Verse. 3299 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَلَوْلَاۗ اَنْ تُصِيْبَہُمْ مُّصِيْبَۃٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْدِيْہِمْ فَيَقُوْلُوْا رَبَّنَا لَوْلَاۗ اَرْسَلْتَ اِلَيْنَا رَسُوْلًا فَنَتَّبِعَ اٰيٰتِكَ وَنَكُوْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۴۷
Walawla an tuseebahum museebatun bima qaddamat aydeehim fayaqooloo rabbana lawla arsalta ilayna rasoolan fanattabiAAa ayatika wanakoona mina almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولولا أن تصيبهم مصيبة» عقوبة «بما قدمت أيديهم» من الكفر وغيره «فيقولوا ربنا لولا» هلا «أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك» المرسل بها «ونكون من المؤمنين» وجواب لولا محذوف وما بعده مبتدأ، والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولا.

47

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم} يريد قريشاً. وقيل: اليهود. {مُّصِيبَةٌ} أي عقوبة ونقمة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الكفر والمعاصي. وخص الأيدي بالذكر؛ لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها. وجواب {لَوْلا} محذوف أي لولا أن يصيبهم عذاب بسبب معاصيهم المتقدّمة {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ} أي هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} لما بعثنا الرسل. وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة. وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدّم في «سبحان» وآخر «طه». {فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ} نصب على جواب التحضيض. {وَنَكُونَ} عطف عليه. {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} من المصدّقين. وقد احتج بهذه الآية من قال: إن العقل يوجب الإيمان والشكر؛ لأنه قال: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} وذلك موجب للعقاب إذ تقرّر الوجوب قبل بعثة الرسل، وإنما يكون ذلك بالعقل. قال القشيري: والصحيح أن المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل. أي هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم طال العهد بالرسل، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر، وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلا بعد إكمال البيان والحجة وبعثة الرسل. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ} يعني كفار مكة {لَوْلاۤ} أي هلا {أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} من العصا واليد البيضاء، وأنزل عليه القرآن جملة واحدة كالتوراة، وكان بلغهم ذلك من أمر موسى قبل محمد؛ فقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا} أي موسى ومحمد تعاونا على السحر. قال الكلبي: بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته. فلما رجع الجواب إليهم {قَالُوا سَاحِرَان تَظَاهَرَا}. وقال قوم: إن اليهود علَّموا المشركين، وقالوا قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة. فهذا الاحتجاج وارد على اليهود، أي أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران و{إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } أي وإنا كافرون بكل واحد منهما. وقرأ الكوفيون: {سِحْرَانِ} بغير ألف؛ أي الإنجيل والقرآن. وقيل: التوراة والفرقان؛ قاله الفرّاء. وقيل: التوراة والإنجيل. قاله أبو رزين. الباقون {سَاحِرَانِ} بألف. وفيه ثلاثة أقاويل. أحدها: موسى ومحمد عليهما السلام. وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني: موسى وهارون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة. وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. فيكون الكلام احتجاجاً عليهم. وهذا يدلّ على أن المحذوف في قوله: {لَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ} لما جدّدنا بعثة الرسل؛ لأن اليهود اعترفوا بالنبوّات ولكنهم حرّفوا وغيّروا واستحقوا العقاب، فقال: قد أكملنا إزاحة عذرهم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم. الثالث: عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وهذا قول اليهود اليوم. وبه قال قتادة. وقيل: أولم يكفر جميع اليهود بما أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسى ومحمداً ساحرين والكتابين سحرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } عقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر وغيره {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا } هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ} المرسل بها {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وجواب لولا محذوف وما بعدها مبتدأ، والمعنى لولا الإِصابة المسبب عنها قولهم أو لولا قولهم المسبب عنها أي لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولاً.

ابن عطية

تفسير : "المصيبة" عذاب في الدنيا على كفرهم، وجواب {لولا} محذوف يقتضيه الكلام تقديره لعاجلناهم بما يستحقونه، وقال الزجاج: تقديره لما أرسلنا الرسل، وقوله {جاءهم الحق} يريد القرآن ومحمداً عليه السلام، والمقالة التي قالتها قريش {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} كانت من تعليم اليهود لهم قالوا لهم لم لا يأتي بآية باهرة كالعصا واليد ونتق الجبل وغير ذلك، فعكس الله عليهم قولهم ووقفهم على أنه قد وقع منهم في تلك الآيات ما وقع من هؤلاء في هذه، فالضمير في {يكفروا} لليهود، وقرأ الجمهور "ساحران" والمراد بهما موسى وهارون قاله مجاهد، وقال الحسن: موسى وعيسى وقال ابن عباس: موسى ومحمد، وقال الحسن أيضاً: عيسى ومحمد عليهما السلام، والأول أظهر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "سحران" والمراد بهما التوراة والإنجيل، قال عكرمة، وقال ابن عباس: التوراة والقرآن، وقرأ ابن مسعود "سحران اظاهرا" وهي قراءة طلحة والضحاك. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بـ {ما أوتي موسى} أمر محمد الذي في التوراة كأنه يقول وما يطلبون بأن يأتي بـ {مثل ما أوتي موسى} وهم قد كفروا في التكذيب بك بما أوتيه موسى من الإخبار بك، وقوله {إنا بكل كافرون} يؤيد هذا التأويل، و {تظاهرا} معناه تعاونا، وقوله تعالى: {قل فأتوا بكتاب من عند الله} الآية، هذه حجة أمره الله تعالى أن يصدع بها، أي أنتم أيها المكذبون بهذه الكتب التي قد تضمنت الأمر بالعبادات ومكارم الأخلاق ونهت عن الكفر والنقائص ووعد الله تعالى مع ذلك الثواب عليها الجزيل إن كان تكذيبهم لمعنى وبحال صحة {فأتوا بكتاب من عند الله} يهدي أكثر من هدي هذه أتبعه معكم، ثم قال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك} وهو قد علم أنهم لا يستجيبون على معنى الإيضاح لفساد حالهم، وسياق القياس البيان لأنهم متبعون لأهوائهم، ثم عجب تعالى من ضلال من تبع هواه بغير هداية ولغير مقصد نير وقرر على ذلك على جهة البيان أي لا أحد أضل منه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏حديث : "‏الهالك في الفترة يقول‏:‏ رب لم يأتني كتاب ولا رسول‏.‏ ثم قرأ هذه الآية ‏{‏ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون‏}‏ قال‏:‏ هم أهل الكتاب‏.‏ يقول بالكتابين التوراة والفرقان فقال الله ‏ {‏قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين‏}‏‏ . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {‏لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏} ‏ قال‏:‏ يهود تأمر قريشاً أن تسأل محمداً {‏مثل ما أوتي موسى‏.‏‏.‏‏.‏ من قبل‏}‏ يقول الله لمحمد‏:‏ قل لقريش يقولون لهم ‏{‏أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا‏} ‏ قال‏:‏ قول يهود لموسى وهارون ‏{‏وقالوا إنا بكل كافرون‏} ‏ قال‏:‏ يهود تكفر أيضاً بما أوتي محمد‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل‏} ‏ قال‏:‏ من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏ {‏قالوا ساحران تظاهرا‏}‏ ‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ‏ {‏قالوا ساحران تظاهرا‏} ‏ قال‏:‏ موسى وهارون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ‏ "ساحران تظاهرا‏" ‏ بالألف قال‏:‏ يعني موسى ومحمداً عليهما السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏ {‏سحران تظاهرا‏} ‏ قال‏:‏ هما كتابان‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه ‏ {‏قالوا ساحران تظاهرا‏}‏ يقول‏:‏ التوراة والفرقان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ‏{‏قالوا ساحران تظاهرا‏}‏ قال‏:‏ التوراة والفرقان حين صدق كل واحد منهما صاحبه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ‏ {‏سحران تظاهرا‏} ‏ يقول‏:‏ كتابان التوراة والفرقان‏.‏ ألا تراه يقول ‏ {‏فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ لو كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ‏{‏فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه‏} ‏ إنما أراد الكتابين‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي رزين رضي الله عنه أنه كان يقرأها ‏ {‏سحران تظاهرا‏}‏ يقول‏:‏ كتابان التوراة والإِنجيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏قالوا سحران تظاهرا‏}‏ قال‏:‏ ذلك اعداء الله اليهود للإِنجيل والقرآن قال‏:‏ ومن قرأها "‏ساحران‏" يقول‏:‏ محمد وعيسى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الكريم أبي أمية قال‏:‏ سمعت عكرمة يقول {‏سحران‏} ‏ فذكرت ذلك لمجاهد فقال‏:‏ كذب العبد قرأتها على ابن عباس ‏"ساحران"‏ فلم يُعِبْ علي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ سألت ابن عباس رضي الله عنهما وهو بين الركن والباب والملتزم وهو متكىء على يدي عكرمة فقلت‏:‏ أسحران تظاهرا، أم ساحران‏؟‏ فقلت ذلك مراراً فقال عكرمة ‏"‏ساحران تظاهرا‏"‏ اذهب أيها الرجل‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏وقالوا إنا بكل كافرون‏}‏ يقول‏:‏ بالتوراة والقرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد {‏وقالوا إنا بكل كافرون‏}‏ قال‏:‏ الذي جاء به موسى، والذي جاء به عيسى‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} أي عقوبةٌ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بما اقترفُوا من الكفرِ والمعَاصي {فَيَقُولُواْ} عطفٌ على تُصيبَهم داخلٌ في حيِّزِ لولا الامتناعيَّةِ على أنَّ مدارَ انتفاءِ ما يُجاب به هو امتناعُه لا امتناعُ المعطُوفِ عليه وإنما ذكرَه في حيِّزِها للإيذانِ بأنَّه السببُ الملجىءُ لهم إلى قولِهم: {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي هلاَّ أرسلتَ إلينا رسولاً مؤيداً مِن عندك بالآياتِ {فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ} الظَّاهرةَ على يدِه وهو جوابُ لولا الثَّانيةِ {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بهَا وجوابُ لولا الأُولى محذوفٌ ثقةً بدلالةِ الحالِ عليهِ والمَعْنى لولا قولُهم هذا عندَ إصابةِ عقوبةِ جناياتِهم التي قدَّمُوها ما أرسلناكَ لكن لمَّا كانَ قولُهم ذلكَ محقَّقاً لا محيدَ عنه أرسلناك قطعاً لمعاذيرِهم بالكُلِّيةِ {فَلَمَّا جَاءهُمُ} أي أهلَ مكَّةَ {ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} وهو القرآنُ المنزلُ عليهِ عليهِ الصَّلاة والسَّلام {قَالُواْ} تعنُّتاً واقتراحاً {لَوْلا أُوتِيَ} يعنونَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ} من الكتابِ المنزَّلِ جملةً وأمَّا اليدُ والعَصَا فلا تعلُّق لهما بالمقامِ كسائرِ معجزاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. قولُه تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} ردٌّ عليهم وإظهارٌ لكونِ ما قالُوه تعنُّتاً محضاً لا طلباً لما يُرشدهم إلى الحقِّ أي ألم يكفُروا من قبلِ هذا القولِ بما أُوتيَ موسى من الكتابِ كما كفرُوا بهذا الحقِّ. وقولُه تعالى: {قَالُواْ} استئنافٌ مَسُوقٌ لتقريرِ كُفرِهم المستفادِ من الإنكارِ السَّابقِ وبـيانِ كيفيَّتِه. وقولُه تعالى: {سِحْرَانِ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هُما يعنونَ ما أُوتي محمدٌ وما أُوتي مُوسى عليهما السَّلام سحرانِ {تَظَاهَرَا} أي تعاوَنا بتصديقِ كلِّ واحدٍ منهُما الآخرَ وذلك أنَّهم بَعثوا رهطاً منهم إلى رؤساءِ اليَّهودِ في عيدٍ لهم فسألُوهم عن شأنِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فقالُوا: إنَّا نجدُه في التَّوارةِ بنعتِه وصفتِه فلمَّا رجعَ الرَّهطُ وأخبرُوهم بما قالتِ اليَّهودُ قالُوا ذلكَ. وقولُه تعالى: {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ} أي بكلِّ واحدٍ من الكتابـينِ {كَـٰفِرُونَ} تصريحٌ بكفرِهم بهما وتأكيدٌ لكفرِهم المفهومِ من تسميتهما سحراً وذلك لغايةِ عُتوهم وتمادِيهم في الكفرِ والطُّغيانِ. وقُرىء ساحرانِ تظاهَرا يعنون مُوسى ومحمَّداً صلَّى الله عليهما وسلم. هذا هُو الذي تستدعيهِ جَزالةُ النَّظمِ الجليلِ فتأمَّلْ ودَعْ عنكَ ما قيلَ وقيلَ. ألا ترى إلى قولِه تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا} ممَّا أُوتياه من التَّوراةِ والقُرآنِ وسمَّيتُموهما سحرينِ فإنَّه نصٌّ فيما ذُكر. وقوله تعالى: {أَتَّبِعْهُ} جوابٌ للأمرِ أي إنْ تأتُوا به أتَّبعْهُ ومثلُ هذا الشَّرطِ ممَّا يأتِي من يدلُّ بوضوحِ حُجَّتِه وسُنوحِ محجَّتِه لأنَّ الإتيانَ بما هو أهدى من الكتابـينِ أمرٌ بـيِّنُ الاستحالةِ فيوسع دائرةَ الكلامِ للتَّبكيتِ والإفحامِ {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في أنَّهما سحرانِ مختلقانِ، وفي إيراد كلمةِ إنْ مع امتناعِ صدقِهم نوعُ تهكُّمٍ بهم.

القشيري

تفسير : تمنوا في زمانِ الفترة أن يبعث اللَّهُ إليهم رسولاً ليهتدوا به، ووعدوا من أنفسِهم الإيمانَ والإجابة، فلمَّا أتاهم الرسولُ كذَبوه، وقالوا: هلاّ خُصَّ بمثل معجزات موسى في الظهور، وكان ذلك منهم خطأ، واقتراحاً في غير موضع الحاجة، وتَحكُّماً بعد إزاحة العِلّةِ: شعر : وكـــذا الملــولُ إذا أراد قطيــعةً مَـــلَّ الوصــالَ وقــال كـــان وكـانــا تفسير : ثم قال: أفلا تَذْكُرُون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟ وقال: إنْ ارتبتم أنَّ هذا الكتاب من عند الله فَأْتوا بكتابٍ مِثْلِه، واستعينوا بشركائكم. ومِنْ وقته إلى يومنا هذا لم يأتِ أحدٌ بسورة مِثْلِه، وإلى القيامة لا يأتون بكتابٍ مثله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولولا ان تصيبهم مصيبة} الضمير لاهل مكة والمصيبة العقوبة. قال الراغب اصلها فى الرمية ثم اختص بالمعاقبة. والمعنى بالفارسية [واكرنه آن بودى كه بديشان رسيدى عقوبتى رسنده] {بما قدمت ايديهم} اى بما اقترفوا من الكفر والمعاصى واسند التقديم الى الايدى لانها اقوى مايزال به الاعمال واكثر مايستعان به فى الافعال {فيقولوا} عطف على تصيبهم داخل فى حيز لولا الا متناعية على ان مدار امتناع مايجاب به هو امتناعه لاامتناع المعطوف عليه وانما ذكر فى حيزها للايذان بانه السبب المجىء لهم الى قولهم {ربنا} [اى برودكارما] {لولا ارسلت الينا} [جرا نفرستادى بسوى ما] فلولا تحضيضية بمعنى هلا {رسولا} مؤيدا من عندك بالآيات {فنتبع آياتك} الظاهرة عى يده وهو جواب لولا الثانية {ونكون من المؤمنين} بها وجواب لولا الاولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه. والمعنى لولا قولهم هذا عند اصابة عقوبة جناياتهم التى قدموها ما ارسلناك لكن لما كان قولهم ذلك محققا لام محيد عنه ارسلناك قطعا لمعاذيرهم بالكلية والزاما للحجة عليهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (لولا) الأولى: امتناعية، وجوابها محذوف، اي: ولولا أنهم قائلون؛ إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك, محتجين علينا: (هلا أرسلت إلينا رسولاً...) إلخ؛ لَمَا أرسلناك. يقول الحق جل جلاله: {ولولا أن تصيبهم مصيبة}، أي: عقوبة في الدنيا والآخرة، {بما}؛ بسبب ما {قدمت أيديهم} من الكفر والظلم، ولمّا كانت أكثر الأعمال إنما تناول بالأيدي، نسب الأعمال إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب؛ تغليباً للأكثر على الأقل، {فيقولوا} عند نزول العذاب: {ربنا لولا}؛ هلا {أرسلت إلينا رسولاً} يُنذرنا {فنتَّبع آياتك ونكونَ من المؤمنين}، فلولا احتجاجهم بذلك علينا لَمَا أرسلناك، فسبب الإرسال هو قولهم: هلا أرسلت... إلخ. ولما كانت العقوبة سبباً للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فدخلت "لولا" الامتناعية عليها، فرجع المعنى إلى قولك: ولولا قولهم هذا، إذا أصابتهم مصيبة، لما أرسلناك. {فَلَمَّا جاءهم الحق من عندنا}؛ القرآن المعجز، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، {قالوا} أي: كفار مكة؛ اقتراحاً وتعنتاً: {لولا}: هلا {أُوتي} من المعجزات {مثل ما أُوتي}؛ أُعطي {موسى} من اليد والعصا، ومن الكتاب المنزل جملة. قال تعالى: {أوَ لَمْ يكفروا} أي: أبناء جنسهم، ومَنْ مَذهبهم على مذهبهم، وعنادهم مثل عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام، فقد كفروا {بما أُوتي موسى من قبلُ}؛ من قبل القرآن، {قالوا} في موسى وهارون: {ساحران تظاهرا}: تعاونا، أو: في موسى ومحمد - عليهما السلام - بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون: "سِحْران"؛ بتقدير مضاف، أي: ذوَا سحر، أو: جعلوهما سحريْن؛ مبالغة في وصفهما بالسحر. {وقالوا} أي: كفرة موسى وكفرة محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنا بكلِّ}؛ بكل واحد منهما {كافرون}. وقيل أن أهل مكة، لمّا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن؛ فقد كفروا بموسى وبالتوراة، وقالوا في محمد صلى الله عليه وسلم وموسى: ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن: سحران تظاهرا، أو: ذلك حين بَعَثُوا الرهط إلى رؤساء اليهود يسألونهم عن محمد، فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: {ساحران تظاهرا إنا بكل كافرون}. {قلْ} لهم: {فأتوا بكتابٍ من عند الله هو أهدى منهما}؛ مما أنزل على موسى، وما أنزل عليَّ، {أتَّبِعُه}: جواب: فأتوا، {إن كنتم صادقين} في أنهما ساحران، {فإِن لم يستجيبوا لك} دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} الزائغة، ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى، {وَمَنْ أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هُدى من الله} أي: لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه بغير هدى، أي: بغير اتباع شريعة من عند الله. و {بغير هدى}: حال، أي: مخذولاً، مُخَلاً بينه وبين هواه، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}؛ الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى والتقليد. وبالله التوفيق. الإشارة: لو احتجاج الناس على الله يوم القيامة، حين تصيبهم نقائص عيوبهم، ما بعث الله في كل زمان نذيراً طبيباً، فإذا ظهر وتوجه لتربية الناس، قالوا: لولا أُوتي مثل ما أُوتي فلان وفلان من كرامات المتقدمين، فيقال لهم: قد كان مَنْ قبلكم من الأولياء لهم كرامات, فكذَّبوهم, وأنكروا عليهم, ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك, وبقوا مع هوى أنفسهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أي: بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة. ثم ذكر حكمة تفريق القرآن، رداً على من قال: {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} من إنزاله جملة، فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} اى لولا كراهة ان تصيبهم مصيبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بجهالتهم {فَيَقُولُواْ} بعد ذلك اعتراضاً علينا واعتذاراً عن جهالتهم {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} فنعلم انّ لك آياتٍ {فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فلم تصبنا تلك المصيبة بجهالتنا ما ارسلناك اليهم لعدم استعدادهم واستحقاقهم لرسول مثلك.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا} عطف على تصيب والفاء سببية ولو كان ما بعدها مفردا بالتأويل لأنه جملة في اللفظ وتلك الفاء منبهة على أن القول هو المقصود بأن يكون سببا لانتفاء عدم الارسال المقدر جوابا للاول وليس المقصود نفس الاصابة. {رَبَّنَا لَوْلا} تخضيضية. {أَرْسَلْتَ} داخلة على الماضي وأصل الدخول على المستقبل أو يؤل أرسلت بترسل. {إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} المرسل هو بها. {وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ونصب نتبع في جواب التحضيض كما ينصب في جواب الأمر لأن كل من الأمر والتحضيض بعث على الفعل وجواب الامتناعية محذوف، كما مر أي ولولا أصابه مصيبة إياهم بما قدمت أيديهم وقولهم لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع أياتك ونكون من المؤمنين المسبب للاصابة ما أرسلنا اليهم أو لعاجلناهم بالعقوبة فإنا ما أرسلناك الا قطعا لعذرهم والزاما للحجة وفي ذلك تصريح بأن السبب في قولهم ذلك هو اصابة المصيبة لا التأسف على الايمان فكفرهم راسخ وعبر عن الأعمال بما قدمت أيديهم لأن الأعمال تزاول بالأيدي فجعل كل عمل معبرا عنه لتقديم الأيدي إياه ولو كان من عمل القلب تصبيرا للأقل تابعا للأكثر عن الأقل.

اطفيش

تفسير : {ولولا أن تُصيبَهم مُصيبة} لولا امتناعية، جوابها محذوف لدلالة الحال عليه أى لولا إصابة مصيبة لهم بأعمالهم إلخ، ما أرسلناك، إنما أرسلناك قطعا لعذرهم، ولا يقطع عذرهم إلا بإرسال ويقدر مضاف، أى لولا كراهة أن تصيبهم، أو لما كانت العقوبة سببا لقولهم، لولا أرسلت جعلت كأنها سبب للإرسال بواسطة قولهم المعطوف على الإصابة، وهو العمدة فى السببية، وكأنه قيل: لولا قولهم إذا عوقبوا، ولا فرق بين قول النجاة، لولا حرف امتناع الجواب لوجود الشرط، وقول ابن المنير جد الدمامينى: إن شرطها مانع من جوابها، فمعنى قولك امتنع الإرسال لفرض وجود السببية، ومعنى قولك فرض السببية مانع من الإرسال سواء، لأنهم قصدوا بالوجود ما شمل الفرض، والمصيبة عذاب الدنيا والآخرة أو الاستئصال. {بما قدَّمت أيْدِيهِم} بسبب ما قدموه من أعمال اللقب والجوارح، ونسب العمل للأيدى، لأن أكثر الأعمال فى الجملة تزاول بالأيدى {فيقُولوا ربَّنا} يا ربنا {لولا} جاءت على طريق حرف التحضيض وذلك هنا شدة الرغبة فى الطلب {أرسلت إلينا رسُولاً} بآيات {فنتبع آياتِك} التى جاء بها {ونكُون من المؤمِنينَ} النصب فى جواب لولا الأخيرة والعطف على المعنى، أى لولا كان إرسالك رسولا، فاتباعنا آياتك، وكوننا من المؤمنين.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } أي عقوبة، وهي على ما نقل عن أبـي مسلم عذاب الدنيا والآخرة، وقيل: عذاب الاستئصال {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي بما اقترفوا من الكفر والمعاصي ويعبر عن كل الأعمال وإن لم تصدر عن الأيدي باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي لما أن أكثر الأعمال تزاول بها {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } أي هلا أرسلت إلينا رسولاً مؤيداً من عندك بالآيات {فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ } الظاهرة على يده {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بما جاء به، و(لولا) الثانية تحضيضية كما أشرنا إليه، وقوله تعالى: {فَنَتَّبِعَ } جوابها ولكون التحضيض طلباً كالأمر أجيبت على نحو ما يجاب، وأما الأولى فامتناعية وجوابها محذوف ثقة بدلالة الحال عليه، والتقدير لما أرسلناك، والفاء في {فَيَقُولُواْ } عاطفة ليقول على تصيبهم، والمقصود بالسببية لانتفاء الجواب والركن الأصيل فيها قولهم ذلك إذا أصابتهم مصيبة، فالمعنى لولا قولهم إذا عوقبوا بما اقترفوا هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبعه ونكون من المؤمنين لما أرسلناك إليهم، وحاصله سببية القول المذكور لإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم قطعاً لمعاذيرهم بالكلية ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت كأنها سبب الإرسال بواسطة القول فأدخلت عليها (لولا) وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ونكتة إيثار هذا الأسلوب وعدم جعل العقوبة قيداً مجرداً أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين لم يقولوا {أية : لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً}تفسير : [طه: 134]، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفى كقوله تعالى:{أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28] هذا ما أراده صاحب «الكشاف»، وليس في الكلام عليه تقدير مضاف كما هو الظاهر. وذهب بعضهم إلى أن الكلام على تقدير مضاف أي كراهة أن تصيبهم الخ، فالسبب للإرسال إنما هو كراهة ذلك لما فيه من إلزام الحجة ولله تعالى الحجة البالغة، وهذه الكراهة مما لا ريب في تحققها الذي تقتضيه (لولا) ودفعوا بهذا التقدير لزوم تحقق الإصابة والقول المذكور وانتفاء عدم الإرسال كما هو مقتضى (لولا)، وفي ذلك ما فيه، وقال ابن المير: التحقيق عندي أن (لولا) ليست كما قال النحاة تدل على أن ما بعدها موجود أو أن جوابها ممتنع والتحرير في معناها أنها تدل على أن ما بعدها مانع من جوابها عكس لو، ثم المانع قد يكون موجوداً وقد يكون مفروضاً وما في الآية من الثاني فلا إشكال فيها. واستدل بالآية على أن قول من لم يرسل إليه رسول ان عذب: ربـي لولا أرسلت إليَّ رسولاً مما يصلح للاحتجاج وإلا لما صلح لأن يكون سبباً للإرسال وفي ذلك دلالة على أن العقل لا يغني عن الرسول، والبحث في ذلك شهير، والكلام فيه كثير.

ابن عاشور

تفسير : هذا متصل بقوله {أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون}تفسير : [ القصص: 46]، لأن الإنذار يكون بين يدي عذاب. و{لولا} الأولى حرف امتناع لوجود، أي انتفاء جوابها لأجل وجود شرطها وهو حرف يلزم الابتداء فالواقع بعده مبتدأ والخبر عن المبتدأ الواقع بعد {لولا} واجب الحذف وهو مقدر بكون عام. والمبتدأ هنا هو المصدر المنسبك من {أن} وفعل {تصيبهم} والتقدير: لولا إصابتهم بمصيبة، وقد عقب الفعل المسبوك بمصدر بفعل آخر وهو {فيقولوا}، فوجب أن يدخل هذا الفعل المعطوف في الانسباك بمصدر، وهو معطوف بفاء التعقيب. فهذا المعطوف هو المقصود مثل قوله تعالى {أية : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}تفسير : [ البقرة: 282] فالمقصود هو «أن تذكر إحداهما الأخرى». وإنما حيك نظم الكلام على هذا المنوال ولم يقل: ولولا أن يقولوا ربنا الخ حين تصيبهم مصيبة إلى آخره، لنكتة الاهتمام بالتحذير من إصابة المصيبة فوضعت في موضع المبتدأ دون موضع الظرف لتساوي المبتدأ المقصود من جملة شرط {لولا} فيصبح هو وظرفه عمدتين في الكلام، فالتقدير هنا: ولولا إصابتهم بمصيبة يعقبها قولهم {ربنا لولا أرسلت} الخ لما عبأنا بإرسالك إليهم لأنهم أهل عناد وتصميم على الكفر. فجواب {لولا} محذوف دل عليه ما تقدم من قوله {أية : وما كنت بجانب الغربي}تفسير : إلى قوله {أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك}تفسير : [ القصص: 44 ـــ 46]، أي ولكنا أعذرنا إليهم بإرسالك لنقطع معذرتهم. وجواب {لولا} محذوف دل عليه الكلام السابق، أي لولا الرحمة بهم بتذكيرهم وإنذارهم لكانوا مستحقين حلول المصيبة بهم. و{لولا} الثانية حرف تحضيض، أي هلا أرسلت إلينا قبل أن تأخذنا بعذاب فتصلح أحوالنا وأنت غني عن عذابنا. وانتصب {فنتبع} (بأن) مضمرة وجوباً في جواب التحضيض. وضمير {تصيبهم} عائد إلى القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل. والمراد {بما قدمت أيديهم} ما سلف من الشرك. والمصيبة: ما يصيب الإنسان، أي يحل به من الأحوال، وغلب اختصاصها بما يحل بالمرء من العقوبة والأذى. والباء في {بما قدمت أيديهم} للسببية، أي عقوبة كان سببها ما سبق على أعمالهم السيئة. والمراد بها هنا عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه، وتقدم عند قوله تعالى {أية : فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم}تفسير : في سورة [النساء: 62]. وهي ما يجترجونه من الأعمال الفاحشة. و(ما قدمت أيديهم) ما اعتقدوه من الإشراك وما عملوه من آثار الشرك. والأيدي مستعار للعقول المكتسبة لعقائد الكفر. فشبه الاعتقاد القلبي بفعل اليد تشبيه معقول بمحسوس. وهذه الآية تقتضي أن المشركين يستحقون العقاب بالمصائب في الدنيا ولو لم يأتهم رسول لأن أدلة وحدانية الله مستقرة في الفطرة ومع ذلك فإن رحمة الله أدركتهم فلم يصبهم بالمصائب حتى أرسل إليهم رسولاً. ومعنى الآية على أصول الأشعري وما بينه أصحاب طريقته مثل القشيري وأبي بكر ابن العربي: أن ذنب الإشراك لا عذر فيه لصاحبه لأن توحيد الله قد دعي إليه الأنبياء والرسل من عهد آدم بحيث لا يعذر بجهله عاقل فإن الله قد وضعه في الفطرة إذ أخذ عهده به على ذرية آدم كما أشار إليه قوله تعالى {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}تفسير : كما بيناه في سورة [الأعراف: 172]. ولكن الله يرأف بعباده إذا طالت السنون وانقرضت القرون وصار الناس مظنة الغفلة فيتعهدهم ببعثة الرسل للتذكير بما في الفطرة وليشرعوا لهم ما به صلاح الأمة. فالمشركون الذين انقرضوا قبل البعثة المحمدية مؤاخذون بشركهم ومعاقبون عليه في الآخرة ولو شاء الله لعاقبهم عليه بالدنيا بالاستئصال ولكن الله أمهلهم، والمشركون الذين جارتهم الرسل ولم يصدقوهم مستحقون عذاب الدنيا زيادة على عذاب الآخرة، قال تعالى {أية : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون}تفسير : [السجدة:21]. وأما الفِرَق الذين يُعدّون دليل توحيد الله بالإلهية عقلياً مثل الماتريدية والمعتزلة فمعنى الآية على ظاهره، وهو قول ليس ببعيد.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِكَ} (47) - وَلَم نَشَأْ أَنْ نُنْزِلَ عَذَاباً بِقَومِكَ هؤلاَءِ، قَبلَ أَنْ نُرسِلَ إليهِمْ رَسُولاً يَدْعُوهُم إِلى الله، وَيُبِيِّنُ لَهُمْ شَرْعَ الله وَأَوامِرَهِ، لِكَيلا يَحتَجُّوا بأَنَّهُم لم يَأْتِهِمْ رَسُولٌ ولاَ مُنْذِرٌ. وَلِكَيلا يَقُولُوا رَبَّنا لَوْ أَرْسَلْتَ إِلينَا رَسُولاً يُبَيِّنُ لنا لاتَّبَعْنَاهُ، ولآمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَا رَسُولَكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدَّمَتْ أيديهم لَعذَّبناهم فاحتجوا قائلين: {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47] فلو عذَّبهم الله دون أن يرسل إليهم رسولاً لكانت حجة لهم. وسبق أنْ قُلْنا: إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام، لذلك تُنشر الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع، فتلزمهم الحجة، ولا يُعْذَر أحد بالجهل بالقانون، ولا يُعفى من العقاب. إذن: قطع الله عليهم الحجة، حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه في الجنة، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ..} تفسير : [النساء: 165]. إذن: الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسَل إليهم مجرد إقامة الحجة؛ لأن قضايا الدين قضايا حقٍّ فطري يهتدي إليها العقل السليم بفطرته؛ لذلك وقف المستشرقون طويلاً عند شخصية عمر - رضي الله عنه -. يقولون: تذكرون عمر في كل شيء: في العدل تقولون عمر، وفي القوة تقولون عمر، وفي وجود رسول الله تقولون نزل القرآن موافقاً لكلام عمر، أليس عندكم إلا عمر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يدلُّنا بشخصية عمر إلى أنه سبحانه لم يُكلِّفنا بقضايا تنفر منها الفطرة، إنما بقضايا تقبلها فطرتنا السليمة، وتهتدي إليها بطبيعتها السوية الخالية من الهوى، وهذا عمر لم يكُنْ نبياً ولا رسولاً، لكن كان يصل إلى الحق بما فيه من فطرة إيمانية وعقلية سالمة من الأهواء، حتى وصلت به الفطرة السليمة إلى أنْ ينطق القرآن بنفس ما نطق به. وكلمة {وَلَوْلاۤ ..} [القصص: 47] تأتي بأحد معنيين: إنْ دخلتْ على الجملة الاسمية فهي حرف امتناع لوجود، كما لو قلت: لولا زيد عندك لَزرتُكَ، فامتنعتْ الزيارة لوجود زيد، ومن هذه قوله تعالى: {وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ..} [القصص: 47] والتقدير: لولا إصابتهم. فإنْ دخلتْ (لولا) على الجملة الفعلية أفادتْ الحثَّ والحضَّ، كما تقول لولدك: لولا ذاكرتَ دروسك، وكذلك لولا الثانية في الآية {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} معناه بما كَسَبَتْ أيديهُم.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع: {وَلَوْلاۤ} كراهة {أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} عظيمة جالبة لنزول أنواع العذاب والنكال {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بشؤم ما اقترفوا من المعاصي {فَيَقُولُواْ} حنيئذٍ مجتمعين علينا، مجالدين بنا بعدما أخذناهم عليها: {رَبَّنَا لَوْلاۤ} وهلاَّ {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} من عندك، مؤيَّداً من لدنك بالآيات البينات {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} البالغة إلينا برسالته ونصدقها، ونعمل بمقتضاها {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47] الموقنين بوحدانيتك، المخلصن من عذابك. {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} أي: الرسول المرسل {مِنْ عِندِنَا} ملتبساً بالحق المؤيَّد بالآيات الساطعة القاطعة {قَالُواْ} من خبث طينتهم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم: {لَوْلاۤ أُوتِيَ} وهلاَّ أوتي بهذا الرسول المرسل إلينا من الدلائل والمعجزات {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} حتى نصدقه ونؤمن به؛ وما هذا إلا من غاية غيهم وضلالهم، وغلظ حجبهم وغشاوتهم، وإلاَّ لو أتوي له مثل ما أوتي موسى لكفروا ألبتة {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}. حيث {قَالُواْ} بعدما شاهدوا دلائله ومعجزاته مبالغين في رده وإنكاره: {سِحْرَانِ} أو سحران على القراءتين {تَظَاهَرَا} يعني: موسى وهارون، مع أن ما أتيا به بعيد بمراحل عن السحر، وأنتم أيضاً من بقية ما كفروا بدلائل موسى، ونسبوها إلى السحر، ولو آتينا محمداً صلى الله عليه وسلم مثل ما آتينا موسى لكفرتم به ألبتة، كما كفر أسلافكم بآيات موسى ومعجزاته، مع أن دلائل محمد أقوى من دلائل موسى، وكتابه أجمع من كتابه وأتم نظماً، وأكمل معرفة وأعم حكماً وأشمل فائدة، وبعدما سمعوا ما دل على خباثة فطرتهم {وَقَالُواْ} مظهرين ما في نفوسهم من الشرك والنفاق: {إِنَّا بِكُلٍّ} مما يدعي الرسالة والنبوة، والإرشاد والهداية {كَافِرُونَ} [القصص: 48] منكرون له، لا نقبل عن أبناء جنسنا مثل هذه المفتريات التي أختلقوها من تلقاء أنفسهم، ونسبوها ترويجاً لها إلى ما لا وجود له في الواقع، وسموه إلهاً واحداً أحداً صمداً، فرداً وتراً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. {قُلْ} يا أكمل الرسل على سبيل التعجيز والتوبيخ بعدما عاينت منهم الكفر على أبلغ وجه وآكده: {فَأْتُواْ} أيها المفسدون المسرفون {بِكِتَابٍ} نازلٍ {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} المنزل للكتب؛ لإرشاد عباده {هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ} أي: من التوراة والقرآن {أَتَّبِعْهُ} أي: الكتاب وما فيه من الأحكام، وأمتثل لأوامره، وأجتنب عما نهي فيه {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] في نسبتنا إلى السحر. {فَإِن} عجزوا عن الإتيان، و{لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} ما طلبت منهم {فَٱعْلَمْ} يا أكمل الرسل {أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} أي: إنهمه إنما يتبعون أهواءهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة بلا متابعةٍ منهم إلى ملةٍ من الملل السالفة، وإلى دين الأديان السابقة {وَمَنْ أَضَلُّ} طريقاً، وأشد غياً، وأسوأ حالاً ومآلاً {مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} حال كونه {بِغَيْرِ هُدًى} أي: بتوفيقٍ وإرشادٍ {مِّنَ ٱللَّهِ} الميسر لأمور عباده ، وكيف يوفقهم الحق ويهديهم؟ {إِنَّ ٱللَّهَ} الحكيم المتقن في أفعاله {لاَ يَهْدِي} إلى الطريق المستبين {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 50] الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه؛ إذ هم منهمكون في بحر الغفلة والضلالة لا يُرجى نجاتهم منها.