٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: ا{قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} أي قل يا محمد إذ كفرتم معاشر المشركين بهذين الكتابين {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ} ليكون ذلك عذراً لكم في الكفر {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أنهما سحران. أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام. وهذا يقوي قراءة الكوفيين {سِحْرَانِ}. {أَتَّبِعْهُ} قال الفرّاء: بالرفع؛ لأنه صفة للكتاب وكتاب نكرة. قال: وإذا جزمت ـ وهو الوجه ـ فعلى الشرط. قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} يا محمد أن يأتوا بكتاب من عند الله {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وأنه لا حجة لهم. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} أي لا أحد أضل منه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} أي أتبعنا بعضه بعضاً، وبعثنا رسولاً بعد رسول. وقرأ الحسن: {وَصَلْنَا} مخففاً. وقال أبو عبيدة والأخفش: معنى {وصلنا} أتممنا كصلتك الشيء. وقال ابن عُيَيْنة والسدّي: بيّنا. وقال ابن عباس. وقال مجاهد: فصلنا. وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا. وقال أهل المعاني: وَالَينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبِع بعضه بعضاً: وعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً ونصائح ومواعظ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا. وأصلها من وصل الحبال بعضها ببعض. قال الشاعر:شعر : فقل لبني مروان ما بال ذِمّةٍ وحبلٍ ضعيفٍ ما يزال يُوَصَّلُ تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : درِيرٍ كَخُذروفِ الوليدِ أَمَرَّهُ تَقَلُّبُ كفَّيه بخيطٍ مُوَصَّلِ تفسير : والضمير في {لهم} لقريش؛ عن مجاهد. وقيل: هو لليهود. وقيل: هو لهم جميعاً. والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} قال ابن عباس: يتذكرون محمداً فيؤمنوا به. وقيل: يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم؛ قاله علي بن عيسى. وقيل: لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. حكاه النقاش.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {فَأْتُواْ بِكِتَٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا } من الكتابين {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في قولكم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد. {فَأَتُوا بِكِتابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} أي من التوراة والقرآن وهذا يقوي أن المراد بساحران موسى ومحمد. {أَتَّبِعْهُ} بالجزم في جواب أمر التعجيز والذي ظهر لي ان اليهود في زمان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يقولون إنا كافرون بموسى وهارون أو بالأنبياء ثم رأيت الثعالبي ذكره في الجواهر. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في انهما ساحران وهذا الشرط ملزم مبكت وجيىء بحرف الشك وهو أن للمتهكم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا } أي مما أوتياه من القرآن والتوراة {أَتَّبِعْهُ } أي إن تأتوا به أتبعه فالفعل مجزوم بجواب الأمر ومثل هذا الشرط [مما] يأتي به من يدل بوضوح حجته لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بين الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإلزام وإيراد كلمة {إِن} في قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي في أنهما سحران مختلقان مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم، وقرأ زيد بن علي (أتبعه) بالرفع على الاستئناف أي أنا أتبعه. وقال الزمخشري: الحق الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات يعني أن المقام مقام أن يقال فلما جاءهم أي الرسول أو فلما جاءهم الرسول لكن عدل عن ذلك لإفادة تلك المعاني وما أوتي موسى بما هو أعم من الكتاب المنزل جملة واحدة واليد والعصا وغيرهما من آياته عليه السلام، وتعقب بأنه لا تعلق للمعجزات من اليد ونحوها بالمقام وكذا لا تعلق لغير القرآن من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم به ويرشد إلى ذلك ظاهر قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ } الخ. وجوز أن يكون ضميراً {أية : جَاءهُمُ} تفسير : [القصص: 48] و{أية : قَالُواْ } تفسير : [القصص: 48] راجعين إلى أهل مكة الموجودين وضمير {أية : يَكْفُرُواْ} تفسير : [القصص: 48] وكذا ضمير {قَالُواْ } في الموضعين راجع إلى جنس الكفرة المعلوم من السياق والمراد بهم الكفرة الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام و{أية : مِن قَبْلُ} تفسير : [القصص: 48] متعلق بيكفروا لا بأوتي لعدم ظهور الفائدة والمراد بسحرين أو ساحران موسى وهٰرون عليهما السلام كما روي عن مجاهد، وإطلاق سحرين عليهما للمبالغة أو هو بتقدير ذوا سحرين، والمعنى أو لم يكفر أبناء جنسهم من قبلهم بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا هم بما أوتيته وقال أولئك الكفرة هما أي موسى وهٰرون سحران أو ساحران تظاهرا، وقيل: يجوز أن تكون الضمائر راجعة إلى الموجودين والكفر والقول المذكور لأولئك السابقين حقيقة وإسنادهما إلى الموجودين مجازي لما بين الطائفتين من الملابسة. وقيل - بناء على ما روي عن الحسن من أنه كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام - إن المعنى أو لم يكفر آباؤهم من قبل أن يرسل محمد صلى الله عليه وسلم بما أوتي موسى قالوا هما أي موسى وهٰرون سحران أو ساحران تظاهرا فهو على أسلوب {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [البقرة: 49] ونحوه ويفيد الكلام عليه أن قدمهم في الكفر من الرسوخ بمكان، ولهم في العناد عرق أصيل وكون العرب لهم أصل في أيام موسى عليه السلام مما لا شبهة فيه حتى قيل: إن فرعون كان عربياً من أولاد عاد لكن في حسن تخريج الآية على ذلك كلام، وأنت تعلم أن كل هذه الأوجه ليست مما ينشرح له الصدر وفيها من التكلف ما فيها. وادعى أبو حيان ظهور رجوع ضمير {أية : يَكْفُرُواْ} تفسير : [القصص: 48] وكذا ضمير {أية : قَالُوا} تفسير : [القصص: 48] إلى قريش الذين قالوا {أية : لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 48] وأن نسبة ذلك إليهم لما أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيب لموسى عليه السلام ونسبتهم السحر للرسول نسبتهم إياه لموسى وهٰرون عليهما السلام إذ الأنبياء عليهم السلام من / واد واحد فمن نسب إلى أحد منهم ما لا يليق كان ناسباً ذلك إلى جميعهم فلا يحتاج إلى توسيط حكاية الرهط في أمر النسبة، وعليه يجوز أن يراد بكل كل واحد من الأنبياء عليهم السلام، ولا يخفى أن ما ادعاه من ظهور رجوع الضمير إلى ما ذكر أمر مقبول عند منصفي ذوي العقول، لكن توجيه نسبة الكفر والقول المبين لكيفيته مما ذكر مما يبعد قبوله، وكأنه إنما احتاج إليه لعدم ثبوت حكاية الرهط عنده، وعن قتادة أنه فسر السحران بالقرآن والإنجيل؛ والساحران بمحمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام وجعل ذلك القول قول أعداء الله تعالى اليهود، وتفسير الساحرين بذلك مروي عن الحسن، وروي عنه أيضاً أنه فسرهما بموسى وعيسى عليهما السلام والكل كما ترى، وتفسيرهما بمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام مما رواه البخاري في «تاريخه» وجماعة عن ابن عباس. وأخرج ابن أبـي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ (سحران) ويقول هما كتابان الفرقان والتوراة ألا تراه سبحانه يقول: {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا }.
ابن عاشور
تفسير : أي أجب كلامهم المحكي من قولهم {أية : ساحران}تفسير : [ القصص: 48] وقولهم {أية : إنا بكل كافرون}تفسير : [القصص: 48]. ووصف [كتاب] بـــ {من عند الله} إدماج لمدح القرآن والتوراة بأنهما كتابان من عند الله. والمراد بالتوراة ما تشتمل عليه الأسفار الأربعة المنسوبة إلى موسى من كلام الله إلى موسى أو من إسناد موسى أمراً إلى الله لا كل ما اشتملت عليه تلك الأسفار فإن فيها قصصاً وحوادث ما هي من كلام الله. فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله إلا على التغليب إذ لم يدع ذلك المرسلان بكتابي العهد. وقد تحداهم القرآن في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه. وهذا دليل على أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه كما قدمناه في المقدمة العاشرة. فمعنى {فإن لم يستجيبوا لك} إن لم يستجيبوا لدعوتك، أي إلى الدين بعد قيام الحجة عليهم بهذا التحدي، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما هو إلا اتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم. ويجوز أن يراد بعدم الاستجابة عدم الإتيان بكتاب أهدى من القرآن لأن فعل الاستحابة يقتضي دعاء ولا دعاء في قوله {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} بل هو تعجيز، فالتقدير: فإن عجزوا ولم يستجيبوا لدعوتك بعد العجز فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، أي لا غير. واعلم أن فعل الاستجابة بزيادة السين والتاء يتعدى إلى الدعاء بنفسه ويتعدى إلى الداعي باللام، وحينئذ يحذف لفظ الدعاء غالباً فقلما قيل: استجاب الله له دعاءه، بل يقتصر على: استجاب الله له، فإذا قالوا: دعاه فاستجابه كان المعنى فاستجاب دعاءه. وهذا كقوله {أية : فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله}تفسير : في سورة [هود: 14]. و {أنما} المفتوحة الهمزة تفيد الحصر مثل (إنما) المكسورة الهمزة لأن المفتوحة الهمزة فرع عن المكسورتها لفظاً ومعنى فلا محيص من إفادتها مفادها، فالتقدير فاعلم أنهم ما يتبعون إلا أهواءهم. وجيء بحرف (إن) الغالب في الشرط المشكوك على طريقة التهكم أو لأنها الحرف الأصلي. وإقحام فعل {فاعلم} للاهتمام بالخبر الذي بعده كما تقدم في قوله تعالى {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}تفسير : في سورة [الأنفال: 24]. وقوله {أتبعه} جواب {فأتوا} أي إن تأتوا به أتبعه، وهو مبالغة في التعجيز لأنه إذا وعدهم بأن يتبع ما يأتون به فهو يتبعهم أنفسهم وذلك مما يوفر دواعيهم على محاولة الإتيان بكتاب أهدى من كتابه لو استطاعوه فإن لم يفعلوا فقد حق عليهم الحق ووجبت عليهم المغلوبية فكان ذلك أدل على عجزهم وأثبت في إعجاز القرآن. وهذا من التعليق على ما تحقق عدم وقوعه، فالمعلق حينئذ ممتنع الوقوع كقوله {أية : قل إن كان لِلرَّحْمَـٰنِ ولد فأنا أول العابدين}تفسير : [ الزخرف: 81]. ولكونه ممتنع الوقوع أمر الله رسوله أن يقوله. وقد فهم من قوله {فإن لم يستجيبوا} ومن إقحام {فاعلم} أنهم لا يأتون بذلك البتة وهذا من الإعجاز بالإخبار عن الغيب. وجاء في آخر الكلام تذييل عجيب وهو أنه لا أحد أشد ضلالاً من أحد اتبع هواه المنافي لهدى الله. و{من} اسم استفهام عن ذات مبهمة وهو استفهام الإنكار فأفاد الانتفاء فصار معنى الاسمية الذي فيه في معنى نكرة في سياق النفي أفادت العموم فشمل هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغيرهم. وبهذا العموم صار تذييلاً وهو كقوله تعالى {أية : ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله}تفسير : في سورة [البقرة: 140]. وأطلق الاتباع على العمل بما تمليه إرادة المرء الناشئة عن ميله إلى المفاسد والأضرار تشبيهاً للعمل بالمشي وراء السائر، وفيه تشبيه الهوى بسائر، والهوى مصدر لمعنى المفعول كقول جعفر بن عُلبة: شعر : هواي مع الركب اليمانين مصعد تفسير : وقوله {بغير هدى من الله} الباء فيه للملابسة وهو في موضع الحال من فاعل {اتبع هواه} وهو حال كاشفة لتأكيد معنى الهوى لأن الهوى لا يكون ملابساً للهدى الرباني ولا صاحبه ملابساً له لأن الهدى يرجع إلى معنى إصابة المقصد الصالح. وجعل الهدى من الله لأنه حق الهدى لأنه وارد من العالم بكل شيء فيكون معصوماً من الخلل والخطأ. ووجه كونه لا أضل منه أن الضلال في الأصل خطأ الطريق وأنه يقع في أحوال متفاوتة في عواقب المشقة أو الخطر أو الهلاك بالكلية، على حسب تفاوت شدة الضلال. واتباع الهوى مع إلغاء إعمال النظر ومراجعته في النجاة يلقي بصاحبه إلى كثير من أحوال الضرّ بدون تحديد ولا انحصار. فلا جرم يكون هذا الاتباع المفارق لجنس الهدى أشد الضلال فصاحبه أشد الضالين ضلالاً. ثم ذيل هذا التذييل بما هو تمامه إذ فيه تعيين هذا الفريق المبهم الذي هو أشد الضالين ضلالاً فإنه الفريق الذين كانوا قوماً ظالمين، أي كان الظلم شأنهم وقوام قوميتهم ولذلك عبر عنهم بالقوم. والمراد بالظالمين: الكاملون في الظلم، وهو ظلم الأنفس وظلم الناس، وأعظمه الإشراك وإتيان الفواحش والعدوان، فإن الله لا يخلق في نفوسهم الاهتداء عقاباً منه على ظلمهم فهم باقون في الضلال يتخبطون فيه، فهم أضل الضالين، وهم مع ذلك متفاوتون في انتفاء هدى الله عنهم على تفاوتهم في التصلب في ظلمهم؛ فقد يستمر أحدهم زماناً على ضلاله ثم يقدر الله له الهدى فيخلق في قلبه الإيمان. ولأجل هذا التفاوت في قابلية الإقلاع عن الضلال استمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان في عموم المدعوين إذ لا يعلم إلا الله مدى تفاوت الناس في الاستعداد لقبول الهدى، فالهدى المنفي عن أن يتعلق بهم هنا هو الهدى التكويني. وأما الهدى بمعنى الإرشاد فهو من عموم الدعوة. وهذا معنى قول الأيمة من الأشاعرة أن الله يخاطب بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن مثل أبي جهل لأن التعلق التكويني غير التعلق التشريعي. وبين {هواه} و{هدى} جناس محرف وجناس خط.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِكِتَابٍ} {صَادِقِينَ} (49) - كَثيراً مَا يَقْرِنُ اللهُ تَعَالى ذِكْرَ التَّورَاةِ بِذِكْرِ القُرآنِ، وَهُنَا يَقُول مُخَاطِباً نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُكَذّبينَ: أئْتُونَا بِكتابٍ مُنْزَلٍ مِنْ عندِ اللهِ يَكُونُ أَكثَرَ هِدَايةً مِنَ التَّورَاةِ والقُرآنِ، لأَترُكَهُما وأَتَبَعَهُ، هذا إِنْ كُنتُمْ صَادِقينَ فيما تَقُولُونَ مِنْ أَنَّ اللهُ أَنْزَلَ خَيْراً مِنْهُما، وأَكْثَرَ وضُوحاً وتَفْصِيلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {قُلْ ..} [القصص: 49] أي: في الردّ عليهم {فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ ..} [القصص: 49] أي: أهدى من التوراة التي جاء بها موسى، وأهدى من القرآن الذي جاء به محمد ما دام أنهما لم يُعجباكم {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] يعني: لو جئتمُ به لاتبعته. وهذا يعني منهجين: منهج حقٍّ جاء به محمد، ومنهج باطل يُصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند مَنْ سيأتي من بعدهم، وحين يُقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أَهْدى من كتابه يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتاباً أهدى منه، فيعرفوا هم الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله، وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجاً أهدى من منهج الله؟ إذن: يقول لهم: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتَم الرسل، فلن يأتي رُسُل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أنْ تأتوا بكتاب من عند أنفسكم؛ لأن كل مُقنّن سيأتي بالمنهج الذي يخدم مذهبه، ويُرضي هواه. لذلك نقول: ينبغي في المقنِّن ويُشترط فيه: أولاً: أن يكون على علم واسع، بحيث لا يُسْتدرك عليه فيما بعد، وهذه لا تتوفر في أحد من البشر، بدليل أن القوانين التي وُضِعت في الماضي لم تَعُدْ صالحة الآن ينادي الناس كثيراً بتعديلها، حيث طرأتْ عليهم مسائل جديدة غابتْ عن ذِهْن المشرِّع الأول، فلما جدَّتْ هذه المسائل أتعبت البشر بالتجربة، فَطالبوا بتعديلها. ثانياً: يشترط في المشرِّع ألاَّ يكون له هوى فيما يُشرِّع للناس، ونحن نرى الرأسماليين والشيوعيين، وغيرهم كُلٌّ يشرع بما يخدم مذهبه وطريقته في الحياة؛ لذلك يجب ألاّ يُسند التشريع للناس لأحد منهم؛ لأنه لا يخلو من هوى. ثالثاً: يُشتَرط فيه ألاَّ يكون منتفعاً بشيء مما يشرع. وإذا اقتضتْ مسائل الحياة وتنظيماتها أنْ نُقنّن لها، فلا يُقنِّن لنا من البشر إلا أصحاب العقل الناضج والفكر المستقيم، بحيث يتوفر لهم نُضْج التقنين، لكن إلى أنْ يوجد عندهم نضج التقنين أيّ منهج يسيرون عليه؟ فإنْ حدثتْ فجوة في التشريع عاش الناس بلا قانون، وإلاَّ فما الذي قنَّنَ لأول مُقنِّن؟ الذي قنّن لأول مُقنِّن هو الذي خلق أول مَن خُلق. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):