٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } أخبر أن قوماً ممن أوتوا الكتاب من بني إسرائيل من قبل القرآن يؤمنون بالقرآن؛ كعبد الله بن سَلام وسلمان. ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى، وهم أربعون رجلاً، قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة، وثمانية نفر أقبلوا من الشام وكانوا أئمة النصارى: منهم بحيراء الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع. كذا سماهم الماوردي وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} قاله قتادة. وعنه أيضاً: أنها نزلت في عبد الله بن سَلاَم وتميم الداريّ والجارود العبديّ وسلمان الفارسيّ، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية. وعن رفاعة القرظي: نزلت في عشرة أنا أحدهم. وقال عروة بن الزبير: نزلت في النجاشي وأصحابه ووجه باثني عشر رجلاً فجلسوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم، فآمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركباً أحمق منكم ولا أجهل؛ فقالوا: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} لم نأل أنفسنا رشدا {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} وقد تقدّم هذا في «المائدة» عند قوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} تفسير : [المائدة: 83] مستوفى. وقال أبو العالية: هؤلاء قوم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم. {مِن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن. وقيل: من قبل محمد عليه السلام {هُم بِهِ} أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام {يُؤْمِنُونَ }. {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ} أي إذا قرىء عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزوله، أو من قبل بعثة محمد عليه السلام {مُسْلِمِينَ } أي موحدين، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب: أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تفسير : [البقرة: 121] وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ} تفسير : [آل عمران: 199] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } تفسير : [الإسراء: 107 ــــ 108] وقال تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [المائدة: 82 ــــ 83]. قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يــس: 1 ــــ 2] حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة، الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني، يؤتون أجرهم مرتين؛ بإيمانهم بالرسول الأول، ثم بالثاني، ولهذا قال: {بِمَا صَبَرُواْ} أي: على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لَتَحْتَ راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولاً حسناً جميلاً، وقال فيما قال: «حديث : من أسلم من أهل الكتابين، فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه وما علينا، ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا، وعليه ما علينا».تفسير : وقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي: لا يقابلون السيىء بمثله، ولكن يعفون ويصفحون، {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات. وقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} أي: لا يخالطون أهله، ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72]، {وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} أي: إذا سفه عليهم سفيه، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلاَّ كلام طيب، ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: {لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. قال محمد بن إسحاق في "السيرة": ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً، أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه، وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه، اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون؛ لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال ما نعلم ركباً أحمق منكم، أو كما قالوا لهم، فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً. قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال ــــ والله أعلم ــــ: إن فيهم نزلت هذه الآيات: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} - إلى قوله - {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي الله عنهم، والآيات اللاتي في سورة المائدة: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}تفسير : - إلى قوله - {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [المائدة: 82-83].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِهِ } أي القرآن {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } أيضاً نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره ومن النصارى قدموا من الحبشة ومن الشام.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ ءَآتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون، قاله يحيى بن سلام. الثاني: الذي آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، قاله ابن شجرة. وفيمن نزلت قولان: أحدهما: نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة. الثاني: أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه وثمانية قدموا من الشام. منهم بحيراً وأبرهة والأشراف وعامر وأيمن وإدريس ونافع فأنزل الله فيهم هذه الآية، والتي بعدها إلى قوله {أُوْلَئِكَ يُؤْتُوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} قال قتادة: [بإيمانهم] بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر. وفي قوله بما صبروا ثلاثة أوجه: أحدها: بما صبروا على الإيمان، قاله ابن شجرة. الثاني: على الأذى، قاله مجاهد. الثالث: على طاعة الله وصبروا عن معصية الله، قاله قتادة. {... وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: يدفعون بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب، قاله ابن شجرة. الثاني: يدفعون بالحلم جهل الجاهل، وهذا معنى قول يحيى بن سلام. الثالث: يدفعون بالسلام قبح اللقاء، وهذا معنى قول النقاش. الرابع: يدفعون بالمعروف المنكر، قاله ابن جبير. الخامس: يدفعون بالخير الشر، قاله ابن زيد. ويحتمل سادساً: يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُفِقُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يؤتون الزكاة احتساباً، قاله ابن عباس. الثاني: نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول الزكاة، قاله السدي. الثالث: يتصدقون من أكسابهم، قاله قتادة. قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يتلقونهم بالشتم والسب فيعرضون عنهم، قاله مجاهد. الثاني: أنهم قوم من اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غَيّره اليهود من التوراة وبدلوه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته أعرضوا عنه وكرهوا تبديله، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. الثالث: أنهم المؤمنون إذا سمعوا الشرك أعرضوا عنه، قاله الضحاك ومكحول. الرابع: أنهم أناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهوداً ولا نصارى وكانوا على دين أنبياء الله وكانوا ينتظرون بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعوا بظهوره بمكة قصدوه، فعرض عليهم القرآن وأسلمواْ. وكان أبو جهل ومن معه من كفار قريش يلقونهم فيقولون لهم: أفٍّ لكم من قوم منظور إليكم تبعتم غلاماً قد كرهه قومه وهم أعلم به منكم فإذا ذلك لهم أعرضوا عنهم، قاله الكلبي. {قَالُواْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لنا ديننا ولكم دينكم، حكاه النقاش. الثاني: لنا حلمنا ولكم سفهكم. {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} رَدّوا خيراً واستكفوا شراً، وفيه تأويلان: أحدهما: لا نجازي الجاهلين، قاله قتادة. الثاني: لا نتبع الجاهلين، قاله مقاتل.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكِتَابَ} التوراة، والإنجيل {قَبْلِهِ} من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، أو من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون. نزلت والتي بعدها في تميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي، أو في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل. آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. اثنان وثلاثون من الحبشة قدموا مع جعفر بن أبي طالب على الرسول صلى الله عليه وسلم وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرا أو أبرهة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} مبتدأ وهم مؤمنوا اهل الكتاب {من قبله} اى من قبل ايتاء القرآن {هم به يؤمنون} اى بالقرآن والجملة خبر المبتدأ ثم بين ما اوجب ايمانهم بقوله {واذا يتلى} اى القرآن {عليهم قالوا آمنا به} اى بانه كلام الله تعالى {انه الحق من ربنا} اى الحق الذى كنا نعرف حقيقته: وبالفارسية [راست ودرست است فرود آمدن بنزديك آفريد كارما] {انا كنا من قبله} اى من قبل نزوله {مسلمين} بيان لكون ايمانهم به ليس مما احدثوه حينئذ وانما هو مر متقادم العهد لما شاهدوا ذكره فى الكتب المتقدمة وانهم على دين الاسلام قبل نزول القرآن
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (الذين): مبتدأ، (وهم به): خبر. يقول الحق جل جلاله: {الذين آتيناهم الكتابَ مِن قبله}؛ من قبل القرآن {هُم به} أي: القرآن {يؤمنون}، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب، أو: النجاشي وقومه، أو: نصارى نجران، الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهم عشرون رجلاً، فآمنوا به. قال ابن عطية: ذكر هؤلاء مُبَاهياً بهم قريشاً. هـ. أي: فهم الذين يُقدرون قدر هذا الكتاب المنزل لِمَا معهم من العلم الذي ميزوا به الحق، ولذلك قال: {وإِذا يُتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا}؛ لِمَا عرفوا في كتابهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه، {إِنَّا كنا من قبله}؛ من قبل القرآن، أو: من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، {مسلمين}؛ كائنين على دين الإسلام، مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقوله {إِنه}: تعليل للإيمان به؛ لأن كَوْنَهُ حقاً من عند الله حقيق بأن يُؤْمَنَ به. وقوله: {إِنا}: بيان لقوله: {آمنا}؛ لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد أو بعيده، فأخبروه بأن إيمانهم به متقادم. {أولئك يُوْتَون أجرَهم مرتين بما صبروا}؛ بصبرهم على الإيمان بالتوراة، والإيمان بالقرآن، أو: بصبرهم على الإيمان بالقرآن، قبل نزوله وبعده، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب. وفي الحديث: "حديث : ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمَةٌ فأعتقتها وتزوجها ". تفسير : {ويدرؤون بالحسنةِ السيئةَ}؛ يدفعون الخصلة القبيحة بالخصلة الحسنة، يدفعون الأذى بالسِلم، والمعصية بالطاعة. {ومما رزقناهم ينفقون}؛ يتصدقون، أو يزكون، {وإذا سمعوا اللغْوَ}؛ الباطل، أو الشتم من المشركين، {أعْرضوا عنه وقالوا} للاغين: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم}؛ أمان منا عليكم، لا نقابل لغوكم بمثله، {لا نبتغي الجاهلين}؛ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، أو: لا نبتغي دين الجاهلين، أو محاورة الجاهلين وجدالهم، أو: لا نريد أن نكون جهالاً. وفي السَير: أن أصحاب النجاشي لَمَّا كلمهم جعفر رضي الله عنه في مجمع النجاشي، بَكَوْا، ووقر الإسلام في قلوبهم، فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقرأ عليهم القرآن، فأسلموا, وقالوا: {آمنا به إنه الحق من ربنا..} الآية. فلما خرجوا من عنده صلى الله عليه وسلم؛ استقبلتهم قريش فسبوهم، وقالوا: ما رأينا قوماً أحمق منكم، تركتم دينكم لمجلس ساعة مع هذا الرجل، فقالوا لهم: {سلام عليكم...} إلخ. الإشارة: مَنْ تَحَمَّلَ من العلماء مشقة تَحَمُّلِ العلمِ الظاهر، ثم ركب أهواء النفس ومحاربتَها في تحصيل العلم الباطن، فهو ممن يُوتى أجره مرتين، وينال عز الدارين ضعفين؛ بسبب صبره على العِلْمَيْن، وارتكاب الذل مرتين، إذا اتصف بما اتصف به أولئك، بحيث يدرأ بالحسنة السيئة، وينفق مما رزقه الله من الحس والمعنى، كالعلوم والمواهب، ويعرض عن اللغو - وهو كل ما يشغل عن شهود الله - ويحلم عن الجاهل، ويرفق بالسائل. وبالله التوفيق. ولما حرص صلى الله عليه وسلم على إسلام عمه، نزل: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ...}
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ} اى من قبل محمّدٍ (ص) او من قبل القرآن {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} لا شكّ انّ جميع اهل الكتاب ما آمنوا به ولا شكّ انّ اكثر من آمن به لم يكونوا بالاوصاف الآتية فالمراد بهم الكاملون من مؤمنيهم فانّهم الّذين آتاهم الله الكتاب حقيقة كأنّ غيرهم كان الكتاب فيهم عاريةً او المراد بهم الكاملون من امّة محمّدٍ (ص) فانّهم آتاهم الله كتاب النّبوّة واحكامها ومعرفة المعروف والمنكر من قبل قبول رسالة محمّد (ص) تكويناً، او المراد بهم الائمّة (ع) كما فى الاخبار فانّهم الكاملون فى ان آتاهم الله الكتاب تكويناً من اوّل صباوتهم.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ} التوراة والانجيل قال للحقيقة. {مِن قَبْلِهِ} أي القرآن. {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} والمراد من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام ومن النصارى كالذين قدموا من الحبشة قدموا مع جفعر فلما رأوا ما بالمسلمين من الفقر قالوا يا رسول الله ان لنا اموالا فان أذنت لنا انصرفنا فجئنا بها فواسينا المسلمين فأذن لهم فانصرفوا ففعلوا وقيل هم المراد بالآية وحدهم واما غيرهم فبالقياس عليهم وقال ابن عباس نزلت الآية في الأربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة قدموا مع جعفر وثمانية من الشام وقيل المراد ناس من أهل الكتاب لم يبدلوا ولم يغيروا وكانوا ينظرون النبي صلى الله عليه وسلم ولما ظهر بمكة أتوه ووجدوه على النعت في كتابهم فآمنوا به وقيل سلمان وابن سلام ومن معهما قال رفاعة القرظي نزلت في عشرة من اليهود أنا احدهم أسلمنا فاؤذينا فنزلت فينا وقيل انزلت في اثنين وثلاثين من الحبشة قدموا مع جعفر وثمانية من الشام.
اطفيش
تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} جنسه التوراة والإنجيل {من قَبْله} من قبل نزول ذلك القول الذى هو القرآن، وقيل من قبل النبى صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول {هُم بهِ} بذلك القول، وقيل بالنبى صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول {يؤمنُون} وذلك على العموم فى مؤمنى أهل الكتاب، وقيل نزلت فى مخصوصين منهم، ويحمل عليهم مثلهم ممن آمن منهم، وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ كما عمم ابن عباس، فيدخل من نزلت بسببهم أولا بالذات، وقد قيل: نزلت فى أبى رفاعة من اليهود وتسعة معه منهم، وقيل أربعون من أهل الإنجيل، اثنان وثلاثون من الحبشة، قدموا منها مع جعفر بن أبى طالب، وثمانية من الشام: بحير أو أبرهة، وأشرف وعامر، وأيمن وإدريس، ونافع وتميم، وقيل عبدالله بن سلام، وتميم الدارى، والجارود العبدى، وسلمان الفارسى.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ } قبل القرآن على أن الضمير للقول مراداً به القرآن أو للقرآن المفهوم منه وأياً ما كان فالمراد من قبل إيتائه {هُمْ } لا هؤلاء الذين ذكرت أحوالهم {بِهِ } أي بالقرآن {يُؤْمِنُونَ } وقيل: الضميران للنبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالموصول على ما روي عن ابن عباس مؤمنو أهل الكتاب مطلقاً، وقيل: هم أبو رفاعة في عشرة من اليهود، آمنوا فأوذوا، وأخرج ابن مردويه بسند جيد وجماعة عن رفاعة القرظي ما يؤيده وقيل: أربعون من أهل الإنجيل كانوا مؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبـي طالب وثمانية قدموا من الشام بحيرا وأبرهة وأشرف وعامر وايمن وإدريس ونافع وتميم، وقيل: ابن سلام. وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي ونسب إلى قتادة واستظهر أبو حيان الإطلاق وأن ما ذكر من باب التمثيل لمن آمن من أهل الكتاب.
ابن عاشور
تفسير : لمّا أفهم قوله {أية : لعلهم يتذكرون}تفسير : [ القصص: 51] أنهم لم يفعلوا ولم يكونوا عند رجاء الراجي عقب ذلك بهذه الجملة المستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب لسؤال من يسأل هل تذكر غيرهم بالقرآن أو استوى الناس في عدم التذكر به. فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب من قبل نزول القرآن يؤمنون به إيماناً ثابتاً. والمراد بالذين أوتوا الكتاب طائفة معهودة من أهل الكتاب شهد الله لهم بأنهم يؤمنون بالقرآن ويتدبرونه وهم بعض النصارى ممن كان بمكة مثل ورقة بن نوفل، وصهيب، وبعض يهود المدينة مثل عبد الله بن سلام ورفاعة بن رفاعة القرظي ممن بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة فلما هاجر أظهروا إسلامهم. وقيل: أريد بهم وفد من نصارى الحبشة اثنا عشر رجلاً بعثهم النجاشي لاستعلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجلسوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم يسمعون إلى ما يقولون فلما قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم تبعهم أبو جهل ومن معه فقال لهم: خيَّبكم الله من ركب وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، فقالوا: سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشداً لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. وبه ظهر أنهم لما رجعوا أسلم النجاشي وقد أسلم بعض نصارى الحبشة لما وفد إليهم أهل الهجرة إلى الحبشة وقرأوا عليهم القرآن وأفهموهم الدين. وضمير {من قبله} عائد إلى القول من {أية : ولقد وصلنا لهم القول}تفسير : [ القصص: 51]، وهو القرآن. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في {هم به يؤمنون} لتقوي الخبر. وضمير الفصل مقيد للقصر الإضافي، أي هم يوقنون بخلاف هؤلاء الذين وصلنا لهم القول. ومجيء المسند مضارعاً للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده. وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله {آمنا به} مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن: إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما للإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيماناً إجمالياً يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته. وينظر إلى هذا المعنى قوله {إنا كنا من قبله مسلمين}، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام. ويجوز أن يراد بــــ{مسلمين} موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام كما قال إبراهيم {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132]. وجملة {إنه الحق من ربنا} في موقع التعليل لجملة {آمنا به}. وجملة {إنا كنا من قبله مسلمين} بيان لمعنى {آمنا به}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الذين آتيناهم الكتاب من قبله: أي التوراة والإِنجيل من قبل القرآن الكريم. وإذا يتلى عليهم: أي القرآن. إنا كنا من قبله مسلمين: أي منقادين لله مطيعين لأمره ونهيه. أجرهم مرتين: أي يضاعف لهم الثواب لأنهم آمنوا بموسى وعيسى وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويدرءون بالحسنة السيئة: أي يدفعون بالحسنة من القول أو الفعل السيئة منهما. وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه: أي الكلام اللاغي الذي لا يقبل ولا يقر عليه لأنه لا يحقق درهماً للمعاش ولا حسنة للمعاد. سلام عليكم: هذا سلام المتاركة أي قالوا قولاً يسلمون به. لا نبتغي الجاهلين: أي لا نطلب صحبة أهل الجهل لما فيها من الأذى. معنى الآيات: إن قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} تفسير : [القصص: 51] يشمل أيضاً اليهود والنصارى من أهل الكتاب إذ هم كالعرب فيما بين لهم من أخبار الماضين وفصل من أنباء إهلاك الأمم السابقة وما أنزل من بأساء وعذاب بالمكذبين، إذ لجميع مطالبون بالإِيمان والعمل الصالح والتخلي عن الشرك والكفر والمعاصي للنجاة والسعادة فذكر تعالى هنا أن فريقاً من أهل الكتاب يؤمنون بالنبي محمد لأنه الحق من ربهم. فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي القرآن {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن {مُسْلِمِينَ} أي موحدين منقادين نعبد الله بما شرع على لسان موسى وعيسى عليهما السلام هذه الآية تعني مجموعة من آمن من أهل الكتاب على عهد رسول الله ونزول القرآن منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} أي مضاعفاً لأنهم آمنوا برسولهم وعملوا بما جاء به من الحق وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى وقوله {وَيَدْرَؤُنَ} أي يدفعون {بِٱلْحَسَنَةِ} وهي الصفح والعفو {ٱلسَّيِّئَةَ} وهي الأذي من سب وشتم. وقوله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي يتصدقون بفضول أموالهم حيث تنبغي الصدقة. وقوله {وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} أي وإذا سمع أولئك المؤمنون من أهل الكتابين اللغو من سفهاء الناس أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ولا إلى قائله وأجابوا قائلين {لَنَآ أَعْمَالُنَا} أي نتائجها حيث نجزى بها {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} حيث تجزون بها {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي اتركونا، إنا لا نبتغي محبة الجاهلين، لما في ذلك من الأذى والضرر الناتج عن سلوك أهل الجهل بالله تعالى ومحابه ومكارهه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل أهل الكتاب إذا آمنوا بالنبي الأمي وكتابه وأسلموا لله رب العالمين. 2- فضيلة من يدرء بالحسنة السيئة، وينفق مما رزقه الله. 3- فضيلة من يعرض عن اللغو وأهل الجهالات، ويقول ما يسلم به من القول، وهذه إحدى صفات عباد الرحمن {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63] أي قولاً يسلمون به. وهذا السلام ليس سلام تحية وإنما هو سلام متاركة.
القطان
تفسير : مسلمين: منقادين لله. يدرأون: يدفعون: اللغو: ما لا فائدة فيه. لا نبتغي الجاهلين: لا نطلب صحبتهم. قال ابن اسحاق: قدِم جماعة من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من الحبشة فوجدوه في المسجد، فجلسوا اليه وكلّموه وسألوه، ورجال من قريش حول الكعبة. فلما فرغوا من اسئلتهم عما أرادوا دعاهم الرسولُ الى الله تعالى وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعيُنهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوا الرسول، وعرفوا منه ما كان يوصَف لهم في كتابهم من أمره. فاعترضهم أبو جهل ونفرٌ من قريش وحاولوا ان يصدّوهم عن إيمانهم. وأغلظوا لهم القول. فقالوا لهم: سلامٌ عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحنُ عليه، ولكم ما أنتم عليه. وقال بعض المفسرين: إنهم نصارى من أهل نَجران. والحق، أن بعض أهلِ الكتاب من النصارى يؤمنون بهذا القرآن، ويقولون: إنه الحقُّ من ربنا، بشّرنا الله به من قبلِ ان ينزل القرآن.... هؤلاء يعطيهم اللهُ أجرهم مرتَين نتيجةَ صبرهم على اذى الناس، وإيمانِهم، وايثارهم العملَ الصالح، وأنهم يقابلون السيئة بالعفو والاحسان، وينفقون في سبيل الله مما أعطاهم من اموال وخيرات، وإذا سمعوا الباطل من الجاهلين انصرفوا عنهم، وقالوا: لنا أعمالُنا ولكم اعمالكم، سلام عليكم لا نريد مصاحبة الجاهلين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} (52) - والذِينَ آمَنُوا بالتَّورَاةِ والإِنْجِيلِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ثُمَّ أَدرَكُوا مُحَمَّداً، يُؤمِنُونَ بالقُرآنِ لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ في كُتُبِهِم البُشْرى بِهِ، وانطبَاقَ الأَوصَافِ عليهِ، وإذا تُليَ عَلَيهِمْ هذا القُرآنُ قَالُوا: صَدَّقْنا بِأَنَّهُ أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا حَقّاً وَصِدْقاً. (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَبعِينَ مِنَ القِسِّيسِينَ بَعَثَهُمُ النجَّاشِيُّ فَلَما قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، قَرأَ عَلَيهِمْ سُورَةَ (يس) فَبَكَوْا وأَسْلَمُوا).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سأجعل خصومك من أهل الكتاب هم الذين يشهدون بصِدْقك؛ لأنهم يعرفونك كما يعرفون أبناءهم، وما جاء في كتابك ذُكرَ في كتبهم وذكِرت صورتك وأوصافك عندهم. لذلك تجد آيات كثيرة من كتاب الله تُعوِّل على أهل الكتاب في معرفة الحق الذي جاء به القرآن، يقول تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. فهم أيضاً شهداء على صدق رسول الله بما عندهم من الكتب السابقة فاسألوهم. ويقول تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 16-19]. ويقول سبحانه: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 199]. وإلا، فلماذا أسلم عبد الله بن سلام وغيره من علماء اليهود؟ إذن: أهل الكتاب الصادقون مع أنفسهم ومع كتبهم لا بُدَّ أنْ يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الذين لم يؤمنوا فحجبتهم السلطة الزمنية والحرص على السيادة التي كانت لهم قبل الإسلام، سيادةً في العلم، وفي الحرب، وفي الثروة. وكان من هؤلاء عبد الله بن أُبَيٍّ، وكان أهل المدينة يستعدون لتنصيبه مَلِكاً عليهم، فلما هاجر سيدنا رسول الله إليها أفسد عليهم ما يريدون، ونزع منهم هذه السيادة، والسلطة الزمنية حينما تتدخل تعني أن يشترك هوى الناس فيستخدمون مرادات الله لخدمة أهوائهم، لا لخدمة مرادات الله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [الآية: 52]. إلى قوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} [الآية: 55]. في مسلمي أَهل /58 و/ الكتاب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم لأَبي طالب: قل كلمة الإِخلاص أُجادل بها عنك يوم القيامة. قال: يا ابن أَخ ملة الأَشياخ. فأَنزل الله، عز وجل: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [الآية: 56]. يعني: لمن قدر له الهدى والضلالة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} [الآية: 61] يعني: بمحضر النار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ } وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا { هُمْ بِهِ } أي: بهذا القرآن ومن جاء به { يُؤْمِنُونَ }. { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } استمعوا له وأذعنوا و { قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا } لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق. قال تعالى: { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا } الآيات. وقوله: { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول. { أُولَئِكَ } الذين آمنوا بالكتابين { يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ } أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، { بِمَا صَبَرُوا } على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة. و من خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم. { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ } من جاهل خاطبهم به، { قَالُوا } مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه. { سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، { لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } من كل وجه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):