلِ منعُ الألطافِ الصَّارفةِ عن ذلك {وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ} بدفعِ العذابِ عنُهم بوجهٍ من الوجوهِ.

القشيري

تفسير : ادَّعى الانفرادَ بالإلهية فزاد في ضلالِه على عَبَدَةِ الأصنام الذين جعلوا أصنامَهم شركاءَ، ثم قال لهامان: "ابْن لي صَرْحاً لعلِّي أطلع إِلى إله موسى" وكان هذا من زيادة ضلاله، حيث تَوَهَّم أن المعبودَ من جهة فوق، وأنه يمكن الوصول إليه. ولعمري لو كان في جهةٍ لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه!.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال فرعون} حين جمع السحرة وتصدى للمعارضة {يا ايها الملأ} [اى كروه بزركان] {ماعلمت لكم من اله غيرى} قيل كان بين هذه الكلمة وبين قوله انا ربكم الاعلى اربعون سنة اى ليس لكم اله غيرى فى الارض [وموسى ميكويد خداى ديكر هست كه آفريدكار آسما نهاست] كما قال {رب السموات والارض} {فاوقد لى} الايقاد [آتش افروختن] {ياهامان} هو وزير فرعون {على الطين} هو التراب والماء المختلط اى اصنع لى آجرا: وبالفارسية [بس برافروز آتشى ازبراى من اى هامان بركل تابخنه شودودربنا او استحكامى بود] واول من اتخذ الآجرّ فرعون ولذلك امر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة حيث لم يقل اطبخ لى الآجر {فاجعل لى} منه {صرحا} قصرا رفيعا مشرفا كالميل والمنارة: وبالفارسية [كوشكى بلندكه مرورا بايها باشد جون نردبان تابرسطح آن روم] {لعلى اطلع الى اله موسى} انظر اليه واقف عليه: يعنى [شايدكه برو مطلع كردم وبينم كه جنان هست كه موسى كويد] {وانى لاظنه} اى موسى {من الكاذبين} فى ادعائه ان له الها غيرى وانه رسوله قاله تلبيسا وتمويها على قومه لاتحقيقا لقوله تعالى {أية : وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم}،تفسير : قال فى الاسئلة المقحمة ولا يظن بان فرعون كان شاكا فى عدم استحقاقه لدعوى الالهية فى نفسه اذ كان يعلم حال نفسه من كونها اهل الحاجات ومحل الآفات ولكن كان معاندا فى دعواه مجاحدا من غير اعتقاد له فى نفسه بالالهية. وقال الكاشفى [فرعون تصور كرده بودكه حق سبحانه وتعالى جسم وجسمانيست برآسمان مكانى دارد وترقى بسوى وى ممكن است وبدين معنى دانا نشده بود] شعر : كه مكان آفرين مكان جه كند آسمان كر بر آسمان جه كند نه مكان ره برد برو نه زمان نه بيان زوخبر دهد نه عيان تفسير : صاحب كشاف [آورده كه هامان ملعون بنجاه هزار استاد جمع كرد وراى مزدوران آن بطبخ آجر وبختن كج واهك وتراشيدن جوب ورفع بنا امر نمود] واشتد ذلك على موسى وهارون لان بنى اسرائيل كانوا معذبين فى بنائه. قال ابو الليث كان ملاط القصر خبث القوارير وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله مخافة ان ينسفه الريح وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلاثة آلاف ذراع [وآن بنايى شد رفيع ومحكم كه هيجكس بيش ازان بدان طريق صرحى نساخته بود ودرهمه دنيا مانند آن هر كز كس نديد ونشنيد] شعر : جنان بلند بنايى كه عقل نتوانست كمند فكر فكندن بكوشه بامش تفسير : وكتب بهلول على حائط من حيطان قصر عظيم بناه الخليفة هارون الرشيد ياهارون رفعت الطين ووضعت الدين رفعت الجص ووضعت النص ان كان من مالك فقد اسرفت ان الله لايحب المسرفين وان كان من مال غيرك فقد ظلمت ان الله لايحب الظالمين. ودر زاده المسير [فرموده جون بنا باتمام رسيد فرعون لعين ببالا بر آمد وخيال او آن بودكه بفلك نزديك رسيده باشد جون در نكريست آسمانرا ازبالاى صرح جنان ديدكه در روى زمين ميديد منفعل كشته تير اندازيرا بكفت تابرهوا تير انداخت وآن تيرباز آمد خون آلود فرعون كفت قد قتلت اله موسى بكشتم نعوذ بالله خداى موسى را حق سبحانه وتعالى جبرائيل را فرستاد تابر خويش بدان صرح زد سه باره ساخت يك قطعه بلشكر كاه فرعون فرود آمد وهزاران هزار قبطى كشته شدند وقعطه ديكر در دريا افتاد وديكر بجانب مغرب وهيجكس زاستادان ومزدوران زنده نماندند]. وفى فتح الرحمن ولم يبق احد ممن عمل فيه الا هلك ممن كان على دين فرعون انتهى. وفرعون [باوجود اين حال متنبه نكشت وغروراو زيادت كشت]

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} بعدما عجز عن الحجّة وخاف عن المعارضة لاجل الحيّة مقبلاً على قومه تخليطاً عليهم وتسكيناً لنفسه عن الخوف {يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} هذا الكلام منه يدلّ على عجزه عن الحجّة وغاية خوفه من موسى (ع) وعصاه حيث لم يدّع الآلهة لنفسه صريحاً ونفى علمه بالاله الّذى ادّعى موسى واظهر شكّه الّذى هو الاقرار بالعجز عن الحجّة وهى كلمته الاولى الّتى اخذه الله تعالى عليه وكلمته الآخرة قوله: انّا ربّكم الاعلى وكان بين الاولى والآخرة اربعون سنةً كما نسب الى الخبر ولمّا ظهر عجزه عن الحجّة وخوفه من موسى (ع) اراد التّمويه على قومه بانّ الاله الّذى ادّعاه موسى (ع) ان كان حقّاً كان مثلى فى جهة ومكان وكان يمكن لى الوصول اليه فقال {فَأَوْقِدْ لِي} اى للبناء لى {يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} لتحجير الطّين، قيل: انّه كان اوّل من عمل الآجرّ {فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً} قصراً عالياً الى عنان السّماء {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} ولو لم يكن مقصوده التّمويه ما تكلّم بمثل هذا الكلام فانّه كان حكيماً عالماً بانّه لا يمكن بناء قصرٍ يمكن الوصول منه الى السّماء {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فى الحديث فبنى هامان له فى الهواء صرحاً حتّى بلغ مكاناً فى الهواء لا يتمكّن الانسان ان يقوم عليه من الرّياح القائمة فى الهواء فقال لفرعون: لا نقدر ان نزيد على هذا فبعث الله عزّ وجلّ رياحاً فرمت به فاتّخذ فرعون وهامان عند ذلك التّابوت على التّفصيل الّذى ذكر فى الاخبار.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنَ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} لم يجد شبهه يلبس بها الأمر على الناس فتعمد صريح الكذب والعناد الواضح فنفى عن نفسه العلم بوجود اله غيره لهم ومراده اشعارهم بأنه لا اله سواه وقد علم انه لا اله إلا الله وقيل الكلام على ظاهره من انه لا يعلم بوجود اله سواه ولم يكن عالما بوجود سواه ولا عالما بعدم وجود سواه فأمره ببناء الصرح للاطلاع لاله موسى اما مخرفة ومجرد عناد ولعدم جزمه بعدم اله سواه. {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} اطبخ لي الآجر قيل انه اول من اتخذ الآجر وبنى به. {فَاجْعَل لِّي صَرْحاً} قصرا عاليا واضحا وقيل منارة. {لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} ان كان له إله كأنه توهم انه ان كان له إله فهو جسم في السماء يمكن الترقي اليه أو أراد ان يبني له رصدا فيرى بالكواكب ما يدل على بعث الرسل وتبدل الدولة. {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ} أي موسى. {مِنَ الكَاذِبِينَ} في قوله ان للأرض والسماء وما فيهما إلها غيري وهذا دليل على ان قوله {إِلَى إِلَهِ مُوسَى} انما هو على طريق الظن لا على طريق الجزم بأن لموسى الها وانما قال {أوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} ولم يقول اطبخ لي الآجر واتخذه لانه اول من عمر الآجر فهو يعلّمه لصنعه ولأن هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام الجبابرة ولذلك نادى هامان في وسط الكلام لا في أوله ولما سافر عمر رضي الله عنه الى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون، قال في عرائس القرآن قالت العلماء أن الله تعالى قد أملى لفرعون في كل باب من أبواب التملك والتسلط والثروة والتنعم والترفه وادعاء الربوبية مع ما أنعم الله عليه من العمر الطويل والقوة والمنعة والسعة والجنود والشوكة وقوة بنيته وربما مكث اربعين يوما بلياليها لا يخرج للفضاء إلا مرة واحدة وهو مع ذلك يأكل ويشرب ولا يبزق ولا يتمخط ولا يتوجع ولا يسعل ولا يتوجع بطنه ولا ترمد عيناه ولا تصيبه آفة في نفسه ولا كراهية قال سعيد بن جبير ملك فرعون اربعمائة سنة لا يرى مكروها ولو كان له في تلك المدة وجع يوم أو حمة ليلة لما ادعى الربوبية وأقدم على خطب عظيم وخطر جسيم لم يسمه سوء ولا مكروه ولا يتلقاه الا محبوب وكان له قصر من قصوره مشرف على المدينة ينيف على الف عتبة سخر الله له دابة من دوابه يركبها فيصعد ذلك القصر عليها ويهبط عليها مع أنعم الله عليه به استدراجا ولما عاين من أمر موسى ما عاين لم يزده ذلك إلا عتوا وعلم من قومه الخوف وخاف أن يأمنوا لموسى ويخالفوه فأمر هامان ببناء الصرح وجمع له العمال والفعلة فلم يترك أحدا ممن يقدر عليه من يعمل البنيان إلا جمعه للبناء فاجتمع له خمسون الف بناء سوى الاتباع والاجراء فمن يعمل الآجر والجص وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير سهل الله له استدراجا وتم كما يريده سبع سنين وارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد منذ خلق الله السماوات والأرض فشق ذلك على موسى فأوحى الله تعالى اليه: أن دعه وما يريد فاني مستدرجه ومبطل عمله في ساعة واحدة وكان ذلك الصرح اذا طلع الشمس ضرب ظله نحو المغرب واذا دنى غروبها ضربه نحو المشرق بحيث لا يعلم أحد منتهاه إلا الله سبحانه فبعث الله سبحانه جبريل فضربه بجناحه فقذف به على عسكر فرعون فقتل الف الف رجل ولم يبق احد ممن عمل فيه الا أصابه موت وتيبست أيدي النجارين والحدادين والبنائين واحترق عاملوا الآجر والجص ومات القهارمة والعمال ايضا وذلك كله ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ولما رأى فرعون ذلك علم أن حيلته لم تغن وأمر أصحابه فنصبوا الحرب لموسى وقالوا انك ساحر وعبد من عبيد فرعون كفرت نعمته وأبقت منه ونسيت منته حين القتك امك في اليمّ لعلمها بما تصير اليه من سوء الحال فاستنقذك منه فآواك وجئته عدوا محاربا فلا ننتهي عنك حتى نردك الى عبادته وخدمته ونذيقك الذل والهوان بترك طاعته. وروي انه لما تم بناءه صعد فرعون الى أعلاه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت اليه وهي ملطخة دما فقال قد قتلت إله موسى فان صحة هذه الرواية فاما ان يخلق الله دما في النشابة أو صادفت طائرا او حوتا من بحر بين السماء والأرض وذلك استدراج وتهكم به بالفعل كما ورد التهكم على الكفار في القرآن بالقول في مواضع وبناه حتى لا يقدر الباني ان يقف اعلاه على رأسه وروي ان فرعون نفسه هو الرامي بنشابة وردت ملطخة بدم فقال ما قال فعند ذلك بعث الله عز وجل جبريل فقطعه ضربا بجناحه ثلاث قطع وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت الف الف رجل وقطعة في البحر وقطعة في المغرب وهلكت عماله كلهم وروي انه لما وقعت قطعة في البحر أصبح من قرب من البحر من الأقوام على غير لغتهم والصحيح عندي ان ذلك من فرعون لعنه الله مجرد عناد وانه عالم بأنه لا اله الا الله وقد روي انه كان يعرف اسم الله الأعظم واذا اقحطوا خر ودعى به وقال لله: إئتني في الدنيا وعاقبني في الآخرة فتأتي السحابة فوقه ويقول أنا الهكم جئتكم بالمطر وقد قال موسى له لقد علمت ما انزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر للناس فالظن يقين قال على جهة العمد تكذيبا لموسى وقد علم صدقه أي لا علمه من الكاذبين وسواء تيقن انه لا اله سواه او ظن او علم بوجود اله الذي لا اله الا هو فالجهل الذي به مفرط حيث حسب انه في مكان كما هو في مكان ويطلع اليه كما يطلع اليه في عليته وانه ملك السماء كما انه ملك الأرض وما اجهله واجهل قومه اذا راموا نيل السماء بصرح يبنونه أكان الله بتلك الصفة عنده أم لبس على قومه وبعد فلا يخفى أن فرعون عالم أن هامان لا يقدر على بنيان الصرح وحده بل عالم بأنه لا يبني فيه شيئا بل يأمر من يبني فاسناد البناء اليه على طريق النسبة غير الخارجية تجوز حيث كان هامان هو السبب لأنه يأمر بالبناء ويجمع البنائين وما يحتاج اليه البناء.

اطفيش

تفسير : {وقال فرْعَون} فى جمع جمعه بعد كلام موسى وعجزه عن معارضته {يا أيَّها الملأ ما عَلمتُ لكم من إلهٍ غَيْرى} لو كان لعلمته وما يقوله موسى لا يصح، وسأفحص فيما يقول من أن له إلها، فيتبين بطلانه، أو إن كان فما علمته، وهذا مقنع لقومه، أو ما كان فى الأزمنة الماضية، وإن حدث لم أدر به {فأوْقِد لى يا هامان على الطِّين} أو قد النار على قوالب الطِّين لتتحجر، فتكون آجراً، وهذا الإسناد الطلبى عقلى أو سببى، لأن هامان آمر للجند بالإيقاد لا موقد. {فاجْعَل لى} منه {صَرْحاً} بناء صريحا أصل به الى حيث كان إله موسى إن صح {لعلِّى أطَّلعُ} الافتعال للمبالغة لا كالمجرد، لأن هذا الطلوع ليس كغيره لعلوه {إلى إله مُوسَى} يعنى إن كان، وهو ـ لعنه الله ـ يتوهم أنه إن كان فهو جسم حال فى السموات، وهو ليس جسما ولا عرضا، وهو سبحانه وتعالى أخبرنا عن نفسه أنه ليس كمثله شىء. وأنه لا تحويه سماء ولا أرض، فكل ما جاء بعد مخالفا بظاهره، لهذا سهل تأويله، وأذعنت الى تأويله قلوبنا إذعان نفس العطشان فى الصيف الى ما جد من ماء بارد، ولا نجهل {وإنِّى لأظنُّه من الكاذبين} فى دعواه، فبنى له، وطلع وحده أو مع من يكتم الأمر، فرجع فقال لم أجد له ربا، وهذا لا يتم له، لأنه قد بلغ من يبنيه ذلك المبلغ، فلم يختص فرعون بذلك الموضع، وهو وغيره عاجزون عن الانتقال عنه الى فوق، وروى أنه ضرب منه بنبال، فرجعت بدم من طير، فزعم أنه قتل من هناك من إله موسى وغيره. قال ابن جريج وقتادة: أول من صنع الآجر وبنى به فرعون، ورآى رضى الله عنه قصور الشام فقال: ما علمت أحداً بنى بالآجر غير فرعون، بل أول من اتخذه ولو بلا بناء فرعون، إذ قال لهامان أوقد لى، ولم يقل اصنع، لأنه هو الذى علمهم صنعه، ولعل عمر وقتادة وابن جريج أرادوا هذا، ويروى أنه جمع هامان لبنائه خمسين ألف بناء سوى الأتباع، ومن يصنع الآجر، والنجارين والحدادين، ووصل فى العلو ما يصله أحد، وكانوا يصعدون فيه بالبراذنن فأمر الله تعالى جبريل أن يقطعه عند الغروب، فقطعه ثلاث قطع، قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف، وقطعة فى البحر، وقطعة فى المغرب.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة، والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه بإله غيره دون وجوده فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه، ولم يجزم بالعدم بأن يقول: ليس لكم إله غيري مع أن كلاً من هذا وما قاله كذب، لأن ظاهر قول موسى عليه السلام له لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر يقتضي أنه كان عالماً بأن إلههم غيره، وما تركه أوفق ظاهراً بما قصده من تبعيد قومه عن اتباع موسى عليه السلام اختياراً لدسيسة شيطانية وهو إظهار أنه منصف في الجملة ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقوله لهم بعد في أمر الإله وتسليمهم إياه له اعتماداً على ما رأوا من إنصافه فكأنه قال ما علمت في الأزمنة الماضية لكم إلهاً غيري كما يقول موسى، والأمر محتمل وسأحقق لكم ذلك. {فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } أي اصنع لي آجراً {فَٱجْعَل لّى } منه {صَرْحاً } أي بناءً مكشوفاً عالياً من صرح الشيء إذا ظهر {لَّعَلّى أَطَّلِعُ } أي أطلع وأصعد فأفتعل بمعنى الفعل المجرد كما في «البحر» وغيره. {إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } الذي يذكر أنه إلهه وإله العالمين، كأنه يوهم قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان جسماً في السماء كون الأجسام فيها يمكن الرقي إليه ثم قال: {وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فيما يذكر تأكيداً لما أراد وإعلاماً بأن ترجيه الصعود إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازم بأنه هناك. والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بني، وقد اختلف في ذلك فقيل بناه وذكر من وصفه ما الله عز وجل أعلم به، وقيل لم يبن وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر، ويكون ما ذكر ذكراً لأحد طرق التحقيق فيتمكن من أن يقول بعده حققت الأمر بطريق آخر فعلمت أن ليس لكم إله غيري وأن موسى كاذب فيما يقول، وعلى الأول يحتمل أن يكون صعد الصرح وحده أو مع من يأمنه على سره وبقي ما بقي ثم نزل إليهم فقال لهم: صعدت إلى إله موسى وحققت أن ليس الأمر كما يقول وعلمت أن ليس لكم إله غيري. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي قال: لما بنى له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال قتلت إله موسى، وهذا إن صح من باب التهكم بالفعل ولا أظنه يصح. وأياً ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية والبلادة وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان. ولله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص. ولا يبعد أن يقال كان فيهم من ذوي العقول من يعلم تمويهه وتلبيسه ويعتقد هذيانه فيما يقول إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهال ولم يظهر خلافاً لما عليه اللعين بحال من الأحوال وذلك إما للرغبة فيما لديه أو للرهبة من سطوته واعتدائه عليه وكم رأينا عاقلاً وعالماً فاضلاً يوافق لذلك الظلمة الجبابرة ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلاً أو كفراً بالآخرة. وكان قول اللعين لموسى عليه السلام {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29] بعد هذا القول المحكي هٰهنا بأن يكون قاله وأردفه بإخبارهم على البت أن لا إله لهم غيره، ثم هدد موسى بالسجن إن بدا منه ما يشعر بخلافه، وهذا وجه في الآية لا يخلو عن لطف وإن كان فيه نوع خفاء وفيها أوجه أخر. الأول أنه أراد بقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } نفي العلم دون الوجود كما في ذلك الوجه إلا أنه لم ينف الوجود لأنه لم / يكن عنده ما يقضتي الجزم بالعدم وأراد بقوله {إني لأظنه من الكاذبين} إني لأظنه كاذباً في دعوى الرسالة من الله تعالى، وأراد بقوله: يا هامان أوقد لي على الطين إلخ إعلام الناس بفساد دعواه تلك بناء على توهمه أنه تعالى إن كان كان في السماء بأنه لو كان رسولاً منه تعالى فهو ممن يصل إليه، وذلك بالصعود إليه وهو مما لا يقوى عليه الإنسان فيكون من نوع المحال بالنسبة إليه فما بنى عليه وهي الرسالة منه تعالى مثله، فقوله: {فَٱجْعَل لّى صَرْحاً } لإظهار عدم إمكان الصعود الموقوف عليه صحة دعوى الرسالة في زعمه و(لعل) للتهكم. الثاني: أنه أراد أيضاً نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسه لكنه كان في نفي العلم ملبساً على قومه كاذباً فيه حيث كان يعلم أن لهم إلهاً غيره هو إله الخلق أجمعين، وهو الله عز وجل وأراد بقوله: {وَإِنّى } الخ إني لأظنه كاذباً في دعوى الرسالة كما في سابقه، وأراد بقوله يا هامان الخ طلب أن يجعل له ما يزيل به شكه في الرسالة، وذلك بأن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب الدالة على الحوادث الكونية بزعمه فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه. وتعقب بأنه لا يناسب قوله: {أطلع إلى إلـه موسى} إلا أن يراد أطلع على حكم إله موسى بأوضاع الكواكب والنظر فيها هل أرسل موسى كما يقول أم لا؟ فيكون الكلام على تقدير مضاف و {إِلَىٰ } فيه بمعنى على، وجوز على هذا الوجه أن يكون قد أراد بإله موسى الكواكب فكأنه قال لعلي أصعد إلى الكواكب التي هي إله موسى فأنظر هل فيها ما يدل على إرسالها إياه أو لعلي أطلع على حكم الكواكب التي هي إله موسى في أمر رسالته وهو كما ترى، وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. الثالث: أنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده وبظنه كاذباً ظنه كاذباً في إثباته إلهاً غيره ويفسر الظن باليقين كما في قول دريد بن الصمة:شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد تفسير : فإثبات الظن المذكور لا يدفع إرادة ذلك النفي، وجوز بعضهم إبقاءه على ظاهره، وقال في دفع المنافاة: يمكن أن يقال: الظاهر أن كلامه الأول كان تمويهاً وتلبيساً على القوم، والثاني كان مواضعة مع صاحب سره هامان فإثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم، وفيه أنه يأبى ذلك سوق الآية، والفاء في {فأوقد لي} وطلبه بناء الصرح راجياً الصعود إلى إله موسى عليه السلام أراد به التهكم كأنه نسب إلى موسى عليه السلام القول بأن إلهه في السماء فقال: يا هامان اجعل لي صرحاً لأصعد إلى إله موسى متهكماً به، وهذا نظير ما إذا أخبرك شخص بحياة زيد وأنه في داره، وأنت تعلم خلاف ذلك فتقول لغلامك بعد أن تذكر علمك بما يخالف قوله متهكماً به يا غلام أسرج لي الدابة لعلي أذهب إلى فلان وأستأنس به بل ما قاله فرعون أظهر في التهكم مما ذكر فطلبه بناء الصرح بناء على هذا لا يكون منافياً لما ادعاه أولاً وآخراً من العلم واليقين. وقال بعضهم في دفع ما قيل من المنافاة: إنها إنما تكون لو لم يكن قوله: {لعلي أطلع} الخ على طريق التسليم والتنزل، وقال آخر في ذلك: إن اللعين كان مشركاً يعتقد أن من ملك قطراً كان إلهه ومعبود أهله فما أثبته في قوله: {لَّعَلّى أَطَّلِعُ } الخ الإله لغير مملكته وما نفاه إلهها كما يشير إليه قوله {لكم} ولا يخلو عن بحث. وفي «الكشاف» القول بالمناقضة بين بناء الصرح وما ادعاه من العلم واليقين إلا أنه قال ((قد خفيت على قومه / لغباوتهم وبلههم أو لم تخف عليهم ولكن كلاً كان يخاف على نفسه سوطه وسيفه)) وإذا فتح هذا الباب جاز إبقاء الظن على ظاهره من غير حاجة إلى دفع التناقض، والأولى عندي السعي في دفع التناقض فإذا لم يمكن استند في ارتكاب المخذول إياه إلى جهله أو سفهه وعدم مبالاته بالقوم لغباوتهم أو خوفهم منه أو نحو ذلك. واعترض القول بأنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده فقال في «التحقيق»: وذكره غيره أيضاً إنه غير سديد فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه لا سيما عدم علم شخص واحد. وقال القاضي البيضاوي: هذا في العلوم الفعلية صحيح لأنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاؤها ولا كذلك العلوم الانفعالية ورد بأن غرض قائل ذلك أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة ولا شك أنه كذلك فأطلق المسبب وأريد السبب لا أن بينهما ملازمة كلية على أنه لما كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد جاز أن يطلق ويراد به الوجود إذ لا يشترط في فن البلاغة اللزوم العقلي بل العادي والعرفي كاف أيضاً وقد يقول أحد منا لا أعلم ذلك أي لو كان موجوداً لعلمته إذا قامت قرينة وهذا الاستعمال شائع في عرفي العرب والعجم عند العامة والخاصة ومنه قول المزكي إذا سئل عن عدالة الشهود لا أعلم كيف، وكان المخذول يدعي الإلهية، ثم الظاهر أن الكلام على تقدير إرادة نفي الوجود كناية لا مجاز، وبالجملة ما ذكر وجه وجيه وتعيين الأوجه مفوض إلى ذهنك والله تعالى الموفق. واستدل بعض من يقول: إن الله تعالى في السماء بالمعنى الذي أراده سبحانه في قوله عز وجل: {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الملك: 16] حسبما يقول السلف بهذه الآية، ووجه ذلك بأن فرعون لو لم يسمع من موسى عليه السلام أن إلهه في السماء لما قال: {فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} فقوله ذلك دليل السماع إلا أنه أخطأ في فهم المراد مما سمعه فزعم أن كونه تعالى في السماء بطريق المظروفية والتمكن ونحوهما مما يكون للأجسام، وأنت تعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وإثبات مذهب السلف لا يحتاج إلى أن يتمسك له بمثل ذلك. وفي قول المخذول: أوقد لي على الطين والمراد به اللبن دون اصنع لي آجراً إشارة إلى أنه لم يكن لهامان علم بصنعة الآجر فأمره باتخاذه على وجه يتضمن التعليم، وفي الآثار ما يؤيد ذلك، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال فرعون أول من أمر بصنعة الآجر وبنائه، وأخرج هو وجماعة عن قتادة قال بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر وصنع له الصرح. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال ما علمت إن إحداً بنى بالآجر غير فرعون وفي أمره إياه وهو وزيره ورديفه بعمل السفلة من الإيقاد على الطين منادياً له باسمه دون تكنية وتلقيب بيا دون ما يدل على القرب في وسط الكلام دون أوله من الدلالة على تجبره وتعظمه ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : كلام فرعون المحكي هنا واقع في مقام غير مقام المحاورة مع موسى فهو كلام أقبل به على خطاب أهل مجلسه إثر المحاورة مع موسى فلذلك حُكي بحرف العطف عطف القصة على القصة. فهذه قصة محاورة بين فرعون وملئه في شأن دعوة موسى فهي حقيقة بحرف العطف كما لا يخفى. أراد فرعون بخطابه مع ملئه أن يثبتهم على عقيدة إلهيته فقال {ما علمتُ لكم من إله غيري} إبطالا لقول موسى المحكي في سورة [الشعراء: 26] {أية : قال ربكم ورب آبائكم الأولين}تفسير : وقوله هناك {أية : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين}تفسير : [الشعراء: 24]. فأظهر لهم فرعون أن دعوة موسى لم ترُجْ عنده وأنه لم يصدق بها فقال {ما علمت لكم من إله غيري}. والمراد بنفي علمه بذلك نفي وجود إله غيره بطريق الكناية يريهم أنه أحاط علمه بكل شيء حق فلو كان ثمة إله غيره لعلمه. والمقصود بنفي وجود إله غيره نفي وجود الإله الذي أثبته موسى وهو خالق الجميع. وأما آلهتهم التي يزعمونها فإنها مما تقتضيه إلهية فرعون لأن فرعون عندهم هو مظهر الآلهة المزعومة عندهم لأنه في اعتقادهم ابن الآلهة وخلاصة سرهم، وكل الصيد في جوف الفرا. وحيث قال موسى إن الإله الحق هو رب السموات فقد حسب فرعون أن مملكة هذا الرب السماء تصوراً مختلاً ففرع على نفي إله غيره وعلى توهم أن الرب المزعوم مقره السماء أن أمر {هامان} وزيره أن يبني له صرحاً يبلغ به عنان السماء ليرى الإله الذي زعمه موسى حتى إذا لم يجده رجع إلى قومه فأثبت لهم عدم إله في السماء إثبات معاينة، أراد أن يظهر لقومه في مظهر المتطلب للحق المستقصي للعوالم حتى إذا أخبر قومه بعد ذلك بأن نتيجة بحثه أسفرت عن كذب موسى ازدادوا ثقة ببطلان قول موسى عليه السلام. وفي هذا الضغث من الجدل السفسطائي مبلغ من الدلالة على سوء انتظام تفكيره وتفكير ملئه، أو مبلغ تحيله وضعف آراء قومه. و{هامان} لقب أو اسم لوزير فرعون كما تقدم آنفاً. وأراد بقوله {فأوقد لي يا هامان على الطين} أن يأمر {هامان} العملة أن يطبخوا الطين ليكون آجراً ويبنوا به فكني عن البناء بمقدماته وهي إيقاد الأفران لتجفيف الطين المتخذ آجراً. والآجرّ كانوا يبنون به بيوتهم فكانوا يجعلون قوالب من طين يتصلب إذا طبخ وكانوا يخلطونه بالتبن ليتماسك قبل إدخاله التنور كما ورد وصف صنع الطين في الإصحاح الخامس من سفر الخروج. وابتدأ بأمره بأول أشغال البناء للدلالة على العناية بالشروع من أول أوقات الأمر لأن ابتداء البناء يتأخر إلى ما بعد إحضار مواده فلذلك أمره بالأخذ في إحضار تلك المواد التي أولها الإيقاد، أي إشعال التنانير لطبخ الآجرّ. وعُبر عن الآجرّ بالطين لأنه قوام صنع الآجرّ وهو طين معروف. وكأنه لم يأمره ببناء من حجر وكلس قصداً للتعجيل بإقامة هذا الصرح المرتفع إذ ليس مطلوباً طول بقائه بإحكام بنائه على مرّ العصور بل المراد سرعة الوصول إلى ارتفاعه كي يشهده الناس، ويحصل اليأس ثم يُنقض من الأساس. وعدل عن التعبير بالآجرّ، قال ابن الأثير في «المثل السائر»: لأن كلمة الآجرّ ونحوها كالقرمد والطوب كلمات مبتذلة فذكر بلفظ الطين اهــــ. وأظهر من كلام ابن الأثير: أن العدول إلى الطين لأنه أخف وأفصح. وإسناد الإيقاد على الطين إلى هامان مجاز عقلي باعتبار أنه الذي يأمر بذلك كما يقولون: بنى السلطان قنطرة وبنى المنصور بغداد. وتقدم ذكر هامان آنفاً وأنه وزير فرعون. وكانت أوامر الملوك في العصور الماضية تصدر بواسطة الوزير فكان الوزير هو المنفذ لأوامر الملك بواسطة أعوانه من كتاب وأمراء ووكلاء ونحوهم، كل فيما يليق به. والصرح: القصر المرتفع، وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : قيل لها ادخلي الصرح}تفسير : في سورة [النمل: 44]. ورجا أن يصل بهذا الصرح إلى السماء حيث مقر إله موسى. وهذا من فساد تفكيره إذ حسب أن السماء يوصل إليها بمثل هذا الصرح ما طال بناؤه، وأن الله مستقر في مكان من السماء. والاطلاع: الطلوع القوي المتكلف لصعوبته. وقوله {وإني لأظنه من الكاذبين} استعمل فيه الظن بمعنى القطع فكانت محاولته الوصول إلى السماء لزيادة تحقيق ظنه، أو لأنه أراد أن يقنع قومه بذلك. ولعله أراد بهذا تمويه الأمر على قومه ليلقي في اعتقادهم أن موسى ادعى أن الله في مكان معين يبلغ إليه ارتفاع صرحه. ثم يجعل عدم العثور على الإله في ذلك الارتفاع دليلاً على عدم وجود الإله الذي ادعاه موسى. وكانت عقائد أهل الضلالة قائمة على التخيل الفاسد، وكانت دلائلها قائمة على تمويه الدجالين من زعمائهم. وقوله {من الكاذبين} يدل على أنه يعده من الطائفة الذين شأنهم الكذب كما تقدم في قوله تعالى {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67]. ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بُني، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجرّ، ولأنها جعلت مدافن للذين بنوها من الفراعنة. واختلف المفسرون هل وقع بناء هذا الصرح وتم أو لم يقع؛ فحكى بعضهم أنه تم وصعد فرعون إلى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى. وحكى بعضهم أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقاً كثيراً من عملة البناء والجند. وحكى بعضهم أنه لم يشرع في بنائه. وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر سأذكره في سورة المؤمن.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ما علمت لكم من إله غيري: أي ربا يطاع ويذل له ويعظم غيري لعنة الله عليه ما أكذبه. يا هامان: أحد وزراء فرعون، لعله وزير الصناعة أو العمل والعمال. فأوقد لي يا هامان على الطين: أي اطبخ لي الآجُرْ وهو اللبن المشوي. فاجعل لي صرحاً: أي بناء عالياً، قصراً أو غيره. لعلي أطلع إلى إله موسى: أي أقف عليه وأنظر إليه. وإني لأظنه من الكاذبين: أي موسى في ادعائه أن له إلهاً غيري. فنبذناهم في اليم: أي طرحناهم في البحر غرقى هالكين. وجعلناهم أئمة: أي رؤساء يُقتدى بهم في الباطل. يدعون إلى النار: أي إلى الكفر والشرك والمعاصي الموجبة للنار. في هذه الدنيا لعنة: أي خزياً وبعداً عن الخير. هم من المقبوحين: أي المبعدين من كل خير المشوَّهي الخلقة. القرون الأولى: قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم. بصائر للناس: أي فيه من النور ما يهدي كما تهدي الأبصار. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} إن فرعون لما سمع كلام موسى عليه السلام المصدق بكلام هارون عليه السلام وكان الكلام في غاية اللين، مؤثراً خاف فرعون من الهزيمة، ناور وراوغ فقال في الحاضرين {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} أي كما ادعى موسى ولكن سأبحث وأتعرف على الحقيقة إن كان هناك إله آخر غيري، فنادى وزيره هامان وأمره أن يعد اللبن المشوي لأنه قوي ويقوم ببناء صرح عال يصل إلى عنان السماء ليبحث بنفسه عن إله موسى إن كان حسب دعواه وإني لأظن موسى كاذباً في دعوى وجود إله له ولكم غيري هذا معنى قوله تعالى في الآية الأولى [38] {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}. يعني في إدعائه أن هناك إلهاً آخر غيري. قوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} الذي يحق لهم الاستكبار {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} أي كذبوا بالبعث الآخر. قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} أي بسبب استكبارهم وكفرهم وتكذيبهم بآيات الله {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي في البحر وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} إنها كانت وبالاً عليهم وخساراً لهم. وقوله تعالى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي جعلنا فرعون وملأه أئمة في الكفر تقتدي بهم العتاة والطغاة في كل زمان ومكان {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} بالكفر والشرك والمعاصي وهي موجبات النار. {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} بل يضاعف لهم العذاب ويخذلون ويهانون لأن من دعا إلى سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء. وقوله تعالى: {وَأَتْبَعْنَاهُم} أي آل فرعون {فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} إنتهت بهم إلى الغرق الكامل والخسران التام، {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} أي المبعدين من رحمة الله الثاوين في جهنم ولبئس مثوى المتكبرين وقوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي التوراة وذلك بعد إهلاك الظالمين وقوله {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} أي قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم وقوله {بَصَآئِرَ} أي الكتاب بما يحمل من الهدى والنور {بَصَآئِرَ} أي ضياء للناس من بني إسرائيل يبصرون على ضوءه كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم {وَهُدًى وَرَحْمَةً} أي وبياناً لهم ورحمة لمن يعمل به منهم. وقوله {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي وجود الكتاب بصائر وهدى ورحمة بين أيديهم حال تدعوهم إلى أن يتذكرّوا دائماً نعم الله عليهم فيشكرونه بالإِيمان به وبرسله وبطاعته وطاعة رسله عليهم السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن فرعون كان على علم بأنه عبد مربوب لله وأن الله هو رب العالمين. 2- تقرير صفة العلو والاستكبار لفرعون وأنه كان من العالمين. 3- بيان كيف تكون عاقبة الظلمة دماراً وفساداً. 4- دعاة الدعارة والخنا والضلالة والشرك أئمة أهل النار يدعون إليها وهم لا يشعرون. 5- بيان إفضال الله تعالى على بني إسرائيل بإنزال التوراة فيهم كتاباً كله بصائر وهدى ورحمة.

القطان

تفسير : هامان: وزير فرعون. صرحا: قصرا عاليا. اطّلع: أصعد واتطلع من فوقه. فنبذناهم: طرحناهم. يدعون الى النار: يدعون الى الكفر الموجب الى النار. لعنة: طرداً من الرحمة. من المقبوحين: المخزيين المهلكين. القرون الأولى: قوم نوح وهود وصالح. بصائر: أنوارا تهدي قلوبهم. وقال فرعون عندما عجز عن محاجّة موسى: يا أيها القوم، ما علمت لكم إلهاً غيري كما يدّعي موسى، فاعملْ يا هامان لي بناءً عالياً أصعد وأرى اله موسى {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}. واستكبر فرعون وجنودُه في أرض مصر... بغير الحق، وحسِبوا أنهم لا يُرْجَعون الينا حتى يلاقوا جزاءهم. فأخذْنا فرعونَ وجنوده فألقيناهم في البحر حين تعقبوا موسى ومن معه حتى يمنعوهم من الخروج من مصر.... فانظر يا محمد كيف كانت عاقبة الظالمين. وجعلناهم دعاةً يدعُون إلى الكفر الذي يؤدي الى النار {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} وجعلنا اللعنة تتبعهم في هذه الدنيا، وهم يوم القيامة من المهلكين. ولقد أنزلْنا التوراةَ على موسى بعد ما أهلكنا الأممَ التي سبقتْهم من الكافرين نوراً للناس ينصرون به الحق، وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون. قراءات: قرأ ابن كثير: قال موسى، والباقون: وقال موسى بالواو. وقرأ حمزة والكسائي: ومن يكون له عاقبة الدار بالياء، والباقون: ومن تكون بالتاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: لا يَرجِعون بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: لا يُرجَعون بضم الياء وفتح الجيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {يٰهَامَانُ} {ٱلْكَاذِبِينَ} (38) - كَانَ فِرعَوْنُ يَدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ، وَقَدْ حَمَلَ قَومَهُ عَلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ مُوسَى وَهَارُونُ يَدْعُوَانِهِ إِلى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَيُحَذِّرَانِهِ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ إِنِ استَمَرَّ في كُفْرِهِ وطُغَيانِهِ، َأَخَذَ في المُكَابَرَةِ والمُعَانَدَةِ، وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ كِبَارِ رِجَالِ دَولتِهِ: إِنَّهُ لاَ يَعرفُ لقومِهِ إِلهاً غيرَهُ هُوَ. وَقَالَ لِمُوسَى فِي آيةٍ أُخْرى: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}. تفسير : ثُمَّ أَمرَ وَزيرَهُ هَامَانَ بأنْ يُوقِدَ النَّارَ لِيَشْوِيَ الطِّينَ، وَيَجْعَلَ مِنْهُ آجُرّاً لإِشَادَةِ قَصْرٍ شَامِخٍ لَهُ (صَرْحاً)، يَصْعَدُ إِليهِ فِرْعَونُ لِيَرى إِلهَ مُوسَى. ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ يَعْتَقِد أَنَّ موسَى مِنَ الكَاذِبينَ فِيما يدَّعِيهِ مِنْ أَنَّ لهُ إلهاً فِي السَّمَاءِ يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ، وَهُوَ الذي أَرْسَلَهُ إليهِ. وَكَانَ فِرْعَونُ يَرْمِي مِنْ هذا القَوْلِ إِلى تَخفِيفِ أَثَرِ الآياتِ التي جَاءَ بِها مُوسىَ وَهَارُونُ، في نُفُوسِ رَعِيَّتِهِ. صَرْحاً - قَصْراً أَوْ بِنَاءً عَالياً مكشوفاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : خشي فرعون من كلام موسى على قومه، وتصوَّر أنه سيحدث لهم كما نقول (غسيل مخ) فأراد أن يُذكِّرهم بألوهيته، وأنه لم يتأثر بما سمع من موسى {يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..} [القصص: 38] يعني: إياكم أنْ تصدّقوا كلام موسى، فأنا إلهكم، وليس لكم إله غيري. ثم يؤكد هذه الألوهية فيقول لهامان وزيره: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ..} [القصص: 38] وفي موضع آخر قال: {أية : يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ..} تفسير : [غافر: 36-37]. وكأنه يريد أن يُرضي قومه، فها هو يريد أنْ يبحث عن الإله الذي يدَّعيه موسى، وكأنه إنْ بنى صرحا واعتلاه سيرى رب موسى، لكن هل بنى له هامان هذا الصرح؟ لم يَبْن له شيئاً، مما يدل على أن المسألة هَزْل في هَزْل، وضحك على القوم الذين استخفّهم ولعِب بعقولهم. وإلا، فما حاجتهم لحرق الطين ليصير هذه القوالب الحمراء التي نراها ونبني بها الآن وعندهم الحجارة والجرانيت التي بنَوْا بها الأهرامات وصنعوا منها التماثيل؟ وعملية حَرْق الطين تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد، إذن: المسألة كسب الوقت من الخَصْم، وتخدير الملأ من قومه. وقوله: {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ..} [القصص: 38] وقبل أنْ يصل إلى حكم فيرى إله موسى أو لا يراه، يبادر بالحكم على موسى {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [القصص: 38]؛ ليصرف ملأه عن كلام موسى.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما أتم موسى كلامه الصادر عن محض الحكمة {قَالَ فِرْعَوْنُ} مستكبراً مستحيياً عمَّن حوله من الأنام؛ لئلا ينسبوه إلى العجز والإفحام منادياً لهم على سبيل العظمة والكبرياء: {يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} يُعبد بالحق ويستحق لها {غَيْرِي} ومن أين يدَّعي هذا الكذَّاب في السماء إلهاً سواي؟! {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} أ ي: من العملة أن يتخذوا من الطين لبنها، وأوقدوه بالنار إلى أن ياصر آجراً متحجراً {فَٱجْعَل لِّي} منها {صَرْحاً} رفيعاً، وقصراً منيعاً سمكها متصلاً إلى السماء، فأستعلي عليه {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} فإن أقبل بالقتل أغلبه، وأحطه على الأرض صاغراً مهاناً {وَ} بالجملة: {إِنِّي لأَظُنُّهُ} في هذه الدعوة {مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [القصص: 38] القائلين بقولٍ لا منشأ لها في الواقع ولا أصل. قيل: بنى رصداً؛ ليطلع على نظرات الكواكب، هل يجد فيها نظراً يدل على زوال ملكه باستيلاء موسى عليه السلام. {وَ} من كمال سكرتهم وعمههم، وإمهالنا إياهم متمتعين {ٱسْتَكْبَرَ هُوَ} أي: فرعون {وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} والاستحقاق، وترقبوا في عتوهم وعنادهم إلى أن ظهروا على الله بأمثال هذه الهذيانات الباطلة {وَظَنُّوۤاْ} بالإقدام والجرأة على مثل هذه الخرافات {أَنَّهُمْ} بعد خلعهم لوازم الناسوت {إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} [القصص: 39] رجوع الأظلال إلى الأضواء المنعكسة من شمس الذات، والأمواج إلى الماء. وبعدما بالغوا في العتو والعناد، وظهروا على الأرض بأنواع الفساد {فَأَخَذْنَاهُ} أي: فرعون بمقتضى قهرنا وجلالنا {وَجُنُودَهُ} أيضاً بأنواع العذاب {فَنَبَذْنَاهُمْ} أي: طرحناهم {فِي ٱلْيَمِّ} وغطَّيناهم بالماء فأغشيناهم بها، مثل غشي وجوداتهم الباطلة بالوجود الحق الإلهي {فَٱنظُرْ} يا أكمل الرسل {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 40] ومآل أمرهم، وما يؤول إليه حالهم وشأنهم {وَ} من كمال ابتلائنا إياهم ومكرنا معهم: {جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} قدوة للضلال {يَدْعُونَ} من تبعهم ويقتفي أثرهم {إِلَى ٱلنَّارِ} أي: أسبابها وموجباتها؛ إذ مآل الكل إليها تابعاً ومتبوعاً {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} [القصص: 41] أي: لا يُدفع عنهم العذاب، ولا يُخفف عليهم بشفاعة أحد. {وَ} كيف ينصرون أولئك الضالون المضلون، مع أنَّا {أَتْبَعْنَاهُم} وألزمنا عليهم {فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} مستمرة جارية على ألسنة من على الأرض {وَيَوْمَ القِيَامَةِ} المعدة للجزاء {هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42] المطرودين المسوقين نحو جهنم صاغرين مهانين؟!.

همام الصنعاني

تفسير : 2217- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ}: [الآية: 38]، قال: بلغني أنه أول من طَبَخَ الآجُرّ.