٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَٰهُمْ } طرحناهم {فِي ٱلْيَمّ } البحر المالح فغرقوا {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ } حين صاروا إلى الهلاك.
ابن عطية
تفسير : {نبذناهم} معناه طرحناهم، ومنه نبذ النواة ومنه قول الشاعر: شعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً من نعالك باليا تفسير : وقوم فرعون وإن كانوا ساروا إلى البحر ودخلوه باختيارهم فإن ما ضمهم من القدر السابق السائق هو نبذ الله تعالى إياهم فيه، و {اليم} بحر القلزم في قول أكثر الناس، وقالت فرقة: كان غرقهم في نيل مصر والأول أشهر، وقوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون} عبارة عن حالهم وأفعالهم وخاتمتهم، أي هم بذلك كالداعين إلى النار وهم فيه أئمة من حيث اشتهروا وبقي حديثهم، فهم قدوة لكل كافر وعات إلى يوم القيامة، و {المقبوحين} الذين يقبح كل أمرهم قولاً لهم وفعلاً بهم، قال ابن عباس: هم الذين قبحوا بسواد الوجوه وزرق العيون، {ويوم} ظرف مقدم، وقوله تعالى: {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} إخبار بأنه أنزل التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وقومه وبعد هذه الأمم التي قد تقدم ذكرها من عاد وثمود وقرية قوم لوط وغيرها، والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش بما تقدم في غيرها من الأمم، وقالت، فرقة: إن الآية مضمنة أن إنزال التوراة على موسى هو بعد أن رفع الله تعالى عذاب الأمم فلم تعذب أمة بعد نزول التوراة إلا القرية التي مسخت قردة، فيما روي، وقوله {بصائر} نصب على الحال، أي طرائق هادية، وقوله تعالى: {لعلهم يتذكرون} أي على ترجي البشر وما يعطيه تأميل من أمل الأمر، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمة بعذاب منذ أنزل إلى الأرض غير القرية التي مسخت قردة وهم الذين تعدوا في السبت، وهذا التعذيب من سبب شرع موسى فكأنه لا ينقص فضيلة التوراة برفع العذاب عن الأرض.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْيَمِّ} بحر يقال له أساف من وراء مصر غرقوا فيه.
البقاعي
تفسير : ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال: {فأخذناه} أي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة {وجنوده} أي كلهم، وذلك علينا هين، وأشار إلى احتقارهم بقوله: {فنبذناهم} أي على صغرهم وعظمتنا {في اليم} فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر، فغابوا في الحال، وما آبوا ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال. ولما سببت هذه الآية من العلوم، ما لا يحيط به الفهوم، قال: {فانظر} أي أيها المتعرف للآيات الناظر فيها نظر الاعتبار؛ وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له أن يسأل عنه فقال: {كيف كان} أي كوناً هو الكون {عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين*} وإن زاد ظلمهم، وأعيى أمرهم، ذهبوا في طرفة عين، كأن لم يكونوا، وغابوا عن العيون كأنهم قط لم يبينوا، وسكتوا بعد ذلك الأمر والنهي فصاروا بحيث لم يبينوا، فليحذر هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ظلمهم أن ينقطعوا ويبينوا، وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم يكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق، ورابطه حتى يحكم الله وهو خير الحالكمين. ولما كان "حديث : من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" تفسير : وكانوا أول من أصر وأطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات، وإخفاء الدلالات النيرات، على تواليها وكثرتها، وطول زمانها وعظمتها وكانت منابذة العقل واتباع الضلال في غاية الاستبعاد، لا سيما إن كانت ضامنة للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال تعالى في مظهر العظمة: {وجعلناهم} أي في الدنيا {أئمة} أي متبوعين في رد ما لا يرده عاقل من هذه الآيات، أي جعلنا أمرهم شهيراً حتى لا يكاد أحد يجهله، فكل من فعل مثل أفعالهم من رد الحق والتجبر على الخلق، فكأنه قد اختار الاقتداء بهم وإن لم يكن قاصداً ذلك، فأطلق ذلك عليه رفعاً له عن النسبة إلى أنه يعمل ما يلزمه الاتسام به وهو عاقل عنه كما أنه لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل، وأحق الناس باتباعهم في باطن اعتقادهم وظاهر اصطناعهم، وخيبة آمالهم وأطماعهم أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد أهلك الله أنصارهم. وعجل دمارهم، وكشف هذا المعنى بقوله: {يدعون} أي يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم، فضل ضلالهم {إلى النار} أي وجعلنا لهم أعواناً ينصرونهم عكس ما أردنا لبني إسرائيل - كما سلف أول السورة - وجعلناهم موروثين. ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة، وكان قد أخبر عن خذلانهم في الدنيا، قال: {ويوم القيامة} أي الذي هو يوم التغابن {لا ينصرون*} أي لا يكون لهم نوع نصرة أصلاً كما كانوا يوم هلاكهم في الدنيا سواء، ولا هم أئمة ولا لهم دعوة، يخلدون في العذاب، ويكون لهم سوء المآب. ولما أخبر عن هذا الحال، أخبر عن ثمرته؛ فقال في مظهر العظمة، لأن السياق لبيان علو فرعون وآله، وأنهم مع ذلك طوع المشيئة {وأتبعناهم في هذه} ولما كان المراد الإطناب في بيان ملكهم، فسر اسم الإشارة فقال: {الدنيا} ولم يقل: الحياة، لأن السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم {لعنة} أي طرداً وبعداً عن جنابنا ودفعاً لهم بذلك ودعاء عليهم بذلك من كل من سمع خبرهم بلسانه إن خالفهم، أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن والفهم {ويوم القيامة هم} أي خاصة، ومن شاكلهم {من المقبوحين*} أي المبعدين أيضاً المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال، والشناعة في الأقوال والأفعال والأحوال، من القبح الذي هو ضد الحسن، ومن قولهم: قبحت الشيء - إذا كسرته، وقبح الله العدو: أبعده عن كل خير، فيا ليت شعري أي صراحة بعد هذا في أن فرعون عدو الله، في الآخرة كما كان عدوه في الدنيا، فلعنة الله على من يقول: إنه مات مؤمناً، وإنه لا صريح في القرآن بأنه من أهل النار، وعلى كل من يشك في كفره بعد ما ارتكبه من جلي أمره. ولما وعد سبحانه بإمامة بني إسرائيل وقص القصص حتى ختم بإمامة آل فرعون في الدعاء إلى النار إعلاماً بأن ما كانوا عليه تجب مجانبته ومنابذته ومباعدته، وكان من المعلوم أنه لا بد لكل إمامة من دعامة، تشوفت النفس إلى أساس إمامة بني إسرائيل التي يجب العكوف في ذلك الزمان عليها، والتمسك بها، والمبادرة إليها، فأخبر سبحانه عن ذلك مقسماً عليه مع الافتتاح بحرف التوقع، لأن العرب وإن كانوا مصدقين لما وقع من المنة على بني إسرائيل بإنقاذهم من يد فرعون وتمكينهم بعده، وإنزال الكتاب عليهم، فحالهم بإنكار التمكين لأهل الإسلام والتكذيب بكتابهم حال المكذب بأمر بني إسرائيل، لأنه لا فرق بين نبي ونبي، وكتاب وكتاب، وناس وناس، لأن رب الكل واحد، فقال: {ولقد آتينا} أي بما لنا من الجلال والجمال والمجد والكمال {موسى الكتاب} أي التوراة الجامعة للهدى والخير في الدارين؛ قال أبو حيان: وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض والأحكام. ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمان الآتي، أدخل الجار فقال: {من بعد ما} إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان، ثم ينسخها سبحانه بما يشاء من أمره {أهلكنا} أي بعظمتنا {القرون الأولى} أي من قوم نوح إلى قوم فرعون، ووقتها بالهلاك إشارة إلى أنه لا يعم أمة من الأمم بالهلاك بعد إنزالها تشريفاً لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه؛ ثم ذكر حالها بقوله: {بصائر} جمع بصيرة، وهي نور القلب، مصابيح وأنواراً {للناس} أي يبصرون بها ما يعقل من أمر معاشهم ومعادهم، وأولاهم وأخراهم، كما أن نور العين يبصر به ما يحسن من أمور الدنيا. ولما كان المستبصر قد لا يهتدي لمانع قال: {وهدى} أي للعامل بها إلى كل خير. ولما كان المهتدي ربما حمل على من توصل إلى غرضه، وكان ضاراً، قال: {ورحمة} أي نعمة هنية شريفة، لأنها قائدة إليها. ولما ذكر حالها، ذكر حالهم بعد إنزالها فقال: {لعلهم يتذكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى تذكره، وهذا إشارة إلى أنه ليس في الشرائع ما يخرج عن العقل بل متى تأمله الإنسان تذكر به من عقله ما يرشد إلى مثله.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فنبذناهم في اليم} قال: في البحر. بحر يقال له ساف من وراء مصر غرقهم الله فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} قال: جعلهم الله أئمة يدعون إلى المعاصي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} لعنة أخرى، ثم استقبل فقال {هم من المقبوحين} . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} قال: لعنوا في الدنيا والآخرة هو كقوله {وأتبعناهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة}.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاخذناه وجنوده} عقيب مابلغوا من الكفر والعتو اقصى الغايات {فنبذناهم} طرحناهم. قال الراغب النبذ القاء الشىء وطرحه لقلة الاعتداد به {فى اليم} بحر القلزم اى عاقبناهم بالاغراق وفيه تعظيم شأن الآخذ وتحقير شأن المأخوذ حيث انهم مع كثرتهم كحصيات تؤخذ بالكف وتطرح فى البحر {فانظر} يامحمد بعين قلبك {كيف كان عاقبة الظالمين} وحذر قومك من مثلها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: { فأخذناه}؛ فأخذنا فرعون {وجنودَه فنبذناهم}؛ طرحناهم {في اليمِّ}؛ في بحر القلزم، كما بيَّناه غير مرة. وفي الكلام فخامة تدل على عظمة شأن الأخذ، شبههم؛ استحقاراً لحالهم، واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الجم الغفير؛ بحصيات أخذهن آخذ بكفه، فطرحهن في البحر. {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبةُ الظالمين}، وحذّر قومك أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فإنهم ظالمون، حيث كفروا وأشركوا، وتَحَقَّقُ أنك منصور عليهم، كما نُصِرَ موسى على فرعون. {وجعلناهم أئمة}؛ قادة {يدعون إلى النارِ}، أي: إلى عمل أهل النار؛ من الكفر, والمعاصي، قال ابن عطاء: نزع عن أسرارهم التوفيق، وأنوار التحقيق، فهم في ظلمات أنفسهم، لا يدلون على سبيل الرشاد. وفيه دلالة على خلق أفعال العباد.هـ. {ويومَ القيامة لا يُنصرون} بدفع العذاب عنهم، كما يتناصرون اليوم، في دفع الظلم عنهم، {وأتْبعناهم في هذه الدنيا لعنةً}؛ ألزمناهم طرداً وإبعاداً عن الرحمة. وقيل: هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بَعْدَهُمْ. {وَيومَ القيامة هم من المقبُوحين}؛ المطرودين المعذبين، أو المهلَكِين المشوهين؛ بسواد الوجوه وزرقة العيون. و {يوم}: ظرف للمقبوحين. والله تعالى أعلم. الإشارة: عَاقِبَةُ منْ تكبر في دار العبودية: الذل والهوان، وعاقبة من تواضع، وذَل فيها: العز والأمان، وعاقبة من كان إماماً في المساوئ والعيوب: البُعد والحجاب، ومن كان إماماً في محاسن الخلال وكشف الغيوب: العزُّ والاقتراب. قال القشيري على قوله: {وجعلناهم أئمة} إلخ: كانوا في الدنيا مُبْعَدِين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، فانقلبوا من طَرْدٍ إلى طَرْدٍ، ومن هجرٍ إلى بُعْدٍ، ومن فراقٍ إلى احتراق. هـ. ولما أغرقَ أهل الظلم والعناد، أنزل الهداية على أهل العناية والوداد.
الجنابذي
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} كما مرّ تفصيله وفيه تحقير لهم وتفخيم لشأن الآخذ لانّ الله تعالى جعلهم مع كثرتهم مثل شيء يؤخذ بالكفّ وينبذ وجعل اخذ الآخذ فى السّعة والعظمة بالنّسبة الى كثرة جنوده مثل اخذ ما يؤخذ بكفٍّ {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} تعريض بالامّة وظالميهم.
اطفيش
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ} طرحناهم. {فِي اليَمِ} البحر وهو القلزم عند الجمهور وهو المشهور وقيل النيل والفاء الأولى لمجرد السببية لا ترتيب فيها وفي التعبير بالأخذ والنبذ تعظيم لشأنه سبحانه وتحقير لهم كأنهم حصياة أخذها أحد في كفه وطرحها في البحر. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} يا محمد وحذر قومك ان يصيبهم مثل ما اصاب هؤلاء.
اطفيش
تفسير : {فأخذْنه وجُنُوده} للاستكبار والظن {فنبذناهم} طرحناهم {فى اليمِّ} فى البحر، شبه خلقه فى أنفسهم أن يتبعوا موسى وقومه ليهلكوهم بالتسيير الى البحر، ولما دخلوا وراءهم أطلق عليهم الماء المتماسك، فشبه ذلك الإطلاق بالنبذ فى البحر، لجامع الإهلاك، وإن شئت فقل شبههم بالشىء الحقير المستحق للنبذ كالزبلة التى لا تنفع، وكالكناسة، فاستعار لهم اسمه، ورمز إليه بملائمة وهو النبذ، على أنه حقيقة، والاستعارة التخييلية فى إثباته للمشبه المستعار له، أو الكلام استعارة تمثيلية، شبه تسييرهم وإغراقهم بأخذ شىء وطرحه والأرض جميعا قبضته إلخ. {فانظر} اعتبر يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} بتكذيب نبيهم فاقصصها لقومك المكذبين لك منذراً لهم.
الالوسي
تفسير : {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ } أي ألقيناهم وأغرقناهم فيه، وقد مر تفصيل ذلك، وفي التعبير بالنبذ وهو إلقاء الشيء الحقير وطرحه لقلة الاعتداد به ولذلك قال الشاعر:شعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً من نعالك باليا تفسير : استحقار لهم، وفي الكلام على ما قيل استعارة مكنية وتخييلية وذلك أنهم شبهوا في الحقارة بنعال بالية واستعير لهم اسم النعال ثم حذف المستعار وبقي المستعار له وجعل النبذ قرينة على أنه حقيقة والمجاز في التعلق على نحو ما قيل في أظفار المنية نشبت بفلان، وقال بعضهم: الأخذ وهو حقيقة في التناول مجاز عن خلق الداعية لهم إلى السير إلى البحر، والنبذ مجاز عن خلق الداعية لهم إلى دخوله، وفي «البحر» أنه كناية عن إدخالهم فيه والأولى أن يكون الكلام من باب التمثيل كأنه عز وجل فيما فعل بهم أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، والظاهر أن الفاء الأولى سببية وليست لمجرد التعقيب وأما الثانية فللتعقيب إذا أبقي الأخذ على معنى التناول أو أريد به خلق الداعية إلى السير أو نحوه أما إذا أريد به الإهلاك فهي للتفسير كما في {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 76] ونحوه {فَٱنظُرْ } يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وبينها للناس ليتعبروا بها.
ابن عاشور
تفسير : أي ظنوا أنهم لا يرجعون إلينا فعجلنا بهلاكهم فإن ذلك من الرجوع إلى الله لأنه رجوع إلى حكمه وعقابه، ويعقبه رجوع أرواحهم إلى عقابه، فلهذا فرع على ظنهم ذلك الإعلام بأنه أخذ وجنوده. وجعل هذا التفريع كالاعتراض بين حكاية أحوالهم. وجعل في «الكشاف» هذا من الكلام الفخم لدلالته على عظمة شأن الله إذ كان قوله {فنبذناهم في اليم} يتضمن استعارة مكنية: شبه هو وجنوده بحصيات أخذهن في كفه فطرحهن في البحر. وإذا حمل الأخذ على حقيقته كان فيه استعارة مكنية أيضاً لأنه يستتبع تشبيهاً بقبضة تؤخذ باليد كقوله تعالى {أية : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}تفسير : [ الحاقة: 14] وقوله {أية : والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة}تفسير : [ الزمر: 67]. ويجوز أن يجعل جميع ذلك استعارة تمثيلية كما لا يخفى. وقوله {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} اعتبار بسوء عاقبتهم لأجل ظلمهم أنفسهم بالكفر وظلمهم الرسول بالاستكبار عن سماع دعوته. وهذا موضع العبرة من سوق هذه القصة ليعتبر بها المشركون فيقيسوا حال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بحال دعوة موسى عليه السلام ويقيسوا حالهم بحال فرعون وقومه، فيوقنوا بأن ما أصاب فرعون وقومه من عقاب سيصيبهم لا محالة. وهذا من جملة محل العبرة بهذا الجزء من القصة ابتداء من قوله تعالى {أية : فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات}تفسير : [ القصص: 36] ليعتبر الناس بأن شأن أهل الضلالة واحد فإنهم يتلقون دعاة الخير بالإعراض والاستكبار واختلاق المعاذير فكما قال فرعون وقومه {أية : ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [ القصص: 36] قالت قريش {أية : بل افتراه بل هو شاعر}تفسير : [الأنبياء: 5]، وقالوا {أية : ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة}تفسير : [ ص: 7] أي التي أدركناها. وكما طمع فرعون أن يبلغ إلى الله استكباراً منه في الأرض سأل المشركون {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً}تفسير : [ الفرقان: 21] وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله كما ظن أولئك فيوشك أن يصيبهم من الاستئصال ما أصاب أولئك.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُ} {فَنَبَذْنَاهُمْ} {عَاقِبَةُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (40) - فَجَمَعَ اللهُ تَعَالَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، وأَغْرَقَهُمْ في البَحْرِ في صَبِيحَةِ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً. فَانظُرْ أَيُّها المُعْتَبِرُ بالآيَاتِ، كَيفَ كَانَ أَمرُ هؤلاءِ الذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَهذِهِ هِيَ عَاقِبَةُ الكُفرِ والبَغْيِ والظُّلْمِ. فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ - ألقَيْنَاهُمْ وأَغْرَقْنَاهُمْ في البَحْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق سبحانه لم يُمهلهم إلى أن يعودوا إليه يوم القيامة، إنما عاجلهم بالعذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ..} [القصص: 40] أي: جميعاً في قبضة واحدة، التابع والمتبوع {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ ..} [القصص: 40] ألقينا بهم في البحر، وهذا الأخذ الذي يشمل الجميع في قبضة واحدة يدلُّ على قدرة الآخذ، وهذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله القوي العزيز. كما قال سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102]. ولم يُوصَف أخْذ الإنسان بالقوة إلا في قوله تعالى يحثُّنا على أنْ نأخذ مناهج الخير بقوة: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ..} تفسير : [البقرة: 93]. ثم يقول سبحانه: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 40] أي: نهايتهم وقد جاءت عجيبة من عجائب الزمن وآية من آيات الله، فالبحر والماء جُنْد من جنود الله، تنصر الحق وتهزم الباطل، وقد ذكرنا كيف أنجى الله موسى - عليه السلام - وأهلك فرعون بالشيء الواحد حين أمر الله موسى أنْ يضرب بعصاه البحر، فصار كل فِرْق كالطود العظيم. فلما أنْ جازه موسى وقومه إلى الناحية الأخرى أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى؛ ليعود الماء إلى سيولته واستطراقه فيصُحِّح الله له ويأمره أنْ يدَعَهُ على حاله، فالحق - تبارك - وتعالى - يتابع نبيه موسى خُطْوة بخطوة كما قال له: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]. وحاشا لله أن يُكلِّفه بأمر ثم يتركه، ولما رأى فرعون الطريق اليابس أمامه عبر بجنوده، فأطبقه الله عليهم، فصاروا آية وعبرة، كما قال سبحانه: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ..} تفسير : [يونس: 92]. وتأمَّلْ قدرة الله التي أنجَتْ موسى من الغرق، وقد ألقتْه أمه بيديها في الماء، وأغرقتْ فرعون.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} [القصص: 40] أي: النفس وصفاتها {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} وهو بحر الدنيا وماؤها الغفلة والشهوة، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 40]، إذا غرقوا في ماء الغفلات والشهوات كيف ادخلوا نار الحسرات والقيعان {وَجَعَلْنَاهُمْ} [القصص: 41] أي: النفوس المتمردة الفرعونية {أَئِمَّةً} [القصص: 41] أي: رؤساء وقادة يدعون بالمعاملات الطبيعة أهل الطبيعة إلى النار نار القطيعة، ويوم القيامة قيمة العشق والطلب لأربابها لا ينصرون أهل الطبيعة المتمكنة فيها المستهلكة في بحر الشهوات أي: لا ينفعهم نصره أرباب الصدق والمطلب لإفساد الاستعداد الفطري للطلب باستعماله في طلب الدنيا وزينتها وشهواتها {وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} [القصص: 42] أي: طرداً وإبعاداً بسوط مخالفات الشرع وموافقات الطبع {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ}؛ لأنهم قبحتهم معاملاتهم القبيحة كما أحسن وجوه المحسنين معاملاتهم الحسنة: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] جزاء السيئة إلا السيئة. ثم أخبر عن الرسالة أنهما موجبة للهدى من الضلالة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} [القصص: 43]، والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} [القصص: 43]. يشير إلى أن استحقاق موسى القلب مقام القرب ونزول الوحي والإلهام والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها بصائر للناس ليبصروا أن المجاهدات تورث المشاهدات وأن القلبو محجوبة عن الله بحجي النفس وصفاتها فإذا فنيت دفعت الحجب وظهرت المواصلات والمشاهدات والمكاشفات: {وَهُدًى وَرَحْمَةً} [القصص: 43] أن هذا المعنى يكون سبب خروج الناس عن الضلالة في تيه الدنيا وطلبها ويرحم الله تعالى عليهم بهذه الهداية {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أنهم كانوا في عالم الأرواح إذ لم يكونوا محتجبين بالنفس وصفاتها مستمعين بخطاب الحق تعالى مجيبين له حين قال تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، فكذلك الآن لو تخلصوا عن حجب النفس لعادوا مكالمين الحق والمخاطبين له. وبقوله {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} [القصص: 44] يُشير إلى أنك ما كنت في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح: {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} في اتخاذ عهده أن يؤمن بك ويأمر أمته بالإيمان بك والنصرة لك كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} تفسير : [آل عمران: 81]، وما كنت من الشاهدين الذين شهدوا على الميثاق في عالم الغيب من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً} [القصص: 45] في عالم الشهادة {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} محجوبين بحجب النفس وصفاتها متعينين للهوى في ارتكاب المعاصي واستيفاء الشهوات، فنسوا تلك العهود والمواثيق بقساوة القلوب جحدوا ما أقروا به. {كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} أي مقيماً بينهم كشعيب وموسى {تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص: 45] كما كان شعيب وموسى يتلوان عليهم كتبنا المنزلة إذا أخذت من شعيب وقومه ميثاقهم أن يؤمنوا بك وما كتب بعد الرسول المرسل {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} الذي أخذنا منهم ميثاقهم للإيمان بك، وما كتب بعد الرسول المرسل بك وهذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار العناية في حقه بما لم يكن مع نبي آخر، ومما كان الرسل يتلون على أممهم من آيات ربهم نعت نبينا صلى الله عليه وسلم بالثناء الجميل، وذكر الله بحسن السيرة كرامةً لهم في غيبيتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):