Verse. 3303 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَـہُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّہُمْ يَتَذَكَّرُوْنَ۝۵۱ۭ
Walaqad wassalna lahumu alqawla laAAallahum yatathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد وصَّلنا» بينا «لهم القول» القرآن «لعلهم يتذكرون» يتعظون فيؤمنون.

51

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا} بيَّنَّا {لَهُم الْقَوْلَ} القرآن {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون فيؤمنون.

ابن عطية

تفسير : الذين وصل {لهم القول} هم قريش قاله مجاهد وغيره، وقال أبو رفاعة القرظي: نزلت في اليهود في عشرة أنا أحدهم ذكره الطبري، وقال الجمهور: معناه واصلنا لهم في القرآن وتابعناه موصولاً بعضه ببعض في المواعظ والزجر والدعاء إلى الإسلام، قال الحسن وفي ذكر الأمم المهلكة وصلت لهم قصة بقصة حسب مرور الأيام، وذهب مجاهد أن معنى {وصلنا} فصلنا أي جعلناه أوصالاً من حيث كان أنواعاً من القول في معان مختلفة، ومعنى اتصال بعضه ببعض حاصل من جهة أخرى لكن إنما عدد عليهم هاهنا تقسيمه في أنواع من القول، وذهب الجمهور إلى أن هذا التوصيل الذي وصل لهم القول معناه وصل المعاني من الوعظ والزجر وذكر الآخرة وغير ذلك، وذهبت فرقة إلى أن الإشارة بتوصيل القول إنما هي إلى الألفاظ أي إلى الإعجاز، فالمعنى {ولقد وصلنا لهم} قولاً معجزاً على نبوتك. قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول تقديره {ولقد وصلنا لهم} قولاً تضمن معاني من تدبرها اهتدى، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "ولقد وصَلنا" بتخفيف الصاد، وقوله {لعلهم يتذكرون} أي في طمع البشر، وظاهر الأمر عندهم وبحسبهم، ثم ذكر تعالى القوم الذين آمنوا من أهل الكتاب مباهياً بهم قريشاً، واختلف إلى من الإشارة، فقيل إلى جماعة من اليهود أسلمت وكانت تلقى من الكفار أذى، وقيل إلى بحيرا الراهب، وقال الزهراوي: إلى النجاشي: وقيل: إلى سلمان وابن سلام، وأسند الطبري عن علي بن أبي رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية، والضمير في {قبله} يحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على القرآن، وما بعد يؤيد هذا، قوله {وإذا يتلى عليهم} وقولهم {إنا كنا من قبله مسلمين} يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، و {أجرهم مرتين} معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا المعنى هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له أمة فأدبها وعلمها ثم أعتقها وتزوجها" تفسير : وقوله تعالى: {بما صبروا} عام في صبرهم على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنواع الصبر، وقوله تعالى: {ويدرؤون} معناه يدفعون هذا وصف لمكارم الأخلاق أي يتعاقبون ومن قال لهم سوءاً لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه آية مهادنة وهي في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات ونحوها، و {اللغو} سقط القول، والقول يسقط لوجوه يعز حصرها، فالفحش لغو، والسب لغو، واليمين لغو حسب الخلاف فيها، وكلام مستمع الخطبة لغو، والمراد من هذا في هذه الآية ما كان سباً وأذى فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على جهة التبري {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} وقال ابن زيد {اللغو} ها هنا ما كان بنو إسرائيل كتبوه في التوراة مما ليس من عند الله. قال القاضي أبو محمد: فهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم، و {سلام عليكم} في هذا الموضع ليس المقصود به التحية، لكنه لفظ التحية قصد به المتاركة، وهو لفظ مؤنس مستنزل لسامعه إذ هو في عرف استعماله تحية. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بقتال، و {لا نبتغي الجاهلين} معناه لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمسابة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَصَّلْنَا} بَيَّنا، أو أتممنا كصلتك الشيء بالشيء، أو أتبعنا بعضه بعضاً. {الْقَوْلَ} الخبر عن أمر الدنيا والآخرة، أو الخبر عمن أهلكناهم بماذا أهلكناهم من أنواع العذاب {يَتَذَكَّرُونَ} محمداً فيؤمنون به "ع"، أو يتذكرون فيخافون أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم، أو يتعظون بالقرآن عن عبادة الأوثان.

النسفي

تفسير : {ولقد وصّلنا لهم القول لعلّهم يتذكّرون} التوصيل وتكريره يعني أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً وعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً ومواعظ ليتذكروا فيفلحوا {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ } من قبل القرآن وخبر {الذين} {هُم بِهِ } بالقرآن {يُؤْمِنُونَ } نزلت في مؤمني أهل الكتاب {وَإِذَا يُتْلَىٰ } القرآن {عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ } من قبل نزول القرآن {مُسْلِمِينَ } كائنين على دين الإسلام، مؤمنين بمحمد عليه السلام، وقوله {إنه} تعليل للإيمان به لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به، وقوله {إنا} بيان لقوله {آمنا} لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده فأخبروا بأن إيمانهم به متقادم {أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ } يدفعون بالطاعة المعصية أو بالحلم الأذى {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } يزكون {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ } الباطل أو الشتم من المشركين {أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ } للاغين {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله {لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } لا نريد مخالطتهم وصحبتهم. {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } بمن يختار الهداية ويقبلها ويتعظ بالدلائل والآيات. قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدقوا محمداً تفلحوا. فقال عليه السلام:حديث : «يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك»تفسير : قال: فما تريد ابن أخي؟ قال:حديث : «أريد منك أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله»تفسير : قال: يا ابن أخي أنا قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت. وإن كانت الصيغة عامة، والآية حجة على المعتزلة لأنهم يقولون الهدى هو البيان وقد هدى الناس أجمع ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم فدل أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء وإعطاء التوفيق والقدرة

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ...} الآية؛ الذينَ وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ: همْ قريشٌ؛ قاله مجاهد وغيره، قال الجمهورُ: والمعنى: وَاصَلْنَا لهم في القرآن، وتابعناه موصولاً بعضُه ببعضٍ في المواعظ والزواجر، والدعاء، إلى الإسلام. وذهبت فرقةٌ إلى: أنَّ الإشارة بتوصيلِ القولِ إنما هي إلى الألفاظ، فالمعنى: ولقد وصَّلنا لهم قَوْلاً مُعْجِزاً دالاًّ على نُبُوءَتِكَ. قال * ع *: والمعنى الأولُ تقديره: ولقد وصلنا لهم قولاً يَتَضَمَّنُ معان؛ مَنْ تَدَبَّرَهَا اهْتَدَى. ثم ذكر ـــ تعالى ـــ القومَ الذينَ آمنوا بمحمدٍ مِنْ أهلِ الكتاب مُبَاهِياً بهم قريشاً. واختُلِفَ في تَعيينهم فقال الزهري: الإشَارَةُ: إلى النَّجَاشِيِّ. وقيل: إلى سلمان، وابن سلام، وأسند الطبريُّ إلى رفاعة القرظي، قال: نزلت هذه الآيةُ في اليهود في عَشْرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ، أَسْلَمْنَا فَأُوذِينَا؛ فنزلت فينا هذه الآية. والضَّمِيرُ فِي {قبله} يعودُ على القرآن. و {أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} معناه: على مِلَّتَيْنِ؛ وهذا المعنى هو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم «حديث : ثَلاَثَةٌ يُؤْتُونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ؛ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِيَّ...»تفسير : الحديث. و {يَدْرَءُونَ} معناه: يَدْفَعُونَ؛ وهذا وصفٌ لمكَارِمِ الأخلاقَ، أي: يتغابون ومن قال لهم سوءًا لاَ يَنُوهُ وقَابَلُوهُ من القول الحسِن بما يَدْفَعُه، واللغْوُ سَقَطُ القولِ، والقولُ يَسْقُط لوجوهٍ يَعِزُّ حَصْرُها، والمرادُ منه في الآيةِ: ما كان سبّاً وأذًى ونحوَه؛ فأدبُ الإسلام الإعراضُ عنه. و{سَلاَمٌ} في هذا الموضِع قُصِدَ به المَتَارَكةُ لا التَّحِيَّةُ. قال الزَّجاج: وهذا قبلَ الأمر بالقِتَال، و{لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَـٰهِلِينَ} معناه: لا نَطْلُبُهُمْ للجِدَالِ والمراجعة والمشاتمة. * ت *: قال ابن المباركِ في «رقائقه»: أخبرنا حبيبُ بنُ حجر القيسي، قال: كان يقال: ما أحْسَنَ الإِيمَانَ يَزِينُه العلمُ، وما أحْسَنَ العِلمَ يَزِينُه العَمَلُ، وما أَحْسَنَ العَمَلَ يَزِينُه الرِّفْقُ، وَما أضفت إلى شَيء، مِثْلَ حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، انتهى. وأجْمَعَ جُلُّ المفسرينَ على أنَّ قولَه تعالى: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} إنما نَزَلَتْ في شَأْنِ أَبي طالب، فَرَوى أبو هريرةَ وغيرُه «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمٍّ، قُلْ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللّهِ...»تفسير : الحديثُ قد ذَكَرناه في سورة: «براءَة»، فَماتَ أبو طالبٍ على كُفْرِه، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه. قالَ أبو روق: قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} إشارة إلى العباسِ، والضميرُ في قوله {وَقَالوا} لقريش. قال ابن عباس: والمُتَكَلِّمُ بذلك فيهم الحارثُ بن نوفَلِ، وحكى الثعلبيُّ أنه قالَ له: إنا لنعلم أن الذي تقولُ حَقٌّ وَلَكِنْ إن اتبَعْنَاكَ تَخَطَّفَتْنَا العربُ. و{تُجْبى}: معناه: تُجْمَعُ وتُجْلَبُ. وقوله: {كُلِّ شَيْءٍ} يريد مما به صلاحُ حالهِم، ثم توعَّدَ قريشاً بقوله {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} و {بَطِرَتْ} معناه: سَفِهَت وأشِرَتْ وطَغَتْ؛ قاله ابن زيد وغيره. * ت *: قالَ الهروي: قولُه تعالى: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا}، أي: في مَعِيْشَتِهَا، والبَطَرُ: الطغيانُ عند النِّعمةِ، انتهى. ثم أحالَهُم على الاعتبارِ في خَرَابِ دِيار الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ، وغيرِه. ثُمَّ خَاطبَ تعالَى قريشاً مُحقِّراً لما كانوا يَفتَخِرُونَ به من مالٍ وبنينَ، وأَنَّ ذلك متاعُ الدنْيَا الفانِي، وأنَّ الآخرةَ وَمَا فِيهَا من النَّعِيمِ الذي أعدَّهُ اللّهُ للمؤمِنِينَ خيْرٌ وأبقى. * ت *: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَىٰ كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةً»تفسير : رواه الترمذيُّ من طريق سهل بن سعد، قال: وفي البابِ عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيح، انتهى. وباقي الآيةِ بَيّنٌ لِمَنْ أبْصَرَ واهْتَدَى، جَعَلَنا اللّهُ مِنْهُمْ بِمَنِّهِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة والطبراني وابن مردويه بسند جيد عن رفاعة القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت ‏ {‏ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏} ‏ في عشرة رهط‏:‏ انا أحدهم‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ولقد وصلنا لهم‏} قال‏:‏ لقريش ‏ {‏القول‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏ولقد وصلنا لهم القول‏} ‏ قال‏:‏ بَيَّنا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ولقد وصلنا لهم القول‏} ‏ قال‏:‏ وصل الله لهم القول في هذا القرآن يخبرهم كيف يصنع بمن مضى، وكيف صنعوا، وكيف هو صانع‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال‏:‏ خرج عشرة رهط من أهل الكتاب - منهم أبو رفاعة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا، فأوذوا، فنزلت ‏ {‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏}‏ ‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن علي بن رفاعة رضي الله عنه قال‏:‏ كان أبي من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، وكانوا عشرة، فلما جاؤوا جعل الناس يستهزئون بهم، ويضحكون منهم، فأنزل الله ‏ {‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏}‏ ‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب‏} ‏ إلى قوله ‏{‏لا نبتغي الجاهلين‏} ‏ قال‏:‏ في مسلمة أهل الكتاب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏}‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنها أنزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وصبرهم على ذلك قال‏:‏ وذكر لنا أن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏} ‏ قال‏:‏ يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال‏:‏ تداولتني الموالي حتى وقعت بيثرب، فلما يكن في الأرض قوم أحب إلي من النصارى، ولا دين أحب إلي من النصرانية، لما رأيت من اجتهادهم، فبينا أنا كذلك إذ قالوا‏:‏ قد بعث في العرب نبي، ثم قالوا‏:‏ قدم المدينة فاتيته فجعلت أسأله عن النصارى قال‏:‏ لا خير في النصارى، ولا أحب النصارى قال‏:‏ فاخبرته أن صاحبي قال‏: لو أدركته فأمرني أن أقع النار لوقعتها قال‏:‏ وكنت قد استهترت بحب النصارى، فحدثت نفسي بالهرب، وقد جرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، فأتاني آتٍ فقال‏: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقلت‏:‏ اذهب حتى أجيء وأنا أحدث نفسي بالهرب قال لي‏: ‏ لن افارقك حتى أذهب بك إليه، فانطلقت به فلما رآني قال‏: يا سلمان قد أنزل الله عذرك {‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏}‏‏ . وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال‏:‏ أنا رجل من أهل رام هرمز، كنا قوماً مجوساً، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة، فنزل فينا واتخذ فينا ديراً، وكنت في كتاب في الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروباً يبكي قد ضربه أبواه‏.‏ فقلت له يوما‏ً:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ يضربني أبواي قلت‏:‏ ولم يضربانك‏؟‏ قال‏:‏ آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثاً عجيباً قلت‏:‏ فاذهب بي معك، فاتيناه فحدثنا عن بدء الخلق، وعن بدء مغلق السموات والأرض، وعن الجنة والنار‏.‏ فحدثنا باحاديث عجب، وكنت أختلف إليه معه، ففطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا‏. فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا‏:‏ يا هذا إنك قد جاورتنا فلم نر من جوارك إلا الحسن، وإننا لنا غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، أخرج عنا قال‏:‏ نعم‏.‏ فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه‏:‏ اخرج معي‏.‏ قال‏:‏ لا أستطيع ذلك قد علمت شدة أبوي علي قلت‏:‏ لكنني أخرج معك، وكنت يتيماً لا أب لي، فخرجت معه فأخذنا جبل رام هرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نصيبين فقال لي صاحبي‏:‏ يا سلمان ان ههنا قوماً عباد الأرض، وأنا أحب أن ألقاهم‏. فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي فحيوه وبشوا به وقالوا‏:‏ أين كان غيبتك‏؟‏ قال: كنت في اخوان لي من قبل فارس، فتحدثنا ما تحدثنا ثم قال لي صاحبي‏:‏ قم يا سلمان انطلق قلت‏:‏ لا، دعني مع هؤلاء قال‏:‏ إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء، يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، فإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الْمُلْكَ ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال: ذاك الذي من أبناء الملوك هذا الغلام ما تصنعونه‏؟‏ ليأخذه رجل منكم فقالوا‏:‏ خذه أنت‏. فقال لي‏:‏ قم يا سلمان فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه فقال لي‏:‏ يا سلمان هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذ غرثت، وصم إذا نشطت، وصَلِ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته فلم يكلمني ولم ينظر الي، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد فانصرف إلي، فذهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضهم بعضاً، فيسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله‏. فرجعت إلى منزلنا فقال لي‏:‏ مثل ما قال لي أول مرة‏:‏ هذا خبز وهذا أدم فكل منه إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم دخل في صلاته فلم يلتفت إلي ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فاخذني غم، وحدثت نفسي بالفرار، فقلت‏:‏ اصبر أحدين أو ثلاثة، فلما كان الأحد رجعنا إليهم، فافطروا واجتمعوا فقال لهم‏:‏ إني أريد بيت المقدس‏.‏ فقالوا له‏:‏ وما تريد إلى ذاك‏؟‏ قال‏:‏ لا عهد به قالوا‏:‏ إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا، وكنا نحب أن نليك قال‏:‏ لا عهد به‏. فلما سمعته يذكر ذاك فرحت قلت‏:‏ نسافر ونلقى الناس فيذهب عني الغم الذي كنت أجد، فخرجت أنا وهو وكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي‏.‏ فلم يزل ذاك دأبه حتى نزلنا بيت المقدس، وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس فقال‏:‏ اعطني‏.‏ فقال‏:‏ ما معي شيء، فدخلنا بيت المقدس، فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا به واستبشروا به فقال لهم‏:‏ غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي فاطعموني خبزاً ولحماً، ودخل في الصلاة فلم ينصرف إلي حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف فقال لي‏:‏ يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فايقظني‏.‏ فبلغ الظل الذي قال فلم أوقظه رحمة له مما رأيت من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعوراً فقال‏:‏ يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ ولكن إنما منعني رحمة لك لما رأيت من دأبك قال‏:‏ ويحك يا سلمان‏.‏‏.‏‏!‏ إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه لله خيراً‏. ثم قال لي‏:‏ يا سلمان اعلم أن أفضل ديننا اليوم النصرانية‏.‏ قلت‏:‏ ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية‏؟‏ كلمة ألقيت على لساني‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه قلت‏:‏ وإن أمرني أن أدع النصرانية‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فإنه نبي الله لا يأمر إلا بالحق، ولا يقول إلا حقاً، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها‏. ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المقعد فقال له‏:‏ دخلت فلم تعطني وهذا تخرج فاعطني‏.‏ فالتفت فلم ير حوله أحداً قال‏:‏ فاعطني يدك، فأخذ بيده فقال‏:‏ قم باذن الله‏.‏ فقام صحيحاً سوياً، فتوجه نحو أهله، فاتبعته بصري تعجباً مما رأيت، وخرج صاحبي فأسرع المشي، وتبعته فتلقاني رفقة من كلب اعراب، فسبوني فحملوني على بعير، وشدوني وثاقاً فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له من نخل، فكنت فيه ومن ثم تعلمت الخوص، أشتري خوصاً بدرهم فاعلمه فابيعه بدرهمين، فأرد درهماً إلى الخوص واستنفق درهماً أحب أن آكل من عمل يدي، فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلاً خرج بمكة يزعم أن الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا وقدم علينا فقلت‏:‏ والله لأجربنه فذهبت إلى السوق، فاشتريت لحم جزور ثم طحنته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه فقال‏: ما هذه‏.‏‏.‏ أصدقة أم هدية‏؟‏قلت‏:‏ بل صدقة فقال لأصحابه‏: كلوا بسم الله‏‏. وأمسك ولم يأكل، فمكثت أيام، ثم اشتريت لحماً أيضاً بدرهم، فاصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه فقال‏: ما هذه‏.‏‏.‏‏.‏ صدقة أم هدية‏؟‏ فقلت‏:‏ بل هدية‏.‏ فقال لأصحابه:‏ كلوا بسم الله وأكل معهم‏.‏ قلت‏:‏ هذا - والله - يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فرأيت بين كتفيه خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة، فاسلمت‏.‏ فقلت له ذات يوم‏:‏ يا رسول الله أي قوم النصارى‏؟‏ قال‏:‏ لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم‏ قلت في نفسي‏:‏ أنا - والله - أحبهم‏.‏ قال‏: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف‏.‏ فسرية تخرج وسرية تدخل والسيف يقطر قلت‏:‏ يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث إلي فيضرب عنقي، فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال‏: يا سلمان أجب رسول الله قلت‏:‏ هذا - والله - الذي كنت أحذر قلت‏:‏ نعم‏.‏ اذهب حتى ألحقك قال‏:‏ لا والله حتى تجيء، وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب فأفر‏. فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبسم وقال لي‏:‏ يا سلمان ابشر فقد فرج الله عنك، ثم تلا على هؤلاء الآيات ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏لا نبتغي الجاهلين‏} ‏ قلت‏:‏ يا رسول الله - والذي بعثك بالحق - سمعته يقول‏:‏ لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبي لا يقول إلا حقاً، ولا يأمر إلا بالحق‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏} ‏ قال‏:‏ حديث : نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته في اليهود، ومنزلته فيهم، وقد ستر بينه وبينهم ستراً فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال‏:‏ أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم‏؟ قالوا‏:‏ ذاك سيدنا وأعلمنا قال‏:‏ أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني‏‏؟ قالوا‏:‏ لا يفعل ذاك‏.‏ هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك، قال أرأيتم إن فعل‏؟ ‏قالوا‏:‏ لا يفعل قال‏:‏ أرأيتم إن فعل‏؟ قالوا إذاً نفعل‏.‏‏.‏ قال‏: أخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال‏: ‏أبسط يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه، فوقعوا به وشتموه وقالوا‏:‏ والله ما فينا أحد أقل علماً منه، ولا أجهل بكتاب الله منه قال‏:‏ ألم تثنوا عليه آنفا‏‏ً؟ قالوا‏:‏ انا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه‏.‏ فجعلوه يشتمونه فقام إليه أمين بن يامين فقال‏:‏ أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك فبايعه، فأنزل الله فيهم ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين‏} ‏ يعني إبراهيم واسمعيل وموسى وعيسى وتلك الأمم وكانوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم ‏. ‏تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنيس رضي الله عنه في قوله ‏{‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء قوم كانوا في زمان الفترة متمسكين بالإِسلام، مقيمين عليه، صابرين على ما أوذوا، حتى أدرك رجال منهم النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ لما أتى جعفر وأصحابه النجاشي أنزلهم، واحسن إليهم، فلما أرادوا أن يرجعوا قال من آمن من أهل مملكته‏:‏ ائذن لنا فلنصحب هؤلاء في البحر، ونأتي هذا النبي فنحدث به عهداً، فانطلقوا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدوا معه أحداً وخيبر ولم يصب أحد منهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ائذن لنا فلنأت أرضنا فإن لنا أموالاً فنجيء بها فننفقها على المهاجرين، فانا نرى بهم جهداً، فأذن لهم فانطلقوا، فجاؤوا بأموالهم فانفقوها على المهاجرين، فأنزلت فيهم الآية ‏ {‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ إن قوماً من المشركين أسلموا فكانوا يؤذونهم، فنزلت هذه الآية فيهم ‏ {‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه‏.‏‏.‏‏.‏‏} قال‏:‏ أناس من أهل الكتاب أسلموا فكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبوهم، فأنزل الله هذه الآية فيهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين‏}‏ قال‏:‏ لا يجاورون أهل الجهل والباطل في باطلهم، أتاهم من الله ما وقذهم عن ذلك‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:‏ رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر‏.‏ ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها‏.‏ وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: أتبعنا الموعظة الموعظة والرسول الرسول والدليل الدليل، لعلهم يتذكرون: أى ينتبهون من رقدة الغفلة ويرجعون إلى رؤية الاستقامة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. أتبعنا رسولاً بعد رسول، وأردفنا كتاباً بعد كتاب، فما ازدادوا إلا كفراً وثبوراً، وجحداً وعتواً.. فلا إلى الحقِّ رجعوا، ولا إلى الاستقامة جنحوا. قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ}. مَنْ أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صَدَّقوا بمقتضى مساعدة العناية، ومَنْ أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته، وانهمك في ضَلالته. قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}. إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بِحُسْنِ الاستسلام، فلا جَرَمَ يُؤْتَوْن أجرَهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم وآجالهم، مرةً في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة. قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}. {ٱللَّغْوَ}: ما يُلْهِي عن الله. ويقال {ٱللَّغْوَ} ما لا يوجِب وسيلةً عند الله، ويقال ما لا يكون بالحقِّ للحقِّ، ويقال هو ما صَدَرَ عن قلبٍ غافلٍ، ويقال هو ما يوجِب سماعُه السَّهو.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد وصلنا لهم القول} التوصيل مبالغة الوصل وحقيقة الوصل رفع الحائل بين الشيئين اى اكثرنا لقريش القول موصولا بعضه ببعض بان انزلنا عليهم القرآن آية بعد آية وسورة بعد سورة حسبما تقتضيه الحكمة اى ليتصل التذكير ويكون ادعى لهم {لعلهم يتذكرون} فيؤمنون ويطيعون او تابعنا لهم المواعظ والزواجر وبينا لهم ما اهلكنا من القرون قرنا بعد قرن فاخبرناهم انا اهلكنا قوم نوح بكذا وقوم صالح بكذا لعلهم يتعظون فيخافون ان ينزل بهم مانزل بمن قبلهم. وفى التأويلات النجمية يشير الى توصيل القول فى الظاهر بتفهيم المعنى فى الباطن اى فهمناهم معنى القرآن لعلهم يتذكرون عهد الميثاق اذ آمنوا بجواب قولهم بلى واقروا بالتوحيد ويجددون الايمان عند سماع القرآن

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يقال: وصلت الشيء: جعلته موصولاً بعضه ببعض، ويقال: وصلت إليه الكتاب: أبلغته. يقول الحق جل جلاله: {ولقد وصَّلْنا لهم} أي: لقريش ولغيرهم، {القولَ}؛ القرآن، أي: تابعناه موصولاً بعضه ببعض في المواعظ والزواجر، والدعاء إلى الإسلام. قال ابن عطية. وقال ابن عرفة اللُّغَوِي: أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، ليصل بعضه ببعض، ليكونوا له أوعى. هـ. وتنزيله كذلك؛ ليكون أبلغ في التذكير؛ ولذلك قال: {لعلهم يتذكرون} يعني: أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً؛ وعداً، ووعيداً، وقصصاً، وعِبَراً، ومواعظ؛ ليتذكروا فيفلحوا. وقيل: معنى وصلنا: أبلغنا. وهو أقرب؛ لتبادر الفهم، وفي البخاري: أي: "بيّنا وأتممنا". وهو عن ابن عباس. وقال مجاهد: فصّلنا. وقال ابن زيد: وَصَلْنَا خير الدنيا بخير الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا. الإشارة: تفريق المواعظ في الأيام، شيئاً فشيئاً، أبلغ وأنفع من سردها كلها في يوم واحد. وفي الحديث: "كان صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بالموعِظَةِ، مَخَافَة السآمة علينا", والتخول: التعاهد شيئاً فشيئاً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر من آمن به وعرف قدره، فقال: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى إنا {وصلنا} لهؤلاء الكفار {القول} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن زيد {وصلنا لهم القول} في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة الثاني - قال الحسن البصري {وصلنا لهم القول} بما أهلكنا من القرون قرناً من قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود بكذا، وقوم صالح بكذا {لعلهم يتذكرون} فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن كان قبلهم. واصل التوصيل من وصل الحبال بعضها بعض. ومنه قول الشاعر: شعر : فقل لبني مروان ما بال ذمة وحبل ضعيف ما يزال يوصّل تفسير : والمعنى انا اتبعنا القرآن بعضه بعضاً. وقيل: معناه فصلنا لهم القول. وقوله {الذين آتيناهم الكتاب} يعني التوراة {من قبله} يعني من قبل القرآن وقد تقدم ذكره في قوله {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل}. وقوله {هم به يؤمنون} أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله وبعد نزوله. ويحتمل أن تكون الكناية عن النبي صلى الله عليه وآله، وتقديره الذين آتيناهم الكتاب من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، لأنهم كانوا يجدون صفته في التوراة ثم قال {وإذا يتلى عليهم} يعني القرآن {قالوا آمنا به} أي صدقنا به {إنه الحق من ربنا إنا كنا} من قبل نزوله {مسلمين} به مستمسكين بما فيه. ثم اخبر تعالى ان هؤلاء الذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم على ما صبروا في جنب الله {مرتين} إحداهما - لفعلهم الطاعة، والثانية للصبر عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه فيما لا يجوز أن يتخطأ اليه، ولذلك مدح الله الصابرين. والصبر على الحق مر إلا أنه يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد، فهؤلاء صبروا على الامتناع من المعاصي، وعلى فعل الطاعات. وقيل: صبروا على الأذى في جنب الله. ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال {ويدرؤن بالحسنة السيئة} يعني يدفعون بالتوبة المعاصي، لان الله تعالى يسقط العقاب عندها. وقيل: معناه يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار. وقيل: ان ذلك قبل الأمر بقتالهم، ولا يمتنع أن يؤمروا، بالاعراض عن مكالمتهم مع الأمر بقتالهم، ولا تنافي بينهما على حال. ثم قال {ومما رزقناهم ينفقون} أي جعلنا لهم التصرف فيها، وملكناهم إياها ينفقون في طاعة الله، وفي سبيل الخير، وإذا سمعوا لغواً من الكلام، ورأوا لغواً من الفعل أعرضوا عنه، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم {سلام عليكم} أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه. ويقولون {لا نبتغي الجاهلين} أي لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم. واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه، وانما يفعله فاعله على توهم فاسد، واللغو واللغا بمعنى واحد. قال الشاعر: شعر : عن اللغا ورفث التكلم تفسير : ومن احسن الأدب الاعراض عن لغو الكلام. وقيل: ان هذه الآيات نزلت في عبدالله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي لما اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره: انها نزلت في أربعين رجلا من أهل الانجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله قبل مبعثه: اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن ابي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام: منهم بحيرا، وابرهه، والاشرف، وعامر، وايمن وإدريس، ونافع، قال قتادة: آتاهم الله أجرهم مرتين، لايمانهم بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الثاني.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا} جملة حاليّة واستدراك لمّا توهّم من قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} انّه تعالى اهملهم ولم يأت لهم باسباب الهداية يعنى انّا لا نهديهم لعدم قابليّتهم وقبولهم والاّ فنحن لم نهملهم ووصّلنا {لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} فى الاحكام والمواعظ والنّصائح والعبر والمواعيد بل وصّلنا لهم الاقوال الحقيقيّة الّذين هم خلفاؤنا فى الارض وقد فسّر فى الاخبار بامامٍ بعد امامٍ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ما لهم وما عليهم فلا يتّبعون الهوى بغير هدىً من الله.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ} أي: أخبرناهم بما أهلكنا به الأمم السالفة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، أي: أهلكناهم بتكذيبهم رسلهم. قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكَّروا فيحذروا ألا ينزل بهم ما نزل فيهم فيؤمنوا. قوله: {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن {هُم بِهِ يُؤمِنُونَ} أي: هم بالقرآن يؤمنون؛ يعني من آمن من أهل الكتاب، يعني من كان متمسّكاً بدين موسى وعيسى ثم آمن بمحمد. قوله: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: القرآن {قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن {مُسْلِمِينَ}. قال الله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} أي: على دينهم. {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي: يعفون عن السيئة ويأخذون بالحسنة. والسيئة ها هنا الجهل، والعفو: الحلم. وإذا حلُم فعفا عن السيئة فهو حسنة. [وقال السّدي: يقول: ويدفعون بالقول المعروف والعفوِ الأذى والأمرَ القبيح] قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي: الزكاة الواجبة. {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} أي: الباطل، أي: الشرك والنفاق، والقول السيء. وقال بعضهم: الشتم والأذى [من كفار قومهم]. {أَعْرَضُوا عَنْهُ} أي: لم يردّوا عليهم. {وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} كلمة حلم عن المشركين وتحية بين المؤمنين {لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ} أي: لا نكون من الجاهلين. وقال بعضهم: هم مسلمو أهل الإنجيل. وقال الكلبي: هم أناس من أهل الكتاب لم يكونوا هوداً ولا نصارى، وكانوا على دين أنبياء الله ورسله، وكرهوا ما عليه اليهود والنصارى، وأخذوا بأمر الله، فكانوا ينتظرون النبي عليه السلام، فلمّا سمعوا به وهو بمكة أتوه. فلما رأوه عرفوه بنعته، وسألوه أن يقرأ عليهم القرآن. فلمّا سمعوه {قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ}، أي: بالقرآن، {إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}. قال الله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا}. يقول: بأخذهم بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: من آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، والعبد إذا أطاع الله وأطاع سيّده، والرجل إذا أعتق أمته ثم تزوّجها . تفسير : قال الكلبي: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}. قال أبو جهل لهؤلاء الرهط الذين أسلموا من أهل الكتاب: أفٍّ لكم من قوم منظور إليكم، اتبعتم غلاماً قد كرهه قومه، وهم أعلم به منكم. فقالوا لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ} أي جعلنا القرآن متتابعا متواصلا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ليتصل التذكر فلا يتراكم الصدى على القلب كذا يظهر وفسره القاضي باتباع بعضه في الانزال ليتصل التذكر أو في النظم أي التأليف لتقترن الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والمصالح بالعبر والقول القرآن وقيل: المعنى انهينا اليهم أخبار الأمم الماضية كيف عذبوا بالتكذيب وقيل وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا وقرأه بعض بتخفيف الصاد. {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتعظون فيؤمنون ويطيعون.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد وصَّلْنا} شدد للتكثير أو للتعظيم، أى وصلنا وصلا عظيما محكما، ومن العجيب جعل أصل الوصل والتوصيل فى الحبل، وليس كذلك، بل هو على العموم كوصل ثوب بآخر، وعود بآخر، وحديد بآخر، وما بآخر فى الساقية، نوع بآخر كحبل بعود {لهُم} لأهل مكة {القَوْل} القرآن بعضا ببعض بحسب الحكمة، لا جملة كسائر كتب الله، أو وصلنا وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ومواعظ ونواصح، وأحكاما، أو جعلناه أوصالا، أى أنواعا مختلفة كما رأيت من نحو: وعد ووعيد {لعلَّهم يتذَكَّرونَ} فيؤمنوا به.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ } الضمير لأهل مكة، وأصل التوصيل ضم قطع الحبل بعضها ببعض قال الشاعر:شعر : فقل لبني مروان ما نال ذمتي بحبل ضعيف لا يزال يوصل تفسير : والمعنى ولقد أنزلنا القرآن عليهم متواصلاً بعضه إثر بعض حسبما تقتضيه الحكمة أو متتابعاً وعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً ومواعظ ونصائح، وقيل: جعلناه أوصالاً أي أنواعاً مختلفة وعداً ووعيداً الخ، وقيل: المعنى وصلنا لهم خبر الآخرة بخبر الدنيا حتى كأنهم عاينوا الآخرة وعن الأخفش أتممنا لهم القول، وقرأ الحسن {وَصَّلْنَا } بتخفيف الصاد والتضعيف في قراءة الجمهور للتكثير ومن هنا قال الراغب في تفسير ما في الآية عليها أي أكثرنا لهم القول موصولاً بعضه ببعض {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيؤمنون بما فيه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم}تفسير : [ القصص: 47] الآية، وما عطف عليها من قوله {أية : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى}تفسير : [القصص: 48]. والتوصيل: مبالغة في الوصل، وهو ضم بعض الشيء إلى بعض يقال: وصل الحبل إذا ضم قطعه بعضها إلى بعض فصار حبلاً. والقول مراد به القرآن قال تعالى {أية : إنه لقول فصل}تفسير : [الطارق: 13] وقال {أية : إنه لقول رسول كريم}تفسير : [الحاقة: 40]، فالتعريف للعهد، أي القول المعهود. وللتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه وصل بعضه ببعض ولم ينزل جملة واحدة، وباعتبار معانيه وصل أصنافاً من الكلام: وعداً، ووعيداً، وترغيباً، وترهيباً، وقصصاً ومواعظ وعبراً، ونصائح يعقب بعضها بعضاً وينتقل من فن إلى فن وفي كل ذلك عون على نشاط الذهن للتذكر والتدبر. واللام و(قد) كلاهما للتأكيد رداً عليه إذ جهلوا حكمة تنجيم نزول القرآن وذُكرت لهم حكمة تنجيمه هنا بما يرجع إلى فائدتهم بقوله {لعلهم يذَّكَرون}. وذكر في آية سورة [الفرقان: 32] حكمة أخرى راجعة إلى فائدة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنُثبِّت به فؤادك}تفسير : وفهم من ذلك أنهم لم يتذكروا. وضمير {لهم} عائد إلى المشركين.

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - وَلَقدْ فَصَّلَ اللهُ تَعَالَى لَهُمُ الآيَاتِ، وأَنزلَ إِلَيهِمِ القُرآنَ مُتَواصِلاً بَعْضَهُ إِثرَ بَعْضٍ، حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ الحَاجَةُ (وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ) وأَخْبَرَهُمْ بِمَا صنعَ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، وَبِمَا سَيَصْنَعُهُ بِهِمْ إِنِ استَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ - لَعلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَيرتَدِعُوا، وَيَعُودُوا إِلى الحَقِّ. وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ - أَنَزلْنَا عَلَيهِمِ القُرآنَ مُتَوَاصِلاً مُتَتَابِعاً.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصلة من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: شعر : فقل لبني مروان ما بال ذمّة وحبل ضعيف ما يزال يوصّل تفسير : وقرأ الحسن {وَصَّلْنَا} خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل محمد (عليه السلام) {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} نزلت في مؤمني أهل الكتاب {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني القرآن {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْن} لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر {بِمَا صَبَرُواْ} على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأُوذوا {وَيَدْرَؤُنَ} ويدفعون {بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ} القبيح من القول {أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي إملاءً قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّه: "حديث : قل لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة"تفسير : قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}. وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: "يا عمي قل: لا إله إلاّ الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله ". تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب. فأنزل الله سبحانه {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن (جبير عن) مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده يوحى إليه فسمع {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}. {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَك} الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا إتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم،فأنزل الله سبحانه {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} مكة. قال الله سبحانه: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضاً، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ} يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله {كُلِّ شَيْءٍ} واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا}، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل وقد مضت هذه المسألة {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} يعني فلم يعمر منها إلاّ أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلاّ المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} نظيره قوله سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا}تفسير : [مريم: 40] وقوله: {أية : وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [آل عمران: 180]. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} بكفر أهلها {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} يعني مكة {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} كافرون {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {وَصَّلْنَا ..} [القصص: 51] تُشعر بأشياء، انفصل بعضها عن بعض، ونريد أنْ نُوصِّلها، فقوله تعالى {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] أي: وصَّلنا لهم الرسالات، فكلما انقضى عهد رسول وكفر الناس أتاهم الله برسالة أخرى ليظلَّ الخَلْق مُتصلِين بهدي الخالق وبمنهجه، أو: أن الأمر خاصٌّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وصَّلنا له الآيات، فكلما نزل عليه نجم من القرآن وصَّلنا بنجم آخر حسب الأحداث. لذلك كانت هذه المسألة من الشبهات التي أثارها خصوم رسول الله، حين قالوا كما حكى عنهم القرآن {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ..} تفسير : [الفرقان: 32] فردَّ عليهم القرآن ليبين لهم حكمة نزوله مُنجَّماً: {أية : كَذَلِكَ ..} تفسير : [الفرقان: 32] أي: أنزلناه كذلك مُنجَّماً {أية : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32]. فلو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت لرسول الله مرة واحدة، وهو محتاج إلى تثبيت مستمر مع الأحداث التي سيتعرَّض لها، فيوصل الله له الآيات ليظل على ذُكْر من سماع كلام ربه كلما اشتدتْ به الأحداث، فيأتيه النجم من القرآن لَيُسلِّيه، ويُسرِّي عنه ما يلاقي من خصومه. وحكمة أخرى في قوله: {أية : وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] فكلما نزل قِسْط من القرآن سَهُلَ عليهم حفظه وترتيبه والعمل به، كما أن المؤمنين المأمورين بهذا المنهج ستستجدِّ عليهم قضايا، وسوف يسألون فيها رسول الله، فكيف سيكون الجواب عليها إنْ نزل القرآن جملة واحدة. لا بُدَّ أن يتأخر الجواب إلى أنْ يطرأ السؤال؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} تفسير : [الفرقان: 33]. وقد ورد الفعل يسألونك في القرآن عدة مرات في سور شتى، فكيف تتأتى لنا الإجابة لو جاء القرآن كما تقولون جملة واحدة، ثم سبحان الله هل أطقتموه مُنجَّماً حتى تطلبوه جملة واحدة؟ ثم تختم الآية بحكمة أخرى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] فكلما نزل نجم من القرآن ذكَّرهم بما غفلوا عنه من منهج الله. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} معناه أتممناهُ لَهم. وقال: بَيّناهُ لَهُم وقال: وَصّلنا: بمعنى فَصَّلنَا.

الجيلاني

تفسير : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا} وفصَّلنا {لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} بأنَّا أتبعنا الأحكام بالحمم، والأوامر بالمواعظ، والتذكيرات والنواهي بالعبر والأمثال، وأوضحنا الكل بالقصص والوعيدات الهائلة لأهل الغفلة والنسيان، وتنزيل أنواع العذاب والنكال على أهل الكفر والإنكار {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] ويتعظون منها فيؤمنون ويقبلون، ومع ذلك لم يتعظوا ولم يتأثروا، فلم يقبلوا ولم يؤمنوا. ثمَّ قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي: الفرقة الذين آتيانهم التوراة الدينية {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل نزول القرآن {هُم بِهِ} أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن إليه {يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52] إذ هم مصدقون بجميع ما في كتابهم. ومن جملة الأمور المثبتة في كتابهم: إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه، وهم يؤمنون به قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن لمدة متطاولة {وَ} وبعد نزول القرآن {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ} مسلمين مصدقين: {آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع، النازل {مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل نزوله {مُسْلِمِينَ} [القصص: 53] منقادين لما فيه، مصديقن له، مؤمنين بما أنزل إليه؛ إذ الإيمان به من جملة المعتقدات المثبتة في كتابنا، فالآن لمَ لمْ نؤمن مع أنَّا وجدناه مطابقاً لما علمناه في كتابنا، وعلى الوجه الذي تلوناه فيه؟!. {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {يُؤْتُونَ} ويعطون {أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} أي: ضعفين؛ أي: مرة على الإيمان السابق بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم بمقتضى ما ثبت في كتابهم، ومرة على الإيمان اللاحق بعدما عاينوا ما وصف لهم في كتابهم، وإنما ضوعفوا {بِمَا صَبَرُواْ} وثبتوا على ما نزل عليه من قبل الحق، ولم يتركوا امتثاله سابقاً ولا حقاً بواسطة دوامهم وثباتهم على الأمر أو في كتابه {وَيَدْرَؤُنَ} أي: يدفعون ويسقطون {بِٱلْحَسَنَةِ} أي: الخصلة الحميدة الموجبة لأنواع الإفضال والإنعام {ٱلسَّيِّئَةَ} الجالبة لأنواع العذاب والخذلان {وَ} هم أيضاً من كمال اتصافهم بالكمال والإحسان {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} وأقدرناهم على كسبه {يُنفِقُونَ} [القصص: 54] من سبيلنا؛ طلباً لمرضاتنا. {وَ} من كمال تحفظهم، وصيانتهم نفوسهم عن نواهينا {إِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ} أي: الكلام الخالي عن المصلحة الدينية {أَعْرَضُواْ عَنْهُ} اتقاءً وتحرزاً عن وصمة المداهنة والمراضاة بما لا يرضى منه سبحانه {وَقَالُواْ} من سلامة نفوسهم، وكمال علمهم للمرتكبين بعدما لم يقدروا على نهيهم: {لَنَآ} جزاء {أَعْمَالُنَا} التي اقترفناها بسعينا واجتهادنا {وَلَكُمْ} جزاء {أَعْمَالُكُمْ} التي أنتم عليها مصرين، وقالوا لهم حين توديعهم والذب عنهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي: سلمكم الله العفو الرحيم عن عوائد ما كنتم عليه ووفقكم على التوبة والإنابة، وما لنا معكم مطالبة ومجادلة سوى إنَّا {لاَ نَبْتَغِي} ولا نطلب مصاحبة {ٱلْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] بسوء عواقب الخصائل الغير المرضية عند الله وعند خالص عباده. حديث : ثمَّ لمَّ أحتضر أبو طالب، ودنا أن يخرج من الدنيا جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتماً بإيمانه وتوحيده، فقال له: "قل يا عمِّ مرة: لا إله إلا الله، أحاج بها لك عند ربي، وأخرجك بها عن زمرة المشركين" قال: يا ابن أخي، والله إني علمت إنك لصادق في جميع ما جئت به، لكن أكره أن يقال: جزع أبو طالب عند الموت؛تفسير : أي: ضعف وجبن. أنزل سبحانه هذه الآية؛ تأديباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم، وردعاً عن طلب شيء لا يُعرف حصوله، فقال: {إِنَّكَ} يا أكمل الرسل من شدة حرصك واهتمامك {لاَ تَهْدِي} وترشد إلى طريق الحق، وسبيل التوحيد كل {مَنْ أَحْبَبْتَ} وأردت إيمانه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على استعدادات عباده {يَهْدِي} ويوفق على الإيمان والإطاعة بدين الإسلام {مَن يَشَآءُ} هدايته، وأثبت سعادته وتوحيده في لوح قضائه {وَهُوَ أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {بِٱلْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] من عباده بعد أن بلغت لهم ما أمرك الحق بتبليغه، وما عليك إلا البلاغ، والهداية والرشاد إنما هو بإرادته سبحانه واختياره.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن البيان والتفصيل أنه في التوصيل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} [القصص: 51] والإشارة عن البيان في تحقيق الآيات بقوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} [القصص: 51] يشير إلى توصيل القول في الظاهر بتفهيم المعنى في الباطن أي فهمناهم معنى القرآن {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] عهد الميثاق إذا آمنوا بجواب قولهم (بَلَى) وأقروا بالتوحيد فيجدون الإيمان عند سماع القرآن. وبقوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ} [القصص: 52] يشير إلى قلوب من آتاهم حقيقة الكتاب في عالم الأرواح قبل أن يؤتي النفوس في عالم الصورة والأشباح كما كان حال عيسى عليه السلام إذ قال في المهد {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [مريم: 30] يعني حقيقة الكتاب قبل أن يؤتيه في عالم الصورة صورة الكتاب فبهذا الاعتبار ومن أوتي حقيقة القرآن في عالم الأرواح {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} أي: يؤمن به النفوس في عالم الصورة كما قال تعالى: {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} [القصص: 53] أي القرآن {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ} [القصص: 53] أي: تؤمن قلوبهم لعرفانهم بحقيقة كلام الله، فهو من نفوسهم بتبعية القلوب إذ سمعوا منهم قوله: {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} [القصص: 53] أي: قبل نزوله {مُسْلِمِينَ} [القصص: 53] مؤمنين به {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص: 54] مرة في عالم الأرواح إذا أوتوا حقيقة الكتاب، فذلك أجر القلوب ومرة في عالم الأشباح إذا أوتوا صورة الكتاب وذلك أجر النفوس {بِمَا صَبَرُواْ} [القصص: 54] على مخالفة هواهم وموافقة أوامر الشرع ونواهيه {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ} [القصص: 54] أي بأدائهم الحسنات من الأعمال الصالحة يدفعون {ٱلسَّيِّئَةَ} أي ظلمتها وهي مخالفة الشريعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتبع السيئة الحسنة تمحوها ". تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114] وهذا لعوام المؤمنين ولخواصهم أن يدفعوا بحسنة ذكر لا إله إلا الله عن مرآة القلوب سيئة صدأ حب الدنيا وشهواتها وأخص خواصهم أن يدفعوا بحسنة ففي لا إله سيئة شرك وجود الموجودات بقطع تعلق القلب عنها وغض بصر البصيرة عن رؤية ما سوى الله لإثبات وجود إلا الله كما كان الله ولم يكن شيء {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [القصص: 54] من الوجود المجازي {يُنفِقُونَ} [القصص: 54] في طلب الوجود الحقيقي {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ} [القصص: 54] وهو طلب ما سوى الله {أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا} [القصص: 55] في بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [القصص: 54] في اكتساب مرادات الوجود المجازي به واستجلاب مضرات الشهوات وترك الوجود الحقيقي والحرمان عن سعادة الانتفاع بمنافعه {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [القصص: 55] سلام مودع مفارقة لا تحية مواصل موافق لأنا لا ينتفي الجاهلين الغافلين عن الله، وطلب المحجوبين عن الله بما سواه.