٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } دعاءَك بالإتيان بكتاب {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } في كفرهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَٰهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ } أي لا أضلَّ منه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين.
ابو السعود
تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} أي فإنْ لم يفعلُوا ما كلَّفتهم من الإتيانِ بكتابٍ أهدى منهما كقولِه تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ }تفسير : [سورة البقرة: الآية 24] وإنَّما عبَّر عنه بالاستجابةِ إيذاناً بأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام على كمالِ أمنٍ من أمرِه كأنَّ أمرَه عليه الصَّلاة والسَّلام لهم بالإتيانِ بما ذُكر دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريدُ وقوعَه. والاستجابةُ تتعدَّى إلى الدُّعاءِ بنفسِه وإلى الدَّاعِي باللامِ فيحذف الدُّعاء عندَ ذلكَ غالباً، ولا يكادُ يقال: استجابَ الله له دعاءَه {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} الزَّائغةَ من غيرِ أنْ يكونَ لهم متمسَّكٌ ما أصلاً إذ لو كان لهم ذلكَ لأَتَوا به {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} استفهامٌ إنكاريٌّ للنَّفيِ أيْ لا أضلَّ ممَّن اتَّبع هواهُ {بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ} أي هو أضلُّ من كلِّ ضالَ وإنْ كانَ ظاهرُ السَّبكِ لنفيِ الأصلِ لا لنفيِ المُساوي كما هُو في نظائرِه مراراً. وتقيـيدُ اتِّباعِ الهَوَى بعدمِ الهُدى من الله تعالى لزيادةِ التَّقريعِ والإشباعِ في التَّشنيعِ والتَّضليلِ وإلا فمقارنتُه لهدايتِه تعالى بـينةُ الاستحالةِ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذين ظلمُوا أنفسَهم بالانهماكِ في اتباعِ الهَوَى والإعراضِ عن الآياتِ الهاديةِ إلى الحقِّ المُبـينِ. {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} وقُرىء بالتَّخفيف أي أنزلنا القرآنَ عليهم متواصلاً بعضَه إثرَ بعضٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ أو متتابعاً وعداً ووعيداً قصصاً وعبراً ومواعظَ ونصائحَ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيؤمنون بما فيه {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبلِ إيتاءِ القُرآنِ {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ وقيل: أربعون من أهلِ الإنجيلِ اثنانِ وثلاثون جاءوا مع جعفرٍ من الحبشةِ وثمانيةٌ من الشامِ {وَإِذَا يُتْلَىٰ} أي القرآنُ {عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا} أي الحقُّ الذي كنَّا نعرفُ حقِّيتِه وهو استنئافٌ لبـيانِ ما أوجب إيمانَهم. وقوله تعالى: {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} أي مِن قبلِ نزولِه {مُسْلِمِينَ} بـيانٌ لكونِ إيمانِهم به أمراً متقادمَ العهدِ لما شاهدوا ذكرَه في الكتبِ المتقدمةِ وأنَّهم على دينِ الإسلام قبل نزولِ القرآنِ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذُكر من المنعوتِ {يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} مرةً على إيمانِهم بكتابِهم ومرةً على إيمانِهم بالقرآنِ {بِمَا صَبَرُواْ} بصبرِهم وثباتِهم على الإيمانينِ أو على الإيمان بالقرآنِ قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرَهم من أهلِ دينِهم ومن المشركين {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ} أي يدفعونَ بالطَّاعةِ المعصيةَ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «حديث : وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها»تفسير : {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} في سبـيلِ الخيرِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان لم يستجيبوا لك} دعاءك الى الاتيان بالكتاب الاهدى ولن يستجيبوا كقوله فان لم تفعلوا ولن تفعلوا وحذف المفعول وهو دعائك للعلم به ولان فعل الاستجابة يتعدى بنفسه الى الدعاء وباللام الى الداعى فاذا عدى اليه حذف الدعاء غالبا {فاعلم انما يتبعون اهواءهم} الزائغة من غير ان يكون لهم متمسك اصلا اذ لو كان لهم ذلك لأتوا به {ومن اضل ممن اتبع هويه} استفهام انكارى بمعنى النفى اى لا اضل منه اى هو اضل من كل ضال. ومعنى اضل بالفارسية [كمراه تر] {بغير هدى من الله} اى بيان وحجة وتقييد اتباع الهوى بعدم الهدى من الله لزيادة التقرير والاشباع فى التشنيع والتضليل والا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة. وقال بعضهم هو النفس قد يوافق الحق فلذا قيد الهوى به فيكون فى موضع الحال منه {ان الله لايهدى القوم الظالمين} لايرشد الى دينه الذين ظلموا انفسهم بالانهماك فى اتباع الهوى والاعراض عن الآيات الهادية الى الحق المبين. وهنا اشارات. منها ان الطريق طريقان طريق القراءة والدراسة والسماع والمطالعة وطريق الرياضة والمجاهدة والتزكية والتحلية وهى اهدى الى الحضرة الاحدية من الطريق الاولى كما قال تعالى "حديث : من تقرب الىّ شبرا"تفسير : اى بحسب الانجذاب الروحانى "حديث : تقربت اليه ذراعا"تفسير : اى بالفيض والفتح والالهام والكشف فما لايحصل بطريق الدراسة من الكتب يحصل بطريق السلوك والسماع فى طريق الدراسة من المخلوق فى طريق الوراثة من الخلاق وشتان بين السماعين شعر : فيضى كه جامى ازدوسه بيمانه كه يافت مشكل كه شيخ شهر بيابد بصد جله تفسير : ومنها انه لو كان للطالب الصادق والمريد الحاذق شيخ يقتدى به وله شأن مع الله ثم استعد لخدمة شيخ كامل هو اهدى الى الله منه وجب عليه اتباعه والتمسك بذيل ارادته حتى يتم امره ولو تجدد له فى اثناء السلوك هذه الاستعداد لشيخ آخر اكمل من الاول والثانى وهلم جرا يجب عليه اتباعه الى ان يظفر بالمقصود الحقيقى وهو الوصول الى الحضرة بلا اتصال ولا انفصال. ومنها ان اهل الحسبان والعزة يحسبون انهم لو جاهدوا انفسهم على مادلهم بالعقل بغير هدى من الله اى بغير متابعة الانبياء انهم يهتدون الى الله ولا يعلمون ان من يجاهد نفسه فى عبودية الله بدلالة العقل دون متابعة الانبياء هو متابع هواه ولا يتخلص احد من اسر الهوى بمجرد العقل فلا تكون عبادته مقبولة اذ هى مشوبة بالهوى ولا يهتدى احد الى الله بغير هدى من الله كما ان نبينا عليه السلام مع كمال قدره فى النبوة والرسالة احتاج فى الاهتداء الى متابعة الانبياء كما قال {أية : اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : ولهذا السر بعثت الانبياء واحتاج المريد للشيخ المهتدى الى الله بهدى من الله وهو المتابعة. ومنها ان الضالين هم الذى وضعوا متابعة الهوى فى موضع متابعة الانبياء وطلبوا الهداية من غير موضعها فاهل الهوى ظالمون. قال بعضهم للانسان مع هواه ثلاث احوال. الاولى ان يغلبه الهوى فيتملكه كما قال تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه}.تفسير : والثانية ان يغالبه فيقهر هواه مرة ويقهره هواه اخرى واياه قصد بمدح المجاهدين وعناه النبى عليه السلام بقوله عليه السلام "حديث : جاهدوا اهواءكم كما تجاهدون اعداءكم"تفسير : والثالثة ان يغلب هواه كالانبياء عليهم السلام وصفوة الاولياء قدس الله اسرارهم وهذا المعنى قصده تعالى بقوله {أية : واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى}تفسير : وقصده النبى عليه السلام بقوله "حديث : مامن احد الا وله شيطان وان الله قد اعاننى على شيطانى حتى ملكته"تفسير : فان الشيطان يتسلط على الانسان بحسب وجود الهوى فيه. وينبغى للعاقل ان يكون من اهل الهدى لا من اهل الهوى واذا عرض له امران فلم يدر أيهما اصوب فعليه بما يكرهه لابما يهواه ففى حمل النفس على ماتكرهه مجاهدة واكثر الخير من الكراهية والعمل بما اشار اليه العقل السليم واللب الخالص: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : هوا وهوس را نماند ستيز جو بيند سر ينجه عقل تيز
الجنابذي
تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ} هذا من قبيل ايّاك اعنى واسمعى يا جارة والاّ فهو عالم بدون ذلك {أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} وليس لهم صدق نيّة فى سؤالهم ولا برهان لهم فى انكارهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} يعنى لا اضلّ منه فانّ العبارة وان كان اعمّ من هذا المعنى لكنّه لا يستعمل الاّ فيه فان كان لا اضلّ منه فلا محاجّة معه {بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} الباء للسّببيّة او للمصاحبة والظّرف بيان لاتّباع الهوى وانّه لا يكون الاّ بغير هدىً، او تقييد بمعنى انّ اتّباع الهوى قد يكون مسبّباً من الهدى وامر الله وامر خلفائه (ع) ومصاحباً له، وقد يكون مسبّباً عن غير امر الله وامر خلفائه ومصاحباً لغير امر الله فانّ كلّ الافعال الموافقة لمقتضيات النّفوس يكون صاحبوها بوجه متّبعين لأهوية انفسهم فان كانوا فى هذا الاتّباع ناظرين الى امر الله وامر خلفائه كانوا متّبعين لأهوية انفسهم بهدى من الله والاّ كانوا متّبعين لأهويتهم بغير هدىً فالحذر الحذر اخوانى من الغفلة عن الامر الالهىّ عند فعالكم حتّى لا تكونوا مصاديق قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} عن الكاظم (ع) فى هذه الآية يعنى من اتّخذ دينه رأيه بغير امامٍ من ائمّة الهدى، وعن الصّادق (ع) مثله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تعليل لكون المتّبع للهوى اضلّ النّاس، او لاتّباع الهوى بغير هدىً من الله.
اطفيش
تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} أي لم يأتوا بما طلب والمفعول محذوف أي فان لم يستجيبوا دعاءك إلى الاتيان بكتاب اهدى وانما حذف للعلم به وهكذا الغالب في الاستجابة حذف الدعاء اذا تعدت الى الداعي بالحرف أو بنفسه وذكر ويقال استجاب الله له دعاءه ولا استجاب له ولا يقال استجاب الله له دعاءه ولا استجابة دعاء والدعاء في الآية هو قوله {فأتوا}. {فَاعْلَمْ أَنَمَّا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} لا حجة لهم في كفرهم. {وَمَنْ أَضَلَ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِّنَ اللهِ} والاستفهام انكاري وبغير حال مؤكدة للهوى أو مؤسسة لان الحق قد يهواه الانسان كذا ظهر لي ثم رأيت للقاضي. {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم بالكفر والمعاصي.
اطفيش
تفسير : {فإن لم يسْتجيبُوا لَكَ} لم يأتوا بكتاب أهدى منهما، والمقام لهذا المعنى فهو أولى من أن يقال، فإن لم يستجيبوا لك دعاءك بالإيمان، ومقتضى الظاهر، فإن لم يأتواك لقوله: "أية : قل فأتُوا"تفسير : [القصص: 49] إلا أنه ذكر الاستجابة تلويحا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوقف أمره على إيتانهم، وإنما دعاهم الى أمر متعين عليهم، وهو الإيمان والاستجابة، تتعدى الى الداعى باللام، وبنفسها تقول: استجبت له واستجبته، والى الدعاء بنفسه {فاعلم أنما يتَّبعُون أهْواءهم} ولو كان لهم شىء لأتوا به، والآية دلت على اعترافهم بأن فيهما هدى، والمراد هو أهدى منهما، أو مثلهما، واقتصر على ذكر الأهدى، إذ لا وجه لانتقاله صلى الله عليه وسلم عما عنده الى ما هو مثله لا فوقه. {ومن أضلُّ ممَّن اتَّبع هواهُ} لا أضل منه {بغيْر هدًى من الله} حال من ضمير اتبع مقترنا بغير هدًى ثابت من الله، وهى مؤكدة لأن الضال باتباع هواه هو أبداً بغير هدى من الله، وأما ما قيل من أنها مقيدة، لأنه قد يوافق الهوى الهدى من الله عز وجل، فلا يتم لأنه لم يوجد فى القرآن إطلاق الهوى على الهدى، ولأيه قد يوهم أنه من هواه، واتبعه ضال ينظر ما ضلاله، وليس كذلك، لكن هذا الإيهام بعيد {إِنَّ الله لا يهْدى القَومَ الظالمين} لأنفسهم وغيرهم باتباع الهوى، والإعراض عن الآيات، وكل من أنكر حقا عن آت به، فقد ظلمه نبياً أو غيره.
الالوسي
تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنه عليه الصلاة والسلام على كمال أمن من أمره، كان أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه. وقيل: المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد صلى الله عليه وسلم حقيقة وقوعه منهم وهي كما في «البحر» بمعنى الإجابة وتتعدى إلى الداعي باللام كما في هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} تفسير : [يوسف: 34]، وقوله سبحانه: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ}تفسير : [الأنبياء: 76] وبنفسها كما في بيت «الكتاب»:شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقال الزمخشري: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب فيقال: استجاب الله تعالى دعاءه أو استجاب له ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وقوله في البيت (فلم يستجبه) على حذف مضاف أي فلم يستجب دعاءه انتهى، ولو جعل ضمير (يستجبه) للدعاء المفهوم من داع لم يحتج إلى تقدير، وجعل المفعول هنا محذوفاً لذكر الداعي، ووجهه على ما قيل: أنه مع ذكر الداعي والاستجابة يتعين أن المفعول الدعاء فيصير ذكره عبثاً، وجوز كون الحذف للعلم به من فعله لا لأنه ذكر الداعي، وهذا حكم الاستجابة دون الإجابة لقوله تعالى: {أية : أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحقاف: 31]. {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } الزائغة من غير أن يكون لهم متمسك ما أصلا إذا لو كان لهم ذلك لأتوا به {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ } استفهام إنكاري للنفي أي لا أضل ممن اتبع هواه {بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ } أي هو أضل من كل ضال وإن كان ظاهر السبك لنفي الأضل لا لنفي المساوي كما مر في نظائره مراراً، وقوله تعالى: {بِغَيْرِ هُدًى } في موضع الحال من فاعل {اتبع}، وتقييد الاتباع بذلك لزيادة التقرير والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة، وقيل: للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق، وفيه بحث. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الذين ظلموا أنفسهم فانهمكوا في اتباع الهوى والإعراض / عن الآيات الهادية إلى الحق المبين.
د. أسعد حومد
تفسير : {هَوَاهُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (50) - فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا طَلَبتَهُ مِنْهُمْ مِنَ الإِتيَانِ بكِتَابٍ أَهْدَى مِنَ التَّورَاةِ والقُرآنِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا الحَقَّ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَيَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، واللهُ تَعَالى لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَلا يُوفِّقُهُمْ إِلى اتِّبَاعِ سَبِيلِ الحَقِّ وَالرَّشَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا يعني أن الله تعالى لم يطاوعهم إلى ما أرادوا، فلم يَأْتِهم بكتاب آخر، لكن كيف كان سيأتيهم هذا الكتاب؟ يجيب الحق - تبارك وتعالى - على هذا السؤال بقوله تعالى: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: الكلام عندهم ليس في الكتاب، إنما فيمن أُنزِل عليه الكتاب، وهذا معنى: {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ..} [القصص: 50]. ثم يقول سبحانه: {وَمَنْ أَضَلُّ ..} [القصص: 50] يعني لا أضل {مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ ..} [القصص: 50] أي: اتبع هوى نفسه، أما إنْ وافق هواه هوى المشرِّع، فهذا أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة: اللهم إنِّي أخشى ألاَّ تثيبني على طاعتي؛ لأنك أمرتنا أنْ نحارب شهوات أنفسنا، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي. وأضلُّ الضلال أن يتبع الإنسان هواه؛ لأن الأهواء متضاربة في الخَلْق تضارب الغايات، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون. وقد عبَّر المتنبي عن هذا التضارب، فقال: شعر : أَرَى كُلَّنَا يَبْغى الحياةَ لنفسهِ حَرِيصاً عَليها مُسْتهاماً بها صبَّا فحبُّ الجبانِ النفسَ أوردَهُ التقى وحُبُّ الشجاعِ النفسَ أَوردَهُ الحَربَا تفسير : فنحن جميعاً نحب الحياة ونحرص عليها، لكن تختلف وسائلنا، فالجبان لحبه الحياة يهرب من الحرب، والشجاع يُلقي بنفسه في معمعتها مع أنه مُحِبٌّ للحياة، لكنه محب لحياة أخرى أبقى، هي حياة الشهيد. وآخر يقول: شعر : كُلُّ مَنْ في الوُجودِ يطلبُ صَيْداً غير أنَّ الشِّباكَ مُختلِفَات تفسير : فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه، لكنه رأى مَنْ هو أحوج منه، وفيه قال تعالى: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..} تفسير : [الحشر: 9]. نقول: هذا آثر الفقير على نفسه، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عَشْرة أمثال ما أنفق، بل يطمع في الجنة، إذن: المسألة فيها نفعية، فالدين عند المحققين أنانية، لكنها أنانية رفيعة راقية، ليست أنانية حمقاء، الدين يرتقي بصاحبه، ويجعله إيجابياً نافعاً للآخرين، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه. فالشرع حين يقول لك: لا تسرق. وحين يأمرك بغضِّ بصرك، وغير ذلك من أوامر الشرع، فإنما يُقيِّد حريتك وأنت واحد، لكن يُقيِّد من أجلك حريات الآخرين جميعاً، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك، فإذا نظرتَ إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تَنْسَ ما أعطاك. لذلك حينحديث : نتأمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه شاب من الأعراب الذين آمنوا، يشتكي إليه ضَعْفه أمام النساء، وقلة صبره على هذه الشهوة، حتى قال له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ومع ذلك لم ينهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل علم أنه أمام مريض يحتاج إلى مَنْ يعالجه، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة، خاصة وقد صارح رسول الله بما يعاني فكان صادقاً مع نفسه لم يدلس عليها. لذلك أدناه رسول الله، وقال له: يا أخا العرب، أتحب ذلك لأمك؟ أتحب ذلك لزوجتك؟ أتحب ذلك لأختك؟ أتحب ذلك لابنتك؟ والشاب في كل هذا يقول: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِداك. عندها قال صلى الله عليه وسلم: "كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبون ذلك لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم" ". تفسير : فانصرف الشاب وهو يقول: والله ما شيء أبغض إليَّ من الزنا بعدما سمعتُ من رسول الله، وكلما هَمَّتْ بي شهوة ذكرتُ قول رسول الله في أمي، وزوجتي، وأختي، وابنتي. فالذي يُجرِّيء الناس على المعصية والولوع بها عدم استحضار العقوبة وعدم النظر في العواقب، وكذلك يزهدون في الطاعة لعدم استحضار الثواب عليها. وسبق أن قلنا لطلاب الجامعة: هَبُوا أن فتى عنده شَرَه جنسي، فهو شرهٌ منطلق يريد أنْ يقضي شهوته في الحرام، ونريد له أن يتوب فقلنا له: سنوفر لك كل ما تريد على أنْ تُلقي بنفسك في هذا (الفرن) بعد أن تُنهي ليلتك كما تحب، ماذا يصنع؟ ثم يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 50] وفي مواضع أخرى: {أية : لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 108]، {أية : لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]، وكلها دلَّتْ على أن الله لا يصنع عدم الهداية لأحد إلا بسبق شيء منه، والمراد بالهداية هنا - أي: هداية الإيمان والتقوى - وإلاَّ فقد هدى الله الجميع هداية الدلالة والإرشاد فلم يأخذ بها هؤلاء فحُرِموا هداية الإيمان. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):