٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية سؤالات: السؤال الأول: الجانب موصوف، والغربي صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة؟ الجواب: هذه مسألة خلافية بين النحويين، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقاً حجة البصريين، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه، وهذا غير جائز فذاك أيضاً غير جائز، بيان الملازمة أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت له الظرافة هو زيد، إذا ثبت هذا، فلو أضفت زيداً إلى الظريف، كنت قد أضفت زيداً إلى زيد، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ، وهي قوله تعالى في هذه الآية: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } وقوله: { أية : وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } تفسير : [البينة: 5] وقوله: { أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة: 95] { أية : وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [النحل: 30] ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء، ثم قالوا في هذه المواضع: المضاف إليه ليس هو النعت، بل المنعوت، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فههنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت، حسن ذلك وإلا فلا، ألا ترى أنه ليس لك أن تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت بالرجل الفقيه، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون درهماً وقد يكون غيره، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي، لأن الشيء الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكاناً أو ما يشبهه، فلا جرم حسنت هذه الإضافة، وكذا القول في البواقي، والله أعلم. السؤال الثاني: ما معنى قوله: {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ }؟ الجواب: الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور، وكتب الله (له) في الألواح والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وما كنت حاضراً المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على (الموحى) إليه، (وهي لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً)، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات. السؤال الثالث: لما قال {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد أن يكون حاضراً، فما الفائدة في إعادة قوله: {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ }؟ الجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التقدير لم تحضر ذلك الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. السؤال الرابع: كيف يتصل قوله: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً } بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكاً له؟ الجواب: معنى الآية: ولكنا أنشأنا بعد عهد موسى عليه السلام إلى عهدك قروناً كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذي أنت فيه، فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب، فإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده. واعلم أن هذا تنبيه على المعجز كأنه قال إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوتك كما قال: { أية : أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [طه: 133]. أما قوله: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } فالمعنى ما كنت مقيماً فيه. وأما قوله: {تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } ففيه وجهان: الأول: قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها الثاني: قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً، فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء. أما قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ } أي علمناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي هي رحمة، وذكر المفسرون في قوله: {إِذْ نَادَيْنَا } وجوهاً أخر أحدها: إذ نادينا أي قلنا لموسى { أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأعراف: 156] إلى قوله: { أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [الأعراف: 157]. وثانيها: قال ابن عباس إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: « يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني » قال وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً لميقات ربه وثالثها: قال وهب: « لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال: أجبتكم قبل أن تدعوني » الحديث كما ذكره ابن عباس ورابعها: روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } قال كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى « يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخلته الجنة » أما قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية. واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ... وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ... وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ } فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله: {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ } إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً } أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضراً بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم: وقال بعضهم: حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريراً للتكاليف وإزالة لتلك الفترة. أما قوله: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } الآية فقال صاحب «الكشاف»: (لولا) الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء في قوله {فَيَقُولُواْ } للعطف، (وفي قوله للعطف). وفي قوله: {فَنَتَّبِعَ } جواب (لولا) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولاً، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله: { أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] { أية : أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } تفسير : [المائدة: 19] {لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ } واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا، بل قال: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ فَيَقُولُواْ } هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك، بل إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفاً على كفرهم، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله: { أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجبائي على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم يكن لهم أن يقولوا: هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، إذ من الجائز أن لا يبعث إليهم وإن كانوا لا يختارون الإيمان إلا عنده على قول من خالف في وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان في المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن يفعل ذلك. المسألة الثانية: احتج الكعبي به على أن الله تعالى يقبل حجة العباد وليس الأمر كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ليس المراد من قوله: { أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] ما يظنه أهل السنة، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى. المسألة الثالثة: قال القاضي: فيه إبطال القول بالجبر من جهات: إحداها: أن اتباعهم وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول إليهم أم لا وثانيتها: أنه إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل الرسول أم لا وثالثتها: إذا أراد ذلك وجب أرسل الرسول إليهم أم لا، فأي فائدة في قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى؟ فيقال للقاضي هب أنك نازعت في الخلق والإرادة ولكنك وافقت في العلم فإذا علم الكفر منهم فهل يجب أم لا، فإن لم يجب أمكن أن لا يوجد الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع بين الضدين وإن وجب لزمك ما أوردته علينا، واعلم أن الكلام وإن كان قوياً حسناً إلا أنه إذا توجه عليه النقض الذي لا محيص عنه، فكيف يرضى العاقل بأن يعول عليه؟
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ} أي ما كنت يا محمد {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي بجانب الجبل الغربيّ قال الشاعر:شعر : أعطاكَ من أعطى الهُدَى النبِيَّا نُوراً يَزِينُ المِنبرَ الغربِيَّا تفسير : {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} إذ كلفناه أمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا. وقيل: أي إذ قضينا إلى موسى أمرك وذكرناك بخير ذكرٍ. وقال ابن عباس: {إِذْ قَضَيْنَا} أي أخبرنا أن أمة محمد خير الأمم. {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي من الحاضرين. قوله تعالى: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً} أي من بعد موسى {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره. نظيره: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الحديد: 16]. وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبيّنا عليه السلام ذكر في ذلك الوقت، وأن الله سيبعثه، ولكن طالت المدّة، وغلبت القسوة، فنسَي القوم ذلك. وقيل: آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود، ثم تطاول العهد فكفروا، فأرسلنا محمداً مجدداً للدين وداعياً الخلق إليه: وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} أي مقيماً كمقام موسى وشعيب بينهم. قال الَعجَّاج:شعر : فـبـاتَ حـيـث يـدخـلُ الـثَّـوِيُّ تفسير : أي الضيف المقيم. وقوله: {تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي تذكرهم بالوعد والوعيد. {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي أرسلناك في أهل مكة، وآتيناك كتاباً فيه هذه الأخبار: ولولا ذلك لما علمتها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئاً من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها، قال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44] الآية، أي وما كنت حاضراً لذلك، ولكن الله أوحاه إليك، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه، ثم قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} الآية، وقال في آخر السورة: {أية : ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} تفسير : [هود: 100] وقال بعد ذكر قصة يوسف: {أية : ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} تفسير : [يوسف: 102] الآية، وقال في سورة طه: {أية : كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} تفسير : [طه: 99] الآية، وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه، وتكليمه له: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} يعني: ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطىء الوادي، {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك؛ ليكون حجة وبرهاناً على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين. وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا} أي: وما كنت مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب، وما قال لقومه، وما ردوا عليه {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي: ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك إلى الناس رسولاً، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس عن حمزة الزيات عن الأعمش، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} قال: نودوا أن: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث جماعة عن حمزة، وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن الأعمش، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة، وهو ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه، والله أعلم. وقال مقاتل بن حيان {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت. وقال قتادة {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} موسى وهذا ــــ والله أعلم ــــ أشبه بقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ذلك، وهو النداء؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} تفسير : [الشعراء: 10] وقال تعالى: {أية : إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} تفسير : [النازعات: 16] وقال تعالى: {أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52]. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي: ما كنت مشاهداً لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك، وأخبرك به؛ رحمة منه بك وبالعباد، وبإرسالك إليهم {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَـٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله عز وجل {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} الآية، أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير؛ كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك، وهو القرآن: {أية : أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} تفسير : [الأنعام: 156 ــــ 157] وقال تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165] وقال تعالى: {أية : يَٰ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [المائدة: 19] الآية، والآيات في هذا كثيرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كُنْتَ } يا محمد {بِجَانِبِ } الجبل أو الوادي أو المكان {ٱلْغَرْبِىّ } من موسى حين المناجاة {إِذْ قَضَيْنَا } أوحينا {إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ } بالرسالة إلى فرعون وقومه {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ } لذلك فتعلمه فتخبر به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيّ } هذا شروع في بيان إنزال القرآن، أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربيّ، فيكون من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، واختاره الزجاج. وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربيّ، أي حيث ناجى موسى ربه {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأًمْرَ } أي عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } لذلك حتى تقف على حقيقته، وتحكيه من جهة نفسك. وإذا تقرّر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور عندها من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمشاهدة لها منه، وانتفى بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلقّ ذلك من غيره من البشر، ولا علمه معلم منهم كما قدّمنا تقريره، تبين أنه من عند الله سبحانه بوحي منه إلى رسوله بواسطة الملك النازل بذلك، فهذا الكلام هو على طريقة: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } تفسير : [آل عمران: 44] وقيل: معنى {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ }: إذ كلفناه وألزمناه. وقيل: أخبرناه أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، ولا يستلزم نفي كونه بجانب الغربي نفي كونه من الشاهدين، لأنه يجوز أن يحضر ولا يشهد. قيل: المراد بالشاهدين: السبعون الذين اختارهم موسى للميقات. {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً } أي خلقنا أمماً بين زمانك يا محمد وزمان موسى {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ } طالت عليهم المهلة وتمادى عليهم الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وتنوسيت الأديان فتركوا أمر الله، ونسوا عهده، ومثله قوله سبحانه: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الحديد: 16]، وقد استدلّ بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهوداً في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإيمان به فلما طال عليهم العمر، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } أي مقيماً بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم وتقصّ عليهم من جهة نفسك. يقال: ثوى يثوي ثواء وثويا فهو ثاوٍ. قال ذو الرمة:شعر : لقد كان في حول ثواء ثويته تقضي لبانات ويسأم سائم تفسير : وقال العجاج:شعر : فبات حيث يدخل الثوّى تفسير : يعني: الضيف المقيم. وقال آخر:شعر : طال الثواء على رسوم المنزل تفسير : {تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } أي تقرأ على أهل مدين آياتنا، وتتعلم منهم، وقيل: تذكرهم بالوعد والوعيد، والجملة في محل نصب على الحال أو خبر ثان، ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر، و{ثاوياً} حال. وجعلها الفراء مستأنفة كأنه قيل: وها أنت تتلو على أمتك {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. قال الزجاج: المعنى: أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك. {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين. وقيل: المنادى هو أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد، وأمته قال: يا رب أرنيهم، فقال الله: إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا ربّ، فقال الله: يا أمة محمد، فأجابوا من أصلاب آبائهم، فيكون معنى الآية على هذا: ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى، فنادينا أمتك، وسيأتي ما يدلّ على هذا ويقوّيه ويرجحه في آخر البحث إن شاء الله {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ } أي ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم، وقيل: ولكن أرسلنا بالقرآن رحمة لكم، وقيل: علمناك. وقيل: عرفناك. قال الأخفش: هو منصوب يعني: رحمة، على المصدر، أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: هو مفعول من أجله، أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة. قال النحاس: أي لم تشهد قصص الأنبياء ولا تليت عليك، ولكن بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال الكسائي: هو خبر لكان مقدّرة، أي ولكن كان ذلك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر، وأبو حيوة: "رحمة" بالرفع على تقدير: ولكن أنت رحمة. وقال الكسائي: الرفع على أنها اسم كان المقدّرة، وهو بعيد إلاّ على تقدير أنها تامة، واللام في: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } متعلق بالفعل المقدّر على الاختلاف في تقديره. والقوم: هم أهل مكة، فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلى الله عليه وسلم، وجملة {ما أتاهم} إلخ، صفة لـ {قوماً}، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي يتعظون بإنذارك. {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } لولا هذه هي الامتناعية، وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء وجوابها محذوف. قال الزجاج: وتقديره: ما أرسلنا إليهم رسلاً: يعني: أن الحامل على إرسال الرسل هو إزاحة عللهم، فهو كقوله سبحانه: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] وقدّره ابن عطية: لعاجلناهم بالعقوبة، ووافقه على هذا التقدير الواحدي فقال: والمعنى: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم، وقوله: {فَيَقُولُواْ } عطف على تصيبهم، ومن جملة ما هو في حيز لولا، أي فيقولوا: {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } ولولا هذه الثانية هي التحضيضية أي: هلا أرسلت إلينا رسولاً من عندك، وجوابها هو: {فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ } وهو منصوب بإضمار أن لكونه جواباً للتحضيض، والمراد بالآيات: الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة، وإنما عطف القول على تصيبهم؛ لكونه هو السبب للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها هي السبب لإرسال الرسل بواسطة القول {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بهذه الآيات، ومعنى الآية: أنا لو عذبناهم لقالوا: طال العهد بالرسل، ولم يرسل الله إلينا رسولاً، ويظنون أن ذلك عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة وأتممنا البيان بإرسالك يا محمد إليهم. {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ } أي فلما جاء أهل مكة الحقّ من عند الله، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من القرآن قالوا تعنتاً منهم وجدالاً بالباطل: هلا أوتي هذا الرسول مثل ما أوتي موسى من الآيات التي من جملتها التوراة المنزلة عليه جملة واحدة؟ فأجاب الله عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا القول، أو من قبل ظهور محمد؛ والمعنى: أنهم قد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، وجملة: {قَالُواْ سِاحْرَانِ تَظَـٰهَرَا } مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم، وعنادهم، والمراد بقولهم: {ساحران} موسى ومحمد، والتظاهر: التعاون، أي تعاونا على السحر، والضمير في قوله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ } لكفار قريش، وقيل: هو لليهود، والأوّل أولى، فإن اليهود لا يصفون موسى بالسحر إنما يصفه بذلك كفار قريش وأمثالهم إلاّ أن يراد من أنكر نبوّة موسى كفرعون وقومه، فإنهم وصفوا موسى وهارون بالسحر، ولكنهم ليسوا من اليهود ويمكن أن يكون الضمير لمن كفر بموسى ومن كفر بمحمد، فإن الذين كفروا بموسى وصفوه بالسحر، والذين كفروا بمحمد وصفوه أيضاً بالسحر. وقيل: المعنى: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبله بالبشارة بعيسى ومحمد. قرأ الجمهور: {ساحران} وقرأ الكوفيون: {سحران} يعنون التوراة والقرآن. وقيل: الإنجيل والقرآن. قال بالأوّل الفراء، وقال بالثاني أبو زيد. وقيل: إن الضمير في: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ } لليهود، وأنهم عنوا بقولهم: {ساحران} عيسى ومحمداً. {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ كَـٰفِرُونَ } أي بكلّ من موسى ومحمد، أو من موسى وهارون، أو من موسى وعيسى على اختلاف الأقوال، وهذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة الثانية فالمراد: التوراة والقرآن أو الإنجيل والقرآن. وفي هذه الجملة تقرير لما تقدّمها من وصف النبيين بالسحر، أو من وصف الكتابين به وتأكيد لذلك. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يقول لهم قولاً يظهر به عجزهم، فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ } أي قل لهم يا محمد: فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة والقرآن، و{أتبعه} جواب الأمر، وقد جزمه جمهور القراء لذلك. وقرأ زيد ابن عليّ برفع: "أَتَّبِعْهُ" على الاستئناف، أي فأنا أتبعه. قال الفراء: إنه على هذه القراءة صفة للكتاب، وفي هذا الكلام تهكم به. وفيه أيضاً دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة الجمهور؛ لأنه رجع الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين، ومعنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }: إن كنتم فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين صادقين. {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } أي لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين، وجواب الشرط: {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } أي آراءهم الزائغة واستحساناتهم الزائفة بلا حجة، ولا برهان، وقيل: المعنى: فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، وتعدية {يستجيبوا} باللام هو أحد الجائزين {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ } أي لا أحد أضلّ منه، بل هو الفرد الكامل في الضلال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لأنفسهم بالكفر وتكذيب الأنبياء والإعراض عن آيات الله. {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ } قرأ الجمهور: {وصلنا} بتشديد الصاد، وقرأ الحسن بتخفيفها، ومعنى الآية: أتبعنا بعضه بعضاً وبعثنا رسولاً بعد رسول. وقال أبو عبيدة والأخفش: معناه: أتممنا. وقال ابن عيينة، والسديّ: بينا. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، والأولى أولى، وهو مأخوذ من وصل الحبال بعضها ببعض، ومنه قول الشاعر:شعر : قل لبني مروان ما بال ذمتي بحبل ضعيف لا تزال توصل تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : يقلب كفيه بخيط موصل تفسير : والضمير في: {لهم} عائد إلى قريش. وقيل: إلى اليهود. وقيل: للجميع {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيكون التذكر سبباً لإيمانهم مخافة أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ } أي من قبل القرآن، والموصول مبتدأ، وخبره: {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } أخبر سبحانه أن طائفة من بني إسرائيل آمنوا بالقرآن كعبد الله بن سلام وسائر من أسلم من أهل الكتاب، وقيل: الضمير في {مِن قَبْلِهِ } يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى. والضمير في {به} راجع إلى القرآن على القول الأوّل، وإلى محمد على القول الثاني. {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } أي وإذا يتلى القرآن عليهم قالوا: صدّقنا به {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا } أي الحق الذي نعرفه المنزل من ربنا {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } أي مخلصين لله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به لما نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان وينزل عليه القرآن، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكََ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } إلى الموصوفين بتلك الصفات، والباء في {بِمَا صَبَرُواْ } للسببية أي بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وبالنبيّ الأوّل والنبيّ الآخر {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } الدرء: الدفع، أي يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن ما يلاقونه من الأذى. وقيل: يدفعون بالطاعة المعصية. وقيل: بالتوبة، والاستغفار، من الذنوب. وقيل: بشهادة أن لا إلٰه إلاّ الله الشرك {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أي ينفقون أموالهم في الطاعات وفيما أمر به الشرع. ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو، فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } تكرّماً وتنزّهاً وتأدّباً بآداب الشرع، ومثله قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم والاستهزاء بهم {وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء، ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } ليس المراد بهذا السلام سلام التحية؛ ولكن المراد به: سلام المتاركة؛ ومعناه: أمنة لكم منا وسلامة، لا نجاريكم ولا نجاوبكم فيما أنتم فيه. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَـٰهِلِينَ } أي لا نطلب صحبتهم. وقال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه. وقال الكلبي: لا نحبّ دينكم الذي أنتم عليه. {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } من الناس، وليس ذلك إليك {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } هدايته {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } أي القابلين للهداية المستعدّين لها، وهذه الآية نزلت في أبي طالب كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وقد تقدّم ذلك في براءة. قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وقد تقرّر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولاً أولياً. {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } أي قال مشركو قريش، ومن تابعهم: إن ندخل في دينك يا محمد نتخطف من أرضنا، أي يتخطفنا العرب من أرضنا يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة، وتعللاتهم العاطلة، والتخطف في الأصل: هو الانتزاع بسرعة. قرأ الجمهور: {نتخطف} بالجزم جواباً للشرط، وقرأ المنقري بالرفع على الاستئناف. ثم ردّ الله ذلك عليهم ردًّا مصدّراً باستفهام التوبيخ والتقريع فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} أي ألم نجعل لهم حرماً ذا أمن؟ قال أبو البقاء: عدّاه بنفسه؛ لأنه بمعنى جعل كما صرّح بذلك في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً } تفسير : [العنكبوت: 67]، ثم وصف هذا الحرم بقوله: {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } أي تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه. قرأ الجمهور: {يجبى} بالتحتية اعتباراً بتذكير كل شيء ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات، وأيضاً ليس تأنيث ثمرات بحقيقيّ، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا، وقرأ نافع بالفوقية اعتباراً بثمرات. وقرأ الجمهور أيضاً: {ثمرات} بفتحتين، وقرأ {أبان} بضمتين، جمع ثمر بضمتين، وقرىء بفتح الثاء وسكون الميم {رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } منتصب على المصدرية؛ لأن معنى {يجبى}: نرزقهم، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف، أي نسوقه إليهم رزقاً من لدنا، ويجوز أن ينتصب على الحال، أي رازقين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم؛ لكونهم ممن طبع الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة. وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة في قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } قال: نودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عنه من وجه آخر بنحوه. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، وأبو نصر السجزي في الإبانة، والديلمي عن عمرو بن عبسة قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا }: ما كان النداء، وما كانت الرحمة؟ قال: «حديث : كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى: يا أمة محمد، سبقت رحمتي غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إلٰه إلاّ الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً، أدخلته الجنة»تفسير : . وأخرج الختلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن حذيفة في قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } مرفوعاً، قال: "حديث : نودوا: يا أمة محمد ما دعوتمونا إذ استجبنا لكم، ولا سألتمونا إذ أعطيناكم"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : إن الله نادى: يا أمة محمد أجيبوا ربكم»تفسير : ، قال: «حديث : فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم إلى يوم القيامة فقالوا: لبيك، أنت ربنا حقاً ونحن عبيدك حقاً، قال: صدقتم أنا ربكم وأنتم عبيدي حقاً، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إلٰه إلاّ الله دخل الجنة»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الهالك في الفترة يقول: ربّ لم يأتني كتاب ولا رسول»تفسير : ، ثم قرأ هذه الآية {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا } إلخ. قال: هم أهل الكتاب {إِنَّا بِكُلّ كَـٰفِرُونَ } يعني: بالكتابين: التوراة والفرقان. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو القاسم البغوي والباوردي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة، والطبراني وابن مردويه بسندٍ جيد عن رفاعة القرظي قال: نزلت: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } إلى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } في عشرة رهط أنا أحدهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } قال: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأوّل والآخر، ورجل كانت له أمة، فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده»تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } نزلت في أبي طالب لما امتنع من الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: أن ناساً من قريش قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فنزلت: {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ } الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } قال: ثمرات الأرض.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِب الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وما كنت يا محمد {بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} وفيه وجهان: أحدهما: نودي يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، قاله أبو هريرة. الثاني: أنهم نودوا في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بُعِثْتَ، قاله مقاتل. {وَلَكِن رَّحْمَةَ مِّن رَّبِّكَ} فيه وجهان: أحدهما: أن ما نودي به موسى من جانب الطور من ذكرك نعمة من ربك. الثاني: أن إرسالك نبياً إلى قومك نعمة من ربك. {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني العرب.
ابن عطية
تفسير : المعنى ولم تحضر يا محمد هذه الغيوب التي تخبر بها ولكنها صارت إليك بوحينا أي فكان الواجب أن يسارع إلى الإيمان بك ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها زمناً زمناً فعزبت حلومهم واستحكمت جهالتهم وضلالتهم، و {قضينا} معناه أبعدنا وصيرنا، و {الأمر} يعني النبوءة، وقالت فرقة: يعني ما أعلمه به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله: {ولكنا أنشأنا قروناً}، و"الثاوي" المقيم، وقوله {وما كنت بجانب الطور} يريد وقت إنزال التوراة إلى موسى. وقوله تعالى: {إذ نادينا}، روي عن أبي هريرة أنه نودي يومئذ من السماء يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وغفرت لكم قبل أن تسألوني، فحينئذ قال موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة محمد، فالمعنى {إذا نادينا} بأمرك وأخبرنا بنبوتك وقوله {رحمة} نصب على المصدر أو مفعول من أجله، وقوله {لكن} مرتبط بقوله {وما كنت} أي {ولكن} جعلناك وأنفذنا أمرك قديماً {رحمة من ربك} أو يكون المعنى {ولكن} أعلمناك ونبأناك {رحمة} منا لك وإفضالاً، وقرأ الناس "رحمةً" بالنصب، وقرأ عيسى "رحمة" بالرفع، ويريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير معاصر به من العرب، وباقي الآية بين، وقال الطبري: معنى قوله {إذ نادينا} بأن سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ...} الآية، أي: ما كنتَ يا محمدُ حاضراً لِهذهِ الغُيوبِ الَّتي تُخْبِرُهمْ بِهَا، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ إلَيْكَ بِوَحْيِنَا، أي: فكان الواجِبُ أن يسارعوا إلى الإيمان بك. قال السهيلي: وجانبُ الغَرْبي هُوَ جانبُ الطُّورِ الأيمنِ، فحينَ ذَكَرَ سبحانَه نداءَه لِموسى قال: {أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} تفسير : [مريم:52] وحينَ نَفَى عن محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أن يكون بذلك الجانبِ قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} والغربيُّ: هو الأيمنُ، وبين اللفظينِ في ذكر المَقَامَيْنِ ما لا يخفى في حُسْنِ العبارةِ وبديعِ الفَصَاحَةِ والبلاغةَ؛ فإن محمداً عليه السلام لا يقالُ له: ما كنت بالجانب الأيمنِ؛ فإنَّه لَمْ يَزَلْ بالجَانِبِ الأيْمَنِ مُذْ كانَ فِي ظَهْرِ آدم عليه السلامُ، انتهى. وقوله سبحانه: {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} قال الثعلبيُّ: أي: فنسوا عهد اللّه، انتهى. و {قَضَيْنَا} معناه: أنفذنا، و {ٱلأَمْرَ} يعني: التَّوْرَاة. وقالت فرقة: يعني به: ما أعلمَه مِن أمْرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. قال * ع *: وهذا تأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلْتَئِمُ معه ما بَعْدَه من قوله {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً}. * ت *: قال أبو بكر بن العربيِّ: قوله تعالى: {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} معناه: أعلمناه، وهو أحدُ ما يَرِد تَحْتَ لفظِ القَضَاءِ مراداً، انتهى من كتاب «تفسير الأفعالَ الواقعة في القرآن». و«الثاوي»: المقيم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} (قال قتادة والسدي: وما كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ، وَمَسْجِدُ الجَامِع. قوله: {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الوحي إليه وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات. فإن قيل: لمَّا قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً فما الفائدة في إعادة قوله: {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ}. فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. قوله: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً} وجه الاستدراك أن المعنى: وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستدراكين بعده، قاله الزمخشري، وهذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله: {أية : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [طه: 133]. قوله: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} أي: مقيماً، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة. شعر : 4007 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ تفسير : وقال: شعر : 4008 - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ تفسير : وقال العجاج: شعر : 4009 - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ تفسير : يعني الضيف المقيم. قوله: "تَتْلُوا" يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "ثَاوِياً"، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون هو الخبر، و "ثَاوِياً" حال وجعله الفراء منقطاً مما قبله. أي: مستأنفاً كأنَّه قيل: وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد. فصل المعنى: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً} خلقنا أمماً من بعد موسى {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي: طالبت عليهم المهلة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عهوداً في محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، "وَمَا كُنْتَ" مقيماً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} كمقام موسى وشعيب فيهم {تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} في كل زمان رسولاً يعني: أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ} بناحية الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى "إذْ نَادَيْنَا" أي: نادينا موسى: خذ الكتاب بقوَّةٍ. وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمدٍ أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني)، قال: وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمداً، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. قوله: {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِنْ رَبكَ} أي: أَرْسَلْنَاكَ رَحْمَةً، أو أعلمناك بذلك رحمةً، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: "رَحْمَةٌ" بالرفع، أي: أنت رحمة. قوله: {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} في موضع الصفة لـ "قَوْماً"، والمعنى: لتنذر أقواماً ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، "لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ". قوله: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم} هي الامتناعية، و (أنْ) وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلاً. يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء: 165]، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. "فَيَقُولُوا" عطف على "تصيبهم" و "لَوْلاَ" الثانية تحضيض، و "فنتبع" جوابه، فلذلك نصب بإضمار "أَنْ". قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها (لولا)، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وهو كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28].
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه في هذه السورة من غرائب أمر موسى عليه الصلاة والسلام وخفي أحواله ما بين، وكانت هذه الأخبار لا يقدر أهل الكتاب على إنكارها، نوعاً من الإنكار، وكان من المشهور أي اشتهار، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرفها ولا سواها من غير الواحد القهار، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله حالاً من ضمير {آتينا} {وما كنت بجانب الغربي} أي الوادي من الطور الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر، فناداه منه العزيز الجبار، وهو ذو طوى {إذ} أي حين {قضينا} بكلامنا بما حوى من الجلال، وزاد العظمة في رفيع درجاته بالإشارة بحرف الغاية فقال: {إلى موسى الأمر} أي أمر إرساله إلى فرعون وقومه، وما نريد أن نفعل من ذلك في أوله وأثنائه وآخره مجملاً، فكان كل ما أخبرنا به مطابقاً تفصيله لإجماله، فأنت بحيث تسمع ذلك الذي قضيناه إليه من الجانب الذي أنت فيه {وما كنت} أي بوجه من الوجوه {من الشاهدين*} لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى في ذلك المكان في أوقاته مع من شهده منه من أهل ذلك العصر من السبعين الذين اختارهم أو غيرهم ممن تبعه أو صد عنه حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة، ولا شك أن أمر معرفتك كذلك منحصر في شهودك إياه في وقته أو تعلمك له من الخالق، أو من الخلائق الذين شاهدوه، أو أخبرهم به من شاهده، وانتفاء تعلمه من أحد من الخلائق في الشهرة بمنزلة انتفاء شهوده له في وقته، فلم يبق إلا تلقيه له من الخالق، وهو الحق الذي لا شبهة فيه عند منصف. ولما كان التقدير: وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين لذلك الأمر، وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره، استدرك ضد ذلك فقال: {ولكنا} أي بما لنا من العظمة {أنشأنا} أي بعد ما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار، كلهم {قروناً} أي ما أخرنا أحداً من أهل ذلك الزمان، ولكنا أهلكناهم وأنشأنا بعدهم أجيالاً كثيرة {فتطاول} بمروره وعلوه {عليهم العمر} جداً بتدريج من الزمان شيئاً فشيئاً فنسيت تلك الأخبار، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار، ولا سيما في زمان الفترة، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة، وتقوم بك الحجة، فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا وبوحينا. ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود، نفى سبب العلم بذلك فقال: {وما كنت ثاوياً} أي مقيماً إقامة طويلة مع الملازمة بمدين {في أهل مدين} أي قوم شعيب عليه السلام {تتلوا} أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار الحق {عليهم آياتنا} العظيمة، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره، فيكون خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم من شأنك، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه {ولكنا كنا} أي كوناً أزلياً أبدياً نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة، على حد سواء {مرسلين*} أي لنا صفة القدرة على الإرسال، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا إليك في هذا الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس، واضحة البيان سالمة من الإلباس، لأنا شاهدين لذلك كله، لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا. ولما نفى السبب المبدئي للعلم بذلك الإجمال ثم الفائي للعلم بتفصيل تلك الوقائع والأعمال، نفى السبب الفائي للعم بالأحكام ونصب الشريعة بما فيها من القصص والمواعظ والحلال والحرام والآصار والأغلال بقوله: {وما كنت بجانب الطور إذ} أي حين {نادينا} أي أوقعنا النداء لموسى عليه الصلاة والسلام فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو قبله، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله، لأنك ما خالطت أحداً ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام، ولا أحد أحملها عمن حملها عنه، ولكن ذلك كان إليك منا، وهو معنى قوله: {ولكن} أي أنزلنا ما أردنا منه ومن غيره عليك وأوحيناه إليك وأرسلناك به إلى الخلائق {رحمة من ربك} لك خصوصاً وللخلق عموماً {لتنذر} أي تحذر تحذيراً كبيراً {قوماً} أي أهل قوة ونجدة، ليس لهم عائق من أعمال الخير العظيمة، لا الإعراض عنك، وهم العرب، ومن في ذلك الزمان من الخلق {ما آتاهم} وعم المنفي بزيادة الجار في قوله: {من نذير} أي منهم، وهم مقصودون بإرساله إليهم وإلا فقد أتتهم رسل موسى عليه السلام، ثم رسل عيسى عليه الصلاة والسلام، وإن صح أمر خالد بن سنان العبسي فيكون نبياً غير رسول، أو يكون رسولاً إلى قومه بني عبس خاصة، فدعاؤه لغيرهم إن وقع فمن باب الأمر بالمعروف عموماً، لا الإرسال خصوصاً، فيكون التقدير: نذير منهم عموماً، وزيادة الجار في قوله: {من قبلك} تدل على الزمن القريب، وهو زمن الفترة، وأما ما قبل ذلك فقد كانوا فيه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى غيره عمرو بن لحي فقد أنذرهم في تلك الأزمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ثم من بعدهم من صالحي ذريتهم إلى زمان عمرو بن لحي، فهم لأجل عدم النذير عمي، عن الهدي، سالكون سبيل الردى، وقال: {لعلهم يتذكرون*} لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما جئت به وتدبروه أذكرهم إذكاراً ظاهراً - بما أشار إليه الإظهار - ما في عقولهم من شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق. ولما كان انتفاء إنذارهم قبله عليه الصلاة والسلام نافياً للحجة في عذابهم بما أوجبه الله - وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل - على نفسه الشريفة، فضلاً منه ورحمة، ذكر أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال: {ولولا} أي ولولا هذا الذي ذكرناه ما أرسلناك لتنذرهم، ولكنه حذف هذا الجواب إجلالاً له صلى الله عليه وسلم عن المواجهة به، وذلك الذي ختم الإرسال هو {أن تصيبهم} أي في وقت من الأوقات {مصيبة} أي عظيمة {بما قدمت أيديهم} أي من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنه {فيقولوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا {لولا} أي هل لا ولم لا {أرسلت إلينا} أي على وجه التشريف لنا، لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به {رسولاً} وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون كل منهما باعثاً على الفعل بقوله: {فنتبع} أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع {آياتك ونكون} أي كوناً هو في غاية الرسوخ {من المؤمنين*} أي المصدين بك في كل ما أتى به عنك رسولك صلى الله عليه وسلم تصديقاً بليغاً، فإذا قالوا ذلك على تقدير عدم الإرسال قامت لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن كانت لنا الحجة البالغة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما كنت بجانب الغربي} قال: جانب غربي الجبل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وما كنت ثاوياً} قال: الثاوي، المقيم.
القشيري
تفسير : لم تكن حاضراً فتعرف ذلك مشاهدةً، ولكنهم رأوا أنَّ إخبارَك عنهم بحيث لا يكذبك كتابُهم، وبالضرورة عرفوا حالَكَ، وكيف أنّك لم تَعْلَمْ هذا من أحدٍ، ولا قَرَأْتَه من كتاب، لأَنّكَ أُمِّيٌّ لا تُحْسِنُ القراءة، وإذاً فليس إخبارُكَ إلا بتعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ}: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى، وكَلَّمْنَاه، وخاطبناه في بابِكَ وبابِ أُمَّتِكَ، ولم تقدح غَيْبَتُكُم في الحال، وكَوْني لكم خيرٌ من كَوْنِكم لكم. ويقال: لمَّا خَاطَبَ موسى وكَلَّمَه سأله موسى: إِنِّي أرى في التوراة أُمَّةً صفتهم كذا وكذا.. مَنْ هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة، وعن الجميع كان يُجابُ بأنَّها أمة أحمد، فاشتاق موسى إلى لقائنا، فقال له: إنه ليس اليومَ وقتُ ظهورِهم، فإِنْ شِئْتَ أَسمعتُكَ كلامَهم، فأراد أن يسمعَ كلامنا، فنادانا وقال: يا أمةَ أحمد..، فأجاب الكلُّ من أصلاب آبائهم، فَسمِعَ موسى كلامَهم ولم يُدْرِكْهُم. والغنيُّ إذا سأله فقيرٌ وأجابه لا يرضى بأن يردَّه من غير إحسان إليه. (وفي رواية عن ابن عباس) أن الله قال: "حديث : يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني ". تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}. ومما كان موسى عليه السلام يتلوه عليهم من الآيات ذِكْرُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم بالجميل. وذكر أمته بحسن الثناء عليهم، فنحن في الوجود مُحْدَثٌ مخلوقٌ وفي ذكره متعلق لا باستفتاح. ولم نكن في العَدَم أعياناً، ولا أشياء، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة. وذكرنا في الخطاب الأزليّ، والكلام الصمديّ والقول الأبديّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وماكنت} يامحمد {بجانب الغربى} اى بجانب الجبل او المكان الغربى الذى وقع فيه الميقات وناجى موسى ربه على حذف الموصوف واقامة الصفة مقامه او الجانب الغربى على اضافة الموصوف كمسجد الجامع وعلى كلا التقديرين فجبل الطور غربى {اذ قضينا الى موسى الامر} اى عهدنا اليه واحكمنا امر نبوته بالوحى وايتاء التوراة {وما كنت من الشاهدين} اى من جملة الشاهدين للوحى وهم السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من امر موسى فى ميقاته وكتب التوراة له فى الالواح فتخبره للناس والمراد الدلالة على ان اخباره عن ذلك من قبل الاخبار عن المغيبات التى لاتعرف الا بالوحى ولذلك استدرك عنه بقوله {ولكنا انشأنا قرونا} خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة: وبالفارسية [وليكن بيافريديم بس از موسى كروهى بعد ازكروهى] {فتطاول عليهم العمر} تطاول بمعنى طال: وبالفارسية [دراز شد] والعمر بالفتح والضم وبضمتين الحياة. قال الراغب اسم لمدة عمارة البدن بالحياة اى طال عليهم الحياة وتمادى الامد والمهلة فتغيرت الشرائع والاحكام وعميت عليهم الانبياء لاسيما على آخرهم فاقتضى الحال التشريع الجديد فاوحينا اليك فحذف المستدرك اكتفاء بذكر ما يوجبه {وما كنت ثاويا فى اهل مدين} نفى لاحتمال كون معرفته للقصة بالسماع ممن شاهد. والثواء هو الاقامة والاستقرار اى وما كنت مقيما فى اهل مدين اقامة موسى وشعيب حال كونك {تتلو عليهم} اى تقرأ على اهل مدين بطريق التعلم منهم [جنانجه شاكردان براستاذان خوانند] وهو حال من المستكن فى ثاويا او خبر ثان لكنت {آياتنا} الناطقة بالقصة {ولكنا كنا مرسلين} اياك وموحين اليك تلك الآيات ونظائرها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كنتَ} يا محمد {بجانب} المكان {الغربي} من الطور، وهو الذي كلم الله فيه موسى، وهو الجانب الأيمن. قال السهيلي: إذا استقبلت القبلة، وأنت بالشام، كان الجبل يميناً منك، غربياً، غير أنه قال في قصة موسى:{أية : جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} تفسير : [مريم: 52 - وطه: 80]، وصفه بالصفة المشتقة من اليُمن والبركة، لتكليمه إياه فيه، وحين نفى عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون بذلك الجانب، قال: {وما كنت بجانب الغربي}، والغربي هو الأيمن. والعدول عنه، في حالة النفي؛ للاحتراس من توهم نفي اليمن عنه صلى الله عليه وسلم، وكيف، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل بصفة اليُمن وآدم بين الماء والطين! فحسنُ اللفظِ أصل في البلاغة، ومجانبة الاشتراك الموهم: من فصيحِ بديعِ الفصاحة. هـ. أي: وما كانت حاضراً بذلك الموضع، {إِذْ قَضَينا إلى موسى الأمرَ}، أي: كلمناه, وقربناه نجياً، وأوحينا إليه بالرسالة إلى فرعون، {وما كنتَ من الشاهدين}، أي: من جملة الشاهدين فتخبر بذلك، ولكن أعلمناك من طريق الوحي، بعد أن لم يكن لك بذلك شعور، والمراد: الدلالة على أن إخباره بذلك من قِبَلِ الإخبار بالمغيبات التي لا تُعرف إلا بالوحي، ولذلك استدرك عنه بقوله: {ولكنَّا أنشأنا} بعد موسى {قروناً فتطاولَ عليهم العُمُرُ}، أي: طالت أعمارهم، وفترت النبوة، وانقطعت الأخبار، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناك؛ مُجَدِّداً لتلك الأخبار، مبيناً ما وقع فيها من التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء، وأوقفناك على قصة موسى بتمامها، فكأنه قال: وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فأخبرت به، بعد اندراسه. {ومَا كنتَ ثاوياً}؛ مقيماً {في أهل مدين}، وهم شعيب والمؤمنون به، {تتلو عليهم آياتنا}؛ تقرؤها عليهم، تعلماً منهم، أو: رسولاً إليهم تتلوها عليهم بوحينا، كما تلوتها على هؤلاء، يريد: الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، {ولكنّا كنّا مُرسِلينِ} لك، فأخبرناك بها، وعلَّمناك إياها، فأخبرت هؤلاء بها، {وما كنت بجانب الطور إِذ نادينا} موسى، أن خذ الكتاب بقوة، أو ناجيناه في أيام الميقات، {ولكن} علمناك وأرسلناك {رحمةً} أي: للرحمة {من ربك لتُنذر قوماً} جاهلية {وما أتاهم من نذير من قبلك} في زمان الفترة التي بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو: بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم، {لعلهم يتذكرون}؛ لعل من أُرْسِلْتَ إليه يتعظ ويتذكر ما هو فيه من الضلال، فينزعُ ويرجع. وبالله التوفيق. الإشارة: المراد من هذه الآيات: تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم ومعرفته الخاصة، وهي سُلَّم، ومعراج إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه الواسطة العظمى، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت الله تعالى، فمنه صلى الله عليه وسلم استمدت العلوم كلها؛ علم الربوبية، من طريق البرهان، وعلمها من طريق العيان، وعلم المعاملة الموصلة إلى الرضا والرضوان، ومعرفة نبوته صلى الله عليه وسلم ضرورية لا تحتاج إلى برهان، ويرحم الله القائل: شعر : لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آيات مُبيِّنَة لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ تفسير : وقد تقدم في الأعراف التنويه به، وذكر شرفه، وشرف أمته، قبل ظهوره، وإليه الإشارة هنا بقوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا}, أي: إذ نادينا بأمرك, وأخبرنا بنبوتك، رُوي عن أبي هريرة؛ أنه نُودي يومئذٍ من السماء: يَا أُمَةُ مُحَمّدٍ، استجبتُ لَكُم قَبْلَ أَنْ تَدْعُوني، وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسألونِي، فحينئذٍ قال موسى - عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة محمد. هـ. وقال القشيري: أي: لم تكن حاضراً تتعلم ذلك؛ مشاهدةً، فليس إلا تعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال: إذ نادينا موسى، وخاطبناه، وكلمناه في بابك وباب أُمَّتِكَ، وما طلب موسى لأمته جعلناه لأمتك، فكوْني لكم: خيرٌ لكم من كونِكم لكم فلم تقدح فيكم غَيْبَتَكُمْ في الحال، كما أنشدوا: شعر : كُـنْ لِـي؛ كَمَـا كُنْـتَ لـي فـي حيـن لـمْ أَكُـنِ تفسير : ويقال: لما خاطب موسى وكلمه، سأله موسى، إنه رأى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا، من هم؟ فقال: هم أمة محمد. وذكر لموسى أوصافاً كثيرة، فاشتاق إلى لقائهم، فقال له: ليس اليوم وقت حضورهم فإن شئت أسمعناك كلامهم، فأراد ذلك، فنادى: يا أُمة محمد؛ فأجاب الكل من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم، ثم لم يتركهم كذلك، بل زادهم من الفضائل؛ لأن الغني؛ إذا دعا فقيراً فأجابه؛ لم يرض أن يذكره من غير إحسانه. هـ. وقال الطبري: معنى قوله: {إذ نادينا} أي: بقوله: {سأكتبها للذين يتقون...} الآية. هـ. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة إرساله، فقال: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ...}
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} اى بجانب الجبل الّذى هو الطّور او الوادى الّذى فيه الطّور الغربىّ منك او من موسى (ع) فانّ الجبل على قول انّه كان فى الشّام كان غربيّاً بالنّسبة الى مكّة والمدينة وبالنّسبة الى مصر ومدين، او المعنى وما كنت بجانب الطّرف الغربىّ من الطّور {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} انهينا اليه امر النّبوّة حين استنبئناه بعد الرّجوع الى مصر او امر التّوراة والواحها حين اعطيناه فى الطّور اوامر نور الولاية حين اندكّ الجبل وخرّ موسى (ع) صعقاً واهلك قومه السّبعين فانّ الكلّ من الاخبار المغيبات الّتى لا تعلم الاّ بطريق الوحى او اخبار من شاهدها {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} لها حتّى تعلمها بالشّهود.
فرات الكوفي
تفسير : {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر44} قال: حدثنا سعيد بن الحسن بن مالك معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر، أ]: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر [وما كنت من الشاهدين}. أ، ر] قال: قضى بخلافة يوشع بن نون من بعده ثم قال له: إني لم أدع نبياً من غير وصي وإني باعث نبياً عربياً وجاعل وصيه علياً فذلك قوله {وما كنت بجانب الغربي [إذ قضينا إلى موسى الأمر}. ب]. [قال: حدثنا علي. ر، أ] بن أحمد بن [علي بن. ر] حاتم [عن حسن بن عبد الواحد عن سليمان بن محمد بن أبي فاطمة عن جابر بن إسحاق البصري عن النضر بن إسماعيل الواسطي عن جويبر عن الضحاك]: عن ابن عباس رضي الله عنه مثله وزاد فيه في الوصاية: وحدثه بما كان وما هو كائن فقال ابن عباس رضي الله عنه وقد حدث نبيه بما هو كائن وحدته باختلاف هذه الأمة من بعده فمن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات بغير وصية فقد كذب [الله. ر، أ] وجهل نبيه. قال: حدثني عبد الله بن محمد بن هاشم الدوري معنعناً: عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: قال ابن عباس رضي الله عنه في قول الله [تعالى. ر]: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين} قال: قضى إليه بالوصية إلى يوشع بن نون وأعلمه أنه لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له وصياً وإني باعث نبياً عربياً وجاعل وصيه علياً. قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يوص فقد كذب على الله وجهل نبيه وقد أخبر الله نبيه بما هو كائن إلى يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كُنتَ} يا محمد. {بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ} أي بجانب الجبل الغربي وهو الطور أو الوادي الغربي او المكان الغربي والمراد ان ذلك كان غربا لموسى حين المناجاة قاله ابن عباس وقيل من اضافة الموصوف للصفة اي الجانب الغربي من مقام موسى والياء بمعنى أي ما كنت حاضرا في جانب الغربي ويجوز كون الجانب الغربي شيئا واحد عند القراء لاجازته اضافة الشيء لنفسه عند اضافة اللفظين وذلك الغربي هو الأيمن ولم يعبر بالايمن ليكون الكلام أفصح وأبلغ فان سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل جانب الأيمن مذ كان في ظهر آدم عليه السلام. {إِذْ قَضَيْنَا} أنهينا وأوحينا. {إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} الارسال الى فرعون وكتب التوراة في الألواح وغير ذلك من أمره. {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} لذلك فتعرفه فتخبر به وهم النقباء فانما تخبر به على طريق الرسالة اليك من عندي وقيل الأمر رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال عياض وهو أنسب بقوله {أية : ولكنا أنشأنا قرونا}.
اطفيش
تفسير : {وما كُنْت بجانب الغربىِّ} حين كان فيه موسى، فتخبر قومك بما شاهدت وأنت لم توجد يومئذ فما أخبرت بقصصه إلا بالوحى، والمعنى بجانب الجبل الغربى، وهو الطور، أو جانب المكان الغربى، أو بجانب الوادى الغربى، وذلك غرب لمسير موسى {إذ قضَينا} أوحينا {إلى مُوسى الأمْر} من تحقيق النبوَّة وإيتاء التوراة فى الألواح فى ذلك الجانب {وما كُنتَ من الشاهدين} من السبعين المختارين للحضور مع موسى عليه السلام، أو من الملائكة الجارى الوحى على أديهم، أو من يشهد بما شهد عليه، ويتكرر مع قوله: {بجانب الغربى} لو فسرناه بالحاضرين. إلا إن فسرنا ذلك بمطلق الوجود هنالك، وهذا بالمشاهدة.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } شروع في بيان أن إنزال القرآن الكريم أيضاً واقع زمان مساس الحاجة إليه واقتضاء الحكمة له البتة متضمناً تحقيق كونه وحياً صادقاً من عند الله تعالى ببيان أن الوقوف على ما فصل من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث انتفى كلاهما تبين أنه بوحي من علام الغيوب لا محالة كذا قيل. ولا يخفى أن تعين كونه بوحي لا يتم إلا بنفي كونه بالاستفاضة وكونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب المعاصرين له صلى الله عليه وسلم كما قال المشركون: {أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ }تفسير : [النحل: 103] ولعله إنما لم يتعرض لنفي ذلك وتعرض لنفي ما هو أظهر انتفاء منه للإشارة إلى ظهور انتفاء ذلك والمبالغة في دعوى ذلك حيث آذن بأن المحتاج إلى الإخبار بانتفائه ذانك الأمران دونه على أنه عز وجل قد نفى في / موضع آخر كونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب ولعله يعلم منه انتفاء كونه بالاستفاضة وإن قلنا: إنه لا يعلم فدليله ظاهر جداً، ولذا لم يتشبث بكون الوقوف بها أحد من المشركين فتدبر، والمعنى على ما ذهب إليه بعضهم وما كنت حاضراً بجانب الجبل الغربـي أو المكان الغربـي الذي وقع فيه الميقات وأعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى عليه السلام، والكلام على هذا من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وهو عند قوم من باب إضافة الموصوف إلى الصفة التي جوزها الكوفيون كما في مسجد الجامع، والأصل في الجانب الغربـي فيتحد الجانب والغربـي على هذا الوجه وهو بعض من الغربـي على الوجه الأول. {إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ } أي عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة. {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي من جملة الحاضرين للوحي إليه أو الشاهدين على الوحي إليه عليه السلام وهم السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتخبر به الناس، فالشاهد من الشهادة إما بمعنى الحضور أو بمعناها المعروف واستشكل إرادة المعنى الأول بلزوم التكرار فإنه قد نفى الحضور أولاً في قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } وكذا إرادة المعنى الثاني بلزوم نحو ذلك لما أن نفي الحضور يستدعي نفي كونه من الشاهدين بذلك المعنى، ومن هنا قيل: المراد من الأول نفي كونه صلى الله عليه وسلم حاضراً بنفسه لغرض من الأغراض، ومن الثاني نفي كونه عليه الصلاة والسلام من جماعة جيء بهم ليحضروا فيطلعوا على ما يقع هناك لموسى عليه السلام لأن المراد بالشاهدين جماعة معهودون كان حالهم ذلك. وقيل: المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام فقد جاء الشاهد اسماً للملك كما في «القاموس» فكأنه قيل: ما كنت حاضراً بجانب الغربـي إذ قضينا إلى موسى أمر نبوته بالوحي وما كنت من الملائكة الذين ينزلون ويصعدون بأمر الله تعالى ووحيه إلى أنبيائه عليهم السلام ولهم من الاطلاع على الحوادث ما ليس لغيرهم من البشر حتى يكون لك علم بما وقع لموسى عليه السلام فتخبر به الناس. وقال ابن عباس كما في «التفسير الكبير» و«البحر»: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت لما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى، وقيل: وهو مختار أبـي حيان إن المعنى وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به فهو نفي لشهادته عليه الصلاة والسلام جميع ما جرى لموسى عليه السلام فكان عموماً بعد خصوص، وقيل: المراد وما كنت من الشاهدين ذلك الزمان فيكون نفياً لحضوره ومشاهدته ذلك الزمان أعم من أن يكون بجانب الغربـي أو بغيره، وحاصله نفي الوجود العيني إذ ذاك فكيون ترقياً في النفي. وقيل: المراد وما كنت إذ ذاك منتظماً في سلك من يتصف بالشهادة وهم الموجودون بالوجود العيني أينما كانوا ومآله كمآل ما قبله وإن اختلفا في طريق الإرادة وتعين كون الشهادة فيما قبله بمعنى الحضور. ولعل ما قبله أظهر منه بل إذا ادعى مدع كونه أظهر من جميع ما قيل لم يبعد هذا ولا يخفى عليك حال تلك الأقوال وما فيها من القيل. والقال، وفي القلب من صحة نسبة ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إليه ما فيه فتدبر جميع ذاك، والله تعالى يتولى هداك.
سيد قطب
تفسير : مضت قصة موسى ـ عليه السلام ـ بدلالاتها التي وضحت في الدرس الماضي. فأما في هذا الدرس فتبدأ التعقيبات عليها؛ ثم يمضي السياق في طريقه على محور السورة الأصيل، يبين أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؛ ويجول مع المشركين الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير. يجول معهم جولات شتى في مشاهد الكون، وفي مشاهد الحشر، وفيما هم فيه من الأمر؛ بعد أن يعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود. وهو رحمة لهم من العذاب، لو أنهم كانوا يتذكرون. والتعقيب الأول على القصة يدور حول دلالتها على صدق دعوى الوحي. فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتلو عليهم تفصيلات الأحداث كما يقصها شاهد العيان؛ وما كان حاضر أحداثها، ولكنه الوحي يقصها عليه من لدن عليم خبير، رحمة بقومه أن يصيبهم العذاب بما هم فيه من الشرك، {فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين}.. {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، وما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر. وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا؛ ولكنا كنا مرسلين. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا؛ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون. ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم، فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: لولا أوتي مثلما أوتي موسى! أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل؟ قالوا: سحران: تظاهرا. وقالوا: إنا بكل كافرون. قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه. إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين. ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون}.. والغربي هو الجانب الغربي للطور الذي جعله الله ميقاتاً مع موسى ـ عليه السلام ـ بعد أجل محدد.. ثلاثين ليلة، أتمها بعشر. فكانت أربعين ليلة (على ما ذكر في سورة الأعراف) وفي هذا الميقات قضي الأمر لموسى في الألواح، لتكون شريعته في بني إسرائيل. وما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاهداً لهذا الميقات، حتى يعلم نبأه المفصل، كما ورد في القرآن الكريم. وإن بينه وبين هذا الحادث لقروناً من الناس ـ أي أجيالاً متطاولة: {ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر}. فتلك دلالة على أن الذي نبأه به هو العليم الخبير، الذي يوحي إليه بالقرآن الكريم. ولقد تحدث القرآن كذلك بأنباء مدين، ومقام موسى ـ عليه السلام ـ بها وتلاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما كان مقيماً في أهل مدين، يتلقى عنهم أخبار هذه الفترة بمثل ذلك التفصيل الذي جاءت فيه: {ولكنا كنا مرسلين} بهذا القرآن وما فيه من أنباء السابقين. كذلك صوَّر القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} وما سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ النداء، وما سجل في وقتها تفصيلاته. ولكنها رحمة الله بقومه هؤلاء، أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يدعوهم إليه، لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله ـ فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل، منذ أبيهم إسماعيل: {لعلهم يتذكرون}.. فهي رحمة الله بالقوم، وهي حجته كذلك عليهم، كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب ـ وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب ـ فأراد الله أن يقطع حجتهم، وأن يعذر إليهم، وأن يقفهم أمام نفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم، فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين!}.. كذلك كانوا سيقولون لو لم يأتهم رسول. ولو لم يكن مع هذا الرسول من الآيات ما يلزم الحجة. ولكنهم حين جاءهم الرسول، ومعه الحق الذي لا مرية فيه لم يتبعوه: {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: لولا أوتي مثلما أوتي موسى! أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل؟ قالوا: سحران تظاهرا، وقالوا: إنا بكل كافرون}.. وهكذا لم يذعنوا للحق، واستمسكوا بالتعلات الباطلة: {قالوا: لولا أوتي مثلما أوتي موسى} إما من الخوارق المادية، وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة، وفيها التوراة كاملة. ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم، ولا مخلصين في اعتراضهم: {أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل؟} ولقد كان في الجزيرة يهود، وكان معهم التوراة، فلم يؤمن لهم العرب، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة. ولقد علموا أن صفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكتوبة في التوراة، واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق، وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب؛ فلم يذعنوا لهذا كله، وادعوا أن التوراة سحر، وأن القرآن سحر، وأنهما من أجل هذا يتطابقان، ويصدق أحدهما الآخر: {قالوا: سحران تظاهرا. وقالوا: إنا بكل كافرون}! فهو المراء إذن واللجاجة، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين، ولا ضعف الدليل. ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج. يقول لهم: إن لم يكن يعجبكم القرآن، ولم تكن تعجبكم التوراة؛ فإن كان عندكم من كتب الله ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه: {قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه. إن كنتم صادقين}! وهذه نهاية الإنصاف، وغاية المطاولة بالحجة، فمن لم يجنح إلى الحق بعد هذا فهو ذو الهوى المكابر، الذي لا يستند إلى دليل: {فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. إن الحق في هذا القرآن لبين؛ وإن حجة هذا الدين لواضحة، فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده. وإنهما لطريقان لا ثالث لهما: إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى، وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم. وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق. ولا حجة من غموض في العقيدة، أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل. كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون. {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم}.. وهكذا جزما وقطعا. كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها.. إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين. متجنون لا حجة لهم ولا معذرة، متبعون للهوى، معرضون عن الحق الواضح: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟}.. وهم في هذا ظالمون باغون: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن، ولم يحيطوا علماً بهذا الدين. فما هو إلا أن يصل إليهم، ويعرض عليهم، حتى تقوم الحجة، وينقطع الجدل، وتسقط المعذرة. فهو بذاته واضح واضح، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه، ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه، ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله. {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم، وعرضه عليهم، فلم يعد لهم من حجة ولا دليل.. {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون}.. وحين تنتهي هذه الجولة، فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية. تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم، وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون؛ وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به، إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، ويدرأون بالحسنة السيئة، ومما رزقناهم ينفقون؛ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أعمالنا، ولكم أعمالكم، سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين}.. قال سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ عليهم: {أية : يس والقرآن الحكيم} تفسير : حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا؛ ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون... إلخ}.. وروى محمد بن إسحاق في السيرة: "ثم قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريباً من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه، وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام، في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؟ ما نعلم ركباً أحمق منكم! فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً". قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران. فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال والله أعلم: إن فيهم نزلت هذه الآيات: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون.. إلخ}. قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه ـ رضي الله عنه ـ والآيات اللاتي في سورة المائدة: {أية : ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً...}تفسير : إلى قوله ـ {أية : فاكتبنا مع الشاهدين }. تفسير : وأياً من كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات، فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع، يعلمونه ولا ينكرونه. كي يقفهم وجهاً لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن، وتطمئن إليه، وترى فيه الحق، وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب. ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء؛ وتحتمل في سبيل الحق الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء، وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء. {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون}.. وهذه إحدى الآيات على صحته، فالكتاب كله من عند الله، فهو متطابق، من أوتي أوله عرف الحق في آخره، فاطمأن له، وآمن به، وعلم أنه من عند الله الذي نزل الكتاب كله. {وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به. إنه الحق من ربنا. إنا كنا من قبله مسلمين}... فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تلاوته فيعرف الذين عرفوا الحق من قبل أنه من ذلك المعين، وأنه صادر من ذلك المصدر الواحد الذي لا يكذب. {إنه الحق من ربنا}.. {إنا كنا من قبله مسلمين}. والإسلام لله هو دين المؤمنين بكل دين. هؤلاء الذين أسلموا لله من قبل، ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}.. الصبر على الإسلام الخالص. إسلام القلب والوجه. ومغالبة الهوى والشهوة. والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة. أولئك يؤتون أجرهم مرتين، جزاء على ذلك الصبر، وهو عسير على النفوس، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف. وهؤلاء صبروا عليها جميعاً، وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية، وكما يقع دائماً للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان: {ويدرأون بالحسنة السيئة}.. وهذا هو الصبر كذلك. وهو أشد مؤنة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية. إنه الاستعلاء على كبرياء النفس، ورغبتها في دفع السخرية، ورد الأذى، والشفاء من الغيظ، والبرد بالانتقام! ثم درجة أخرى بعد ذلك كله. درجة السماحة الراضية. التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان؛ وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون الله فيرضاهم ويرضونه، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين. {ومما رزقناهم ينفقون}.. وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان. فهما من منبع واحد: منبع الاستعلاء على شهوة النفس، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض. الأولى في النفس، والثانية في المال. وكثيراً ما يردان متلازمين في القرآن. وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم. لا نبتغي الجاهلين}.. واللغو فارغ الحديث، الذي لا طائل تحته، ولا حاصل وراءه. وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زاداً جديداً، ولا معرفة مفيدة. وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان، سواء: أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب. والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو، ولا تستمع إلى ذاك الهذر، ولا تعنى بهذا البذاء. فهي مشغولة بتكاليف الإيمان، مرتفعة بأشواقه، متطهرة بنوره: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه}.. ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله، ولا يدخلون معهم في جدل حوله، لأن الجدل مع أهل اللغو لغو؛ إنما يتركونهم في موادعة وسلام. {وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم}.. هكذا في أدب، وفي دعاء بالخير، وفي رغبة في الهداية.. مع عدم الرغبة في المشاركة: {لا نبتغي الجاهلين}.. ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين، ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين! إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها. تفيض بالترفع عن اللغو. كما تفيض بالسماحة والود. وترسم لمن يريد أن يتأدب الله طريقه واضحاً لا لبس فيه. فلا مشاركة للجهال، ولا مخاصمة لهم، ولا موجدة عليهم، ولا ضيق بهم. إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسيء. هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم القرآن. ووراءه من قومه من جهد جهده ليؤمن؛ ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام. فلم يقدر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه. وما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليهدي من يحب. إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان.. {إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. وهو أعلم بالمهتدين}.. ورد في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان يحوطه وينصره، ويقف دونه في وجه قريش، ويحميه حتى يبلغ دعوته، ويحتمل في سبيل ذلك مقاطعة قريش له ولبني هاشم وحصارهم في الشعب. ولكنه إنما يفعل ذلك كله حباً لابن أخيه، وحمية وإباء ونخوة. فلما حضرته الوفاة دعاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فلم يكتب الله له هذا، لما يعلمه سبحانه من أمره.. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي ـ رضي الله عنه ـ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية ابن المغيرة. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال: على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" تفسير : فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى}. وأنزل في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}... (أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري). ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: "حديث : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا عماه. قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة"تفسير : فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون: ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك. لا أقولها إلا لأقر بها عينك". ونزل قول الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين}. وروى عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب. وكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد المطلب. وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذاً بصرامة هذا الدين واستقامته. فهذا عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكافله وحاميه والذائد عنه، لا يكتب الله له الإيمان، على شدة حبه لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشدة حب رسول الله له أن يؤمن. ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة، ولم يقصد إلى العقيدة. وقد علم الله هذا منه، فلم يقدر له ما كان يحبه له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرجوه. فأخرج هذا الأمر ـ أمر الهداية ـ من حصة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعله خاصاً بإرادته سبحانه وتقديره. وما على الرسول إلا البلاغ. وما على الداعين بعده إلا النصيحة. والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن، والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد واستعدادهم للهدى أو الضلال. والآن يجيء السياق إلى قولتهم التي قالوها للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ معتذرين عن اتباعه مخافة أن يفقدوا سلطانهم على قبائل العرب المجاورة، التي تعظم الكعبة، وتدين لسدنتها، وتعظم أصنامها، فتتخطفهم تلك القبائل، أو يتخطفهم أعداؤهم من وراء شبه الجزيرة دون أن تساندهم هذه القبائل. فيبين لهم أين يكون الأمن وأين يكون الخوف من واقعهم التاريخي، ومن حاضرهم الذي يشهدونه، بعدما أبان لهم في هذه السورة عن ذلك في قصة موسى وفرعون. ويجول معهم جولة في مصارع الغابرين تكشف لهم كذلك عن أسباب الهلاك الحقيقية ممثلة في البطر وقلة الشكر والتكذيب بالرسل والإعراض عن الآيات. ثم جولة أخرى أبعد تكشف عن حقيقة القيم وتبدو فيها ضآلة الحياة الدنيا كلها ومتاعها إلى جوار ما عند الله. {وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون. وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين. وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون. وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون؟ أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين؟}.. إنها النظرة السطحية القريبة، ويغري بهم الأعداء، ويفقدهم العون والنصير، ويعود عليهم بالفقر والبوار: {وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}.. فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس. وهم ينسون الله، وينسون أنه وحده الحافظ، وأنه وحده الحامي؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله. ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة؛ وأن هذا ليس وهماً وليس قولاً يقال لطمأنة القلوب. إنما هو حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه، والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة. فالله خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له. والذي يتبع هدى الله يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة، ويأوي إلى ركن شديد، في واقع الحياة. إن هدى الله منهج حياة صحيحة. حياة واقعة في هذه الأرض. وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية. وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؛ ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة. إنما هو يربطهما معاً برباط واحد: صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض. ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة. فالدنيا مزرعة الآخرة، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها. بشرط اتباع هدى الله. والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه. وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة. أمانة الخلافة في الأرض تصريف الحياة. وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله والسير على هداه. يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية! وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}. فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان. وقد رد الله عليهم في وقتها بما يكذب هذا العذر الموهوم. فمن الذي وهبهم الأمن؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام؟ ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعاً؟ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة: {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟}.. فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله، والله هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! {ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة. ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله. فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقاً، وأن يأمنوا التخطف حقاً، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين}.. إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى. وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن؛ فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية.. {لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً}. وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها. وتروي قصة البطر بالنعمة؛ وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحداً، ولم يرثها بعدهم أحد {وكنا نحن الوارثين}. على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولاً. فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}.. وحكمة إرسال الرسول في أم القرى ـ أي كبراها أو عاصمتها ـ أن تكون مركزاً تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد. وقد أرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة أم القرى العربية. فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير. {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}.. يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين! على أن متاع الحياة الدنيا بكامله، وعرض الحياة الدنيا جميعه، وما مكنهم الله فيه من الأرض، وما وهبهم إياه من الثمرات، وما يتسنى للبشر كلهم طوال هذه الحياة، إن هو إلا شيء ضئيل زهيد، إذا قيس بما عند الله: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها. وما عند الله خير وأبقى. أفلا تعقلون؟}. وهذا هو التقويم الأخير لا لما يخشون فوته من الأمن والأرض والمتاع وحده؛ ولا لما يمن به الله عليهم من التمكين والثمار والأمان وحده؛ ولا لما وهبه الله للقرى ثم أهلكها بالتبطر فيه وحده. إنما هو التقويم الأخير لكل ما في هذه الحياة الدنيا حتى لو ساغ، وحتى لو كمل، وحتى لو دام، فلم يعقبه الهلاك والدمار. إنه كله {متاع الحياة الدنيا وزينتها}.. {وما عند الله خير وأبقى} خير في طبيعته وأبقى في مدته. {أفلا تعقلون؟}.. والمفاضلة بين هذا وذاك تحتاج إلى عقل يدرك طبيعة هذا وذاك. ومن ثم يجيء التعقيب في هذه الصيغة للتنبيه لإعمال العقل في الاختيار! وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم صفحتي الدنيا والآخرة، ولمن شاء أن يختار: {أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين؟}.. فهذه صفحة من وعده الله وعداً حسناً فوجده في الآخرة حقاً وهو لا بد لاقيه. وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضاراً للحساب. والتعبير يوحي بالإكراه {من المحضرين} الذين يجاء بهم مكرهين خائفين يودون أن لم يكونوا محضرين، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد! وتلك نهاية المطاف في الرد على مقالتهم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} فحتى لو كان ذلك كذلك فهو خير من أن يكونوا في الآخرة من المحضرين! فكيف واتباع هدى الله معه الأمن في الدنيا والتمكين، ومعه العطاء في الآخرة والأمان؟ ألا إنه لا يترك هدى الله إذن إلا الغافلون الذين لا يدركون حقيقة القوى في هذا الكون. ولا يعرفون أين تكون المخافة وأين يكون الأمن. وإلا الخاسرون الذين لا يحسنون الاختيار لأنفسهم ولا يتقون البوار. وعندما يصل بهم إلى الشاطئ الآخر يجول بهم جولة أخرى في مشهد من مشاهد القيامة، يصور مغبة ما هم فيه من الشرك والغواية: {ويوم يناديهم فيقول: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ قال الذين حق عليهم القول: ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون. وقيل: ادعوا شركاءكم. فدعوهم فلو يستجيبوا لهم، ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون}. {ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم المرسلين؟ فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون. فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً، فعسى أن يكون من المفلحين}.. والسؤال الأول للتوبيخ والتأنيب: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟}.. والله يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء، وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئاً، ولا يستطيعون إليهم سبيلاً. ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد. ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال، فليس المقصود به هو الجواب! إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم، وصدهم عن هدى الله، كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم، فيقولون: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا؛ تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون}! ربنا إننا لم نغوهم قسراً، فما كان لنا من سلطان على قلوبهم؛ إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واخيتار، كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار. {تبرأنا إليك} من جريمة إغوائهم. {ما كانوا إيانا يعبدون} إنما كانوا يعبدون أصناماً وأوثاناً وخلقاً من خلقك، ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة، ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة! عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها. مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله: {وقيل: ادعوا شركاءكم}.. ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم! والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم، ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين: {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم}... ولم يكن منتظراً غير ذاك، ولكنه الإذلال والإعنات! {ورأوا العذاب}.. رأوه في هذا الحوار. ورأوه ماثلاً وراءه. فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب. وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه، وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب: وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون: {لو أنهم كانوا يهتدون}.. ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب: {ويوم يناديهم فيقول، ماذا أجبتم المرسلين؟}.. وإن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين. ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل. وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت. ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون}. والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة. وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم، وهم لا يعلمون شيئاً عن أي شيء! ولا يملكون سؤالاً ولا جواباً. وهم في ذهولهم صامتون ساكتون! {فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين}.. وهذه هي الصفحة المقابلة. ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين، يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحاً، وما ينتظره من الرجاء في الفلاح. ولمن شاء أن يختار. وفي الوقت فسحة للاختيار! ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة الله واختياره؛ فهو الذي يخلق كل شيء، ويعلم كل شيء، وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب. وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم، فالله يخلق ما يشاء ويختار: {وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون}.. وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية.. يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة! ولتقرير وحدانية الله ورد الأمر كله إليه في النهاية. {وربك يخلق ما يشاء ويختار. ما كان لهم الخيرة}.. إنها الحقيقة التي كثيراً ما ينساها الناس، أو ينسون بعض جوانبها. إن الله يخلق ما يشاء؛ لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئاً ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئاً، ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئاً. وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصاً ولا حادثاً ولا حركة ولا قولاً ولا فعلاً.. {ما كان لهم الخيرة} لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم، ومرد الأمر كله إلى الله في الصغير والكبير.. هذه الحقيقة لو استقرت في الأخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئاً يحل بهم، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم. فليسوا هم الذين يختارون، إنما الله هو الذي يختار. وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم. ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع ـ بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار ـ بالرضى والتسليم والقبول. فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك لله. ولقد كان المشركون يشركون مع الله آلهة مدعاة؛ والله وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره.. {سبحان الله وتعالى عما يشركون}.. {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}.. فهو مجازيهم بما يعلم من أمرهم، مختار لهم ما هم له أهل، من هدى أو ضلال. {وهو الله لا إله إلا هو}.. فلا شريك له في خلق ولا اختيار. {له الحمد في الأولى والآخرة}.. على اختياره، وعلى نعمائه، وعلى حكمته وتدبيره، وعلى عدله ورحمته، وهو وحده المختص بالحمد والثناء. {وله الحكم}.. يقضي في عباده بقضائه، لا راد له ولا مبدل لحكمه. {وإليه ترجعون}.. فيقضي بينكم قضاءه الأخير... وهكذا يطوقهم بالشعور بقدرة الله وتفرد إرادته في هذا الوجود واطلاعه على سرهم وعلانتيهم فلا تخفى عليه منهم خافية؛ وإليه مرجعهم فلا تشرد منهم شاردة. فكيف يشركون بالله بعد هذا وهم في قبضته لا يفلتون؟ ثم يجول بهم جولة في مشاهد الكون الذي يعيشون فيه غافلين عن تدبير الله لهم، واختياره لحياتهم ومعاشهم؛ فيوقظ مشاعرهم لظاهرتين كونيتين عظيمتين. ظاهرتي الليل والنهار، وما وراءهما من أسرار الاختيار والشهادة بوحدانية الخالق المختار: {قل: أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء؟ أفلا تسمعون؟ قل: أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه؟ أفلا تبصرون؟ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون}.. والناس لطول ما اعتادوا من كر الجديدين ينسون جدتهما المتكررة التي لا تبلى. ولا يروعهم مطلع الشمس ولا مغيبها إلا قليلاً. ولا يهزهم طلوع النهار وإقبال الليل إلا نادراً. ولا يتدبرون ما في تواليهما من رحمة بهم وإنقاذ من البلى والدمار، أو التعطل والبوار، أو الملل والهمود. والقرآن الكريم يوقظهم من همود الإلف والعادة، ويلفتهم إلى تملي الكون من حولهم ومشاهده العظيمة؛ وذلك حين يخيل إليهم استمرار الليل أبداً أو النهار أبداً، وحين يخيفهم من عواقب هذا وذاك. وما يشعر الإنسان بقيمة الشيء إلا حين يفقده أو يخاف عليه الفقدان. {قل: أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة. من إله غير الله يأتيكم بضياء؟ أفلا تسمعون؟}.. والناس يشتاقون إلى الصبح حين يطول بهم الليل قليلاً في أيام الشتاء، ويحنون إلى ضياء الشمس حين تتوارى عنهم فترة وراء السحاب! فكيف بهم لو فقدوا الضياء. ولو دام عليهم الليل سرمداً إلى يوم القيامة؟ ذلك على فرض أنهم ظلوا أحياء. وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار، لو لم يطلع عليها النهار! {قل: أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة. من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه؟ أفلا تبصرون؟}.. والناس يستروحون الظلال حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار. ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف. ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار. والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار. فكيف بالناس لو ظل النهار سرمداً إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء. وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار إن دام عليها النهار! ألا إن كل شيء بقدر. وكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون بتدبير. وكل شيء عنده بمقدار: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}.. فالليل سكينة وقرار، والنهار نشاط وعمل، والمتجه فيه إلى فضل الله. فما يعطي الناس شيئاً إلا من فضله {ولعلكم تشكرون} ما يسره الله لكم من نعمة ومن رحمة، وما دبره لكم واختاره من توالي الليل والنهار، ومن كل سنن الحياة التي لم تختاروها، ولكن اختارها الله عن رحمة وعن علم وعن حكمة تغفلون عنها لطول الإلف والتكرار. ويختم هذه الجولات بمشهد سريع من مشاهد القيامة يسألهم فيه سؤال استنكار عما زعموا من شركاء. ويقفهم وجهاً لوجه أمام أباطيلهم المدعاة، حيث تتذاوب وتتهاوى في موقف السؤال والحساب: {ويوم يناديهم فيقول: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا: هاتوا برهانكم. فعلموا أن الحق لله، وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. وتصوير يوم النداء، وما فيه من سؤال عن الشركاء، قد سبق في جولة ماضية. فهو يعاد هنا لتوكيده وتثبيته بمناسبة المشهد الجديد الذي يعرض هنا. مشهد نزع شهيد من كل أمة. وهو نبيها الذي يشهد بما أجابته وما استقبلت به رسالته. والنزع حركة شديدة، والمقصود إقامته وإبرازه وإفراده من بينهم ليشهده قومه جميعاً وليشهد قومه جميعاً. وفي مواجهة هذا الشاهد يطلب منهم برهانهم على ما اعتقدوا وما فعلوا. وليس لديهم برهان؛ ولا سبيل لهم يومئذ إلى المكابرة: {فعلموا أن الحق لله}.. الحق كله خالصاً لا شبهة فيه ولا ريبة. {وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. من شرك ومن شركاء، فما هو بواجدهم وما هم بواجديه! في وقت حاجتهم إليه في موقف الجدل والبرهان! بهذا تنتهي التعقيبات على قصة موسى وفرعون. وقد طوفت بالنفوس والقلوب في تلك الآفاق والعوالم والأحداث والمشاهد. وردتها من الدنيا إلى الآخرة، ومن الآخرة إلى الدنيا. وطوقت بها في جنبات الكون وفي أغوار النفس، وفي مصارع الغابرين، وفي سنن الكون والحياة. متناسقة كلها مع محور السورة الأصيل. ومع القصتين الرئيسيتين في السورة: قصة موسى وفرعون. وقصة قارون. وقد مضت الأولى. فلنستعرض الثانية بعد تلك التعقيبات وهذه الجولات.
ابن عاشور
تفسير : لما بطلت شبهتهم التي حاولوا بها إحالة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم نُقل الكلام إلى إثبات رسالته بالحجة الدامغة؛ وذلك بما أعلمه الله به من أخبار رسالة موسى مما لا قبل له بعلمه لولا أن ذلك وحي إليه من الله تعالى. فهذا تخلص من الاعتبار بدلالة الالتزام في قصة موسى إلى الصريح من إثبات نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم. وجيء في الاستدلال بطريقة المذهب الكلامي حيث بُني الاستدلال على انتفاء كون النبي عليه الصلاة والسلام موجوداً في المكان الذي قضى الله فيه أمر الوحي إلى موسى، لينتقل منه إلى أن مثله ما كان يعمل ذلك إلا عن مشاهدة لأن طريق العلم بغير المشاهدة له مفقود منه ومن قومه إذ لم يكونوا أهل معرفة بأخبار الرسل كما كان أهل الكتاب، فلما انتفى طريق العلم المتعارف لأمثاله تعين أن طريق علمه هو إخبار الله تعالى إياه بخبر موسى. ولما كان قوله {وما كنت بجانب الغربي} نفياً لوجوده هناك وحضوره تعين أن المراد من الشاهدين أهل الشهادة، أي الخبر اليقين، وهم علماء بني إسرائيل لأنهم الذين أشهدهم الله على التوراة وما فيها، ألا ترى أنه ذمهم بكتمهم بعض ما تتضمنه التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله}تفسير : [ البقرة: 140]. والمعنى ما كنت من أهل ذلك الزمن ولا ممن تلقى أخبار ذلك بالخبر اليقين المتواتر من كتبهم يومئذ فتعين أن طريق علمك بذلك وحي الله تعالى. والأمر المقضي: هو أمر النبوءة لموسى إذ تلقاها موسى. وقوله {بجانب الغربي} هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله بالجانب الغربي، وهو كثير في الكلام العربي وإن أنكره نحاة البصرة وأكثروا من التأويل، والحق جوازه. والجانب الغربي هو الذي ذكر آنفاً بوصف {أية : شاطىء الوادي الأيمن}تفسير : [ القصص: 30] أي على بيت القبلة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما كنت بجانب الغربي: أي لم تكن يا رسولنا حاضراً بالجانب الغربي من موسى. إذ قضينا إلى موسى الأمر: أي بالرسالة إلى فرعون وقومه. وما كنت من الشاهدين: حتى تعلمه وتخبر به. ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر: أي غير أننا أنشأنا بعد موسى أمماً طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي فجئنا بك رسولاً وأوحينا إليك خبر موسى وغيره. وما كنت ثاوياً في أهل مدين: أي ولم تكن يا رسولنا مقيماً في أهل مدين فتعرف قصتهم. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا: أي لم تكن بجانب الطور أي جبل الطور إذ نادينا موسى وأوحينا إليه ما أوحينا حتى تخبر بذلك. ما أتاهم من نذير من قبلك: أي أهل مكة والعرب كافة. ولولا أن تصيبهم مصيبة الخ: أي فيقولوا لولا أي هلا أرسلت إلينا رسولاً لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولاً. معنى الآيات: بعد انتهاء قصص موسى مع فرعون وإنزال التوراة {أية : بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [القصص: 43] وكان القصص كله شاهداً على نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاطب الله تعالى رسوله فقال: {وَمَا كُنتَ} أي حاضراً {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي بالجبل الغربي من موسى {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} بإرساله رسولاً إلى فرعون وملئه {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي الحاضرين إذاً فكيف علمت هذا وتتحدث به لولا أنك رسول حق؟! وقوله: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً} أي أمماً بعد موسى {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي طالت بهم الحياة وامتدت فنسوا العهود واندرست العلوم الشرعية وانقطع الوحي فجئنا بك رسولاً وأوحينا إليك خبر موسى وغيره وقوله: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} أي مقيماً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} فكيف عرفت حديثهم وعرفت إقامة موسى بينهم عشر سنين لولا إنك رسول حق يوحى إليك نبأ الأولين وهو معنى قوله تعالى {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} فأرسلناك رسولاً وأوحينا إليك أخبار الغابرين. وقوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ} أي جبل الطور {إِذْ نَادَيْنَا} موسى وأمرناه بما أمرناه وأخبرناه بما أخبرنا به، فكيف عرفت ذلك وأخبرت به لولا أنك رسول حق يوحى إليك. قوله تعالى {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي أرسلناك رحمة من ربك للعالمين {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} وهم أهل مكة والعرب أجمعون {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي كىْ يتعظوا فيؤمنوا ويهتدوا فينجوا ويسعدوا. وقوله تعالى: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} أي عقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي من الشرك والمعاصي {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي هلا أرسلت إلينا رسولاً {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لولا قولهم هذا لعاجلناهم بالعذاب ولما أرسلناك إليهم رسولاً إذاً فما لهم لا يؤمنون ويشكرون؟؟! هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بأقوى الأدلة العقلية. 2- بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جاءت في أوانها واشتداد الحاجة إليها. 3- البعثة المحمدية كانت عبارة عن رحمة إلهية رحم الله بها العالمين. 4- جواب {لَوْلاۤ} في قوله {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم}. محذوف وقد ذكرناه وهو لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولاً.
القطان
تفسير : بجانب الغربي: هو جبل الطور في سيناء. قضينا: عهِدنا اليه وكلفناه أمرنا ونهينا. فتطاول عليهم العمُر: طال عليهم الأمد الذي بينهم وبين القرون الماضية. ثاويا: مقيما. وصّلنا لهم القولَ: انزلنا متواصلا بعضه اثر بعض. وما كنتَ يا محمد حاضراً بجانب الوادي الغربي الذي وقع فيه الميقاتُ وأعطى الله فيه ألواحَ التوراة إلى موسى حين عهد إليه أمرَ النبوة، فكيف يكذّب قومُك برسالتك وانت تتلو عليهم انباء السابقين!؟. لقد كان ذلك منذ قرونٍ طويلةِ انقطعت فيها الرسالاتُ وطال الزمن فأتينا بك لقومك لتنذرَهم برسالتك، وما كنتَ مقيماً في "مدين" حتى تخبرَ أهلَ مكة بأنبائهم، ولكنّا أرسلناك وأخبرناك بقصصهم واخبارهم. ولم تكن ايها الرسول حاضراً في جانب الطور حين نادى اللهُ موسى واصطفاه لرسالته، ولكن الله أعلمَكَ بهذا القرآنِ رحمةً منه بك وبأمتك، لتبلّغه قوماً لم يأتهم رسول من قبلك، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. وحتى لا يقول قومك حين تصيبهم كارثةٌ بسبب كفرهم: يا ربّ، إنك لم ترسلْ إلينا رسولاً يبلّغنا فنتبعه {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فأزحْنا العذرَ وبعثناك ايها الرسول اليهم. فلما جاء محمد بالحق قالوا تمرداً وعنادا: هلاّ أوتيَ مثلَ ما أوتيَ موسى من المعجزات الحسيّة حتى نؤمن به! ويلهم، ألم يكفُروا بموسى كما كفروا بك! وقالوا إنما انتما ساحران ينصر أحدُكما الآخر ويعاونه. ثم امر رسوله ان يتحدّى قومه أن يأتوا بكتابٍ أهدى من القرآن والتوراة للبشَر وأصلحَ لحالهم فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. ثم توعّدهم لأنهم لم يستطيعوا ان يأتوا بالكتاب فقال: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} ومن أضلُّ ممن اتبعَ هواه بغيرِ هدى من الله! ان الله لا يهدي الذين يظلمون أنفسَهم بالتمادي في اتباع الهوى. قراءات قرأ اهل الكوفة: سِحران بغير الف يعني القرآن والتوراة. والباقون: ساحران: يعني موسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّاهِدِينَ} (44) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالى النَّاسَ إِلى البُرهَانِ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، إِذْ أَخْبَرَ عَنْ أَمورٍ حَدَثتْ في سَالِفِ الأَزْمَانِ لَمْ يَكُن العَرَبُ يَعْرِفُونَها، وقَصَّها الرَّسُولُ الكَريمُ بِتَفَاصِيلِهَا وَهُوَ رَجُلٌ أُميٌّ لا يَقْرَأُ وَلا يَكْتُبُ؛ وأَشَارَ اللهُ تَعالى إِلى هذا الأَمرِ بَعدَ عَدَدٍ مِنَ القصَصِ المُتَعَلِّقَةِ بالأَولِينَ مَعَ أَنبِيائِهِمْ، وَرَدَتْ في القُرآنِ: مِثْلِ قِصَّةِ نُوحٍ، ومَريَمَ، وَيُوسُفَ. وهنا يَقُولُ تَعالى لِنَبيِّهِ: إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لم تَكُنْ في الجَانِبِ الغَربيَّ مِنَ الوَادِي حِينَمَا كَلَّمَ اللهُ تَعالى مُوسَى مِنَ الشَّجَرةِ عَلَى شَاطِئِ الوَادِي، وَلمْ تَكُنْ مُشَاهِداً لِشَيءٍ مِمَّا وَقَعَ، لكِنَّ اللهَ أَوْحَاهُ إِليكَ، وَأَخْبَركَ بهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً وبُرهَاناً على صِدْقِ نُبُوَّتِكَ. قَضَيْنا - عَهدْنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ ..} [القصص: 44] أي: الجانب الغربي من البقعة المباركة من الشجرة، وهو المكان الذي كلَّم الله فيه موسى وأرسله {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ..} [القصص: 44] يعني: أمرناه به أمراً مقطوعاً به، وهو الرسالة. {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [القصص: 44]. ولك أنْ تسأل: إذا لم يكُنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداً لهذه الأحداث، فمَنْ أخبره بها؟ نقول: أخبره الله تعالى، فإنْ قُلْت فربما أخبره بها شخص آخر، أو قرأها في كتب السابقين. نقول: لقد شهد له قومه بأنه أُميٌّ، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يُعْلَم عنه أنه جلس في يوم من الأيام إلى مُعلِّم، كذلك كانوا يعرفون سيرته في حياته وسفرياته ورحلاته، ولم يكُنْ فيها شيء من هذه الأحداث. لذلك لما اتهموا رسول الله أنه جلس إلى معلم، وقالوا: كما حكى القرآن: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103] ردَّ القرآن عليهم في بساطة: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. وكانوا يقصدون بذلك حدادين روميين تردد عليهما رسول الله. وكذلك كانت الأمة التي بُعِث فيها رسول الله أمة أمية، فمَّمن تعلَّم إذن؟ وإذا كانت الأمية صفة مذمومة ننفر منها، حتى أن أحد سطحيي الفهم يقول: لا تقولوا لرسول الله أميٌّ ونقول: إن كانت الأمية مَذمَّة، فهي ميزة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمي يعني المنسوب إلى الأم وما يزال على طبيعته لا يعرف شيئاً. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ..} تفسير : [النحل: 78] ونقول في المثل (فلان زي ما ولدتْه أمه) يعني: لا يعرف شيئاً، وهذه مذمة في عامة البشر؛ لأنه لم يتعلم ممَّنْ حوله، ولم يستفِدْ من خبرات الحياة. أما الأمية عند رسول الله فشرف؛ لأن قصارى المتعلِّم في أيِّ أمة من الأمم أنْ يأخذ بطرفٍ من العلم من أمثاله من البشر، فيكون مديناً له بهذا العلم، أمَّا رسول الله فقد تعلم من العليم الأعلى، فلم يتأثر في علمه بأحد، وليس لأحد فضل عليه ولا منة. لذلك تعجب الدنيا كلها من أمة العرب، هذه الأمة الأمية المتبدية التي لا يجمعها قانون، إنما لكل قبيلة فيها قانونها الخاص، يعجبون: كيف سادتْ هذه الأمةُ العالمَ، وغزتْ حضارتهم الدنيا في نصف قرن من الزمان. ولو أن العرب أمة حضارة لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية، كما قالوا بعد انتصارنا في أكتوبر، وبعد أن رأى رجالنا أشياء غير عادية تقاتل معهم، حتى أنهم لم يشكُّوا في أنها تأييد من الله تعالى لجيش بدأ المعركة بصيحة الله أكبر، لكن ثالث أيام المعركة طلع علينا في جرائدنا من يقول: إنه نصر حضاري، وفي نفس اليوم فُتحت الثغرة في (الدفرسوار). وعجيب أمر هؤلاء من أبناء جلدتنا؛ لماذا تردُّون فضل الله وتنكرون تأييده لكم؟ وماذا يضايقكم في نصر جاء بمدد من عند الله؟ ألم تقرأوا: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [المدثر: 31] وبعد أن فُتحت الثغرة ماذا قدمتم لسدِّها، تعالوا بفكركم الحضاري وأخرجونا من هذا المأزق. وإذا ثَقُلَ على هؤلاء الاعتراف بجنود الله بين صفوفهم، أليس المهندس الذي اهتدى إلى فكرة استخدام ضغط الماء في فتح الطريق في (بارليف) لينفذ منه الجنود، أليس من جنود الله؟ لقد أخذتْ منَّا هذه الفكرة كثيراً من الوقت والجهد دون فائدة، إلى أن جاء هذا الرجل الذي نوَّر الله بصيرته وهداه إلى هذه العملية التي لم تَأْتِ اعتباطاً، إنما نتيجة إيمان بالله وقُرْب منه سبحانه وتضرُّع إليه، فجزاه الله عن مصر وعن الإسلام خيراً. ومن العجيب، بعد نهاية الحرب أنْ يُجروا للحرب بروفة تمثيلية، فلم يستطيعوا اجتياز خط بارليف، وهم في حال أمْن وسلام. نعود إلى قضية الأمية ونقول لمن ينادي بمحو الأمية عند الناس بأن يعلمهم من علم البشر؛ ليتكم قُلْتُم نمحو الأمية عندهم لنعلمهم عن الله. إذن: فقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [القصص: 44] يعني: ما رأى محمد هذه الأحداث ولا حضرها، ومنه قوله تعالى عن شهر رمضان: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..} تفسير : [البقرة: 185] يعني: حضره. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2218- معمر، عن قتادة، في قوله: {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ}: [الآية: 44]، قال: يعني: جبلاً غريباً كان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):