Verse. 3300 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

فَلَمَّا جَاۗءَہُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوْا لَوْلَاۗ اُوْتِيَ مِثْلَ مَاۗ اُوْتِيَ مُوْسٰي۝۰ۭ اَوَلَمْ يَكْفُرُوْا بِمَاۗ اُوْتِيَ مُوْسٰي مِنْ قَبْلُ۝۰ۚ قَالُوْا سِحْرٰنِ تَظٰہَرَا۝۰ۣ۪ وَقَالُوْۗا اِنَّا بِكُلٍّ كٰفِرُوْنَ۝۴۸
Falamma jaahumu alhaqqu min AAindina qaloo lawla ootiya mithla ma ootiya moosa awalam yakfuroo bima ootiya moosa min qablu qaloo sihrani tathahara waqaloo inna bikullin kafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جاءهم الحق» محمد «من عندنا قالوا لولا» هلا «أوتي مثل ما أوتي موسى» من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما أو الكتاب جملة واحدة قال تعالى «أوَ لم يكفروا بما أوتيَ موسى من قبل» حيث «قالوا» فيه وفي محمد «ساحران» وفي قراءة سحران أي القرآن والتوراة «تظاهراً» تعاوناً «وقالوا إنا بكل» من النبيين والكتابين «كافرون».

48

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، بين أيضاً أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا {لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد. أما قوله: {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا } أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا { أية : لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } تفسير : [هود: 12] وما أشبه ذلك. واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعاً كالتوراة ومفرقاً كالقرآن، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } واختلفوا في أن الضمير في قوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ } إلى من يعود، وذكروا وجوهاً: أحدها: أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة وثانيها: أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد وثالثها: قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } ورابعها: قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهرون ساحران وخامسها: قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران وسادسها: وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين: الأول: قولهم: {ساحران تَظَاهَرَا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة (ساحران) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوهاً: أحدها: المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرىء (اظاهرا) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله: {سِحْرَانِ } بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه: إنا بينا أن قوله: {سِحْرَانِ } يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني: قولهم: {إِنَّا بِكُلّ كَـٰفِرُونَ } أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ } وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، قال الزجاج (أتبعه) بالجزم على الشرط ومن قرأ (أتبعه) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه، ثم قال: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا؟ قلنا قوله: {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ } أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال: {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ } وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وهو عام يتناول الكافر لقوله: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان:13] واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] فقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم، فبأن يكون عدم الهداية عذراً لهم أولى، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة قال: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ } وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان، وهو من وصل البعض بالبعض، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا أنزلنا القرآن منجماً مفرقاً يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير والتنبيه، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر، وعلى هذا التقدير يكون هذا جواباً عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك، ويحتمل أن يكون المراد وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيراً لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون. ثم إنه تعالى لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ } أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك، واختلفوا في المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها فلما بعث الله تعالى محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام وثانيها: قال مقاتل نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وهم أصحاب السفينة جاؤا من الحبشة مع جعفر وثالثها: قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من حصل في حقه تلك الصفة كان داخلاً في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم وهو قولهم: {آمنا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } فقوله: {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا } يدل على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به وقوله: {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } بيان لقوله: {آمنا به } لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال: {أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضاً أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك وثانيها: يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وثالثها: قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه، قال السدي اليهود عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال: {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } والمعنى (يدفعون) بالطاعة المعصية المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها، ثم قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ }. واعلم أنه تعالى مدحهم أولاً بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله: {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } ثم بالطاعات المالية في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقاً جوابه: أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقاً، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضاً جميلاً فلذلك قال تعالى: {وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلاْرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكياً عنهم {لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال واجباً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول: أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: {لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ} الآية، يعنون ــــ والله أعلم ــــ من الآيات الكثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار؛ مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسى عليه السلام؛ حجة وبرهاناً له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: {أية : أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 78] وقال تعالى: {أية : فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} تفسير : [المؤمنون: 48] ولهذا قال ههنا: { أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا} أي: تعاونا، {إِنَّا بِكُلٍّ كَـٰفِرُونَ} أي: بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:شعر : فما أَدْري إذا يَمَّمْتُ أَرضاً أُريدُ الخيرَ أَيُّهما يَليني تفسير : أي: فما أدري: أيليني الخير، أو الشر؟ قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا} قال: يعني: موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم {تَظَـٰهَرَا} أي: تعاونا وتناصرا، وصدق كل منهما الآخر وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله: {سِحْرَانِ} يعنون: موسى وهارون، وهذا قول جيد قوي، والله أعلم. وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس {قالوا سِحْرَانِ تظاهرا} قال: يعنون موسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلَّم، وهذه رواية عن الحسن البصري. وقال الحسن وقتادة: يعني عيسى ومحمداً صلَّى الله عليهما وسلَّم، وهذا فيه بعد؛ لأن عيسى لم يجر له ذكر ههنا، والله أعلم. وأما من قرأ: {سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا} فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون التوراة والقرآن، وكذا قال عاصم الجندي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال السدي: يعني: صدق كل واحد منهما الآخر. وقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير. وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، والظاهر على قراءة {سِحْرَانِ} أنهم يعنون التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} وكثيراً ما يقرن الله بين التوراة والقرآن؛ كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : ــــ إلى أن قال ـــ {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [سورة الأنعام: 91 ــــ 155] وقال في آخر السورة: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} تفسير : [الأنعام: 154] الآية، وقال: {أية : وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأنعام: 155] وقالت الجن: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 30] وقال ورقة ابن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتاباً من السماء، فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه، أكمل ولا أشمل، ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران عليه السلام، وهو الكتاب الذي قال الله فيه: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} تفسير : [المائدة: 44] والإنجيل إنما أنزل متمماً للتوراة، ومحلاً لبعض ما حرم على بني إسرائيل، ولهذا قال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: فيما تدافعون به الحق، وتعارضون به من الباطل، قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} أي: فإن لم يجيبوك عما قلت لهم، ولم يتبعوا الحق، {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} أي: بلا دليل ولا حجة، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} أي: بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} قال مجاهد: فصلنا لهم القول. وقال السدي: بينا لهم القول. وقال قتادة: يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانع؛ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} قال مجاهد وغيره: {وَصَّلْنَا لَهُمُ} يعني: قريشاً، وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن رفاعة - رفاعة هذا هو ابن قرظة القرظي، وجعله ابن منده: رفاعة بن سموال خال صفية بنت حيي، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير ـ قال: نزلت: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} في عشرة، أنا أحدهم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءَهُمُ ٱلْحَقُّ } محمد {مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلا } هلا {أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما أو الكتاب جملة واحدة؟ قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } حيث {قَالُواْ } فيه وفي محمد {سِحْرَانِ} وفي قراءة «ساحران» أي القرآن والتوراة {تَظَٰهَرَا } تعاونا {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ } من النبيَّين والكتابَيْنِ {كَٰفِرُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} قرأ الكوفيون سحران، فمن قرأ ساحران ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: موسى ومحمد عليهما السلام، وهذا قول مشركي العرب، وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني: موسى وهارون عليهما السلام وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة، قاله ابن جبير ومجاهد وأبو زيد. الثالث: عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول اليهود اليوم، وبه قال قتادة. ومن قرأ سحران ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التوارة والقرآن، قاله عاصم الجحدري والسدي. الثاني: التوراة والإنجيل، قاله إسماعيل وأبو مجلز. الثالث: الإنجيل والقرآن، قاله قتادة. {قَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} يعني بما ذكره على اختلاف الأقاويل وفي قائل ذلك قولان: إحداهما: اليهود. الثاني: قريش. قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه بيَّنا لهم القول، قاله السدي. الثالث: أتبعنا بعضه بعضاً، قاله علي بن عيسى. وفي {الْقَوْلَ} وجهان: أحدهما: أن الخبر عن الدنيا والآخرة، قاله ابن زيد. الثاني: إخبارهم بمن أهلكنا من قوم نوح بكذا وقوم صالح بكذا وقوم هود بكذا. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يتذكرون محمداً فيؤمنوا به، قاله ابن عباس. الثاني: يتذكرون فيخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، قاله ابن عيسى. الثالث: لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأوثان، حكاه النقاش.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَالُواْ} موسى ومحمد {ساحران}. قاله مشركوا العرب، أو موسى وهارون قالته اليهود من ابتداء الرسالة، أو عيسى ومحمد وهو قول اليهود اليوم {سِحْرَانِ}. التوراة والقرآن، أو التوراة والإنجيل، أو القرآن والإنجيل وقائل ذلك اليهود، أو قريش.

النسفي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا } أي القرآن أو الرسول المصدق بالكتاب المعجز {قَالُواْ } أي كفار مكة {لَوْلا أُوتِىَ } هلا أعطي {مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } من الكتاب المنزل جملة واحدة {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ } يعني أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام {بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } من قبل القرآن {قَالُواْ } في موسى وهارون {سِحْرانِ تَظَاهَرَا } {ساحران تظاهرا} تعاونا ــ {سِحْرَانِ } كوفي أي ذوا سحر أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر ــ {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ } بكل واحد منهما {كَـٰفِرُونَ } وقيل: إن أهل مكة كما كفروا بمحمد عليه السلام وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة وقالوا في موسى ومحمد. ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن سحران تظاهرا، وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود فقالوا عند ذلك: ساحران تظاهرا. {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا } مما أنزل على موسى ومما أنزل على {أَتَّبِعْهُ } جواب {فأتوا} {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في أنهما سحران {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ } أي لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه و{بغير هدى} حال أي مخذولاً يخلى بينه وبين هواه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ ٱلْحَقُّ} يريد القرآن ومحمداً عليه السلام، والمقالةُ التي قَالَتْها قريشٌ: {لَوْلاَ أُوتِي مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ} كانَتْ من تعليمِ اليهود لهم؛ قالوا لهم: لِمَ لا يأتي بآية باهرةٍ كالعصَا واليدِ، وغير ذلك، فعكسَ اللّه عليهم قَوْلَهُم، وَوَقَفَهُمْ على أَنهم قد وقَع منهم في تلك الآيات مَا وَقَع من هؤلاء في هذه، فالضميرُ في قوله {يَكْفُرُواْ} لليهود، وقرأ الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون. قال * ع *: ويحتمل أن يريدَ بـ {مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ} مِنْ أَمْرِ محمدٍ والإخبارِ به الذي هو في التوراة. وقوله: {وَقَالُواْ إِنَا بِكُلٍّ كَـٰفِرُونَ} يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقرأ حمزةُ والكسائي وعاصم: «سِحْران» والمرادُ بهما: التَّوراةُ والقرآنُ؛ قاله ابن عباس، و {تَظَـٰهَرَا}: معناه: تعاوناً. وقوله: {أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ}. قال الثعلبي: يعني: أهدى من كتابِ محمدٍ وكتابِ موسى؛ انتهى. * ت *: ويحتملُ أنْ يكونَ الضميرُ في {يَكْفُرُوا} لقريشٍ كما أشار إليه الثعلبيُّ، وكذا في {قَالُوا} لقريشٍ عندَه. و {ساحران} يريدونَ موسى ومحمداً ـــ عليهما السلام ـــ وهو ظاهرُ قولِهم: {إِنَا بِكُلٍّ كَافِرُونَ}؛ لأن اليهودَ لا يقولون ذلك في موسى في عصر نبينا محمد عليه السلام، ويُبيِّن هذَا كلَّه قولُه تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ...} الآية، فإنَّ ظاهرَ الآيةِ أنَّ المرادَ قريشٌ وعَلَى هذا كله مَرّ الثَّعْلَبيُّ، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: "فَلَمَّا جَاءَهُمْ" يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ "أُوتِيَ مُحَمَّدٌ" مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: "أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا" هؤلاء اليهود {بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}. وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم "سَاحِرَانِ تَظَاهَرا". قوله: "مِن قَبْلُ" إمَّا أن يتعلق بـ"يَكْفُرُوا"، أو بـ"أُوتِيَ" أي من قبل ظهورك. قوله: "سَاحِرَانِ" قرأ الكوفيون "سِحْرَان" أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: "سَاحِرانِ" أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: "تَظَاهَرَا" العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة لـ "سِحْرَان" أو "سَاحِرَانِ" أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: "حديث : لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا"تفسير : ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله "اظَّاهَرا" بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ} يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة "سِحْرَانِ" أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة "سَاحِرَان"، "أتَّبِعْهُ"، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: "أتَّبِعْهُ" جواب للأمر وهو: "فَأْتُوا"، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: شعر : 4010 - فَلَــمْ يَسْتَجِبْـهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِيــبُ تفسير : حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: شعر : 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: "فَأتُوا بِكِتَابٍ" أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى} وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} العامة على تشديد "وَصّلْنَا" إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: شعر : 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ تفسير : وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا "لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ"، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ}. قوله: "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ" مبتدأ و "هُمْ" مبتدأ ثان و "يُؤْمِنُونَ" خبره، والجملة خبر الأول، و "بِهِ" متعلق بـ"يُؤْمِنُونَ"، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: {أية : آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}تفسير : [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم "به" لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل: من قبل القرآن {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ}، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} إلى قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني: القرآن، قالوا: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}، وذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي حق. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} منصوب على المصدر، و "بِمَا صَبَرُوا" ما مصدرية والباء متعلق بـ "يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى "مَرَّتَيْنِ" أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله "بِمَا صبَرُوا" أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، {وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}، لنا ديننا ولكم دينكم، {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً). والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه، بنى عليه قوله: {فلما جاءهم} أي أهل مكة {الحق} الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس عليهما، وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات، فكيف وهو {من عندنا} على ما لنا من العظمة، وعلى لسانك وأنت أعظم الخلق! {قالوا} أي أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتاً كفراً به: {لولا أوتي} من الآيات، أي هذا الآتي بما يزعم أنه الحق، وبني للمفعول لأن القصد مطلق الإيتاء لأنه الذي يترتب عليه مقصود الرسالة، مع أن المؤتى معلوم {مثل ما أوتي موسى} أي من اليد والعصا وغيرهما من الآيات التي لا يقدر على إتيانها إلا القادر على كل شيء. ولما كان الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون موجباً للإيمان على زعمهم إلا بأن يكون أعظم مما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، أو يكون الناس لم يتوقفوا في الإيمان به، وكان كل من الأمرين منتفياً بأن أهل زمانه كفرو به، وهو لما سألوا اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم وأمروهم أن يمتحنوه بالروح وقصتي أهل ألكهف وذي القرنين وجاء في كل من ذلك بما لزمهم تصديقه، فامتنعوا وأصروا على كفرهم، وكان في ذلك كفرهم به وبموسى عليهما الصلاة والسلام، فعلم أن التقدير: ألم يكفروا بما أتاهم به من الآيات الباهرة مع أنه مثل ما أتى به موسى عليهما الصلاة والسلام، بل أعظم منه {أولم يكفروا} أي العرب ومن بلغتهم الدعوة من بني إسرائيل أو من شاء الله منهم أو أبناء جنسهم ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى عليه السلام {بما أوتي موسى}. ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إليهم. ولما كان كأنه قيل: ما كان كفرهم به؟ قيل: {قالوا} أي فرعون وقومه ومن كفر من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه. ولما كان قد تقدم هنا قريباً أن المظاهر له أخوه، فكان المراد واضحاً، أضمرهما فقال: {ساحران} أي هو وأخوه {تظاهرا} أي أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزاً فغلبا جميع السحرة، وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين - على قراءة الكوفيين، ويجوز - وهو أقرب أن يكون الضمير لمحمد و موسى عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأنه روي أن قريشاً بعثت إلى يهود فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم، فقالوا هذه المقالة، فيكون الكلام استئنافاً لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل: قالوا - أي العرب: الرجلان ساحران، أو الكتابان سحران، ظاهر أحدهما الآخر مع علم كل ذي لب أن هذا القول زيف. لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر، لكان سحر فرعون أعظم إعجازاً، لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارض ما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام من آية العصا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا أهل الأرض من الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فعجزوا. ولما تضمن قولهم ذلك الكفر، صرحوا به في قولهم: {وقالوا} أي كفار قريش أو المتقدمون من فرعون وأضرابه: {إنا بكل} من الساحرين أو السحرين اللذين تظاهرا بهما، وهما ما أتيا به من عند الله {كافرون*} جرأة على الله وتكبراً على الحق. ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: {قل} إلزاماً لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام: {فأتوا بكتاب} وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى أنه يقنع منهم بكونه حكيماً خارقاً للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: {من عند الله} أي الملك الأعلى، ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله {هو} أي الذي أتيتم به {أهدى منهما} أي مما أتيت به ومما أتى به موسى {أتبعه} أي واتركهما. ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو في الحقيقة تهكم بهم فقال: {إن كنتم} أيها الكفار! كوناً راسخاً {صادقين*} أي في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به. ولما كان شرط صدقهم، بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال: {فإن لم يستجيبوا} أي الكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به. ولما كانت الاستجابة تتعدى بنفسها إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، وكان ذكر الداعي أدل على الاعتناء به والنظر إليه، قال مفرداً لضميره صلى الله عليه وسلم لأنه لا يفهم المقايسة في الأهدوية غيره: {لك} أي يطلبوا الإجابة ويوجدوها في الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ودعوتهم إليه مما هو أهدى، من القرآن والتوراة ليظهر صدقهم {فاعلم} أنت {أنما يتبعون} أي بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفروالتكذيب {أهواءهم} أي دائماً، وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ظالمون غير مهتدين، بل هم أضل الناس، وذلك معنى قوله: {ومن أضل} أي منهم، ولكنه قال: {ممن اتبع} أي بغاية جهده {هواه} تعليقاً للحكم بالوصف؛ والتقييد وبقوله: {بغير هدى} أي بيان وإرشاد {من الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى قد يوافق الهدى، والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالماً قد لا يكون أظلم. ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلماً، وصل به قوله مظهراً لئلا يدعى التخصيص بهم: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره {لا يهدي} وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال: {القوم الظالمين*} أي وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً اتباع الهوى دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً الظلم دليلاً على حذفه أولاً. ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا، وأكثر من نصب الأدلة على الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا بإعراضهم عن ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك، قال ناسقاً على ما تقديره: فلقد آتيناك في هذه الآيات بأعظم البينات، منبهاً بحرف التوقع المقترن بأداة القسم على أنه مما يتوقع هنا أن يقال: {ولقد وصلنا} أي على ما لنا من العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها {لهم} اي خاصة، فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها {القول} أي أتبعنا بعض القول - الذي لا قول في الحقيقة سواه - بعضاً بالإنزال منجماً، قطعاً بعضها في أثر بعض، لتكون جواباً لأقولهم، وحلاًّ لإشكالهم، فيكون أقرب إلى الفهم، وأولى بالتدبر، مع تنويعه في وعد ووعيد، وأخبار ومواعظ، وحكم ونصائح، وأحكام ومصالح، وأكثرنا من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته الباهرات كأنها أفراس الرهبان، يوم استباق الأقران، في حومة الميدان، غير أن كلاًّ منهما سابق في العيان. ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في الكذب بالقول أو بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل عليه فقال: {لعلهم يتذكرون*} أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيراً، بما أشار إليه الإظهار. ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل، ومنه ما انضم إليه مع ذلك العقل، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر، وكان كأنه قيل: هل تذكروا؟ قيل: نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا حقاً، وذلك معنى قوله: {الذين آتيناهم} أي بعظمتنا التي حفظناهم بها {الكتاب} أي العلم من التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء، وهم يتلون ذلك حق تلاوته، في بعض الزمان الذي كان {من قبله} أي القرآن {هم} أي خاصة {به} أي القرآن، لا بشيء مما يخالفه {يؤمنون*} أي يوقعون الإيمان به في حال وصوله إليهم إيماناً لا يزال يتجدد؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله: {وإذا يتلى} أي تتجدد تلاوته {عليهم قالوا} مبادرين: {آمنا به} ثم عللوا ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة، مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد يصدق رجوعه عنه، فكيف إذا كان أصله حقاً من عند الله، {إنه الحق} أي الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل، مع كونه {من ربنا} المحسن إلينا، وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق تلاوته، لا بألسنتهم فقط، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به الموجب لشكره: {إنا كنا} أي كوناً هو في غاية الرسوخ؛ وأشار إلى أن من صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب، بإثبات الجار، فقال: {من قبله مسلمين*} أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه، لا جرم كانت النتيجة: {أولئك} أي العالو الرتبة {يؤتون} بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء، والمؤتى معروف {أجرهم مرتين} لإيمانهم به غيباً وشهادة، أو بالكتاب الأول ثم الكتاب الثاني {بما صبروا} على ما كان من الإيمان قبل العيان، بعدما هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان، وغير ذلك من امتحان الملك الديان. ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء، قال عاطفاً على {يؤمنون} مشيراً إلى تجديد هذه الأفعال كل حين: {ويدرءون بالحسنة} من الأقوال والأفعال {السيئة} أي من ذلك كله فيمحونها بها. ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال: {ومما رزقناهم} أي بعظمتنا، لا بحول منهم ولا قوة، قليلاً كان أو كثيراً {ينفقون*} معتمدين في الخلق على الذي رزقه؛ قال البغوي: قال سعيد بن جبير: قدم مع جعفر رضي الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلاً، يعني: فأسلموا، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أموالهم، فأتوا بها فواسوا بها المسلمين.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جاءهم} اى اهل مكة وكفار العرب {الحق} اى القرآن لقوله فى سورة الرحمن {أية : حتى جاءهم الحق ورسول مبين}تفسير : {من عندنا} اى بامرنا ووحينا كمافى كشف الاسرار. وقال ابن عباس رضى الله عنهما فلما جاءهم محمد. وفيه اشارة الى انه عليه السلام انما بعث بعد وصوله الى مقام العندية واستحقاقه ان يسميه الله الحق وهو اسمه تعالى وتقدس. وفيه اشارة الى كمال فنائه عن انانيته وبقائه بهوية الحق تعالى وله مسلم ان يقول انا الحق وان صدرت هذه الكلمة عن بعض متابعيه فلاغر وان يكون من كمال صفاء مرآة قلبه فى قبول انعكاس انوار ولاية النبوة اذا كانت محاذية لمرآة قلبه عليه السلام وكان منبع ماء هذه الحقيقة قلب محمد عليه السلام ومظهره لسان هذا القائل بتبعيته لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة كذا فى التأويلات النجمية {قالوا} تعنتا واقتراحا قال بعضهم قاله قريش بتعليم اليهود {لولا} هلا {اوتى} محمد {مثل ما اوتى موسى} من الكتاب جملة لامفرقا. قال بعض الكبار احتجبوا بكفرهم عن رؤية كماليته عليه السلام والا لقالوا لولا اوتى موسى مثل مااوتى محمد من الكمالات {أولم يكفروا بما اوتى موسى من قبل} اى أولم يكفروا من قبل هذا بمااوتى موسى من الكتاب كما كفروا بهذا الحق ثم بين كيفية كفرهم فقال {قالوا} هما اى ما اوتى محمد وما اوتى موسى عليهما السلام {سحران تظاهرا} اى تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر وذلك ان قريشا بعثوا رهطا منه الى رؤساء اليهود فى عيد لهم فسألوهم عن شأنه عليه السلام فقالوا انا نجده فى التوراة بنعته وصفته فلما رجع الرهط واخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك {وقالوا انا بكل} اى بكل واحد من الكتابين {كافرون} وقال بعضهم المعنى أولم يكفر ابناء جنسهم فى الرأى والمذهب وهم القبط بما اوتى موسى من قبل القرآن قالوا ان موسى وهرون ساحران اى ساحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون. يقول الفقير انه وان صح اسناد الكفر الى ابناء الجنس من حيث ان ملل الكفر واحدة فى الحقيقة فكفر ملة واحدة بشىء فى حكم الكفر الملل الآخر به كما اسند افعال الآباء الى الابناء من حيث رضاهم بما فعلوا لكن يلزم على هذا ان يخص مااوتى موسى بما عدا الكتاب من الخوارق فان ايتاء الكتاب انما كان بعد اهلاك القبط على ان مقابلة القرآن بما عدا التوراة مع ان مااوتى انما يدل باطلاقه على الكتاب مما لاوجه له فالمعنى الاول هو الذى يستدعيه جزالة النظم الكريم ويدل عليه صريحا قوله تعالى {قل} يامحمد لهؤلاء الكفار الذين يقولون هذا القول {فائتوا} [بس بياريد] {بكتاب من عند الله هو اهدى} بطريق الحق: وبالفارسية [رياست ترراه نماينده تر] {منهما} اى مما اوتياه من التوراة والقرآن وسميتموهما بسحرين {اتبعه} جوار للامر اى تأتوا به اتبعه ومثل هذا الشرط مما يأتى به من يدل وضوح حجته وسنوح محجته لان الاتيان بما هو اهدى من الكتابين امر بين الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والافحام {ان كنتم صادقين} اى فى انهما سحران مختلقان وفى ايراد كلمة ان مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} اى الرّسول او رسالته او كتابه او معجزاته تأنّفوا عنه واستكبروا عن قبول رسالته {قَالُواْ} ردّاً لرسالته: {لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} من المعجزات الظّاهرة من اليد والعصا وفلق البحر او من الكتاب جملة {أَ} قبلوا من موسى (ع) {وَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} يعنى ليس سؤالهم من محمّدٍ (ص) مثل ما اوتى موسى (ع) عن صدق نيّةٍ وطلب دليلٍ بل كان ذلك منهم محض تعنّتٍ واستكبارٍ عن القبول فانّ اسلافهم لم يقبلوا من موسى (ع) وهؤلآء اسناخهم فلو اتى بمثل ما اوتى موسى (ع) لم يقبلوا، او المعنى الم يكفر هؤلآء الموجودون من كفّار قريش بما اوتى موسى (ع) {قَالُواْ} اى الاسلاف {سَاحِرَانِ} يعنى موسى وهارون (ع)، وقرئ سحران على المبالغة، او قال الموجودون محمّد (ص) وموسى ساحران او كتابهما سحران {تَظَاهَرَا} تعاونا او تطابقا {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ} منهما او بكلٍّ من الانبياء {كَافِرُونَ قُلْ} لهؤلاء الّذين هم اسناخ اسلافهم او لهؤلاء الموجودين: من كفّار قريش {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ} من كتابى وكتاب موسى {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى انّ موسى وهارون (ع) او محمّداً (ص) وموسى (ع) ساحران او كتابى وكتابه سحران.

الهواري

تفسير : قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} أي: القرآن {قَالُوا لَوْلآ أُوتِيَ} يعنون النبي محمداً عليه السلام {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} أي: هلا أعطي مثل ما أعطي موسى؛ أي: هلاّ أنزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة. قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ} وقد كان كتاب موسى عليهم حجّة، في تفسير الحسن. {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: موسى ومحمد، في تفسير الحسن؛ وهذا قول مشركي العرب. {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي: بالتوراة والقرآن. وقال بعضهم: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: موسى وهارون. وقال مجاهد: {قَالُوا لَوْلآ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} هذا قول اليهود؛ أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى؛ يقول الله يا محمد، قل لقريش يقولوا لهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} قول يهود لموسى وهارون {وَقَالُوا} أي: اليهود {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي: نكفر أيضاً بما أوتي محمد. قال الله: [ {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ} أي: من التوراة والقرآن {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ]. قال: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} فيأتوا به، ولا يأتون به، ولكنها حجّة عليهم، {فَاعْلَم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِّنَ اللهِ} جاءه، أي: لا أحد أظلم منه {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين الذين يموتون على شركهم.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحَقُّ} محمدا والقرآن أو كلاهما. {مَنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا} توبيخ. {أُوتِيَ} محمد. {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} من الآيات كاليد والعصا وغيرهما أو الكتاب جملة واحدة أو كل ذلك وذلك أعنات من قريش بتعليم اليهود لهم ذلك. {أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا} أي قريش أو اليهود فانهم الذين علموا قريشا أن يسألوا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتي موسى أو الضمير لقريش ونسب الكفر بما أوتي موسى اليهم مع انه لليهود والقبط لأنهم جنس واحد في الرأي والمذهب أو لأن فرعون عربي من أولاد عاد وعن الحسن كان للعرب أصل في زمان موسى عليه السلام. {بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ} متعلق بأوتي أو بيكفروا. {قَالُوا سِحْرانِ} أي قال قريش موسى ومحمد ساحران أو قالت اليهود والقبط موسى وهارون ساحران ويوافق الأول ما روي أن قريشا بعثوا إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم بنعته وصفته وأنه في كتابهم فرجعت رسل قريش الى قريش فقالوا ـ أعني قريشا ـ موسى ومحمد ساحران وقرأ الكسائي وحمزة وعاصم (سحران) بكسر السين واسان الحاء أي ذوا سحر وسموهم سحرين مبالغة أو وأمرهما سحران أو التوراة والقرآن سحران وهو قول ابن عباس. {تَظَاهَرا} تعاونا كل يصدق الآخر وقرىء (أظاهرا) بهمزة الوصل وابدال التاء ظاء وادغام الظاء في الظاء واذا التقدير أمرهما سحران فإسناد التظاهر الى فعلهما دلالة على السبب الاعجاز. {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلِّ كَافِرُونَ} أي كافرون بكل منهما أو بكل الأنبياء أو بكل الكتابين أو بكل من فعل موسى وهارون أو فعل موسى ومحمد وقالت اليهود والقبط إنا كافرون بموسى وهارون.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا جاءهم الحقُّ} القرآن {من عندنا قالوا} عنادا {لَوْلا} مثل لولا الثانية {أُوتِىَ} محمد {مثل ما أوتِىَ مُوسَى} أى مثل ما أوتيه موسى من كتاب منزل بمرة، وهو التوراة، ومن اليد والعصا {أو لم يكْفروا بما أوتى مُوسَى من قَبْل} قبل مجىء محمد، أو قبل مجىء الحق وهو القرآن {قالُوا} موسى ومحمد، أو موسى وهارون {سِحْرانِ تَظَاهرا} تعاونا فى سحرهما، وتوافق كتابيهما، قيل: وكان فرعون عربيا من أولاد عاد، يتكلم بالعربية، روى أن أهل مكة بعثوا رهطاً يوم عيد لليهود يسألونهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابوهم بأنا نجده بصفته كما هو فى التوراة، فقالوا: ساحران أى مُوسَى ومحمد تظاهرا بخوارقهما وكتابيهما. {وقالوا إنَّا بكلِّ} منهما أو بالأنبياء مطلقاً، والكتب مطلقاً {كافرون} ويقوى أن المراد بكل هو كل ما أتيا به، قوله: {لولا أوتى} وقوله: {أو لم يكفروا بما أوتى} وقوله: {قلْ فأتُوا بكتاب مِن عِنْد الله هُو أهْدى منهُما أتَّبعه إن كُنتم صادقين} فى أنهما سحر، إلا أن تكذيب الكتاب تكذيب لنبوّة الآتى به، وتكذيب الآتى به تكذيب لها، وماء منهما للقرآن والتوراة، وقيل للقرآن والإنجيل، والسَّاحران محمد وعيسى، وعليه الحسن، وعنه موسى وعيسى، فالهاء للتوراة والإنجيل، والذى فى البخارى: ذلك موسى ومحمد، والتوراة والقرآن، وفى رد الهاء للتوراة والإنجيل كراهة، كأنه يعتمد عليهما، ولا اعتبار بالقرآن، وليس كذلك بخلافها للقرآن وأحدهما، ففيه أنه واحدهما سواء متظافران من الله عز وجل، وقيل: أرسل موسى الى العرب فكفروا، فقال الله عز وجل لمن فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من العرب: {أو لم يكفروا بما أوتى موسى} بمعنى أو يكفر آباؤهم.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءهُمُ } أي أولئك القوم، والمراد بهم هنا أهل مكة الموجودون عند البعثة وضمائر الجمع الآتية كلها راجعة إليهم. {ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا } أي الأمر الحق وهو القرآن المنزل عليه عليه الصلاة والسلام {قَالُواْ } تعنتاً واقتراحاً {لَوْلا أُوتِىَ } يعنونه عليه الصلاة والسلام {مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } عليه السلام من الكتاب المنزل جملة وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } رد عليهم وإظهار لكون ما قالوه تعنتاً محضاً لا طلباً لما يرشدهم إلى الحق {وَمِن قَبْلُ } متعلق بيكفروا وتعلقه بأوتي لا يظهر له وجه لائح إذ هو تقييد بلا فائدة لأنه معلوم أن ما أوتي موسى عليه السلام من قبل محمد صلى الله عليه وسلم أو من قبل هؤلاء الكفرة. نعم أمر الرد عليه على حاله أي ألم يكفروا من قبل هذا القول بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا بهذا الحق. وقوله تعالى: {قَالُواْ } استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق وبيان كيفيته وقوله تعالى: {سِحْرَانِ } خبر لمبتدأ محذوف أي هما يعنون ما أوتي نبينا وما أوتي موسى عليهما الصلاة والسلام سحران {تَظَاهَرَا } أي تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر وتأييده إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطاً منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم فسألوهم عن شأنه عليه الصلاة والسلام فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ } أي بكل واحد من الكتابين {كَـٰفِرُونَ } تصريح بكفرهم بهما وتأكيد لكفرهم المفهوم من تسميتهما سحراً وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان. وقرأ الأكثرون {ساحران} وأراد الكفرة بهما نبينا وموسى عليهما الصلاة والسلام. وقرأ طلحة والأعمش (اظاهرا) بهمزة الوصل وشد الظاء وكذا هي في حرف عبد الله وأصله تظاهراً فلما قلبت التاء ظاء وأدغمت سكنت فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بالساكن. وقرأ محبوب عن الحسن. ويحيـى بن الحرث الذماري وأبو حيوة وأبو خلاد عن اليزيدي (تظاهرا) بالتاء وتشديد الظاء. قال ابن خالويه: وتشديده لحن لأنه فعل ماض وإنما يشدد في المضارع وقال صاحب «اللوامح»: لا أعرف وجهه. وقال صاحب «الكامل في القراآت» لا معنى له. وخرج ذلك أبو حيان على أنه مضارع حذفت منه النون بدون ناصب / أو جازم، وجاء حذفها كذلك في قليل من الكلام وفي الشعر، و {ساحران} خبر لمبتدأ محذوف، وأصل الكلام أنتما ساحران تتظاهران فحذف أنتما وأدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي الخطاب ولو قرىء يظاهرا بالياء حملاً على مراعاة (ساحران) أو على تقديرهما لكان له وجه وكأنهم خاطبوا النبـي صلى الله عليه وسلم بذلك وأرادوه وموسى عليهما الصلاة والسلام بأنتما على سبيل التغليب، هذا وتفسير الآية بما ذكر مما لا تكلف فيه ولعله هو الذي يستدعيه جزالة النظم الجليل ويقتضيه اقتضاء ظاهر قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا...}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء فصيحة كالفاء في قول عباس بن الأحنف: شعر : قالوا خراسان أقصى ما يُراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : وتقدير الكلام: فإن كان من معذرتهم أن يقولوا ذلك فقد أرسلنا إليهم رسولاً بالحق فلما جاءهم الحق لفقوا المعاذير وقالوا: لا نؤمن به حتى نؤتى مثل ما أوتي موسى. و{الحق}: هو ما في القرآن من الهدى. وإثبات المجيء إليه استعارة بتشبيه الحق بشخص وتشبيه سماعه بمجيء الشخص، أو هو مجاز عقلي وإنما الجائي الرسول الذي يبلغه عن الله، فعبر عنه بالحق لإدماج الثناء عليه في ضمن الكلام. ولما بهرتهم آيات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجدوا من المعاذير إلا ما لقنهم اليهود وهو أن يقولوا: {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى}، أي بأن تكون آياته مثل آيات موسى التي يقصها عليهم اليهود وقص بعضها القرآن. وضمير {يكفروا} عائد إلى القوم من قوله {أية : لتنذر قوماً}تفسير : [القصص: 46] لتتناسق الضمائر من قوله {أية : ولولا أن تصيبهم}تفسير : [ القصص: 47] وما بعده من الضمائر أمثاله. فيشكل عليه أن الذين كفروا بما أوتي موسى هو قوم فرعون دون مشركي العرب فقال بعض المفسرين هذا من إلزام المماثل بفعل مثيله لأن الإشراك يجمع الفريقين فتكون أصول تفكيرهم واحدة ويتحد بهتانهم، فإن القبط أقدم منهم في دين الشرك فهم أصولهم فيه والفرع يتبع أصله ويقول بقوله، كما قال تعالى {أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} تفسير : [الذاريات: 52 - 53] أي متماثلون في سبب الكفر والطغيان فلا يحتاج بعضهم إلى وصية بعض بأصول الكفر. وهذا مثل قوله تعالى {أية : غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون}تفسير : [ الروم: 2 - 3] ثم قال {أية : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله}تفسير : [ الروم: 4 - 5] أي بنصر الله إياهم إذ نصر المماثلين في كونهم غير مشركين إذ كان الروم يومئذ على دين المسيح. فقولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} من باب التسليم الجدلي، أو من اضطرابهم في كفرهم فمرة يكونون معطلين ومرة يكونون مشترطين. والوجه أن المشركين كانوا يجحدون رسالة الرسل قاطبة. وكذلك حكاية قولهم {ساحران تظاهرا} من قول مشركي مكة في موسى وهارون لما سمعوا قصتهما أو في موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهو الأظهر وهو الذي يلتئم مع قوله بعده {وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} [القصص: 48 ــــ 49]. وقرأ الجمهور {ساحران} تثنية ساحر. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف {قالوا سِحْران} على أنه من الإخبار بالمصدر للمبالغة، أي قالوا: هما ذوا سحر. والتظاهر: التعاون. والتنوين في {بكل} تنوين عِوض عن المضاف إليه فيقدر المضاف إليه بحسب الاحتمالين إما بكل من الساحرين، وإما أن يقدر بكل من ادعى رسالة وهو أنسب بقول قريش لأنهم قالوا {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء} تفسير : [الأنعام: 91].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- فلما جاء رسول الله - محمد - بالقرآن من عند الله قال الكفار: ليته أُعْطى مثل ما أُعْطى موسى من معجزات حسية، وكتاب نزل جملة واحدة كالتوراة، وقد كفروا من قبل بموسى وآياته كما كفروا اليوم بمحمد وكتابه، وقالوا: نحن بكل منهما كافرون. فالجحود هو الذى أدى إلى الكفر بالمعجزات. 49- قل لهم - أيها الرسول - إذا لم تؤمنوا بالتوراة والقرآن؛ فهاتوا كتاباً من عند الله أحسن منهما هداية أو مثلهما أتبعه معكم إن كنتم صادقين فى زعمكم أن ما جئنا به سحر. 50- فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، فاعلم أنهم قد ألزموا الحجة ولم يبق لهم حجة، وأنهم بذلك يتبعون أهواءهم، ولا أحد أكثر ضلالا ممن اتبع هواه فى الدين بغير هدى من الله، إن الله لا يوفق من ظلم نفسه باتباع الباطل دون أن ينشد حقاً. 51- ولقد أنزل الله القرآن عليهم متواصلا بعضه إثر بعض حسبما تقتضيه الحكمة، ومتتابعا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا، ليتدبروا ويؤمنوا بما فيه. 52- الذين أنزلنا لهم التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن وآمنوا بهما وصدقوا بما فيهما عن محمد وكتابه، هم بمحمد وكتابه يؤمنون. 53- وإذا يُقرأ القرآن على هؤلاء قالوا - مسارعين إلى إعلان الإيمان -: آمنا به لأنه الحق من ربنا، ونحن عرفنا محمدا وكتابه قبل نزوله، فإسلامنا سابق على تلاوته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فلما جاءهم الحق من عندنا: أي محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً مبيناً. قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى: أي هلا أعطي مثل ما أعطي موسى من الآيات المعجزات من العصا واليد أو كتاباً جملة واحدة كالتوراة. أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل: أي كيف يطالبونك بأن تؤتي مثل ما أوتي موسى وقد كفروا بما أوتي موسى من قبل لما أخبرهم اليهود أنهم يجدون نعت محمد في التوراة كفروا بهذا الخبر ولم يقبلوه. وقالوا سحران تظاهرا: أي التوراة والقرآن كلاهما سحر ظاهر بعضهما بعضاً أي قواه. فإن لم يستجيبوا لك: أي بالإِتيان بالكتاب الذي هو أهدى من التوراة والقرآن. فاعلم أنما يتبعون أهواءهم: في كفرهم ليس غير، فلا عقل ولا كتاب منير. ومن أضل ممن اتبع هواه: أي لا أضلُّ منه قط. ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون: أي بأخبار الأولين وما أحللنا بهم من نقمتنا لما كذبوا رسلنا وأنكروا توحيدنا {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون. معنى الآيات: لما قرر تعالى نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأدلته التي لا أقوى منها ولا أوضح وبين حاجة العالم إليهما لا سيما العرب وذكر أنه لولا كراهة قولهم: {أية : لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [القصص: 47] لما أرسل إليهم رسوله. ذكر هنا ما واجه به المشركون تلك الرحمة المهداة فقال عنهم {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} أي محمد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: {لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} أي من الآيات كالعصا واليد البيضاء حتى نؤمن به ونصدق رسالته قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}. وقالوا: {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} وذلك أن قريشاً لما كثر المؤمنون وهالهم الموقف بعثوا إلى يهود المدينة يسألونهم بوصفهم أهل الكتاب الأول عن مدى صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يقوله فأجابهم اليهود بأنهم يجدون نعوت النبي الأمي في التوراة وأنه رسول حق وليس بكذاب ولا دجال فما كان من المشركين من قريش إلا أن أعلنوا كفرهم بالتوراة وقالوا: التوراة والقرآن {سِحْرَانِ} تعاونا فلا نؤمن بهما ولا نصدق من جاء بهما وقرئ {ساحران} أي موسى ومحمد عليهما السلام فلا نؤمن بهما. هذا معنى قوله تعالى {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي بكل منهما كافرون. فكيف لا يخجلون اليوم ويطالبون محمداً أن يعطى مثل الذي أعطي موسى من الآيات يا للعجب أي يذهب بعقول المشركين؟!! وقوله تعلى: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين الذين كفروا بالتوراة والقرآن {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أنزله بعلمه يكون أكثر هداية من التوراة والقرآن.. أتبعه! {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم بأن الفرقان والتوراة سحران تظاهرا. وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} بالإِتيان بكتاب من عند الله تعالى هو أهدى من الفرقان والتوراة ومن أين لهم بذلك..إنه المستحيل! إذاً فاعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم فيما يقولون ويدعون فلا عقل ولا نقل عندهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ}؟! اللهم إنه لا أضل منه. والنتيجة أنه لا أضل من هؤلاء المشركين من قريش وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} هذا بيان لسنة الله تعالى في الظالمين الذين أكثروا من الظلم وتوغلوا فيه عقيدة بالشرك وعملاً بالمعاصي فإنه يحرمهم الهداية فلا يهتدون أبداً. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لقد وصلنا أي لهؤلاء المشركين من قومك يا رسولنا أي وصلنا لهم القول بأخبار الماضين، وما أحللنا بهم من بأسنا ونقمنا وعظيم عقوباتنا لما كفروا كما كفر هؤلاء وكذبوا بما كذَّب به هؤلاء وصلنا لهم القول مبيناً واضحاً موصولاً أوله بآخره رجاء أن يتذكروا فيذكروا فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا من العذاب ويرحموا بدخول الجنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان تناقض المشركين وكل من يتبع الهوى ويترك الهدى الإِلهي. 2- بيان تحدي المشركين بالإِتيان بكتاب من عند الله وعجزهم عن ذلك فبان بذلك أنهم يتبعون أهواءهم وأنه لا أضل منهم اليوم. 3- بيان سنة الله في حرمان المتوغلين في الظلم من الهداية الإِلهية. 4- بيان أن الله عز وجل وصل القول لأهل مكة مفصلاً مبيناً لهدايتهم فله الحمد وله المنة وعلى الكافرين اللعنة في جهنم.

د. أسعد حومد

تفسير : {تَظَاهَرَا} {كَافِرُونَ} (48) - فَلَمَّا أَرسَلَ اللهُ تَعَالى إِليهِم مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم رَسُولاً، قَالَ هؤلاءِ الكُفَّارُ عَلى وجهِ التَّعَنُّتِ، والعِنَادِ، والكُّفرِ، والإِلحَادِ: هَلاَّ جَاءَ بِمُعْجِزَةٍ مِثلَمَا جَاءَ عَلى يَدي مُوسَى (كَالعَصَا واليَدِ...)، وقدْ جَاءَ مُوسى بِكُلِّ هذهِ الآياتِ العَظيمَةِ إِلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، فَلَم يُؤْمِنُوا، وكَفَروا واسْتَكْبَرُوا كَمَا كَفَرَ كَثيرٌ مِنَ البَشَرِ بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ تِلْكَ الآياتِ، وقَالُوا لِمُوسَى وَهَارُونَ: إِنَّهُما سَاحِرَانَ تَعَاوَنَا وتَنَاصَرَا، وَصَدَّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ، وأَعلَنُوا كُفْرَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى وَهَارُونَ. (وَقيلَ بَلِ المَقْصُودُ بِقَولِهِمْ سِحْرانِ تَظَاهَرَا وَتَعَاوَنَا التَّورَاةُ والقُرآنُ، وقِيلَ بَلْ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ..} [القصص: 48] أي: الرسول الذي طلبوه {قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ..} [القصص: 48] سبحان الله، إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، لقد طلبتم مجرد الرسول ولم تطلبوا معه معجزة معينة فقلتم: {أية : رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ..} تفسير : [القصص: 47] والآن تطلبون آيات حِسيِّة كالتي أرسل بها موسى من قبل. والمتأمل يجد أن الآيات قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانت آيات حِسيِّة كونية، مثل سفينة نوح عليه السلام، وناقة صالح عليه السلام، وعصا موسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله بالنسبة لسيدنا عيسى عليه السلام. وهذه كلها معجزات حسية تنتهي بانتهاء وقتها، فهي مناسبة للرسل المحدودي الزمن، والمحدودي المكان. أما الرسول الذي أُرسِلَ للناس كافَّة في الزمان وفي المكان، فلا تناسبه الآية الحسيِّة الوقتَية؛ لأنها ستكون معجزة لزمانها، وتظل العصور فيما بعد بلا معجزة، لذلك جاء الحق - تبارك وتعالى - على يد محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة باقية خالدة محفوظة بحِفْظ الله إلى يوم القيامة. وقلنا: إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان الرسول يأتي بمعجزة تثبت صِدْق بلاغه عن الله، ومعه كتاب يحمل منهجه، فالكتاب غير المعجزة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فجاءت معجزته هي عَيْن الكتاب والمنهج الذي أُرسِل به ليظل الدليل على صِدْقه باقياً مع المنهج الذي يطالب الناس به، وإلى أن تقوم الساعة نظل نقول: محمد رسول الله وهذه معجزته. أمَّا إخوانه من الرسل السابقين فنقول فلان، وكانت معجزته كذا على سبيل الإخبار، والخبر يحتمل الصِّدْق ويحتمل الكذب. وقد صدَّقنا بهذه المعجزات كلها؛ لأن الله أخبرنا بها في القرآن الكريم، فللقرآن الذي جاء معجزة ومنهجاً الفضل في إبقاء هذه المعجزات؛ لأنه أخبر بها وخلَّد ذكرها. ثم يرد الله عليهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ..} [القصص: 48] ثم يحكي ما قالوا عن معجزة موسى، وعن معجزة محمد {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ..} [القصص: 48] أي: أن موسى جاء بسحر، ومحمد جاء بسحر آخر، وقد {تَظَاهَرَا ..} [القصص: 48] علينا يعني: تعاونا، وهي مأخوذة من الظهر كأنك قُلْت: أعطني ظهرك مع ظهري لنحمل الحِمْل معاً، والظهْر محلُّ الحمل. والرد على هذا الاتهام يسير، فمعجزة موسى وإنْ كانت من جنس السحر إلا أنها ليست سِحْراً، فالسحر يُخيِّل لك أن الحبال حية تسعى، أمّا ما فعله موسى فكان قلب العصا إلى حية حقيقية تسعى وتبتلع سحرهم، لذلك أُلقي السحرة ساجدين؛ لأنهم رأوا معجزة ليستْ من جنس ما نبغوا فيه فآمنوا من فورهم. أما الذين قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم: إنه ساحر فالردُّ عليهم بسيط: فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً كما سحر المؤمنين به؟ ثم يؤكدون كفرهم بكل من الرسولين: موسى ومحمد: {وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48].

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} [الآية: 48]. قالت يهود، تأْمر قريشاً أَن تسأَل محمداً {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ}. فقال الله لمحمد: قل لقريش فليقولوا لليهود: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [الآية: 48]. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {سِحْرَانِ} [الآية: 48]. قال: يعني موسى ومحمد، صلى الله عليهما وسلم، هذا قول اليهود. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [الآية: 48] فقالت اليهود: نكفر أيضاً بما أُوتي محمد عليه السلام. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} [الآية: 51]. يعني: لقريش. يقول: تابعنا عليهم الموعظة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} معناه تَعاونا. وتُقرأ سِحْرَانُ يعني التَوراةُ والإِنجيلُ. ومن قَرأ سَاحران أراد بهما مُوسى وهارون عليهما السّلامُ.

همام الصنعاني

تفسير : 2220- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}: [الآية: 48]، قال: الكتابان، قد ذكرهما، فنسيت أحدهما وحفظت أن أحدهما القرآن. 2221- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله: {سِحْرَانِ}: [الآية: 48]، محمد وعيسى أو قال مُوسَى. 2222- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: سألت ابن عباس، وَهُوَ بين الركن والباب في الملتزم، وَهُوَ متكىء عَلَى يد عكرمة، مولاه، فقلت: أسحران أم ساحران؟ قال: فقلت ذَلِك مراراً، فقال عكرمة: ساحران، اذهب أيُّهَا الرجلُ أكثرت عَليه.