٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة؛ قاله قتادة. قال يحيـى بن سلاّم: هو أوّل كتاب ـ يعني التوراة ـ نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام. وقيل: الكتاب هنا ستّ من المثاني السبع التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن عباس، ورواه مرفوعاً. {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} قال أبو سعيد الخدري قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمّة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل الله التوراة على موسى غير القرية التي مسخت قردة ألم تر إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ}»تفسير : أي من بعد قوم نوح وعاد وثمود. وقيل: أي من بعد ما أغرقنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون. {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي آتيناه الكتاب بصائر. أي ليتبصروا {وَهُدًى} أي من الضلالة لمن عمل بها {وَرَحْمَةً} لمن آمن بها. {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي ليذكروا هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا، ويثقوا بثوابهم في الآخرة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} التوراة. {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} أقوام نوح وهود وصالح ولوط. {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} أنواراً لقلوبهم تتبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل. {وَهَدًىٰ} إلى الشرائع التي هي سبل الله تعالى. {وَرَحْمَةً} لأنهم لو عملوا بها نالوا رحمة الله سبحانه وتعالى. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر، وقد فسر بالإِرادة وفيه ما عرفت. {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ} يريد الوادي، أو الطور فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى، أو الجانب الغربي منه والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما كنت حاضراً. {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} إذ أوحينا إليه الأمر الذي أردنا تعريفه. {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} للوحي إليه أو على الوحي إليه، وهم السبعون المختارون الميقات، والمراد الدلالة على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإِخبار عن المغيبات التي لا تعرف إِلا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي ولكنا أوحينا إليك لأنا أنشأنا قروناً مختلفة بعد موسى فتطاولت عليهم المدد، فحرفت الأخبار وتغيرت الشرائع واندرست العلوم، فحذفت المستدرك وأقام سببه مقامه. {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} مقيماً. {فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} شعيب والمؤمنين به. {تَتْلُو عَلَيْهِمْ} تقرأ عليهم تعلماً منهم. {ءَايَـٰتِنَا} التي فيها قصتهم. {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} إياك ومخبرين لك بها. {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} لعل المراد به وقت ما أعطاه التوراة وبالأول حين ما استنبأه لأنهما المذكوران في القصد. {وَلَـٰكِنِ } علمناك. {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وقرئت بالرفع على هذه {رَحْمَةً مّن رَبِّكَ}. {لِتُنذِرَ قَوْماً} متعلق بالفعل المحذوف. {مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتعظون. {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} {لَوْلاَ} الأولى امتناعية والثانية تحضيضية واقعة في سياقها، لأنها إنما أجيبت بالفاء تشبيهاً لها بالأمر مفعول يقولوا المعطوف على تصيبهم بالفاء المعطية معنى السببيّة المنبهة على أن القول هو المقصود بأن يكون سبباً لانتفاء ما يجاب به، وأنه لا يصدر عنهم حتى تلجئهم العقوبة والجواب محذوف والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين، ما أرسلناك أي إنما أرسلناك قطعاً لعذرهم وإلزاماً للحجة عليهم. {فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ} يعني الرسول المصدق بنوع من المعجزات. {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. {فَلَمَّا جَاءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ} من الكتاب جملة واليد والعصا وغيرها اقتراحاً وتعنتاً. {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} يعني أبناء جنسهم في الرأي والمذهب وهم كفرة زمان موسى، أو كان فرعون عربياً من أولاد عاد. {قَالُواْ سَاحِران} يعني موسى وهارون، أو موسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام. {وَإِن تَظَاهَرَا } تعاوناً بإظهار تلك الخوارق أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون «سحران» بتقدير مضاف أو جعلهما سحرين مبالغة، أو إسناد تظاهرهما إلى فعلهما دلالة على سبب الإِعجاز. وقرىء ظاهراً على الإِدغام. {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَـٰفِرُونَ} أي بكل منهما أو بكل الأنبياء. {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا} مما أنزل على موسى وعلى محمد صلى الله عليه وسلم وإضمارهما لدلالة المعنى، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} إنا ساحران مختلفان، وهذا من الشروط التي يراد بها الإِلزام والتبكيت، ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم. {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} دعاءك إِلى الإِتيان بالكتاب الأهدى فحذف المفعول للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يعدى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي، فإذا عدي إليه حذف الدعا غالباً كقوله:شعر : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} استفهام بمعنى النفي. {بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ} في موضع الحال للتأكيد أو التقييد، فإن هوى النفس قد يوافق الحق. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى. {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} أتبعنا بعضه بعضاً في الإِنزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيؤمنون ويطيعون. {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وقيل في أربعين من أهل الانجيل اثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانية من الشام، والضمير في {مِن قَبْلِهِ} للقرآن كالمستكن في: {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ} أي بأنه كلام الله تعالى. {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا} استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به. {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذٍ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة وكونهم على دين الإِسلام قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة. {أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن. {بِمَا صَبَرُواْ} بصبرهم وثباتهم على الإِيمانين، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى المشركين ومن هاجرهم من أهل دينهم. {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } ويدفعون بالطاعة المعصية لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أتبع السيئة الحسنة تمحها»تفسير : {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} في سبيل الخير.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسىٰ الكليم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه. وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيةً } تفسير : [الحاقة: 9 ــــ 10] وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسىٰ، ثم قرأ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} الآية، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي بنحوه، وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان عن عوف عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفاً، ثم رواه عن نصر بن علي عن عبد الأعلى عن عوف، عن أبي نضرة عن أبي سعيد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى» تفسير : ثم قرأ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلاُْولَىٰ} الآية. وقوله: {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً} أي: من العمى والغي، وهدى إلى الحق ورحمة، أي: إرشاداً إلى العمل الصالح، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لعل الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ } قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } حال من الكتاب جمع بصيرة وهو نور القلب أي أنواراً للقلوب {وَهَدَىٰ } من الضلالة لمن عمل به {وَرَحْمَةً } لمن آمن به {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون بما فيه من المواعظ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} فيه قولان: أحدهما: أنها ست من المثاني التي التي أنزلها الله على رسوله محمد صلىالله عليه وسلم، قاله ابن عباس ورواه مرفوعاً. الثاني: أنها التوراة، قاله قتادة. قال يحيى بن سلام: هو أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام. {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} قال أبو سعيد الخدري: ما أهلك الله أمة من الأمم ولا قرناً من القرون ولا قرية من القرى بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل الله التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخهم الله قردة، ألم تر إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابِ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى}. ومعنى قوله: {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي بينات. {وَهُدًى} أي دلالة {وَرَحْمَةً} أي نعمة. {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي ليذكروا هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا ويثقوا بثوابهم في الآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكِتَابَ} ست من المثاني السبع المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، أو التوراة وهي أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام. {مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه "لم تهلك قرية ولا أمة ولا قرن بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد نزول التوراة، إلا الذين مسخوا قردة". {بَصَآئِرَ} بينات {وَهُدىً} دلالة {وَرَحْمَةً} نعمة. {يَتَذَكَّرُونَ} هذه النعم فيثبتون على إيمانهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سحران} عاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون {ساحران تظاهرا} بالتخفيف اتفاقاً {تجبى إليه} بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون على التذكير {يعقلون} بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير {ثم هو} بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون {تبرأنا} مثل {أنشأنا}. الوقوف: {يتذكرون} ه {الشاهدين} ه لا للاستدراك {العمر} ج لاختلاف الجملتين مع العطف {آياتنا} ج لما مر {مرسلين} ه {يتذكرون} ه {المؤمنين} ه {ما أوتي موسى} ط {من قبل} ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل {تظاهرا} ج للتعجب من عنادهم {كافرون} ه {صادقين} ه {أهواهم} ط {من الله} ط {الظالمين} ه {يتذكرون} ه لأن {الذين} مبتدأ {يؤمنون} ه {مسلمين} ه {ينفقون} ه {أعمالكم} ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول {عليكم} ط لذلك {الجاهلين} ه {من يشاء} ط لعطف الجملتين المتفقتين {بالمهتدين} ه {أرضنا} ط {لا يعلمون} ه {معيشتها} ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب {قليلاً} ط {الوارثين} ه {آياتنا} ج للعدول مع اتفاق الجملتين {ظالمون} ه {وزينتها} ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين {وأبقى} ط {تعقلون} ه {المحضرين} ه {تزعمون} ه {أغوينا} ج {غوينا} ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل {إليك} ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل {يعبدون} ه {العذاب} ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ {يهتدون} والوقف على {لهم} أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم {يهتدون} ه {المرسلين} ه {لا يتساءلون} ه {المفلحين} ه {ويختار} ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد {الخيرة} ه {يشركون} ه {يعلنون} ه {إلا هو} ط {والآخرة} ز لعطف الجمل {ترجعون} ه. التفسير: إنه سبحانه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا صلى الله عليه وسلم فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى. ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك فقال {وما كنت بجانب الغربي} اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء. {وما كنت من الشاهدين} على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً. قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى. ثم قال {ولكنا أنشأنا} بعد عهد موسى إلى عهدك {قروناً فتطاول عليهم العمر} فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء. وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك. ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك وهو قوله {وما كنت ثاوياً} مقيماً {في أهل مدين} وهم شعيب والمؤمنون به {تتلوا عليهم آياتنا} قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها. وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك {ولكنا كنا مرسلين} في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء. ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه. وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها} [الإعراف: 156] إلى قوله {أية : المفلحون}تفسير : [الأعراف: 157] وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني. قال: وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا رب أرنيهم. قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم. قال: بلى يا رب. فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال سبحانه: أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس. وروى سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} قال: "حديث : كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة"تفسير : . قوله {ولكن رحمة} أي ولكنا علمناك {رحمة من ربك} ثم فسر الرحمة بقوله {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة. وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة. قوله {ولولا أن تصيبهم} هي امتناعية وجوابها محذوف. والفاء في قوله {فيقولوا} للعطف على أن تصيبهم، وقوله {لولا أرسلت} هي تخصيصية. والفاء في {فنتبع} جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل. والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم. والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر. قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم. قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت. وقال الكعبي: فيه دليل على أنه تعالى يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى. وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا. ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة. ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال {فلما جاءهم الحق} اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز {قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله {أولم يكفروا} وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال تعالى: {أولم يكفروا} هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة. والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت. وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله تعالى في حقهم {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل}. وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا. وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليه السلام فـ {قالوا ساحران} والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات. ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتي موسى} بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟ فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت. من قرأ {ساحران} بالألف فظاهر، وأما من قرأ {سحران} فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة. وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب. وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار. وفي تكرار {قالوا} وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة {وقالوا إنا بكل} من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين {كافرون} مرة. وثانيهما أن يكون قوله {وقالوا} معطوفاً على {أولم يكفروا} ثم عجزهم بقوله {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ. قال ابن عباس {فإِن لم يستجيبوا لك} معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج. وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما. وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا. ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم. وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله {فأتوا} أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى. وفي قوله {ومن أضل ممن اتبع هواه} حال كونه {بغير هدى من الله} إشارة إلى فساد طريقة التقليد. استدلت الأشاعرة بقوله {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمن. وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى} تفسير : [محمد: 17] والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم. ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله {ولقد وصلنا} أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة. ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا. ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى. وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} أي من قبل القرآن {هم به يؤمنون} قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام. وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام. وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم. والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله {إنه الحق من ربنا} تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به. وقوله {إنا كنا من قبله مسلمين} بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى {من قبله} أي من قبل وجوده ونزوله. وفي قوله {يؤتون أجرهم مرتين} أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك. {ويدرؤن بالحسنة} وهي الطاعة {السيئة} وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى. يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه. وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم. مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع. وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله {وإذا سمعوا اللغو} وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك {أعرضوا عنه وقالوا} لأهل ذلك اللغو {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم} سلام توديع ومتاركة {لا نبتغي الجاهلين} لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ. ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله. قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله. قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت. وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى {أية : وهم ينهون وينأون عنه}تفسير : [الأنعام: 26]. واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله {أية : وانك لتهدي إلى صراط مستقيم} تفسير : [الشورى: 52] لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم. وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله سبحانه حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم {قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله سبحانه عن شبهتهم بقوله {أولم نمكن لهم حرماً آمناً} يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله {أية : ومن دخله كان آمناً} تفسير : [آل عمران: 97] وبين مزيته بقوله {يجبى إليه ثمرات كل شيء} قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر. قلت: يحتمل أن يكون على أصله. وانتصب {رزقاً} على أنه مصدر لأن {يجبى} بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله. وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة. وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى. ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه تعالى احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله تعالى. وفي الآية دلالة على صحة المحاجة. لإزالة شبهة المبطلين. قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله. ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله. ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد. وانتصب {معيشتها} بنزع الخافض كقوله {أية : واختار موسى قومه}تفسير : [الأعراف: 155] أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه. ومعنى {إلا قليلاً} قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة. ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً. {وكنا نحن الوارثين} كقوله {أية : ولله ميراث السموات والأرض} تفسير : [آل عمران: 180] لأنه الباقي بعد فناء خلقه. ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟ فقال {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها {رسولاً يتلو عليهم آياتنا} بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة. قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن. ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا. فبين تعالى بقوله {وما أوتيتم من شيء} الآية. أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم. ونبه على جهلهم بقوله {أفلا تعقلون} ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير. نظير الاية قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"تفسير : . قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى {أية : فما أوتيتم}تفسير : [الآية: 36] بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف. وإنما زاد في هذه السورة {وزينتها}. لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة. وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة. ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله {افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه} لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة. وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟ ومعنى "ثم" في قوله {ثم هو يوم القيامة} تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته. وتخصيص لفظ {المحضرين} بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن. قال الله تعالى {أية : لكنت من المحضرين}تفسير : [الصافات: 57] {أية : فإنهم لمحضرون} تفسير : [الصافات: 127]ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة. قيل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل. وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة. ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً {ويوم يناديهم} أي فاذكر ذلك اليوم. ومعنى الاستفهام في {أين} التوبيخ والتهكم. ومفعولا {تزعمون} محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي. {قال الذين حق عليهم القول} أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر. و{هؤلاء} مبتدأ و{الذين أغوينا} صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر {أغويناهم} والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا. قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا. وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان {أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}تفسير : [إبراهيم: 22] ثم قالوا {تبرأنا إليك} منهم ومن عقائدهم وأعمالهم {ما كانوا إيانا يعبدون} إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة. وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى. وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: {وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف. فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه. وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب. وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين. ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. ومعنى {عميت عليهم الأنباء} أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال سبحانه {أية : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا}تفسير : [المائدة: 109] فما ظنك بضلال أممهم؟! قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله تعالى وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك. وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً. وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي. والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت. وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً. ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت. وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين. و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب. ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] فأجاب الله تعالى عنها بقوله {وربك يخلق ما يشاء ويختار} لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء. وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير. وقوله {ما كان لهم الخيرة} بيان لقوله {ويختار} والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه". وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على {ما يشاء} ثم يقول {ويختار ما كان لهم الخيرة} قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله. فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة. ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟ قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر. ثم نزه نفسه بقوله {سبحان الله وتعالى عما يشركون} والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة. ثم اكد ذلك بقوله {وربك يعلم ما تكن صدورهم} من عداوة نبيه {وما يعلنون} من مطاوعتهم فيه. ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية. و{لا إله إلا هو} تقرير لما قبله {له الحمد في} الدار {الأولى} على نعمه الفائضة على البر والفاجر {و} في الدار {الآخرة} كقولهم {أية : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} تفسير : [فاطر: 34] {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : [يونس: 10] والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف. قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم. والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس. قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر. وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب. ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف. ثم بين بقوله {وله الحكم} أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه. التأويل: {ولقد آتينا موسى} القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها {لعلهم يتذكرون} إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] {وما كنت} في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح {إذ قضينا إلى موسى} أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} تفسير : [آل عمران: 81] وما كنت في عالم الشهادة {ولكنا أنشأنا قروناً} في عالم الشهادة {فتطاول عليهم العمر} فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق {وما كنت} مقيماً {في أهل مدين} كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك {ولكنا كنا مرسلين} للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة {فلما جاءهم الحق} يعني محمداً. وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة {لولا أوتي مثل ما أوتي} لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت {بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} {الذين آتيناهم} حقيقة {الكتاب} في عالم الأرواح {من قبل} نزوله في عالم الأشباح {هم به يؤمنون} في عالم الصورة ولهذا قالوا {إنا كنا من قبله مسلمين} ولذلك قال {يؤتون أجرهم مرتين} أي في العالمين {بما صبروا} على مخالفات الهوى وموافقات الشرع {ويدرؤن} بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي {ومما رزقناهم} من الوجود المجازي {ينفقون} في طلب الوجود الحقيقي: {وإذا سمعوا اللغو} وهو طلب ماسوى الله {أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا} في طلب الوجود الحقيقي {ولكم أعمالكم} في طلب الفاني {إنك لا تهدي من أحببت} وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال {أية : أم على قلوب أقفالها} تفسير : [محمد: 24] وقال: {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}تفسير : [الفتح: 1] {وهو أعلم بالمهتدين} الذين اصابهم رشاش النور {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف} بجذبات الألوهية من ارض الأنانية {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً} في مقام الهوية {يجبى إليه ثمرات} حقائق {كل شيء رزقاً} من العلوم اللدنية {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ذوق العلم اللدني {لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها {إلا قليلاً} من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين {وكنا نحن الوارثين} بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد {حتى يبعث في أمها} اي روحها لأن القلب من متولدات الروح {رسولاً} من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" {أغويناهم كما غوينا} راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس {أية : فبما أغويتني}تفسير : [الأعراف: 16] أي {أغويناهم} بتقديريك {كما أغوينا} بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة {ورأوا العذاب} يعني {لو كانوا يهتدون} لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
السيوطي
تفسير : أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمة، ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة. ألم تر إلى قوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سعيد موقوفاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {بصائر للناس} قال: بَيِّنَةٌ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: البصائر، الهدى. بصائر ما في قلوبهم لذنوبهم.
القشيري
تفسير : إنما تطيب المنازلُ إذا خَلَتْ من الأجانب، وأطيبُ المساكنِ ما كانت زينتُها بِفَقْدِ الرُّقباءِ وغَيْبَتِهم، فلمّا أهلك اللَّهُ فرعونَ وقومَه، وأورث بني إسرائيلَ أموالَهم وديارَهم، ومحا عن جميعِها آثارَهم - طابَ لهم العيشُ وطَلَعَتْ عليهم شموسُ السعادة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب} اى التوراة {من بعد مااهلكنا القرون الاولى} جمع قرن وهو القو م المقترنون فى زمان واحد اى من بعد ما اهلكنا فى الدنيا بالعذاب اقوام نوح وهود وصالح ولوط اى على حين حاجة اليها. قال الراغب الهلاك بمعنى الموت لم يذكره الله حيث يفقد الذم الا فى قوله {أية : ان امرؤ هلك}تفسير : وقوله {أية : وما يهلكنا الا الدهر}تفسير : وقوله {أية : حتى اذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا}تفسير : {بصائر للناس} حال من الكتاب على انه نفس البصائر وكذا مابعده. والبصائر جمع بصيرة وهى نور القلب الذى به يستبصر كما ان البصر نو العين الذى به تبصر. والمعنى حال كون ذلك الكتاب انوار القلوب بنى اسرائيل تبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عمياء عن الفهم والادراك بالكلية {وهدى} اى هداية الى الشرائع والاحكام التى هى سبيل الله. قال فى انسان العيون التوراة اول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع بخلاف ماقبله من الكتب فانها لم تشمتل على ذلك وانما كانت مشتملة على الايمان بالله وحده وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز {ورحمة} حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى {لعلهم يتذكرون} ليكونوا على حال يرجى منهم التذكير بما فيه من المواعظ: وبالفارسية [شايدكه ايشان بند بذيرند] وفى الحديث "حديث : مااهلك الله قرنا ولا امة ولااهل قرية بعذاب من السماء منذ انزل التوارة على وجه الارض غير اهل القرية الذين مسخوا قردة ألم تر ان الله تعالى قال ولقد آتينا"تفسير : الآية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا موسى الكتاب}: التوراة {من بعدما أهلكنا القرونَ الأولى}؛ قوم نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام -، حال كون الكتاب {بصائرَ للناس}؛ أنواراً لقلوبهم، يتبصرون الحقائق، ويُميزون بين الحق والباطل. فالبصيرة: عين القلب، الذي يبصر بها الحق، ويهتدي إلى الرشد والسعادة. كما أن البصر عين الرأس التي يُبصر بها الحسيات، أي: آتيناه التوراة، أنواراً للقلوب التي كانت عمياً لا تستبصر ولا تعرف حقاً من باطل، {وهدىً}؛ وإرشاداً إلى الشرائع؛ لأنهم كانوا يخبطون في الضلال. {ورحمةً} لمن اتبعها؛ لأنهم، إذا عملوا بها، وصلوا إلى نيل الرحمة، {لعلهم يتذكرون}، أي: ليكونوا على حال يُرجَى منهم التذكر والاتعاظ. وبالله التوفيق. الإشارة: إنما تطيب المنازل؛ إذا خلت من الأجانب والأراذل. وأطيب عيش الأحباب؛ إذا غابت عنهم الرقباء وأهل العتاب، فلما أهلك الله فرعونَ وجنوده وأورث بني إسرائيل ديارهم، ومحى عن جميعها آثارهم، طاب عيشهم، وظهرت سعادتهم، وتمكنوا من إقامة الدين. وكذلك أهل التوجه إلى يوم الدين. ثم ذكر دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم بعد ذكر قصة موسى لاشتراكهما في شدة المعالجة، فقال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} النّبوّة والرّسالة واحكامهما او التّوراة {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} مثل قوم نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وابراهيم وشعيب (ع) او المراد بالقرون قوم فرعون فانّهم كانوا امماً عديدةً اهلكوا بالغرق {بَصَآئِرَ} جمع البصيرة بمعنى الحجّة فانّها ما به يبصر القلب، وبصائر حال او بدل من الكتاب {لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} نسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: حديث : ما اهلك الله قوماً ولا قرناً ولا امّة ولا اهل قرية بعذاب من السّماء منذ انزل التّوراة على وجه الارض غير اهل القرية الّتى مسخوا قردة تفسير : الم تر انّ الله تعالى قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} (الآية).
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} يعني التوراة {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكروا. فكانت التوراة أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام. قوله: {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى} أي: قرناً بعد قرن، كقوله: على مقرأ هذا الحرف: (أية : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) تفسير : [هود: 102]. قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ} [أي: غربي] الجبل {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} أي: الرسالة. {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: لم تكن شاهداً يومئذ لذلك. قال: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ} كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة. وبعضهم يقول: ستمائة سنة. {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} أي: ساكناً {فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا} [قال بعضهم: أي: لم تكن يا محمد مقيماً بمدين فتعلم كيف كان أمرهم فتخبر أهل مكة بشأنهم وأمرهم]. {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}. كقوله: (أية : أَمْراً مِّن عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) تفسير : [الدخان: 5]. قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أي: نودي: يا أمة محمد، أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني. قال: {وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكروا. قوله: {وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} يعني المشركين {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم} أي: بالذي هم عليه من الشرك. والمصيبة في هذا الموضع العذاب. يقول: ولو عذّبناهم لاحتجّوا وقالوا: {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}. فقطع الله عذرهم بمحمد فكذَّبوه.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} التوراة. {مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى} قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} بصائر حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي أنوار القلوب الناس يميزون بها الحق. {وَهُدىً} عن الضلالة. {وَرَحْمَةً} لمن آمن به وهو الذي يكون له رحمة وأما غيره فلا ينتفع به أو أراد انه في نفسه رحمة ينتفع بها من وفقه الله ويتجنبها من خذله. {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتعضون بما فيه والترجي مصروف الى موسى أي ليكونوا على حال يرجؤ منهم التذكر قال جار الله أو المعنى ارادة أن يتذكروا فشبه الارادة بالترجي فاستعير لها بتصرف ويرده أن الله سبحانه اذا اراد شيئا فلا بد أن يقع فلو أراد تذكر الناس جميعا لتذكروا كذا فهمت من كلام القاضي ويجاب بأن الارادة هنا بمعنى حب الشيء والله أحب الطاعة من كل أحد وأمر بها ومعنى حبه إياها انه ألزمهم إياها وانه جعلها هي الصواب والحكمة ويجوز ابقاء الارادة على ظاهرها فالمراد ارادة تذكر من سبق في علمه انه يتذكر.
اطفيش
تفسير : {ولقَد آتينا موسى الكتاب} التوراة وهو أول كتاب فصلت فيه الأحكام وما قبلها مواعظ، ويأتى الملك بالأحكام {من بَعْد ما أهْلكنا} من بعد إهلاكنا {القُرون الأولى} قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط أى كما أنزلنا التوراة بعد جهل الناس وهلاكهم، ننزل القرآن عليك يا محمد لجهل أهل زمانك، ومن قبلهم، وفيه أخبارهم، وقد حرفوا التوراة، أو القرون الأولى من لم يؤمن بموسى، والثانية من آمن به، ويقال القرون الأولى الأمم قبله، وفرعون وجنوده. {بصائر} حال أو ذوى بصائر {للنَّاس} أنوارا لقلوب الناس كنور العين، والناس أمته، وقيل أمته ومن بعدهم الى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم، باعتبار من ينقلها بلا تغيير كعبد الله بن سلام رضى الله عنه، ومن بعد ذلك ككعب الأحبار، واجتمع لنا القرآن والتوراة، وباعتبار نقلها بلا تغيير، جاء قوله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها} ففيها ما لم يغير مما يكون حجة على اليهود، وباعتبار ما غير منها وما لم يؤمن عليه التغيير، جاء نهيه صلى الله عليه وسلم عمر عن جوامع يريد قراءتها من التوراة، حتى عرق جبينه وقال: لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى، فرمى بها عمر، وينضم بذلك أن الناس حديثو عهد بكفر وأن الرجوع إليها يجسر المشركين. {وهُدًى} إرشاداً أو استخراجاً منهم بها لما لم يظهر {ورحمةً} لكل أحد إلا من أبى {لعلَّهم يتذكَّرون} كى يتذكروا، ولعل فى القرآن للتعليل إلا "أية : لعلكم تخلدون"تفسير : [الشعراء: 129] أو للترجية أو التمثيل أو لتشبيه الإرادة التى من الله التى بمعنى الأمر، لا إرادته الأزلية بالترجى.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة وهو على ما قال أبو حيان أول كتاب فصلت فيه الأحكام {مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ } أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها تمهيداً لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع وانطماس آثارها المؤديين إلى اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم المستدعيين للتشريع الجديد بتقرير الأصول الباقية على ممر الدهور وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة للاعتبار، ومن غفل عن هذا قال: الأولى أن تفسر القرون الأولى بمن لم يؤمن بموسى عليه السلام ويقابلها الثانية وهي من آمن به عليه السلام، وقيل: المراد بها ما يعم من لم يؤمن بموسى من فرعون وجنوده والأمم المهلكة من قبل، وليس بذاك، و(ما) مصدرية أي آتيناه ذلك بعد إهلاكنا القرون الأولى {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي أنواراً لقلوبهم تبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عمياً عن الفهم والإدراك بالكلية فإن البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي به تبصر ويطلق على نفس العين ويجمع على أبصار والأول يجمع على بصائر، والمراد بالناس قيل أمّته عليه السلام، وقيل: ما يعمهم ومن بعدهم. وكون التوراة بصائر لمن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم لتضمنها ما يرشدهم إلى حقية بعثته عليه الصلاة والسلام، أو يزيدهم علماً إلى علمهم. وتعقب بأنه يلزم على هذا الحض على مطالعة التوراة والعلم بما فيها، وقد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد علماً إلى علمه فغضب صلى الله عليه وسلم حتى عرف في وجهه ثم قال: «حديث : لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» تفسير : فرمى بها عمر رضي الله تعالى عنه من يده وندم على ذلك. وأجيب بأن غضبه صلى الله عليه وسلم من ذلك لما أن التوراة التي بأيدي اليهود إذ ذاك كانت محرفة وفيها الزيادة والنقص وليست عين التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام وكان الناس حديثي عهد بكفر فلو فتح باب المراجعة إلى التوراة ومطالعتها في ذلك الزمان لأدى إلى فساد عظيم فالنهي عن قراءتها حيث الإسلام حديث والخروج عن الكفر جديد، لا يدل على أنها ليست في نفسها بصائر مشتملة على ما يرشد إلى حقية بعثته / صلى الله عليه وسلم ويزيد علماً بصحة ما جاء به. ومما يدل على حل الرجوع إليها في الجملة قوله تعالى: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [آل عمران: 93] وقد كان المؤمنون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ينقلون منها ما ينقلون من الأخبار ولم ينكر ذلك ولا سماعه أحد من أساطين الإسلام ولا فرق بين سماع ما ينقلونه منهم وبين قراءته فيها وأخذه منها وقد رجع إليها غير واحد من العلماء في إلزام اليهود والاحتجاج عليهم ببعض عباراتها في إثبات حقية بعثته صلى الله عليه وسلم، والذي أميل إليه كون المراد بالناس بني إسرائيل فإنه الذي يقتضيه المقام. وأما مطالعة التوراة فالبحث فيها طويل، وفي «تحفة المحتاج» للمولى العلامة ابن حجر عليه الرحمة: يحرم على غير عالم متبحر مطالعة نحو توراة علم تبدلها أوشك فيه وهو أقرب إلى التحقيق ومن سبر التوراة التي بأيدي اليهود اليوم رأى أكثرها مبدلاً لا توافق بينه وبين ما في القرآن العظيم أصلاً وهو المعول عليه. {وَهُدَىٰ } أي إلى الشرائع التي هي الطرق الموصلة إلى الله عز وجل {وَرَحْمَةً } حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى بمقتضى وعده سبحانه فعموم رحمته بهذا المعنى لا ينافي أن من الناس من هو كافر بها وهو غير مرحوم، وانتصاب المتعاطفات على الحالية من (الكتاب) على أنه نفس البصائر والهدى والرحمة أو على حذف المضاف أي ذا بصائر الخ، وجوز أبو البقاء انتصابها على العلة أي آتيناه الكتاب لبصائر وهدى ورحمة {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي كي يتذكروا بناء على أن لعل للتعليل؛ فقد أخرج ابن أبـي حاتم من طريق السدي عن أبـي مالك قال لعل في القرآن بمعنى كي غير آية في الشعراء [129] {أية : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ }تفسير : وحكى الواقدي عن البغويّ أنه قال جميع ما في القرآن من لعل للتعليل إلا {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } فإنها فيه للتشبيه، والمشهور أنها للترجي. ولما كان محالاً عليه عز وجل جعل بعضهم الكلام من باب التمثيل والمراد آتيناه ذلك ليكونوا على حالة قابلة للتذكر كحال من يرجى منه الخير، وبعض آخر صرف الترجي إلى المخاطبين فهو منهم لا منه تعالى، وجعل الزمخشري في ذلك استعارة تبعية حيث شبه الإرادة بالترجي لكون كل منهما طلب الوقوع، ورد بأن فيه لزوم تخلف مراد الله تعالى عن إرادته لعدم تذكر الكل إلا أن يكون من قبيل إسناد ما للبعض إلى الكل، وأنت تعلم أن الإرادة عند المعتزلة قسمان: تفويضية، وهي قد يتخلف المراد عنها، وقسرية وهي لا يتخلف المراد عنها أصلاً، فمتى أريد القسم الأول منها هنا زال الإشكال إلا أن التقسيم المذكور خلاف المذهب الحق.
ابن عاشور
تفسير : المقصود من الآيات السابقة ابتداء من قوله {أية : فلما آتاها نودي}تفسير : [القصص: 30] إلى هنا الاعتبار بعاقبة المكذبين القائلين {أية : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [القصص: 36] ليقاس النظير على النظير، فقد كان المشركون يقولون مثل ذلك يريدون إفحام الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لو كان الله أرسله حقاً لكان أرسل إلى الأجيال من قبله، ولما كان الله يترك الأجيال التي قبلهم بدون رسالة رسول ثم يرسل إلى الجيل الأخير، فكان قوله {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى} إتماماً لتنظير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة موسى عليه السلام في أنها جاءت بعد فترة طويلة لا رسالة فيها، مع الإشارة إلى أن سبق إرسال الرسل إلى الأمم شيء واقع بشهادة التواتر، وأنه قد ترتب على تكذيب الأمم رسلهم إهلاك القرون الأولى فلم يكن ذلك موجباً لاستمرار إرسال الرسل متعاقبين بل كانوا يجيئون في أزمنة متفرقة؛ فإذا كان المشركون يحاولون بقولهم {أية : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [القصص: 36] إبطال رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعلة تأخر زمانها سفسطة ووهماً فإن دليلهم مقدوح فيه بقادح القلب بأن الرسل قد جاءوا إلى الأمم من قبل ثم جاء موسى بعد فترة من الرسل. وقد كان المشركون لما بهرهم أمر الإسلام لاذوا باليهود يسترشدونهم في طرق المجادلة الدينية فكان المشركون يخلطون ما يلقنهم اليهود من المغالطات بما استقر في نفوسهم من تضليل أيمة الشرك فيأتون بكلام يلعن بعضه بعضاً، فمرة يقولون {أية : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [القصص: 36] وهو من مجادلات الأميين، ومرة يقولون {أية : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى}تفسير : [القصص: 48] وهو من تلقين اليهود، ومرة يقولون {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [ الأنعام: 91]، فكان القرآن يدمغ باطلهم بحجة الحق بإلزامهم تناقض مقالاتهم. وهذه الآية من ذلك فهي حجة بتنظير رسالة محمد برسالة موسى عليهما الصلاة والسلام والمقصود منها ذكر القرون الأولى. وأما ذكر إهلاكهم فهو إدماج للنذارة في ضمن الاستدلال. وجملة {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} تخلص من قصة بعثة موسى عليه السلام إلى تأييد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والمقصود قوله (من بعد القرون الأولى). ثم إن القرآن أعرض عن بيان حكمة الفِتَر التي تسبق إرسال الرسل، واقتصر على بيان الحكمة في الإرسال عقبها لأنه المهم في مقام نقض حجة المبطلين للرسالة أو اكتفاء بأن ذلك أمر واقع لا يستطاع إنكاره وهو المقصود هنا، وأما حكمة الفصل بالفِتر فشيء فوق مراتب عقولهم. فأشار بقوله {بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} إلى بيان حكمة الإرسال عقب الفترة. وأشار بقوله {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} إلى الأمم التي استأصلها الله لتكذيبها رسل الله. فتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لوقوع ذلك حتى يحتاج معهم إلى التأكيد بالقسم، فموقع التأكيد هو قوله {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى}. و{الكتاب}: التوراة التي خاطب الله بها موسى عليه السلام. والبصائر: جمع بصيرة، وهي إدراك العقل. سُمي بصيرة اشتقاقاً من بصر العين، وجُعل الكتاب بصائر باعتبار عدة دلائله وكثرة بيّناته، كما في الآية الأخرى قال {أية : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر}تفسير : [الإسراء: 102]. و{القرون الأولى}: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط. والقرن: الأمة، قال تعالى {أية : كم أهلكنا من قبلهم من قرن}تفسير : [الأنعام: 6]. وفي الحديث «حديث : خير القرون قرني». تفسير : والناس هم الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل وقوم فرعون، ولمن يريد أن يهتدي بهديه مثل الذين تهودوا من عرب اليمن، و{هدى ورحمة} لهم، ولمن يقتبس منهم قال تعالى {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44]. ومن جملة ما تشتمل عليه التوراة تحذيرها من عبادة الأصنام. وضمير {لعلهم يتذكرون} عائد إلى الناس الذين خوطبوا بالتوراة، أي فكذلك إرسال محمد لكم هدى ورحمة لعلكم تتذكرون.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} {بَصَآئِرَ} (43) - وَلَقَدْ أَنزَلَ اللهُ تَعَالى التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى بعدَ أَنْ أَهْلَكَ المُكَذِّبينَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، لتكونَ نُوراً للقُلُوبِ المُظْلِمَةِ، بَعْدَ أَنْ دَرَسَتْ مَعَالِمُ الشَّريعةِ التي جَاءَهُمْ بِها الأَنبياءُ السَّابِقُونَ، وَسَادَ الفَسَادُ في العَالَمِ، وَفَشَا الشَّرُّ بَينَ النَّاسِ، فَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلى تَشرِيعٍ جَدِيدٍ يُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِهِمْ، وأَفْعَالِهِمْ، بِتَقريرِ أُصُولٍ في ذلِكَ التَّشرِيعِ، تَبْقَى أَبَدَ الدَّهْرِ، وتَرتِيبِ فُروعٍ تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ العُصُورِ، واخْتِلافِ أحوَال النَّاسِ. وَفِي التَّورَاةِ تَذكِيرٌ بأحوالِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، لِيَكُونَ ذلِكَ عِبرةً لِلنَّاسِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّعِظُونَ بِما نَزَلَ بِهؤُلاءِ، فَيُقْلِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكذِيبِ. القُرُونَ الأُولى - الأُمَمَ المَاضِيَةَ المُكَذِّبَةَ. بَصَائِرَ لِلنَّاسِ - أَنْواراً لِقُلُوبِهِمْ تُبْصِرُ بِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ ...} [القصص: 43] قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، يعني: أن موسى - عليه السلام - جاء بَرْزخاً وواسطة بين رسل كذَّبتهم أممهم، فأخذهم الله بالعذاب، ولم يقاتل الرسل قبل موسى، إنما كان الرسول منهم يُبلِّغ الرسالة ويُظهر الحجة، وكانوا هم يقترحون الآيات، فإنْ أجابهم الله وكذَّبوا أوقع الله بهم العذاب. كما قال سبحانه: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. وهذا كله عذاب استئصال، لا يُبقي من المكذبين أحداً. ثم جاء موسى - عليه السلام - برزخاً بين عذاب الاستئصال من الله تعالى للمكذِّبين دون تدخُّل من الرسل في مسألة العذاب، وبين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أمره الله بقتال الكفار والمكذّبين دون أن ينزل بهم عذاب الاستئصال، ذلك لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وهو صلى الله عليه وسلم مأمون على حياة الخَلْق أجمعين. لذلك يقول تعالى في مسألة القتال في عهد موسى عليه السلام: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ ..} تفسير : [البقرة: 246] إنما في عهده وعصره {أية : إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 246]. وقد ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما عذَّب الله قوماً ولا قرناً، ولا أمة، ولا أهلَ قرية منذ أنزل الله التوراة على موسى ". تفسير : كأن عذاب الاستئصال انتهى بنزول التوراة، ولم يستثْن من ذلك إلا قرية واحدة هي (أيلة) التي بين مدين والأردن. والحق - تبارك وتعالى - يعطينا أول تجربة لمهمة، وتدخّل الرسل في قصة موسى عليه السلام. وروُى عن أبي أمامة أنه قال: وإني لتحت رَحْل رسول الله - يعني: ممسكاً برحْل ناقة الرسول - يوم الفتح، فسمعته يقول كلاماً حسناً جميلاً، وقال فيما قال: "حديث : أيُّما رجل من أهل الكتاب يؤمن بي فَلَهُ أجران - أي: أجر إيمانه بموسى، أو بعيسى، وأجر إيمانه بي - له ما لنا وعليه ما علينا ". تفسير : وهذا يعني أن القتال لم يكُنْ قد كُتِب عليهم. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ..} [القصص: 43] أي: التوراة {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ ..} [القصص: 43] أي: بدون تدخُّل الأنبياء {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ ..} [القصص: 43] أي: آتيناه الكتاب ليكون نوراً يهديهم، وبصيرة ترشدهم، وتُنير قلوبهم {وَهُدًى وَرَحْمَةً ..} [القصص: 43] هدى إلى طريق الخير ورحمة تعصم المجتمع من فساد المناهج الباطلة، وتعصمهم أن يكونوا من أهل النار {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]. والتذكر يعني: أنه كان لديك قضية، ثم نسيتها فاحتجْتَ لمن يُذكرك بها، فهي ليست جديدة عليك، هذه القضية هي الفطرة: {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ..} تفسير : [الروم: 30]. لكن هذه الفطرة السليمة تنتابها شهوات النفس ورغباتها، وتطرأ عليها الغفلة والنسيان؛ لذلك يذكِّر الحق سبحانه الناس بما غفلوا عنه من منهج الحق، إذن: في الفطرة السليمة المركوزة في كل نفس مُقوِّمات الإيمان والهداية، لولا غفلة الإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: بعد أن ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل بإهلاك فرعون رأس الطغيان وتخليصهم من شره، ذكر هنا ما أنعم به عليهم من إنزال التوراة التي فيها الهدى والنور، كما ذكر نعمته على العرب بإنزال القرآن العظيم خاتمة الكتب السماوية. اللغَة: {ثَاوِياً} مقيماً وثوى بالمكان أقام به قال الشاعر: شعر : "لقد كان في حولٍ ثواءٌ ثويته" تفسير : {يَدْرَؤُنَ} يدفعون، والدرءُ: الدفع وفي الحديث "حديث : ادرءوا الحدود بالشبهات" تفسير : {يُجْبَىٰ} يجمع، جبى الماء في الحوض جمعه، والجابية: الحوض العظيم {بَطِرَتْ} البطر: الطغيان في النعمة {ٱلأَنبَـآءُ} الأخبار جمع نبأ وهو الخبر الهام. سَبَبُ النّزول: حديث : لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل "لا إله إلا الله" أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله عز وجل {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} . تفسير : التفسِير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} اللام موطئة للقسم أي والله لقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم لوطٍ وغيرهم من المكذبين لرسلهم {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي ضياءً لبني إسرائيل ونوراً لقلوبهم يتبصرون بها الحقائق، ويميزون بها بين الحق والباطل {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي وهدى من الضلالة، ورحمة لمن آمن بها ليتعظوا بما فيها من المواعظ والإِرشادات الإِلهية {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي، وهو المكان الذي كلّم الله تعالى به موسى {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} أي حين أوحينا إلى موسى بالنبوة وأرسلناه إلى فرعون وقومه {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي وما كنت من الحاضرين في ذلك المكان، ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهاناً على صدقك قال ابن كثير: يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأنَّ سامعه شاهد وراء لما تقدَّم، وهو رجل أُميّ لا يقرأ شيئاً من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من ذلك، والمعنى ما كنتَ حاضراً لذلك ولكنَّ الله أوحاه إليك لتخبرهم بتلك المغيبات {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي ولكنَّنا خلقنا أُمماً وأجيالاً من بعد موسى، فتطاول عليهم الزمان، وطالت الفترة فنسوا ذكر الله، وبدَّلوا وحرفوا الشرائع فأرسلناك يا محمد لتجدّد أمر الدين قال أبو السعود: المعنى ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قروناً كثيرة، فتمادى عليهم الأمر، فتغيرت الشرائع والأحكام، وعميت عليهم الأنباء فأوحينا إليك، فحذف المستدرك اكتفاءً بذكر الموجب {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي وما كنتَ يا محمد مقيماً في أهل مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي ولكنا أرسلناك في أهل مكة وأخبرناك بتلك الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أي وما كنتَ أيضاً بجانب جبل الطور وقت ندائنا لموسى وتكليمنا إياه {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} أي لم تشاهد شيئاً من أخبار وقصَص الأنبياء، ولكنّا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك، رحمةً من ربك لتخوّف قوماً ما جاءهم رسول قبلك يا محمد {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لعلهم يتعظون بما جئتهم به من الآيات البينات، فيدخلوا في دينك قال المفسرون: المراد بالقوم الذين كانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وهي نحوٌ من ستمائة سنة {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي ولولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فيقولوا عند ذلك ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين بها!! قال القرطبي: وجواب {لَوْلاۤ} محذوف وتقديره لما بعثنا الرسل، وقال في التسهيل: {لَوْلاۤ} الأولى حرف امتناع، و {لَوْلاۤ} الثانية عرضٌ وتحضيض، والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإِعذار وإقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا ربَّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتَّبع آياتك ونكون من المؤمنين، ثم أخبر تعالى عن عناد المشركين وتعنتهم في ردِّ الحق فقال {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} أي فلما جاء أهل مكة الحقُّ المبين وهو محمد بالقرآن المعجز من عندنا قالوا - على وجه التعنت والعناد - هلاّ أُعطي محمد من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة مثل ما أُعطي موسى من العصا واليد!! قال تعالى رداً عليهم {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}؟ أي أو لم يكفر البشر بما أُوتي موسى من تلك الآيات الباهرة؟! قال مجاهد: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد: ائتنا بمثل ما جاء به موسى من المعجزات، فردَّ الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، فالضمير في {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ} لليهود، وهذا اختيار ابن جرير وقال أبو حيان: ويظهر عندي أن الضمير عائد على قريش الذين قالوا لولا أُوتي محمد مثل ما أُوتي موسى، وذلك أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبٌ لموسى، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى، إذ الأنبياء من وادٍ واحدٍ فمن نسب إلى أحدٍ من الأنبياء ما لا يليق كان ناسباً ذلك إلى جميع الأنبياء، وتتناسق حينئذٍ الضمائر كلُّها {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي وقال المشركون ما التوراة والقرآن إلا من قبيل السحر، فهما سحران تعاونا بتصديق كل واحدٍ منهما الآخر قال السُدّي: صدَّق كل واحدٍ منهما الآخر {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي إنّا بكل من الكتابين كافرون قال أبو السعود: وهذا تصريحٌ بكفرهم بهما وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} أمرٌ على وجه التعجيز أي قل لهم يا محمد إنكم إذْ كفرتم بهذين الكتابين مع ما تضمنا من الشرائع والأحكام ومكارم الأخلاق فائتوني بكتاب منزلٍ من عند الله أهدى منهما وأصلح أَتمسك به {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي في أنهما سحران قال ابن كثير: وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتاباً من السماء أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم من الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى، وهو الكتاب الذي قال فيه {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} تفسير : [المائدة: 44] والإِنجيلُ إنما أُنزل متمماً للتوراة ومُحلاً لبعض ما حُرم على بني إسرائيل {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} أي فإن لم يجيبوك إلى ما طلبته منهم فاعلم أن كفرهم عنادٌ واتباع للأهواء لا بحجةٍ وبرهان {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} أي لا أحد أضلُّ ممن اتبع هواه بغير رشادٍ ولا بيانٍ من الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفق للحق من كان معانداً ظالماً، بالانهماك في اتباع الهوى، والإِعراض عن سبيل الهدى {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي ولقد تابعنا ووالينا لقريش القرآن يتبع بعضُه بعضاً، وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ ليتعظوا ويتذكروا بما فيه قال ابن الجوزي: المعنى أنزلنا القرآن يتبع بعضُه بعضاً، ويخبر عن الأمم الخالية كيف عُذبوا لعلهم يتعظون {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} أي الذين أعطيناهم التوراة والإِنجيل من قبل هذا القرآن - من مسلمي أهل الكتاب - هم بهذا القرآن يصدقون قال ابن عباس: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ} أي وإذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} أي كنا من قبل نزوله موحدين لله، مستسلمين لأمره، مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} أي أولئك الموصوفون بالصفات الجميلة يعطون ثوابهم مضاعفاً، مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرةً على إيمانهم بالقرآن وفي الحديث "حديث : ثلاثة يُؤْتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم آمن بي.."تفسير : الحديث {بِمَا صَبَرُواْ} أي بسبب صبرهم على اتباع الحقِّ، وتحملهم الأذى في سبيل الله قال قتادة: نزلت في أناسٍ من أهل الكتاب، كانوا على شريعةٍ من الحق يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدَّقوه، فأعطاهم الله أجرهم مرتين بما صبروا، وذُكر أن منهم سلمان وعبد الله بن سلام {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي ويدفعون الكلام القبيح كالسب والشتم بالحسنة أي الكلمة الطيبة الجميلة قال ابن كثير: لا يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي ومن الذي رزقناهم من الحلال ينفقون في سبيل الخير {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} أي وإذا سمعوا الشتم والأذى من الكفار وسمعوا ساقط الكلام، لم يلتفتوا إليه ولم يردُّوا على أصحابه {وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي لنا طريقنا ولكم طريقكم {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي سلام متاركة ومباعدة قال الزجاج: لم يريدوا التحية وإنما أرادوا بيننا وبينكم المتاركة {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} أي لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم قال الصاوي: كان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تباً لكم أعرضتم عن دينكم وتركتموه! فيعرضون عنهم ويقولون لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. مدحهم تعالى بالإِيمان، ثم مدحهم بالإِحسان، ثم مدحهم بالعفو والصفح عن أهل العدوان، ثم قال تعالى مخاطباً رسوله {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد، مهما بذلت فيه من مجهود، وجاوزت في السعي كل حدٍّ معهود {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي ولكنه تعالى بقدرته يهدي من قدر له الهداية، فسلم أمرك إليه فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاوة {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي هو تعالى العالم بمن فيه استعداد للهداية والإِيمان فيهديه قال المفسرون: نزلت في عمه "أبي طالب" حين عرض عليه الإِسلام عند موته فأبى قال أبو حيان: ومعنى {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي لا تقدر على خلق الهداية فيه، ثم قال: ولا تنافي بين هذا وبين قوله {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] لأن معنى هذا: وإنك لترشد، وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في "أبي طالب" ثم ذكر تعالى شبهةً من شبهات المشركين وردَّ عليها بالبيان الواضح فقال {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} أي وقال كفار قريش: إن اتبعناك يا محمد على دينك وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب فيجتمعون على محاربتنا، ويخرجوننا من أرضنا، قال المبرد: والتخطُّف الانتزاع بسرعة، قال تعالى رداً عليهم {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} أي أولم نعصمْ دماءهم ونجعل مكانهم حرماً ذا أمن، بحرمة البيت العتيق؟ فكيف يكون الحرم آمناً لهم في حال كفرهم، ولا يكون آمناً لهم في حال إسلامهم؟ {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي تُجْلب إليه الأرزاق من كل مكان مع أنه بوادٍ غير ذي زرع رزقاً لهم من عندنا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكن أكثرهم جهلة لا يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون قال أبو حيان: قطع الله حجتهم بهذا البيان الناصع إذْ كانوا وهم كفارٌ بالله، عباد أصنام قد أمِنوا في حرمهم، والناسُ في غيره يتقاتلون وهم مقيمون في بلدٍ غير ذي زرع، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي وكثيرمن أهل قريةٍ طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فدمَّر الله عليهم وخرب ديارهم {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي فتلك مساكنهم خاويةً بما ظلموا لم تسكن من بعد تدميرهم إلاَّ زماناً قليلاً إذْ لا يسكنها إلا المارَّةُ والمسافرون يوماً أو بعض يومٍ {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} أي وكنا نحن الوارثين لأملاكهم وديارهم قال في البحر: والآية تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن، وخفض العيش، فكفروا النعمة وقابلوها بالاشر والبطر فدمرهم الله وخرب ديارهم {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} أي ما جرت عادة الله جل شأنه أن يهلك أهل القرى الكافرة {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي حتى يبعث في أصلها وعاصمتها رسولاً يبلغهم رسالة الله لقطع الحجج والمعاذير {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} أي وما كنا لنهلك القرى إلا وقد استحق أهلها الإِهلاك، لإِصرارهم على الكفر بعد الإِعذار إليهم ببعثة المرسلين قال القرطبي: أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإِهلاك بظلمهم، وفي هذا بيانٌ لعدله وتقدّسه عن الظلم، ولا يهلكهم - مع كونهم ظالمين - إلاّ بعد تأكيد الحجة والإِلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه تعالى بأحوالهم حجة عليهم {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} أي وما أعطيتم أيها الناس من مالٍ وخيرٍ فهو متاعٌ قليل تتمتعون به في حياتكم ثم ينقضي ويفنى قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية، بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من النعيم العظيم المقيم {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي وما عنده من الأجر والثواب، والنعيم الدائم الباقي خير وأفضل من هذا النعيم الزائل {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ توبيخٌ لهم أي أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟ قال الإِمام الفخر: بيَّن تعالى أن منافع الدنيا مشوبةٌ بالمضارِّ، بل المضارُّ فيها أكثر، ومنافع الآخرة غير منقطعة، بينما منافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً، فكيف ونصيب كل أحدٍ من الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر، فمن لم يرجَّح منافع الآخرة على منافع الدنيا يكون كأنه خارجٌ عن حدّ العقل {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} أي أفمن وعدناه وعداً قاطعاً بالجنة وما فيها من النعيم المقيم الخالد، فهو لا محالة مدركه لأن وعد الله لا يتخلف {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}؟ أي كمن متعناه بمتاع زائل، مشوب بالأكدار، مملوءٍ بالمتاعب، مستتبع للحسرة على انقطاعه؟ {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} أي ثم هو في الآخرة من المحضرين للعذاب، فهل يساوي العاقل بينهما؟ قال ابن جزي: والآية ايضاحٌ لما قبلها من البون الشاسع بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه المؤمنين، وبمن متعناه الكافرين {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي واذكر حال المشركين يوم يناديهم الله فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتقريع: أين هؤلاء الشركاء والآلهة من الأصنام والأنداد الذين عبدتموهم من دوني، وزعمتم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم؟ {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي قال رؤساءهم وكبراؤهم الذين وجب عليهم العذاب لضلالهم وطغيانهم {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} أي هؤلاء أتباعنا الذين أضللناهم عن سبيلك {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} أي أضللناهم كما ضللنا، لا بالقسر والإِكراه ولكن بطريق الوسوسة وتزيين القبيح فضلّوا كما ضللنا نحن {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} أي تبرأنا إليك يا ألله من عبادتهم إيانا، فما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي وقيل للكفار استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم عذاب الله، وهذا على سبيل التهكم بهم {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} أي فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، وهذا من سخافة عقولهم {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} أي وتمنَّوا حين شاهدوا العذاب لو كانوا مهتدين قال الطبري: أي فودُّوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} توبيخٌ آخر للمشركين أي ويوم يناديهم الله ويسألهم: ماذا أجبتم رسلي؟ هل صدقتموهم أم كذبتموهم؟ {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي فخفيت عليهم الحجج، وأظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون، فهم حيارى واجمون، لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة والحيرة {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} أي فأمّا من تاب من الشرك، وجمع بين الإِيمان والعمل الصالح فعسى أن يكون من الفائزين بجنات النعيم قال الصاوي: والترجي في القرآن بمنزلة التحقق، لأنه وعد كريم من ربٍّ رحيم، ومن شأنه تعالى أنه لا يخلف وعده {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} أي هو تعالى الخالق المتصرف، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا اعتراض لأحدٍ على حكمه قال مقاتل: نزلت في "الوليد بن المغيرة" حين قال {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي ما كان لأحدٍ من العباد اختيار، إنما الاختيار والإِرادة لله وحده {سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه الله العظيم الجليل وتقدس أن ينازعه أحدٌ في ملكه، أو يشاركه في اختياره وحكمته قال القرطبي: المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار من يشاء لنبوته، والخيرة له تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة، فليس لأحدٍ من خلقه أن يختار عليه {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي هو تعالى العالم بما تخفيه قلوبهم من الكفر والعداوة للرسول والمؤمنين، وما يظهرونه على ألسنتهم من الطعن في شخص رسوله الكريم حيث يقولون: ما أنزل الله الوحي إلا على يتيم أبي طالب! {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي هو جل وعلا اللهُ المستحقُ للعبادة، لا أحد يستحقها إلا هو {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ} أي له الثناء الكامل في الدنيا والآخرة، لأنه تعالى المتفضل على العباد بالنعم كلها في الدارين {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ} أي وله القضاء النافذ والفصل بين العباد {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عاملٍ بعمله. البَلاَغَة: تضمنت الآياتُ الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التشبيه البليغ {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغاً قال في حاشية البيضاوي: أي مشبهاً بأنوار القلوب من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تستبصر، ولا تعرف حقاً من باطل. 2- المجاز العقلي {أَنشَأْنَا قُرُوناً} المراد به الأمم لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي. 3- جناس الاشتقاق {تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ}. 4- المجاز المرسل {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} والمراد بما كسبوا وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي. 5- حذف الجواب لدلالة السياق {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} حذف منه الجواب وتقديره: ما أرسلناك يا محمد رسولاً إليهم وهو من باب الإِيجاز بالحذف. 6- التحضيض {لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} أي هلاَّ أُوتي فهي للتحضيض وليست حرف امتناع لوجود. 7- التعجيز {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ} فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز. 8- طباقُ السلب {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي.. وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي}. 9- المجاز العقلي {حَرَماً آمِناً} نسب الأمن إلى الحرم وهو لأهله. 10- أسلوب السخرية والتهكم {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}؟. 11- التشبيه المرسل {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا}. 12- الاستعارة التصريحية التبعية {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ} قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وأصله "فعموا عن الأنباء" وضُمّن معنى الخفاء فعدي بـ {على} ففيه أنواعٌ من البلاغة: الاستعارة، والقلب، والتضمين. 13- الطباق بين {تُكِنُّ .. ويُعْلِنُونَ} وبين {ٱلأُولَىٰ.. وَٱلآخِرَةِ} وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: ما ذُكر أن "أبا طالب" مات على غير الإِيمان هو الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، ونقل عن بعض شيوخ الصوفية أنه أسلم قبل موته، وهو معارضٌ للنصوص الكريمة ولعلهم أخذوه من بعض أشعار أبي طالب حيث يقول: شعر : ولقد علمتُ بأنَّ دين محمدٍ من خير أديان البرية ديناً والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوسَّد في التراب دفيناً تفسير : أقول: ماذا يعني هذا الكلام بعد امتناعه عن الدخول في الإِسلام والنطق بالشهادة؟
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما نبذنا فرعون وجنوده في اليم {لَقَدْ آتَيْنَا} وأعطينا من كمال جودنا {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة الجامعة لظواهر الأحكام {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} واستأصلنا آثارهم وأحكامهم، بحيث لم يبقَ من شرائع المتقدمين وآثارهم وأحكامهم شيئاً بين الأنام، كنوح وهود وصالح وإبراهيم؛ وإنما آتيناه ليكون {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ} أي: ينوروا بأحكامه وأوامره عيون بصائرهم، ويستيقظوا من منام الجهل والغفلة، ويشتغلوا بطلب الحق. {وَهُدًى} يهديهم إلى سلوك مسالك التوحيد {وَرَحْمَةً} يبشرهم إلى البقاء الأبدي السرمدي بعد انخلاعهم عن خلع تعيناتهم العدمية، والإفناء عن هوياتهم الباطلة {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] رجاء أن يتذكروا ويتنبهوا من المواعظ والأحكام التي ذُكرت فيه إلى جُبلوا لأجله من المعارف والحقائق والرموز، والإشارات والمكاشفات والمشاهدات. ثمَّ لمَّا قصَّ سبحانه على حبيبه صلى الله عليه وسلم ما قصَّ من قصة موسى الكليم، وكيفية انكشافه من النار الموقدة على الشجرة، وكيفية عروجه مترقياً من العلم إلى العين ثمَّ إلى الحق، أراد أن يمن عليه سبحانه بما اصطفاه وفضله من بين البرايا على الرسالة العامة، وأخبره من المغيبات بطريق الوحي والإلهام ما ليس في وسعه، لولا وحيه وإلهامه سبحانه إياه، فقال: {وَمَا كُنتَ} يا أكمل الرسل حين انكشف موسى بالواد المقدس، وشهد من فضل الله عليه ما شهد { بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي: الوادي الذي على شفيرها الشجرة بالطرف الغربي من مقام موسى؛ أي: ما كنت حاضراً عنده {إِذْ قَضَيْنَآ} وأوحينا {إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} الذي هو مطلوبه الحقيقي من مطلوبه الصوري {وَمَا كنتَ} حينئذٍ {مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [القصص: 44] الحاضرين المطلعين على شأنه وشهوده. {وَلَكِنَّآ} من كمال لطفنا وجودننا أخبرناك بما جرى بينه وبيننا في تلك الليلة، كما أخبرنا لك أحوال أمم {أَنشَأْنَا} من بعد موسى ومن قبلك {قُرُوناً} أي: زماناً متطاولة ومدة بعيدة {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} ومكثوا في الدنيا كثيراً، ودار بينهم الدول الحول وحدثت الفتن والمحن، ووقعت التغييرات والتحريفات في الشرائع والأديان، واندست معالم الهدى، وفشا الجدال والطغيان، واستولت الهوية الفاسدة والآراء الباطلة على أهل الزمان، فأخبرنا لك في كتابك هذا من وقائعهم؛ لتكون تذكرة لك، وعبرة للمؤمنين بك. {وَمَا كُنتَ} أيضاً يا أكمل الرسل {ثَاوِياً} مقيماً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} شعيب عليه السلام {تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الدالة على كمال القسط والعدالة بلسان شعيب عليه السلام حين انحرفوا عن جادة الاعتدال في المكيلات والموزونات، واشتغلوا بالبخص والتطفيف وأنواع التنقيص والتخسير {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] مخبرين لك، موحين إليك ما جرى عليهم الأحوال. {وَمَا كُنْتَ} أيضاً حاضراً {بِجَانِبِ ٱلطُّورِ} الذي هو موعد موسى وقت {إِذْ نَادَيْنَا} موسى لأخذ التوراة ووحينا إليه {وَلَـٰكِن} علمناك به؛ لتكون {رَّحْمَةً} لك نازلة إليك {مِّن رَّبِّكَ} تأييداً لك، وتقويةً لشأنك، بل إنما أوحينا ما أوحيناك {لِتُنذِرَ} به {قَوْماً} بقوا على فترة من الرسل؛ إذ {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} من لدن عيسى عليه السلام، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو إسماعيل عليه السلام بناءً على أن دعوة أنبياء بني إسرائيل مختصة بهم لا يتعدى إلى غيرهم {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] يتعظون بما في كتابك، ويتنبهون بما في حكمه وأحكامه إلى مبدئهم ومعادهم، ويفوزون منها إلى المعارف الحقائق التي جُبلوا لأجلها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):