Verse. 3306 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

اُولٰۗىِٕكَ يُؤْتَوْنَ اَجْرَہُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوْا وَيَدْرَءُوْنَ بِالْحَسَنَۃِ السَّيِّئَۃَ وَمِمَّا رَزَقْنٰہُمْ يُنْفِقُوْنَ۝۵۴
Olaika yutawna ajrahum marratayni bima sabaroo wayadraoona bialhasanati alssayyiata wamimma razaqnahum yunfiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك يؤتون أجرهم مرتين» بإيمانهم بالكتابين «بما صبروا» بصبرهم على العمل بهما «ويدرؤون» يدفعون «بالحسنة السيئة» منهم «ومما رزقناهم ينفقون» يتصدقون.

54

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فآمن به واتبعه وصدّقه فله أجران وعبد مملوك أدّى حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدّبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوّجها فله أجران» تفسير : قال الشعبي للخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة وخرجه البخاري أيضاً. قال علماؤنا: لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطباً بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين؛ فالكتابي كان مخاطباً من جهة نبيه، ثم أنه خوطب من جهة نبيّنا فأجابه واتبعه فله أجر الملتين، وكذلك العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده، ورب الأمة لما قام بما خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء التربية، ثم إنه لما أعتقها وتزوّجها أحياها إحياء الحرّية التي ألحقها فيه بمنصبه، فقد قام بما أمر فيها، فأجر كل واحد منهما أجرين. ثم إن كل واحد من الأجرين مضاعف في نفسه، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور. ولذلك قيل: إن العبد الذي يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحرّ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وغيره. وفي «الصحيح» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : للعبد المملوك المصلح أجران» تفسير : والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. قال سعيد بن المسيّب: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمّه لصحبتها. وفي «الصحيح» أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعمّا للمملوك أن يُتوفَّى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعمّا له".تفسير : الثانية: قوله تعالى: {بِمَا صَبَرُواْ} عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك. الثالثة: قوله تعالى: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي يدفعون. درأت إذا دفعت، والدرء الدفع. وفي الحديث: «حديث : ادرؤوا الحدود بِالشبهات»تفسير : . قيل: يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى. وقيل: يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب؛ وعلى الأوّل فهو وصف لمكارم الأخلاق؛ أي من قال لهم سوءاً لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه. فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. ومنه قوله عليه السلام لمعاذ: «حديث : وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها وخالقِ الناس بخلق حسن» تفسير : ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ولين الحديث. الرابعة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات. وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة؛ ثم مدحهم أيضاً على إعراضهم عن اللغو؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه؛ أي لم يشتغلوا به {وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي متاركة؛ مثل قوله: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63] أي لنا ديننا ولكم دينكم. {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي أَمْناً لكم منا فإنا لا نحاربكم، ولا نسابّكم، وليس من التحية في شيء. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال. {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } بإيمانهم بالكتابَيْن {بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على العمل بهما {وَيَدْرَءُونَ} يدفعون { بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ } منهم {وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ } يتصدّقون.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ} لإيمانهم بالكتاب الأول، والكتاب الآخر، {بِمَا صَبَرُواْ} على الإيمان، أو الأذى، أو الطاعة وعن المعصية. {بِالْحَسَنَةِ} يدفعون بالعمل الصالح ما سلف من الذنب، أو بالحلم جهل الجاهل، أو بالسلام قبح اللقاء، أو بالمعروف المنكر، أو بالخير الشر. {يُنفِقُونَ} الزكاة "ع"، أو نفقة الأهل وهذا قبل نزول الزكاة، أو يتصدقون من أكسابهم.

الخازن

تفسير : {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} يعني بإيمانهم بالكتاب الأول والكتاب الآخر {بما صبروا} أي على دينهم وعلى أذى المشركين (ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها ثم تزوجها فله أجران"تفسير : {ويدرؤون بالحسنة السيئة} قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله وقيل يدفعون ما سمعوا من أذى المشركين وشتمهم بالصفح والعفو {ومما رزقناهم ينفقون} أي في الطاعة {وإذ سمعوا اللغو} أي القول القبيح {أعرضوا عنه} وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل مكة ويقولون تباً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي لنا ديننا ولكم دينكم {سلام عليكم} ليس المراد منه التحية ولكن سلام المتاركة والمعنى سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم {لا نبتغي الجاهلين} يعني لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال ثم نسخ ذلك بالقتال. قوله تعالى {إنك لا تهدي من أحببت} أي هدايته وقيل أحببته لقرابته {ولكن الله يهدي من يشاء} وذلك أن الله تعالى يقذف في القلب نور الهداية فينشرح الصدر للإيمان {وهو أعلم بالمهتدين} أي بمن قدر له الهدى (م) عن أبي هريرة قال "إنك لا تهدي من أحببت، نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث راود عمه أبا طالب على الإسلام وذلك "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب عند الموت: "ياعم قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك""تفسير : ثم أنشد: شعر : ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا تفسير : ولكن على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف ثم مات فأنزل الله هذه الآية {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} يعني نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة قال الله تعالى {أو لم نمكن لهم حرما آمناً} وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضاً وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم. ومن المعروف أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة {يجبى إليه} يعني يجلب ويجمع إليه ويحمل إلى الحرم من الشام ومصر والعراق واليمن {ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} يعني أن أكثر أهل مكة لا يعلمون ذلك. قوله عز وجل {وكم أهلكنا من قرية} يعني من أهل قرية {بطرت معيشتها} أي أشرت وطغت وقيل عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون سكوناً قليلاً وقيل لم يعمروا منها إلا أقلها وأكثرها خراب {وكنا نحن الوارثين} يعني لم يخلفهم فيها أحد بعد هلاكهم وصار أمرها إلى الله تعالى لأنه الباقي بعد فناء الخلق {وما كان ربك مهلك القرى} يعني الكافرة أهلها {حتى يبعث في أمها رسولاً} ينذرهم وخص الأم ببعثة الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن وقيل حتى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولاً يعني محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء {يتلو عليهم آياتنا} أي أنه يؤدي إليهم ويبلغهم وقيل يخبرهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} أي مشركون. قوله عز وجل {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} أي تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء {وما عند الله خير وأبقى} لأن منافع الآخرة خالصة عن الشوائب وهي دائماً غير منقطعة ومنافع الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر العظيم {أفلا تعقلون} أي أن الباقي خير من الفاني وقيل من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل. ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى {أفمن وعدناه وعداً حسناً} يعني الجنة {فهو لاقيه} أي مصيبه وصائر إليه {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} أي وتزول عنه عن قريب {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} أي في النار، قيل هذا في المؤمن والكافر وقيل نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، وقيل في علي وحمزة وأبي جهل وقيل في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} الموصوفون بما ذكر من النعوت {يؤتون اجرهم} ثوابهم فى الآخرة {مرتين} مرة على ايمانهم بكتابهم ومرة على ايمانهم بالقرآن وقد سبق معنى المرة فى سورة طه عند قوله تعالى {أية : ولقد مننا عليك مرة اخرى}تفسير : {بماصبروا} اى بصبرهم وثباتهم على الايمانين والعمل بالشريعتين. وفى التأويلات النجمية على مخالفة هواهم وموافقة اوامر الشرع ونواهيه وفى الحديث "حديث : ثلاثة يؤتون اجرهم مرتين رجل كانت له جارية فعلمها فاحسن تعليمها وادبها فاحسن تأديبها ثم تزوجها فله اجره مرتين وعبد ادى حق الله وحق مواليه ورجل آمن بالكتاب الاول ثم آمن بالقرآن فله اجره مرتين"تفسير : كما فى كشف الاسرار {ويدرءُون بالحسنة السيئة} اى يدفعون بالطاعة المعصية وبالقول الحسن القول القبيح وفى التأويلات النجمية اى باداء الحسنة من الاعمال الصالحة يدفعون ظلمة السيئة وهى مخالفات الشريعة كما قال عليه السلام "حديث : اتبع السيئة الحسنة تمحها"تفسير : وقال تعالى {أية : ان الحسنات يذهبن السيئات}تفسير : وهذا لعوام المؤمنين ولخواصهم ان يدفعوا بحسنة ذكر لا اله الا الله عن مرآة القلوب سيئة صدأ حب الدنيا وشهواتها ولاخص خواصهم ان يدفعوا بحسنة نفى لا اله سيئة شرك وجود الموجودات بقطع تعلق القلب عنها وغض بصر البصيرة عن رؤية ما سوى الله باثبات وجود الا الله كما كان الله ولم يكن معه شىء {ومما رزقناهم ينفقون} فى سبيل الخير وفيه اشارة الى انفاق الوجود المجازى فى طلب الوجود الحقيقى

اطفيش

تفسير : {أُؤْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مِّرَتَيْنِ} لايمانهم بالكتابين القرآن والتوراة والقرآن والانجيل. {بِمَا صَبَرُوا} بصبرهم على أذى المشركين ومن لم يتبعهم من أهل دينهم أو على الايمان بالقرآن قبل النزول وبعده والعمل بما أنزل الله قال صلى الله عليه وسلم"حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد والعبد المملوك والمؤدي حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة يطأها وأدبها وأحسن تأديبها وعلمها وأحسن تعليمها ثم اعتقها فتزوجها له اجران ". تفسير : {وَيَدْرَءُونَ} يدفعون. {بِالحَسَنَةِ} لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. {السَّيِّئَةَ} الشرك قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقيل الحسنة الصفح والعفو والسيئة أذى المشركين وقيل الحسنة الطاعة والسيئة المعصية لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتبع السيئة الحسنة تمحها ". تفسير : {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} في الطاعة والمراد الزكاة والصدقة.

اطفيش

تفسير : {أولئك يؤتَوْن أجْرهم} فى الآخرة {مَرَّتيْن} زمانين، أو إيتاءتين مرة، بالإسلام مطلقا، ومرة بالأذى والهجران اللذين أصاباهم بالإيمان من أهل دينهم، أو مرة بالإسلام بالتوراة والانجيل، ومرة بالإسلام بالقرآن، أو مرة بالإيمان به قبل نزوله، ومرة بالإيمان به بعد النزول {بما صَبَروا} لثباتهم على الدين ولو تزلزلوا عنه لم ينفعهم إيمانهم، وما مصدرية، ولا يقال لو أريد العموم فى الذين آتيناهم الكتاب لعارضهم ما ذكر، لأن كل من آمن منهم يؤذيه أهل دينه ويهجروه {ويدرءُون} عطف على صلة ما، وكذا ما بعد، فكأنه قيل بصبرهم ودرئهم بالحسنة السيئة، وإنفاقهم مما رزقناهم، وكونهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا، وقولهم: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم والدرء الدفع {بالحسنة السيئة} بالطاعة المعصية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتبع السيئة الحسنة تمحها" تفسير : وبالحلم الأذى، وبالكظم الغيظ، وبالعلم الجهل، وبالمعروف المنكر، وبالخير الشر، وهذا أعم {ومما رزقناهم ينفقون} فى أوجه الخير.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر من النعوت {يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن {بِمَا صَبَرُواْ } أي بصبرهم وثباتهم على الإيمانين أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين {وَيَدْرَءونَ } أي يدفعونَ {بٱلْحَسَنَةَ} أي بالطاعة {ٱلسَّيّئَةُ } أي المعصية فإن الحسنة تمحو السيئة حديث : قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أتبع السيئة الحسنة تمحهاتفسير : ، وقيل: أي يدفعون بالحلم الأذى وقال ابن جبير: بالمعروف المنكر وقال ابن زيد: بالخير الشر وقال ابن سلام: بالعلم الجهل وبالكظم الغيظ وقال ابن مسعود: بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أي في سبيل الخير كما يقتضيه مقام المدح.

ابن عاشور

تفسير : التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. وعدَّ الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال: إحداها: أخروية، وهي {يؤتون أجرهم مرتين} أي أنهم يؤتون أجرين على إيمانهم، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا بالقرآن، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيهاً للمضاعفة بتكرير الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد. وفائدة هذا المجاز إظهار العناية حتى كأن المثيب يعطي ثم يكرر عطاءه ففي {يؤتون أجرهم مرتين} تمثيلة. وفي الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدركني فآمن بي واتبعني وصدقني فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران»تفسير : . رواه الشعبي وقال لعطاء الخراساني: خذه بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. والثانية: الصبر، والصبر من أعظم خصال البر وأجمعها للمبرات، وأعونها على الزيادة والمراد بالصبر صبرهم على أذى أهل ملتهم أو صبرهم على أذى قريش، وهذا يتحقق في مثل الوفد الحبشي. ولعلهم المراد من هذه الآية ولذلك أتبع بقوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} وقوله {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم}. والخصلة الثالثة: درؤهم السيئة بالحسنة وهي من أعظم خصال الخير وأدعاها إلى حسن المعاشرة قال تعالى {أية : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}تفسير : [فصلت: 34]، فيحصل بذلك فائدة دفع مضرة المسيء عن النفس، وإسداء الخير إلى نفس أخرى، فهم لم يردوا جلافة أبي جهل بمثلها ولكن بالإعراض مع كلمة حسنة وهي {سلام عليكم}. وأما الإنفاق فلعلهم كانوا ينفقون على فقراء المسلمين بمكة، وهو الخصلة الرابعة ولا يخفى مكانها من البر. والخصلة الخامسة: الإعراض عن اللغو، وهو الكلام العبث الذي لا فائدة فيه، وهذا الخلق من مظاهر الحكمة، إذ لا ينبغي للعاقل أن يشغل سمعه ولُبّه بما لا جدوى له وبالأولى يتنزه عن أن يصدر منه ذلك. والخصلة السادسة: الكلام الفصل وهو قولهم {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم} وهذا من أحسن ما يجاب به السفهاء وهو أقرب لإصلاحهم وأسلم من تزايد سفههم. ولقد أنطقهم الله بحكمة جعلها مستأهلة لأن تُنظم في سلك الإعجاز فألهمهم تلك الكلمات ثم شرّفها بأن حيكت في نسج القرآن، كما ألهم عمر قوله {أية : عسى ربه إن طلقكن}تفسير : [التحريم: 5] الآية. ومعنى {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أن أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها وأما قولهم {ولكم أعمالكم} فهو تتميم على حد {أية : لكم دينكم ولي دين}تفسير : [الكافرون: 6]. والمقصود من السلام أنه سلام المتاركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم قال الحسن: كلمة: السلام عليكم، تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين. ولعل القرآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز لأن تأخير الكلام الذي فيه المتاركة إلى آخر الخطاب أولى ليكون فيه براعة المقطع. وحذف القرآن قولهم: لم نأل أنفسنا رشداً، للاستغناء عنه بقولهم {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم}. السابعة: ما أفصح عنه قولهم {لا نبتغي الجاهلين} من أن ذلك خلقهم أنهم يتطلبون العلم ومكارم الأخلاق. والجملة تعليل للمتاركة، أي لأنا لا نحب مخالطة أهل الجهالة بالله وبدين الحق وأهل خُلق الجهل الذي هو ضد الحلم، فاستعمل الجهل في معنييه المشترك فيها ولعله تعريض بكنية أبي جهل الذي بذا عليهم بلسانه. والظاهر أن هذه الكلمة يقولونها بين أنفسهم ولم يجهروا بها لأبي جهل وأصحابه بقرينة قوله {ويدرأون بالحسنة السيئة} وقوله {سلام عليكم} وبذلك يكون القول المحكي قولين: قول وجهوه لأبي جهل وصحبه، وقول دار بين أهل الوفد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 54- أولئك الذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل من قبله من كتب يعطوْن ثوابهم مضاعفا، بصبرهم على ما يلحقهم من الأذى فى سبيل الإيمان، ويؤثرون العمل الصالح، ويقابلون بالعفو والإحسان، وينفقون فى سبيل الخير مما منحهم الله من مال. 55- وإذا سمعوا الباطل من الجاهلين انصرفوا عنه تنزها وترفعا، وقالوا: لنا أعمالنا الحقة لا نحيد عنها، ولكم أعمالكم الباطلة ووزرها عليكم، ونحن نترككم وشأنكم لأننا لا نريد صحبة الجاهلين. 56- إنك - أيها الرسول - شديد الحرص على هداية قومك، ولكنك لا تستطيع أن تُدْخل فى الإسلام كل من تحب، ولكن الله يهدى للإيمان من علم فيهم قبول الهداية واختيارها، وهو الذى يعلم علما ليس فوقه علم من سيدخل فى صفوف المهتدين. 57- وقال مشركوا مكة للرسول - صلى الله عليه وسلم - معتذرين عن بقائهم على دينهم: إن اتبعناك على دينك أخرجَنَا العرب من بلدنا وغلبونا على سلطاننا. وهم كاذبون فيما يعتذرون به، فقد ثَبَّتَ الله أقدامهم ببلدهم، وجعله حرما يأمنون فيه - وهم كفرة - من الإغارة والقتل، وتُحمل إليه الثمرات والخيرات المتنوعة الكثيرة رزقاً يسوقه الله إليهم من كل جهة، فكيف يستقيم أن يسلبهم الأمن ويعرضهم للتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت الإيمان بمحمد؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون الحق، ولو علموا لما خافوا التَّخطف. 58- لم يعتبر هؤلاء بمصاير الأمم السابقة، فقد أهلك الله قرى الذين اغتروا بنعمة الله ثم كفروا بها وبالله، وهذه ديارهم خاوية لا تصلح للسكن بعدهم إلا فترات عابرة للمارين بها، ولم يبق لها مالك بعدهم إلا الله ذو الجلال والإكرام.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {رَزَقْنَاهُمْ} {يَدْرَؤُنَ} (54) - وَالذينَ آمنُوا بالكِتَابِ الأَوَّلِ، ثُمَّ آمنُوا بالقُرآنِ، سَيُؤْتِيهِم اللهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَين، جَزَاءً لهُم عَلَى صَبْرِهِمْ عَلى اتِّباع الحَقِّ، وَعَلَى الإِيمَانِ بِكِتَابِهِمْ أَوَّلاً، ثُمَّ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِالقُرآنِ، لأَنَّ اتِّبَاعَ الحَقِّ فيهِ مَشَقَّةٌ على النُّفُوسِ. وَيَتَّصِفُ هؤلاءِ الذينَ آمنُوا بِكِتَابِهِمْ، ثُمَّ آمنُوا بالقُرآنِ بأَنَّهمْ لا يُقَابِلُونَ السِّيِّئَةَ بِمِثْلِها، وإنَّما يَعفُونَ ويَصْفَحُونَ، ويُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الرِّزْقِ الحَلالِ، عَلَى خَلْقِ اللهِ، وعَلَى ذَوِي قُرْبَاهُم ويُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ. يَدْرَؤُونَ - يَدْفَعُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يُعلِّمنا أن الذي يريد ديناً حقاً لا بُدَّ أن ينظر إلى دين يأتي بعده بمعجزة، لأنه إذا كان قد آمن حين جاء عيسى بأنه جاء بعد موسى - عليه السلام - فلا يستبعد عقلاً أنْ يجيء بعد عيسى رسول، فوجب عليه أنْ يبحث في الدين الجديد، وأنْ ينظر أدلة تبرر له إيمانه بهذا الدين. هذا إذا كان الدين الأول لم يتبدَّل، فإذا كان الدين الأول قد تبدَّل، فالمسألة واضحة؛ لأن التبديل يُحدث فجوة عند مَنْ يريد ديناً {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ..} تفسير : [الأعراف: 157]. آمنوا به؛ لأنهم وجدوا نَعْته، ووجدوا العقائد التي لا تتغير موجودة في كتابه، وهو أُميٌّ لم يعرف شيئاً من هذا، فأخذوا من أميته دليلاً على صِدْقه. فقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ..} [القصص: 54] أي: أهل الكتاب الذين يؤمنون بالقرآن وهم خاشعون لله، والذين سبق وصفهم { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ..} [القصص: 54] أجر لإيمانهم برسلهم، وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : ثلاثة يُؤْتَوْن أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه مثل آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أَمَة - جارية - فأدَّبها فأحسن تأديبها، فأعتقها بعد ذلك، ثم تزوجها ". تفسير : وهؤلاء الذين آمنوا برسلهم، ثم آمنوا برسول الله استحقوا هذه المنزلة، ونالوا هذين الأجرين لأنهم تعرضوا للإيذاء ممَّنْ لم يؤمن في الإيمان الأول، ثم تعرَّضوا للإيذاء في الإيمان الثاني، فصبروا على الإيذاءين، وهذه هي حيثية {يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ...} [القصص: 54]. وكما أن الله تعالى يُؤتِي أهلَ الكتاب الذين آمنوا بمحمد أجرهم مرتين، كذلك يُؤتي بعض المسلمين أجرهم مرتين، ومنهم - كما بيَّن سيدنا رسول الله: "حديث : عبد مملوك أدى حق الله، وأدَّى حق أوليائه، ورجل عنده أَمَةٌ ... ". تفسير : ولا يُحرم هذا الأجر الدين الذي باشر الإسلام، وأتى قبله، وهو المسيحية، فلهم ذلك أيضاً؛ لذلك يقول تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25] وأهم هذه المنافع {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [الحديد: 25] وذكر الحديد، لأن منه سيصنع سلاح الحرب. إذن: أنزل الله القرآن لمهمة، وأنزل الحديد لمهمة أخرى؛ لذلك يقول الشاعر: شعر : فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْيُ أَوْ حَدٌّ مُرْهَف يُقيم ظباه أَخْدعَيْ كلِّ مائلٍ فَهَذا دَوَاءُ الدَّاء من كُلِّ عَاقِلٍ وذَاك دَوَاءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهلٍ تفسير : ولي أنا شخصياً ذكريات ومواقف مع هذه الآية {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ..} [القصص: 54] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحيين، وكان من بينهم رجل ذو عقل وفكر، كان دائماً يُواسي المسلمين، ويحضر مآتمهم ويستمع للقرآن، وكانت تعلَق بذهنه بعض الآيات، فجاءني مرة يقول: سمعت المقرىء يقرأ: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. فألسْنا من العالمين؟ قلت له: نعم أُرسِل محمد رحمة للعالمين جميعاً، فمَنْ آمن به نالته رحمته، ومَنْ لم يؤمن به حُرِم منها، ومع ذلك لو نظرتَ في القرآن نظرة إمعانٍ وتبصُّر تجد أنه رحِم غير المؤمن، قال: كيف؟ فقرأتُ له قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [النساء: 105] ولم يقل بين المؤمنين {أية : بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]. فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أنْ يُنصف المظلوم منهم، وأنْ يردَّ عليه حقَّه، ثم {أية : وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 106] لأن الله لا يحب الخوَّان الأثيم ولو كان مسلماً. ثم ذكرتُ له سبب نزول هذه الآية وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن السمين أمانة عند طعمة بن أبيرق المسلم، وكان الدرع قد سُرِق من قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة ذهب يبحث عنه، وكان قد وضعه في كيس من الدقيق، فتتبع أثر الدقيق حتى ذهب إلى بيت زيد بن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته، وأذاع أمره بين الناس، فقصَّ اليهودي ما كان من أمر طُعْمة بن أبيرق، وأنه أودع الدرع عنده على سبيل الأمانة؛ لأنه يخشى عليه أنْ يُسرق من بيته. وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم؛ لأنه حديث عهد بإسلام، وكيف ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق، ومالوا إلى إدانة اليهودي، وفعلاً عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلاً يُخرجه من هذا المأزق، مع أنهم لا يستبعدون أنْ يسرق ابن أبيرق. وجلس رسول الله يفكر في هذا الأمر، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي، فيقول له: هذه المسألة لا تحتاج إلى تفكير ولا بحث: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]. فأدانت الآية ابن أبيرق، ودلَّتْ على أن هذه ليست الحادثة الأولى في حقِّه، ووصفتْه بأنه خوّان أي: كثير الخيانة وبرَّأتْ اليهودي، وصححتْ وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم بالسرقة، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق، وأدانوا اليهودي. فالآية وإنْ أدانت المسلم، إلا أنها رفعتْ شأن الإسلام في نظر الجميع: المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية، ولو انحاز رسول الله وتعصَّب للمسلم لاهتزتْ صورة الإسلام في نظر الجميع. ولو حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام، وقد أسلموا فعلاً بعد ما حدث؟ وما أشبهَ هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من نظر صاحبه الذي شهد لصالحه، حتى قالوا: مَنْ جعلك موضعاً للنقيصة فقد سقطت من نظره، وإنْ أعَنْتَه على أمره، فشاهد الزور يرتفع رأسُك على الخصم بشهادته، وتطأ قدمُك على كرامته. وقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ..} [القصص: 54] هذه أيضاً من خصالهم أن يدفعوا السيئة بالحسنة، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 54] النفقة الواجبة على نفسه وعلى آله، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة، ثم نفقة المروءات للمساكين وأهل الخصاصة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} معناه يَدْفعونَ بِهَا.