٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن في قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبـي طالب ثم قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبـي طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمداً وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال عليه السلام « حديث : يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك! قال فما تريد يا ابن أخي؟ قال أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله تعالى، قال يا أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف ». تفسير : المسألة الثانية:أنه تعالى قال في هذه الآية: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } وقال في آية أخرى: { أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الشورى: 52] ولا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه هداية التوفيق، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } تفسير : [الأنعام: 122] الآية. المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى } شيئاً وفي قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } شيئاً آخر لاختل النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها، وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضاً غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقاً على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها، ولا يسأل عما يفعل، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذراً عن ذلك. أما قوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: { أية : إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } تفسير : [القصص: 57] قال المبرد: الخطف، الانتزاع بسرعة، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقوله حق، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول: قوله: {أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً } أي أعطيناكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر، أو لقوله تعالى: { أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } تفسير : [آل عمران: 97] وأما قوله: {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خالياً عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه، ومعنى: {يُجْبَىٰ } يجمع من قولهم: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء، وأهل الكوفة، وأبو عمرو بالياء، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى، ومعنى الكلية الكثرة كقوله: { أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] وحاصل الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى، قال القاضي: ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقاً لم يكن عذراً لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضاً، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة، أن ذلك لا يجري إن آمنوا، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه الله تعالى، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين. بقي ههنا بحثان: الأول: قال صاحب «الكشاف» في انتصاب رزقاً إن جعلته مصدراً جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء، ويرزق ثمرات كل شيء واحد، وأن يكون مفعولاً له، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة. الثاني: احتج الأصحاب بقوله: {رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } في أن فعل العبد خلق الله تعالى، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقاً لله تعالى لما صحت تلك الإضافة، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية. واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحداً سوى الله تعالى ولا يرجون أحداً غير الله تعالى، فيبقى نظرهم منقطعاً عن الخلق متعلقاً بالخالق، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. قلت: والصواب أن يقال أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو نص البخاري ومسلم، وقد تقدّم ذلك في «براءة». وقال أبو روق قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} إشارة إلى العباس. وقاله قتادة. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} قال مجاهد: لمن قدّر له أن يهتدي. وقيل: معنى {مَنْ أَحْبَبْتَ} أي من أحببت أن يهتدي. وقال جبير بن مطعم: لم يسمع أحد الوحي يلقى على النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر الصدّيق فإنه سمع جبريل وهو يقول: يا محمد اقرأ: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إنك يا محمد {لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272] وقال تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وهذه الآية أخص من هذا كله، فإنه قال: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وقد ثبت في "الصحيحين": أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة، وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» تفسير : فأنزل الله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} تفسير : [التوبة: 113] وأنزل في أبي طالب: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} أخرجاه من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في "صحيحه"، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا عماه قل: لا إله إلاَّ الله، أشهد لك بها يوم القيامة» تفسير : فقال: لولا أن تعيرني بها قريش؛ يقولون: ما حمله عليه إلاَّ جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلاَّ لأقر بها عينك، فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان، ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: لا إله إلا الله، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي ملة الأشياخ، وكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد المطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي، قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، فأتيته، فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم قال: «حديث : ممن الرجل؟» تفسير : قلت: من تنوخ. قال: «حديث : هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟» تفسير : قلت: إني رسول قوم وعلى دينهم حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه، وقال: «حديث : إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء».تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى، حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيباً لهم: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً}؟ يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمناً لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمناً لهم، وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ} أي: من سائر الثمار مما حوله، من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي: من عندنا، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ولهذا قالوا ما قالوا، وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس، ولم يسمعه منه: إن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمان عمه أبي طالب {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } هدايته {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ } أي عالم {بِٱلْمُهْتَدِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} فيه وجهان: أحدهما: من أحببت هدايته. الثاني: من أحببته لقرابته، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: نزلت في أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم. وروى أبو هريرة أن النبي قال لعمه أبي طالب "حديث : قُل لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِندَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ" تفسير : فقال: لولا أن تعيرني بها قريش لأقررت عينيك بها. وروى مجاهد أنه قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ، فنزلت الآية تعني أبا طالب. {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} قاله قتادة: يعني العباس. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} قال مجاهد: يعني بمن قدر له الهدى والضلالة. قوله تعالى: {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} قيل إن هذه الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني بمكة فإنما نحن أكلة رأس العرب ولا طاقة لنا بهم، فأجاب الله عما اعتل به فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً} فيه وجهان: أحدهما: أنه جعله آمناً بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة. الثاني: أنه جعله آمناً بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به، قاله يحيى بن سلام. يقول كنتم آمنين في حرمي تأكلون وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي تجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد. وحكى مجاهد أن كتاباً وجد عند المقام فيه: إني أنا الله ذو بكة، وضعتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لأهلها في الماء واللحم، أول من يحلها أهلها. {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي عطاء من عندنا. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يعقلون، قاله الضحاك. الثاني: لا يتدبرون، قاله ابن شجرة.
ابن عطية
تفسير : أجمع جل المفسرين على أن قوله تعالى {إنك لا تهدي من أحببت} إنما نزلت في شأن أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة وابن المسيب وغيرهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له: "حديث : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله"تفسير : ، وكان بحضرته عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟ فقال أبو طالب: يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: أنا على ملة عبد المطلب والأشياخ، فتفجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عنه فمات أبو طالب على كفره فنزلت هذه الآية، قال أبو روق: قوله تعالى: {ولكن الله يهدي من يشاء}، إشارة إلى العباس، والضمير في قوله {وقالوا} لقريش، قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم، وقوله و {الهدى} معناه على زعمك، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم الله تعالى بالحجة، أي أليس كون الحرم لكم مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم ديني وشرعي، وروي عن أبي عمرو "نتخطفُ" بضم الفاء، و"أمن الحرم" هو أن لا يغزى ولا يؤذى فيه أحد، وقوله تعالى {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي تجمع وتجلب، وقرأ نافع وحده "تجبى" بالتاء من فوق، وقرأ الباقون "يجبى" بياء من تحت، ورويت التاء من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن نصّاح، وقوله تعالى: {كل شيء}، يريد مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم، وليس العموم فيه على الإطلاق، وقرأ أبان بن تغلب "ثُمُرات" بضم الثاء والميم، ثم توعد تعالى قريشاً بضرب المثل بالقرى المهلكة، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى، فإن الله تعالى يهلك الكفرة على ما سلف في الأمم، و {بطرت} معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره، و {معيشتها} نصب على التفسير مثل قوله {أية : سفه نفسه} تفسير : [البقرة: 130] وقال الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي {بطرت} في {معيشتها} ثم أحالهم على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَنْ أَحْبَبْتَ} هدايته، أو أحببته لقرابته نزلت في أبي طالب. {يَهْدِى مَن يَشَآءُ} قال قتادة: يعني العباس. {بِالْمُهْتَدِينَ} بمن قَدَّر له الهدى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي: أحببت هدايته، وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: نزلت في أبي طالب قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : قل: لا إلَه إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيِّرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيكتفسير : فأنزل الله هذه الآية. فصل قال في هذه الآية: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}، وقال في آية أخرى {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب كما قال سبحانه {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأنعام: 122]. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله {إنَّكَ لاَ تَهْدِي} شيئاً، وفي قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} شيئاً آخر لاختلّ النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف الجنة فهي أيضاً غير مرادة، لأنه تعالى علَّق هذه الهداية على المشيئة. فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على المشيئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلاَّ أن المراد أنه تعالى يخصُّ البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}تفسير : [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا عن ذلك. قوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً}، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لسكان الحرم. قوله: "نُتَخَطَّفُ" العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: شعر : 4013 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَـاتِ اللَّـهُ يَشْكُـرُهَا تفسير : وكقراءة "يُدْرِكُكُمْ" بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. قوله: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً} قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى "جَعَل" وقد صرحَّ به في قوله {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً}تفسير : [العنكبوت: 67] و "مَكَّنَ" متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى "جَعَلَ" كقوله "مَكَّنَّاهُمْ"، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمناً قيل بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. قوله: "يُجْبَى" قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة لـ "حَرَماً" أيضاً، وقرأ العامة "ثَمَرَاتُ" بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون. قوله: "رِزقاً" إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى "يُجبَى إليه" يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، أي يسوقه إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من "ثَمَراتٍ" لتخصصها بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة)، وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من "ثَمَرات" ومعنى "يُجْبَى"، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم { ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ما نقوله حق. قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي: من أهل قرية "بَطِرَتْ معيشتها"، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى، وانتصب "مَعِيشَتهَا" إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ}تفسير : [الأعراف: 155]، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيَّام معيشتها، وإما بتضمين "بَطِرَتْ" معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من "سَفِهَ نَفْسَه". قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. قوله: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومارُّ الطريق يوماً أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكوناً يسيراً قليلاً، وقيل: لم يعمَّر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: "لَمْ تُسْكَنْ" جملة حالية، والعامل فيها معنى تلك، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، و "إلا قليلاً" أي: إلا سكنى قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً، أو إلا مكاناً قليلاً. {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ}. كقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا}تفسير : [مريم: 40]. قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} يعني القرى الكافرة أهلها حتى نبعث في أمِّها رسولاً، أي في أكثرها وأعظمها رسولاً ينذرهم وخصّ الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة. وقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي: يؤدّي ويبلِّغ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أنَّ العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}: مشركون أي: أهلكهم بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم أنَّهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال "يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة". فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك فأنزل الله عليك {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن ابن المسيب نحوه، وتقدم في سورة براءة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنك لا تهدي من أحببت} قال: نزلت هذه الآية في أبي طالب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في القدر والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد بن رافع قال: قلت لابن عمر {إنك لا تهدي من أحببت} أفي أبي طالب نزلت؟ قال: نعم. وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما {إنك لا تهدي من أحببت} أفي أبي جهل وأبي طالب؟ قال: نعم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إنك لا تهدي من أحببت} قال: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: قل كلمة الاخلاص أجادل عنك بها يوم القيامة قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ {وهو أعلم بالمهتدين} قال: ممن قدر الهدى والضلالة . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {إنك لا تهدي من أحببت} قال: حديث : ذكر لنا أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: التمس منه عند موته أن يقول لا إله إلا الله كيما تحل له الشفاعة، فأبى عليه . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {إنك لا تهدي من أحببت} يعني أبا طالب {ولكن الله يهدي من يشاء} قال: العباس. وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري في الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} قال: نزلت في أبي طالب. ألح عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم فأبى. فأنزل الله {إنك لا تهدي من أحببت} أي لا تقدر تلزمه الهدى وهو كاره له إنما أنت نذير {ولكن الله يهدي من يشاء} للايمان. وأخرج أيضاً من طريق عبد القدوس عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {إنك لا تهدي من أحببت} قال: حديث : نزلت في أبي طالب عند موته، والنبي صلى الله عليه وسلم عند رأسه وهو يقول: يا عم قل لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة. قال أبو طالب: لا. يعيرني نساء قريش بعدي إني جزعت عند موتي، فأنزل الله {إنك لا تهدي من أحببت} يعني لا تقدر أن تلزمه الهدى وهو يهوى الشرك، ولا تقدر تدخله الإِسلام كرهاً حتى يهواه {ولكن الله يهدي من يشاء} أن يقهره على الهدى كرهاً لفعل وليس بفاعل حتى يكون ذلك منه. فاخبر الله بقدرته وهو كقوله {لعلك باخع نفسك أَلاَّ يكونوا مؤمنين، إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 3 - 4] فأخبر بقدرته أنه لا يعجزه شيء . تفسير : وأخرج العقيلي وابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : بعثت داعياً ومبلغاً وليس الي من الهدى شيء، وخلق إبليس مزيناً ومبلغاً وليس إليه من الضلالة شيء ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [الآية: 56]. قال ابن عطاء: إنك لا تسأل الهداية لمن تحبه طبعًا وإنما سئل الهداية لمن يحبه فتكون محبتك له حقيقة؛ لأنك لا تحب على الحقيقة إلاَّ من يحبه فإن قيل محبة النبى صلى الله عليه وسلم لإسلام أبى طالب قيل ذلك محبة طبع لا محبة حقيقية، ومحبة الحقيقة كما أحب عمر وأحب له الإسلام فأسلم. قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} [الآية: 57]. قال بعضهم: من مُكّن من رعاية سره وافتقاد أوقاته أن يعدم الزوائد من الله ودوام الفوائد ومن ضيع أوقاته وأهمل ساعاته فهو متردد فى ميادين الغفلة وساعٍ فى مسالك الهلكة.
القشيري
تفسير : الهداية في الحقيقةِ إمالةُ القلبِ من الباطلِ إلى الحقِّ، وذلك من خصائص قدرة الحقِّ - سبحانه - وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق - توسُّعاً، وذلك جائزٌ بل واجبٌ في صفته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. ويقال: لَكَ شَرَفُ النبوَّةِ، ومنزلةُ الرسالةِ، وجمالُ السفارةِ، والمقامُ المحمودُ، والحوض المورود، وأنت سيد ولد آدم.. ولكنك لا تهدي من أحببت؛ فخصائصُ الربوبيةِ لا تصلح لِمَنْ وَصْفُه البشرية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الهداية مقرونة بارادة الازل ولو كان ارادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فى حق ابى طالب مقرونة بارادة الازل لكان مهتديا ولكن كان محبته وارادته فى حقه من جهتا القرابة الا ترى انه اذا قال اللهم اعز الاسلام بعمر كيف اجابه قال ابن عطا انك لا تسال الهداية لمت تحبه طبعا وانما تسال الهداية لمن تحبه فتكون محبتك له حقيقة لانك لا تحب على الحقيقة الا من تحبه حاشا لنبينا المخالفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {انك} يامحمد {لاتهدى} هداية موصلة الى المقصد لا محالة {من احببت} من الناس ولا تقدر ان تدخله فى الاسلام وان بذلت فيه غاية الطاقة وسعيت كل السعى {ولكن الله يهدى من يشاء} فيدخله فى الاسلام {وهو اعلم بالمهتدين} بالمستعدين للهداية فلا يهدى الا المستعد لها شعر : هدايت هر كرا داد از بدايت بدو همراه باشد تانهايت تفسير : والجمهور على ان الآية نزلت فى ابى طالب بن عبدالمطلب عم رسول الله عليه السلام فيكون هو المراد بمن احببت ـ حديث : روى ـ انه لما احتضر جاءه رسول الله وكان حريصا على ايمانه وقال "اى عم قل لا اله الا الله كلمة احاج لك بها عند الله" قال ياابن اخى قد علمت انك لصادق ولكن اكره ان يقال خرع عند الموت تفسير : وهو بالخاء المعجمة والراء المهملة كعلم بمعنى ضعف وجبن ولولا ان يكون عليك وعلى بنى ابيك غضاضة بعدى اى ذلة ومنقصة لقلتها ولاقررت بها عينك عند الفراق لما ارى من شدة وجدك ونصيحتك ولكنى سوف اموت على ملة اشياخى عبدالمطلب وهاشم وعبد مناف ـ حديث : روى ـ ان ابا طالب لما ابى عن كلمة التوحيد قال له النبى صلى الله عليه وسلم "لاستغفرن لك مالم انه عنك" فانزل الله تعالى {ماكان للنبى والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى من بعد ماتبين لهم انهم اصحاب الجحيم} تفسير : وقد جاء فى بعض الروايات ان النبى صلى الله عليه وسلم لما عاد من حجة الوداع احيى الله له ابويه وعمه فآمنوا به كما سبق فى سورة التوبة وفى التأويلات النجمية الهداية فى الحقيقة فتح باب العبودية الى عالم الربوبية وذلك من خصائص قدرة الحق سبحانه لان لقلب العبد بابين باب الى النفس والجسد وهو مفتوح ابدا وباب الى الروح والحضرة وهو مغلوق لايفتحه الا الفتاح الذى بيده المفتاح كما قال لحبيبه عليه السلام {أية : انا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفرك لك الله ماتقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما}تفسير : الى الحضرة كما هداه ليلة المعراج الى قرب قاب قوسين او ادنى وقال فى حق المغلوقين اى ابواب قلوبهم {أية : ام على قلوب اقفالها}تفسير : وقال عليه السلام "حديث : قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء"تفسير : فان شاء اقامه وان شاء ازاغه فالنبى عليه السلام مع جلالة قدره لم يكن آمنا على قبله وكان يقول "حديث : يامقلب القلوب ثبت قلب عبدك على دينك وطاعتك"تفسير : والهداية عبارة عن تقليب القلب من الباطل وهو ماسوى الله الى الحق وهو الحضرة فليس هذا من شأن غيرالله انتهى. وفى عرائس البيان الهداية مقرونة بارادة الازل ولو كانت ارادة نبينا عليه السلام فى حق ابى طالب مقرونة بارادة الازل لكان مهتديا ولكن كان محبته وارادته فى حقه من جهة القرابة ألا ترى انه اذ قال "حديث : اللهم اعز الاسلام بعمر"تفسير : كيف اجابه انتهى. وفى كشف الاسرار {انك لاتهدى من احببت} [ماآنراكه خواهيم درمفازه تحير همى رانيم وآنراكه خواهيم بسلسله قهر همى كشيم. مادر ازل ازال تاج سعادت برسر اهل دولت نهاديم واين موكب فروكفتيم كه "هؤلاء فى الجنة ولاابالى" ورقم شقاوت برناصيه كروهى كشيديم واين مقرعة برزديم كه "هؤلاء فى النار ولا ابالى" اى جوانمرد هيج صفت در صفات خداى تعالى از صفت لاابالى دردناك ترينست آنجه صديق اكبر كفت "ليتنى كنت شجرة تعضد" ازدرد اين حديث بود نيكى سخن كه آن بير طريقت كفت كار نه آن دادكه كسى كسل آيد واز كسى عمل كار آن داردكه تاشايسته كه آمد درازل آن مهتر مهجوران كه اورا ابليس كويند جندين سياه دركاه عمل بود مقراضى وديبا همى ديدند واز كاركاه ازل اورا خود كليم سياه آمدكه] {أية : وكان من الكافرين}:تفسير : قال الحافظ شعر : باب زمزم وكوثر سفيد نتوان كرد كليم بخت كسى راكه بافتند سياه تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : كرت صورت حال بد يانكوست نكريده دست تقدير اوست قضا كشتى آنجا خواهد برد وكر ناخدا جامه برتن درد تفسير : وقال الصائب شعر : بااختيار حق نبود اختيار ما بانور آفتاب جه باشد شرارما
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إنك} يا محمد {لا تهدي من أحببتَ}، أي: لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل من قومك وغيرهم، يعني: أن خاصية الهداية خاصة بالربوبية، وخاصية الربوبية لا تكون لمخلوق، ولو كان أكمل الخلق. {ولكنَّ الله يهدي من يشاء}؛ يخلق الهداية في قلب من يشاء، {وهو أعلم بالمهتدين}؛ بمن يختار هدايته ويقبلها. قال الزجاج: اجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدقوا محمداً تُفلحوا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عَمّ تأمُرُهُم بالنَّصِيحة لأنفسهم وتَدعُها لنفسك!"تفسير : فقال: ما تريد يا ابن أخي؟ فقال: "حديث : أُريدُ منك أن تقُول: لا إله إلا الله، أشْهَدُ لك بها عِنْدَ اللهِ"تفسير : . فقال: يا ابن أخي؛ أنا قد علمت أنك صادق، ولكن أكره أن يقال جزع عند الموت. هـ. وفي رواية قال: (لولا أن تُعيرني نساء قريش، ويقلن: إنه حملني على ذلك الجزع، لأقررتُ بها عينك). وفي لفظ آخر عند البخاري: قال له: "حديث : يا عم، قُل: لا إله إلا الله، أُحاجُّ لك بها عند الله"تفسير : . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب، فنزلت الآية. وفيها دليل على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الله الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدلت الآية على أن وراء البيان ما يسمى هداية؛ وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة على الاهتداء. وبالله التوفيق. الإشارة: الآية ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل هي عامة لكل من يريد الهداية لأحد من خاصته، كتب شيخ أشياخنا، سيدي "أحمد بن عبد الله"، إلى شيخه، سيدي "أحمد بن سعيد الهبري"؛ يشكو له ابنه؛ حيث لم ير منه ما تقر به عينه، فكتب إليه: أخبرني: ما الذي بَنَيْتَ فيه؟ دع الدار لبانيها، إن شاء هدمها وإن شاء بناها. هـ. وفي اللباب - بعد كلام -: قد رضي الله على أقوام في الأزل، فاستعلمهم في أسباب الرضا من غير سبب، وسَخِطَ على أقوام في الأزل، فاستعملهم في أسباب السَّخَطِ بلا سبب. {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الأنعام: 125] الآية. وهذه الآية تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: {إنك لا تَهْدي من أحببت}، والحكم عام في كل أحد، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأتم الفضائل وأعلى الوسائل، حتى لم يُسْبَقْ لفضيلة، ولم يَحْتَجْ لوسيلة، وليس في ذلك نظر، بل سابقة السعادة أيدته، والخصوصية قرَّبته، ولو كان له في التقدير نظر ما مُنع من الشفاعة في عمه أبي طالب، ومن الاستغفار لأبيه. ولو كانت الهداية بيد آدم لهدى قابيل، ولو كانت بيد نوح لهدى ولده كنعان، أو بيد إبراهيم لهدى أباه آزر، أو بيد محمد صلى الله عليه وسلم لأنقذ عمه أبا طالب، جذبت العنايةُ سلمان من فارس، وصاحت على بلال من الحبشة، وأبو طالب على الباب ممنوع من الدخول. سبحان من أعطى ومنع، وضر ونفع. هـ. ولما دعى صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، تعلّلوا بعلل واهية، كما قال تعالى: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة ورويس {يجبى} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابو عمرو إلا السوسي {يعقلون} بالياء. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {إنك} يا محمد {لا تهدي من أحببت} هدايته. وقيل: معناه من احببته لقرابته. والمراد بالهداية - ها هنا - اللطف الذي يحتاج اليه ليختار عنده الايمان، وذلك لا يقدر عليه غير الله لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو باعلامه، لأنه لا يعلم، ما يصلح العبد في دينه إلا الله تعالى، فاذا دبر الامور على ما فيه صلاحه كان لاطفاً له، وهذا التدبير لا يتأتى من أحد سوى الله تعالى، فلذلك نفى الله ذلك عن نبيه، ويؤيد ما قلناه قوله {وهو أعلم بالمهتدين} ومعناه هو أعلم بمن يهتدي باللطف ممن لا يهتدي، فهو تعالى يدبر الأمور على ما يعلم من صلاح العباد، على التفصيل من غير تعليم. وهذه الآية نزلت لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرص على إيمان قومه ويؤثر أن يؤمنوا كلهم، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته، وخاصة أقاربه. فقال الله تعالى له: إنك لا تقدر على ذلك، وليس في مقدورك ما تلطف بهم في الايمان ذلك بل في مقدور الله يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند شيء فعله بهم فلا ينفع حرصك على ذلك. وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب. وعن ابي عبد الله وابي جعفر إن أبا طالب كان مسلماً وعليه اجماع الامامية، لا يختلفون فيه، ولهم على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها. ثم قال تعالى حاكياً عن الكفار انهم قالوا: إن نتبع محمداً وما يدعونا اليه ونقول انه هدى وموصل إلى الحق {نتخطف من أرضنا} وقيل: انها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف، فانه قال للنبي صلى الله عليه وآله انا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الذي معك، ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة، ولا طاقة لنا بالعرب فقال الله تعالى {أو لم نمكن لهم حرماً آمنا} فالتخطف اخذ الشيء على الاستلاب من كل وجه: تخطف تخطفاً واختطف اختطافاً وخطفه يخطفه خطفاً قال امرؤ القيس: شعر : نخطف خزان الشربة بالضحى وقد حجرت منها ثعالب أورال تفسير : فقال الله تعالى لهم {أولم نمكن لهم حرماً آمنا} وقيل في وجه جعله الحرم آمناً وجهان: احدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون إليه بترك النفور مما ينفر عنه في غيره كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم. والوجه الآخر - بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من يدخله ويلوذ به، ولا يتعرض له، وفائدة الآية إنا جعلنا الحرم آمنا لحرمة البيت مع أنهم كفار يعبدون الأصنام حتى أمنوا على نفوسهم وأموالهم، فلو آمنوا لكان أحرى بأن يؤمنهم الله، وأولى بأن يمكنهم من مراداتهم. وقوله {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي يجلب إلى هذا الذي جعلناه حرماً ثمرات كل شيء. فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الثمرات. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي. وقوله {رزقاً من لدنا} نصب على المصدر، وتقديره رزقاً رزقناه من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما أنعمنا به عليهم. ثم قال {وكم أهلكنا من قرية} اي من أهل قرية استحقوا العقاب {بطرت معيشتها} قال الفراء: معناه أبطرتها معيشتها، كقولهم ابطرك مالك، فذكرت المعيشة، لان الفعل كان لها في الأصل فحول إلى ما أضيفت اليه فنصبت كما قال {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} تفسير : فالبطر والاشر واحد، وهو شق العصا بتضييع حق نعم الله، والطغيان فيها بجحدها، والكفر بها. ثم اخبر تعالى فقال {فتلك مساكنهم} يعني مساكن الذين أهلكهم الله {لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} من الزمان. ثم هلكوا وورث الله تعالى مساكنهم لانه لم يبق منهم احد. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {وما كان ربك} يا محمد {مهلك القرى، حتى يبعث في أمها رسولا} وقيل في معنى {أمها} قولان: احدهما - في أم القرى، وهي مكة. والآخر في معظم القرى في سائر الدنيا {يتلو عليهم آياتنا} اي يقرأ عليهم حجج الله وبيناته {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} لنفوسهم بارتكاب المعاصي، وكفران نعمه. ثم خاطب خلقه فقال {وما أوتيتم من شيء} اي ما اعطيتم من شيء {فمتاع الحياة الدنيا} اي هو شيء تنتفعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون فيها {وما عند الله} من الثواب ونعيم الجنة {خير وأبقى} من هذه النعم، لانها باقية، وهذه فانية {أفلا تعقلون} ذلك وتتفكرون فيه. وقوله {ثمرات كل شيء} قيل: ان (كل) ها هنا البعض، لانا نعلم انه ليس يجبى إلى مكة كثير من الثمرات. وقال قوم: ظاهر ذلك يقتضى انه يجبى اليه جميع الثمرات إما رطباً او يابساً، ولا مانع يمنع منه. ومن قرأ {تعقلون} بالتاء فلقوله {وما أوتيتم} ومن قرأ بالياء فتقديره {أفلا يعقلون} يا محمد.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} هدايته او من كان محبوباً لك فكيف بغيره والجملة جواب سؤالٍ ناشٍ من سابقه كأنّه (ص) قال: هل يكون هداية هؤلاء بسعيى وانا اهديهم؟- او قال (ص): هل ابالغ فى هداية ارحامى واحبابى؟- او جواب لسؤاله (ص) وجهده فى هداية ارحامه خصوصاً على ما نقل من العامّة انّه نزل فى ابى طالب (ع) ومبالغة محمّدٍ (ص) فى ايمانه وعدم قبوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته او من كان محبوباً له {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} اى المستحقّين للهداية وانت لا تعلمهم، او لست اعلم منه بهم او هو اعلم بمن اتّصف بالهدى حقيقةً وبمن قبل رسالتك عارية. فى اسلام ابى طالب (ع) اعلم، انّه نقل بطريق العامّة انّ الآية نزلت فى ابى طالب (ع) وذكروا اخباراً عديدة فى حقّه مشعرة بذمّه وعدم اسلامه وذكر بعض الخاصّة ايضاً بعضاً من اخبارهم الّتى لا يليق بشأنه فانّ جلالة شأنه (ع) اجلّ وامنع من ان يبلغها عقول الرّجال فكيف بأصحاب البحث والجدال وارباب الظّن والخيال لانّه كما استفيد من الاخبار انور نوراً وافخم قدراً بعد الانوار الاربعة عشر من جميع الانبياء والاولياء (ع) وانّه كان مستودعاً لودائع الوصاية من جميع الانبياء والاولياء(ع) الّتى ينبغى ان تسلّم الى محمّد (ص) الّذى كان خاتم كلّ الانبياء (ع) وحامل ودائعه ينبغى ان يكون سنخاً له، وفى مرتبة الّشرافة مناسباً له، وانّه كان مربيّاً لمحمّد (ص) من اوّل صباه بل كان مرضعاً له من ثدى نفسه مدّة وانّه اخبر كثيراً قبل ولادته وبعدها بولادته ونبوّته وشرافته وانّه كان من اوصياء عيسى (ع) وانّ كلّ الاوصياء ينبغى ان يكونوا راجعين اليه وآخذين منه. روى فى الكتب المعتبرة عن الكاظم (ع) انّه سئل: اكان رسول الله (ص) محجوباً بابى طالبٍ (ع)؟- فقال: لا؛ ولكنّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها اليه، قيل: فدفع اليه الوصايا على انّه محجوج به؟- فقال: لو كان محجوجاً به ما دفع اليه الوصيّة، قيل: فما كان حال ابى طالب (ع)؟- قال: اقرّ بالنّبىّ (ص) وبما جاء به ودفع اليه الوصايا ومات من يومه، ولو لم يكن فى حقّه (ع) سوى هذا الخبر لكفى فى الدّلالة على جلالة شأنه وفخامة قدره لدلالة على انّه كان مستودعاً للوصايا الّتى ينبغى ان تدفع الى محمّد (ص)، وانّه كان ادّاها اليه ومات من يومه، وروى انّ امير المؤمنين (ع) كان ذات يوم جالساً بالرّحبة والنّاس مجتمعون اليه فقام اليه رجل فقال: يا امير المؤمنين (ع) انّك بالمكان الّذى انزل الله به وابوك يعذّب بالنّار...! فقال له: مه، فضّ الله فاك والّذى بعث محمّداً (ص) بالحقّ نبيّاً لو شفع ابى فى كلّ مذنبٍ على وجه الارض لشفّعه الله تعالى فيهم، لابى يعذّب بالنّار وابنه قسيم النّار؟- ثمّ قال: والّذى بعث محمّداً (ص) بالحقّ انّ نور ابى طالب (ع) يوم القيامة ليطفئ انوار الخلق الاّ خمسة انوارٍ؛ نور محمّدٍ (ص) ونورى ونور فاطمة (ع) ونور الحسن ونور الحسين (ع) ومن ولّده من الائمّة (ع) لانّ نوره من نورنا الّذى خلقه الله عزّ وجلّ من قبل خلق آدم (ع) بألفى عامٍ.
الأعقم
تفسير : {إنك لا تهدي من أحببت} أي لا تقدر أن تدخل في الاسلام كل من أحببت {ولكن الله يهدي من يشاء} لأن الالطاف تنفع فيه، والآية نزلت في أبي طالب الذي ذكره في الكشاف أنه مات كافر واحتج بالآية، والذي روي في الحاكم أنه أسلم وفي إسلامه إجماع أهل البيت وهم أعلم بأحواله، وكان لأبي طالب عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيادي مشكورة عند الله تعالى، وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه فأسلم ذكره في الحاكم {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا نعلم إنما جئت به حق ولكنا نخاف ان اتبعناك تخطفنا العرب لاجتماعهم على اختلافنا ولا طاقة لنا بهم فنزلت، وقالوا يعني الكفار: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} أرض مكة والحرم {أولم نمكن لهم حرماً} من دخله كان آمناً، وكانت العرب يقولون أهل مكة آمنون {يجبى اليه} تجمع إليه من كل جهة {ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا} من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الإِسلام بالهدى {وكم أهلكنا من قرية} أي أهل قرية {بطرت معيشتها} أي أشرت وبطرت وكفرت بالله مثل عاد وثمود {فتلك مساكنهم} يعني من لم يصدقك فلينظر إلى آثارهم {لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} يعني لم يعمر منها إلا قليل وأكثرها خراب وهم المؤمنون الذين فارقوا البلد حتى عذب الكفار وسكنوها بعدهم {وكنا نحن الوارثين} يعني لم يبق منهم أحد {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً}، قيل: أم القرى مكة، وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء {يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} فلا نهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإِلزام ببعثة الرسل كما قال: {أية : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} تفسير : [هود: 117] {وما أوتيتم من شيء} أي ما أعطيتم من مال ونحوه في الدنيا فهو {متاع الحياة الدنيا} أي يتمتع بها ويتزين بها {وما عند الله} من الثواب {خير وأبقى} لأنه دائم لا يفنى {أفلا تعقلون} أي هلا تعلمون؟!
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. نزلت في أبي طالب حين راوده النبي عليه السلام على أن يقول: لا إله إلا الله فأبى. وقال مجاهد: قال له النبي عليه السلام: "حديث : قل كلمة الإِخلاص، وهي التوحيد" أُجادِلْ بها عنك يوم القيامة. فقال له: يا ابن أخي، قد علمت أنك صادق، وأنك لن تدعو إلا إلى خير، ولولا أن تكون عليك وعلى بنيك سبّة لأقررت بما عندك عند الفراق، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ . تفسير : قال: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي: من قدر عليه الهدى، ممن يقبل الهدى أو يجيب له.
اطفيش
تفسير : {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} لا تقدر على ادخال من أحببت من قومكم أو غيرهم في الاسلام. {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَآءَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهتَدِينَ} أي عالم بهم والمهتدون منا من له قدر الهدى فيقبله ويجيب اليه "حديث : قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب عند احتضاره: يا عم قل لا إِله إلا الله كلمة أشهد ـ روى ـ أحاج لك بها يوم القيامة فقال له: يا ابن أَخي لقد علمت أَنك صادق وأَنك تدعو إِلى خير ولولا أن تعيرني قريش يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، وأنشد الأبيات المشهورة التي منها: * ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا * تفسير : ولكن على ملة الأشياخ يعني أموت على دين عبدالمطلب وعبدمناف وهاشم. ثم مات ونزلت الآية في ذلك قال الزجاج: أجمع المسملون انها نزلت في أبي طالب وذلك انه قال عند موته يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي صلى الله عليه سلم: "حديث : تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك "تفسير : قال: فما تريد يابن اخي؟ قال: "حديث : أريد منك كلمة واحدة فانك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله أشهد لك بها عند الله "تفسير : . فقال: ياابن اخي قد علمت انك لصادق ولكني أكره ان يقال جزع عند الموت ولولا ان تكون عليك وعلى بني ابيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ. ونزلت الآية وقال غير الزجاج أن نزولها في شأن أبي طالب غير متفق عليه بل قول الجمهور وقال أبو روق وفي قوله {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءَ} اشارة الى العباس.
اطفيش
تفسير : {إنَّك لا تَهْدى} الى التوحيد هداية إبلاغ لا قدرة لك، والمقام لهذا، وليس المراد أنك لا تهدى الى الوفاء بدين الله {مَنْ أحْبَبْت} من أحببته لقرابة ونفع، أو لاحدهما للطبع، أو من أحببت هدايته، ولكن تهدى هدى بيان وإرشاد للناس اتبعوك أو عصوك {ولكنَّ اللهَ يَهْدى} الى التوحيد أو إليه والى العمل بمقتضاه {مَنْ يشاء} هدايته لذلك {وهُو أعْلم} عالم، وأما غيره فلا يعلم إلا بإعلام الله عز وجل {بالمُهْتدين} بمن تأهل للاهتداء، أو بمن استعد له، والآية إما تسلية له صلى الله عليه وسلم على جزنه لتكذيب قومه إياه، أو عتاب على مبالغته فى أن يؤثر فى قومه كقوله تعالى: "لعلك باخع نفسك" أو تسلية وعتاب معاً. روى مسلم والترمذى وغيرهما، عن أبى هريرة: لما حضرت وفاة أبى طالب أتاه النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا عماه قل لا إله إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة عند الله"تفسير : فقال: لولا أن تعيرنى قريش يقولون ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: {إنك لا تهدى من أحببت} ومثله للبخارى ومسلم، عن سعيد ابن المسيب، عن أبيه، وكذا روى عن ابن عباس، وقد اختلف فى إسلامه، وإنما اقتصر على لا إله إلا الله، ولم يذكر محمد رسول الله، لأنه يأمرهم بلا إله إلا الله، على أنه أرسله الله به، فاذا قالها على ذلك فقد أقر برسالته وقد اختلفوا فيمن اعتقد ولم يقرأ هو مؤمن عند الله.
الالوسي
تفسير : {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى } هداية موصلة إلى / البغية لا محالة {مَنْ أَحْبَبْتَ } أي كل من أحبيته طبعاً من الناس قومك وغيرهم ولا تقدر أن تدخله في الإسلام وإن بذلت فيه غاية المجهود وجاوزت في السعي كل حد معهود، وقيل: من أحببت هدايته. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } هدايته فيدخله في الإسلام {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء سبحانه هدايتهم ومنهم الذي ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب، وأفعل للمبالغة في علمه تعالى. وقيل: يجوز أن يكون على ظاهره، وأفاد كلام بعضهم أن المراد أنه تعالى أعلم بالمهتدي دون غيره عز وجل، وحيث قرنت هداية الله تعالى بعلمه سبحانه بالمهتدي وأنه جل وعلا العالم به دون غيره دل على أن المراد بالمهتدي المستعد دون المتصف بالفعل فيلزم أن تكون هدايته إياه بمعنى القدرة عليها، وحيث كانت هدايته تعالى لذلك بهذا المعنى، وجيء بلكن متوسطة بينها وبين الهداية المنفية عنه صلى الله عليه وسلم لزم أن تكون تلك الهداية أيضاً بمعنى القدرة عليها لتقع (لكن) في موضعها، ولذا قيل: المعنى إنك لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ولكن الله تعالى يقدر على أن يدخل من يشاء إدخاله وهو الذي علم سبحانه أنه غير مطبوع على قلبه، وللبحث فيه مجال. وظاهر عبارة «الكشاف» حمل نفي الهداية في قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } على نفي القدرة على الإدخال في الإسلام وإثباتها في قوله سبحانه: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } على وقوع الإدخال في الإسلام بالفعل، وهذا ما اعتمدناه في تفسير الآية، ووجهه أن مساق الآية لتسليته صلى الله عليه وسلم حيث لم ينجع في قومه الذين يحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص إنذاره عليه الصلاة والسلام إياهم وما جاء به إليهم من الحق بل أصروا على ما هم عليه، وقالوا: {أية : لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 48] ثم كفروا به وبموسى عليهما الصلاة والسلام فكانوا على عكس قوم هم أجانب عنه صلى الله عليه وسلم حيث آمنوا بما جاء به من الحق وقالوا: {أية : إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ} تفسير : [القصص: 53] ثم صرحوا بتقادم إيمانهم به وأشاروا بذلك إلى إيمانهم بنبيهم وبما جاءهم به أيضاً فلو لم يحمل {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} على نفي القدرة على إدخال من أحبه عليه الصلاة والسلام في الإسلام بل حمل على نفي وقوع إدخاله صلى الله عليه وسلم إياه فيه لبعد الكلام عن التسلية وقرب إلى العتاب فإنه على طرز قولك لمن له أحباب لا ينفعهم إنك لا تنفع أحبابك وهو إذ لم يؤول بإنك لا تقدر على نفع أحبابك فإنما يقال على سبيل العتاب أو التوبيخ أو نحوه دون سبيل التسلية، ولما كان لهدايته تعالى أولئك الذين أوتوا الكتاب مدخلاً فيما يستدعي التسلية كان المناسب إبقاء {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } على ظاهره من وقوع الهداية بالفعل دون القدرة على الهداية وإثبات ذلك له تعالى فرع إثبات القدرة ففي إثباته إثباتها لا محالة فيصادف الاستدراك المحز، وحمل المهتدين على المستعدين للهداية لا يستدعي حمل يهدي على يقدر على الهداية فما ذكر من اللزوم ممنوع؛ ويجوز أن يراد بالمهتدين المتصفون بالهداية بالفعل، والمراد بعلمه تعالى بهم مجازاته سبحانه على اهتدائهم فكأنه قيل: وهو تعالى أعلم بالمهتدين كأولئك الذين ذكروا من أهل الكتاب فيجازيهم على اهتدائهم بأجر أو بأجرين فتأمل. والآية على ما نطقت به كثير من الأخبار نزلت في أبـي طالب. أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» حديث : عن أبـي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبـي طالب أتاه النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عماه قل لا إله إلا الله / أشهد لك بها عند الله يوم القيامة فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } الآية. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وغيرهم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه نحو ذلك، وأخرج أبو سهل السري بن سهل من طريق عبد القدوس عن أبـي صالح عن ابن عباس أنه قال: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } الخ نزلت في أبـي طالب أَلَحَّ [عليه] النبـي صلى الله عليه وسلم أن يسلم فأبـى فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد روى نزولها فيه عنه أيضاً ابن مردويه. ومسألة إسلامه خلافية، وحكاية إجماع المسلمين أو المفسرين على أن الآية نزلت فيه لا تصح فقد ذهب الشيعة وغير واحد من مفسريهم إلى إسلامه وادعوا إجماع أئمة أهل البيت على ذلك وإن أكثر قصائده تشهد له بذلك؛ وكأن من يدعي إجماع المسلمين لا يعتد بخلاف الشيعة ولا يعول على رواياتهم، ثم إنه على القول بعدم إسلامه لا ينبغي سبه والتكلم فيه بفضول الكلام فإن ذلك مما يتأذى به العلويون بل لا يبعد أن يكون مما يتأذى به النبـي عليه الصلاة والسلام الذي نطقت الآية بناءاً على هذه الروايات بحبه إياه، والاحتياط لا يخفى على ذي فهم:شعر : ولأجل عين ألف عين تكرم
ابن عاشور
تفسير : لما ذكر معاذير المشركين وكفرهم بالقرآن، وأعلم رسوله أنهم يتبعون أهواءهم وأنهم مجردون عن هدى الله، ثم أثنى على فريق من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، وكان ذلك يحزن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض قريش وهم أخص الناس به عن دعوته أقبل الله على خطاب نبيئه صلى الله عليه وسلم بما يسلي نفسه ويزيل كمده بأن ذكّره بأن الهدى بيد الله. وهو كناية عن الأمر بالتفويض في ذلك إلى الله تعالى. والجملة استئناف ابتدائي. وافتتاحها بحرف التوكيد اهتمام باستدعاء إقبال النبي عليه السلام على علم ما تضمنته على نحو ما قررناه آنفاً في قوله {أية : فاعلم أنما يتبعون أهواءهم}تفسير : [القصص: 50]. ومفعول {أحببت} محذوف دل عليه {لا تهدي}. والتقدير: من أحببت هديه أو اهتداءه. وما صدق {من} الموصولة كل من دعاه النبي إلى الإسلام فإنه يحب اهتداءه. وقد تضافرت الروايات على أن من أول المراد بذلك أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اغتم لموته على غير الإسلام كما في الأحاديث الصحيحة. قال الزجاج: أجمع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب. وقال الطبري: وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان بالله وحده. قال القرطبي: وهو نص حديث البخاري ومسلم وقد تقدم ذلك في براءة. وهذا من العام النازل على سبب خاص فيعمه وغيره وهو يقتضي أن تكون هذه السورة نزلت عقب موت أبي طالب وكانت وفاة أبي طالب سنة ثلاث قبل الهجرة، أو كان وضع هذه الآية عقب الآيات التي قبلها بتوقيف خاص. ومعنى {ولكن الله يهدي من يشاء} أنه يخلق من يشاء قابلاً للاهتداء في مدى معين وبعد دعوات محدودة حتى ينشرح صدره للإيمان فإذا تدبر ما خلقه الله عليه وحدده كثر في علمه وإرادته جعل منه الاهتداء، فالمراد الهداية بالفعل. وأما قوله تعالى {أية : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}تفسير : [الشورى: 52] فهي الهداية بالدعوة والإرشاد فاختلف الإطلاقان. ومفعول فعل المشيئة محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي من يشاء اهتداءه، والمشيئة تعرف بحصول الاهتداء وتتوقف على ما سبق من علمه وتقديره. وفي قوله {وهو أعلم بالمهتدين} إيماء إلى ذلك، أي هو أعلم من كل أحد بالمهتدين في أحوالهم ومقادير استعدادهم على حسب ما تهيأت إليه فطرهم من صحيح النظر وقبول الخير واتقاء العاقبة والانفعال لما يلقى إليها من الدعوة ودلائلها. ولكل ذلك حال ومدى ولكليهما أسباب تكوينية في الشخص وأسلافه وأسباب نمائه أو ضعفه من الكيان والوسط والعصر والتعقل.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يهدي من أحب هدايته، ولكنه جل وعلا هو الذي يهدي من يشاء هداه، وهو أعلم بالمهتدين. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [النحل: 37] الآية. وقوله: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [المائدة: 41] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [النجم: 30] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تفسير : [الأنعام: 117] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد أوضحنا سابقاً أن الهدى المنفى عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى هنا: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} هو هدى التوفيق، لأن التوفيق بيد الله وحده، وأن الهدى المثبت له صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] هو هدى الدلالة على الحق والإرشاد إليه، ونزول قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} في أبي طالب مشهور معروف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنك لا تهدي من أحببت: أي هدايته كأبي طالب بأن يسلم ويحسن إسلامه. وقالوا: أي مشركو قريش. إن نتبع الهدى معك: أي إن نتبعك على ما جئت به وندعو إليه وهو الإِسلام. نتخطف من أرضنا: أي تتجرأ علينا قبائل العرب ويأخذوننا. يجبى إليها ثمرات كل شيء: أي يحمل ويساق إليه ثمرات كل شيء من كل ناحية. رزقاً من لدنا: أي رزقاً لكم من عندنا يا أهل الحرم بمكة. بطرت معيشتها: أي كفرت نعمة الله عليها فأسرفت في الذنوب وطغت في المعاصي. يبعث في أمها رسولاً: أي في أعظم مدنها. وهي العاصمة. إلا وأهلها ظالمون: بالتكذيب للرسول والإِصرار على الشرك والمعاصي. معنى الآيات: قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي...بِٱلْمُهْتَدِينَ} هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في إِسلامه لما له من سالفة في الوقوف إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم يحميه ويدافع عنه فلما حضرته الوفاة زاره النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الشهادتين فكان يقول له: حديث : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة تفسير : وكان حوله عواده من كفار قريش، ومشائخها فكانوا ينهونه عن ذلك حتى قالوا له: أترغب عن دين أبائك؟ أترغب عن ملة عبد المطلب أبيك حتى قال هو على ملة عبد المطلب ومات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عن ذلك تفسير : فنهاه الله فلم يستغفر له بعد ونزلت هذه الآية كالعزاء له صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} هدايته يا نبينا {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته لعلمه أنه يطلب الهداية ولا يرغب عنها كما رغب عنها أبو طالب وأبو لهب وغيرهما، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون. وقوله تعالى: {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} هذا اعتذار اعتذر به بعض رجالات قريش فقالوا نحن نعرف أن ما جئت به حق ولكننا نخشى إن آمنا بك واتبعناك يتألب علينا العرب ويرموننا عن قوس واحدة ونصبح نتخطف من قبل المغيرين كما هو حاصل لغيرنا، وبذلك نحرم هذا الأمن والرخاء وتسوء أحوالنا، لهذا نعتذر عن متابعتك فيما جئت به وأنت تدعو إليه من الكفر بآلهتنا وهدمها والتخلي عنها. فقال تعالى في الرد على هذا الاعتذار الساقط البارد {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي لم يوطئ لهم أرض بلد حرمناه فلا يسفك فيه دم، ولا يصاد فيه صيد، ولا يؤخذ فيه أحد بجزيرة، أليس هذا كافياً في أن يعلموا أن الذي جعل لهم حرماً آمناً قادر على أن يؤمنهم إذا آمنوا وأسلموا، ومن باب أوْلى. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فهذه علة إصرارهم على الشرك والكفر. إنها الجهل بالله تعالى وعظمته وعلمه وحكمته. ومعنى يجبى أو تجبى إليه ثمرات كل شيء أي يحمل إليه ويساق من أنحاء البلاد ثمرات كل شيء من أنواع الأرزاق وكان ذلك رزقاً منه تعالى لأهل الحرم. أفلا يشكرون. وقوله تعالى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي وكثيرا من أهل القرى أهلكناهم {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} لما بطروا عيشهم فلم يشكروا نعمة الله عليهم فأسرفوا في الظلم والمعاصي فأهلكناهم {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ} أي ديارهم {لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} كديار عاد وثمود والمؤتفكات. {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} لها، فلم نورثها غيرهم وتركناها خاوية خالية لم تسكن. أما يذكرون هذا فيعلموا بذلك قدرتنا فيتقوا فينا ويتوكلوا علينا ويؤمنوا ويوحدوا ويستقيموا على منهج الحق الذي جئت يا رسولنا به. وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ} يا أيها الرسول {مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} أي أهل المدن والحواضر {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً} كما بعثك في أم القرى مكة {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي لم يكن من سنة الله تعالى هذا بل لا يهلك أمة حتى يبعث في أم بلادها رسولاً يتلو عليهم آيات الله المبينة للحق من الباطل والخير من الشر وجزاء ذلك قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} أي ولم يكن من سنة الله تعالى في عبادة أن يهلك القرى إلا بعد ظلم أهلها. فللإِ هلاك شرطان: الأول: أن يبعث الرسول يتلو آياته فيكذب ويكفر به وبما جاء به. والثاني: أن يظلم أهل القرى ويعتدوا وذلك بإظهار الباطل والمنكر وإشاعة الشر والفساد في البلاد وهذا من عدل الله تعالى ورحمته بعباده إنه لأرحم بهم من أنفسهم، وكيف ومن أسمائه وصفاته الرحمن الرحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ لا هادي إلا الله. الهداية المنفية هي إنارة قلب العبد وتوفيق العبد للإِيمان وعمل الصالحات، وترك الشرك والمعاصي. والهداية المثبتة، يقول الله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. تلك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد، ومنه {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7] أي يدعوهم إلى الهدى. 2- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فيما ألقاه في قلوب العرب المشركين الجاهلين من تعظيم الحرم وأهله ليهيئ بذلك لسكان حرمه أمناً وعيشاً كما قال تعالى {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 2-4]. 3- من رحمة الله وعدله أن لا يهلك أمة من الأمم إلا إذا توفر لهلاكها شرطان: 1- أن يبعث فيهم رسولاً يتلو عليهم آيات الله تحمل الهدى والنور. 2- أن يظلم أهلها بالتكذيب للرسول والكفر بما جاء به والإصرار على الكفر والمعاصي. 4- التاريخ يعيد نفسه كما يقولون فما اعتذر به المشركون عن قبول الإِسلام بحجة تألب العرب عليهم وتعطيل تجارتهم يعتذر به اليوم كثير من المسؤولين فعطلوا الحدود وجاروا الغرب في فصل الدين عن الدولة وأباحوا كبائر الاثم كالربا وشرب الخمور وترك الصلاة حتى لا يقال عنهم أنهم رجعيون متزمتون فيمنعوهم المعونات ويحاصرونهم اقتصادياً.
القطان
تفسير : نتخطف: نسلب بلدنا ونقتل. يُجبى اليه: يجلب اليه. بطِرت معيشتَها: بغت وتجبّرت وكفرت بالنعمة. أمها: اكبرها، عاصمتها. من المحضَرين: الذين يحشرون للحساب والجزاء. وقد تكرر هذا التعبير في القرآن: {أية : لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}تفسير : [الصافات:57]. {أية : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}تفسير : [الصافات:127]{أية : فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}تفسير : [الروم:16] [سبأ:38]. {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} يقرر جمهور المفسرين ان هذه الآية نزلت في ابي طالب، فقد ورد في الصحيحين أنها نزلت فيه. وروي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب. ففي الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيّب: حديث : لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدَ الله بن أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: يا عم، قل لا اله الا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله. فقال ابو جهل وعبد الله بن امية: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملّة عبد المطلب؟. فكان آخر ما قال: انه على ملة عبد المطلبتفسير : . وعند الشيعة الامامية الاجماع على ان ابا طالب مات مسلما، والله أعلم. ومعنى الآية: انك لا تستطيع هداية من أحببتَ من قومك او غيرهم، وانما عليك البلاغ، واللهُ يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}. ثم اخبر سبحانه عن اعتذار كفار قريش في عدم اتّباعهم الهدى فقال: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} وقال مشركو مكة: إننا نخشى إن اتبعناك على دينك وخالفنا من حولنا من العرب ان يقصدونا بالأذى، ويُجلونا عن ديارنا، ويغلبونا على سلطاننا. وقد رد الله عليهم مقالتهم فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إن ما اعتذرتم به غيرُ صحيح، فقد كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، افتخافون اذا عبدتموني وآمنتم بي؟ وقد تفضّل عليكم ربك وأطعمكم من كل الثمرات التي تُجلَب من فِجاج الارض. ولكن اكثرهم جهلةٌ لا يعلمون ما فيه خيرهم وسعادتهم. قراءات قرأ الجمهور: يُجبى بالياء وقرأ نافع: تُجبى بالتاء. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} وكثير من القرى أثرى أهلُها فبطِروا وأفسدوا في الأرض فخرّب الله ديارهم واصبحت خاوية لم يسكنها أحدٌ بعدهم الا فترات عابرةً للمارين بها، وورثها الله جل جلاله. ومثلُه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}تفسير : [هود:117]. ثم اخبر سبحانه عن عدله وانه لا يُهلك أحدا الا بعد الإنذار وقيام الحجّة بارسال الرسل فقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} ليست سنّة الله وعدله ان يُهلك القرى حتى يبعثَ في كُبراها رسولاً يتلو عيلهم الآياتِ ويدعوهم الى الله، ولا يمكن ان نهلك القرى والمدنَ الا اذا استمر أهلُها على الظلم والفساد والاعتداء. {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ وما أُعطيتم أيها الناس من أعراضِ الدنيا وزينتِها من الأموال والاولاد إلا مجرد متاعٍ محدود تتمتعون به في هذه الحياة، أما الذي عند الله فهو خيرٌ من ذلك وأبقى لأهل طاعته من ذلك كله. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أيها الناس وتتدبرون اموركم فتعرفون الخير من الشر!؟ قراءات قرأ ابو عمرو: يعقلون بالياء. والباقون: تعقلون بالتاء. {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}؟ هل يستوي المؤمن الذي وعدَه الله السعادةَ والنصر ثم يوم القيامة يدخله الجنة، مع الكافر الذي أعطاه الله الرزقَ الكثير وتمتّع في حياته، ثم هو يوم القيامة من المحضَرين للحساب والجزاء، الهالكين في النار!! انهما لا يستويان.
د. أسعد حومد
تفسير : (56) - يَقُولُ اللهُ تَعَالى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هِدَايَةَ مَنْ أَحْبَبْتَ أَنْتَ هِدَايَتَهُ، وَلَيسَ ذَلكَ إٍليكَ، وَإِنَّما أَنْتَ رَسُولٌ عَلَيكَ البَلاَغُ، واللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، واللهُ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتَدَى، وَبِمَنْ ضَلَّ سَواءَ السَّبيلِ. (وقيلَ إِنَّ هذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ في أَبي طَالِبٍ، فَحِينَما حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ أَتاهُ الرَّسُولُ وَقَالَ لَهُ: يَا عَمَّاهُ قُلْ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ لَوْلاَ أَنْ تُعيَّرَنِي قُرَيشٌ: يَقُولُونَ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلا جَزَعُهُ مِنَ المَوتِ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا خطاب لسيدنا رسول الله، خاصٌّ بدعوته لعمه أبي طالب الذي ظلَّ على دين قومه، ولكنه كان يحمي رسول الله حماية عصبية قربى وأهل، لا محبة في الإسلام، ولله تعالى حكمة في أنْ يظلَّ أبو طالب على الكفر؛ لأنه بذلك كسب قريشاً ونال احترامهم، حيث أعجبهم عدم إيمانه بمحمد وعدم مجاملته له، وأعجبهم أن يظل على دين الآباء، فاحترموا حمايته لابن أخيه، وهذا منع عن رسول الله إيذاءهم، وحمى الدعوة من كثير من الاعتداءات عليها. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أنْ يردَّ له هذا الجميل، وردُّ رسول الله للجميل لا يكون بعرَض من الدنيا، إنما بشيء باقٍ خالد، فلما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عم، قُلْ لا إله إلا الله كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة" تفسير : فقال: يا ابن أخي، لولا أن قريشاً تُعيِّرني بهذه الواقعة، ويقولون ما آمن إلا جزعاً من الموت لأقررت عينك بها. لكن يُروى أنه بعدما انتقل أبو طالب، جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، إن الكلمة التي طلبتَ من عمِّك أنْ يقولها قالها قبل أن يموت وأنا أشهد بها. ونلاحظ هنا دقة الأداء من العباس، حيث لم يقُلْ: إن هذه الكلمة لا إله إلا الله، بل سماها (الكلمة) لماذا؟ لأنه لم يكن قد أسلم بعد. وسبق أنْ تكلَّمنا في معنى الهداية {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ..} [القصص: 56] وقلنا: إنها تأتي بأحد معنيين: بمعنى الإرشاد والدلالة، وبمعنى المعونة لمن يؤمن بالدلالة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] أي: سمعوا الدلالة وأطاعوها، فزادهم الله هداية أخرى، هي هداية الإيمان والمعونة. يقول تعالى في هذه المسألة: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} تفسير : [فصلت: 17] يعني: دللناهم {أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]؛ لذلك حُرِموا هداية المعونة. إذن: الهداية المنفية عن سيدنا رسول الله {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ..} [القصص: 56] هي هداية المعونة والتوفيق للإيمان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع هداية الدلالة والإرشاد، وكان مما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الصف: 10]. فهداية الدلالة صدرت أولاً عن الله تعالى، ثم بالبلاغ من رسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الهداية في الهداية بقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] يشير إلى أن الهداية بقوله تعالى: {} [القصص: 56] يشير إلى أن الهداية في الحقيقة فتح باب العبودية إلى عالم الربوبية وذلك من خصائص قدرة الله تعالى لأن القلب العبد بابين" باب إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبداً وباب الروح في الحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده المفتاح. كما قال تعالى لحبيبيه ونبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ} تفسير : [الفتح: 1-2] أي بأن يهديك {أية : صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [الفتح: 2] إلى الحضرة كما هداه ليلة المعراج إلى أقرب أو أدنى وقال في حق المغلوق أبواب قلوبهم {أية : أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقبله كيف يشاء فإن يشاء أقامه وإن شاء أزاغه" تفسير : فالنبي صلى الله عليه وسلم مع جلال قدره لم يكن آمناً على قلبه وكان يقول: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلب عبدك على دينك وطاعتك" تفسير : والهداية عبارة عن تقليب القلب من الباطل وهو ما سوى الله إلى الحق وهو الحضرة فليس هذا من شأن غير الله كما قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] وهم الذين أصابهم رشاش النور المرسس على الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليه من نوره فمن أصابه ذلك النور قد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". تفسير : وبقوله: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} [القصص: 57] يشير إلى مقالة النفس وصفاتها تحت القلب لقالوا اتبعنا هدى الله معك نتخطف بجذبات الألوهية من أرضنا أرض الأنانية قال الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} [القصص: 57] في الهوية {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] أي حقائق كل ثمرة روحانية وجسمانية ولذائذ كل شهوة راجعة إليه إذ هي صارت منه وفي حقيقة لذائذه وإليه يعود {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} [القصص: 57] لا من لجن المخلوقات {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} [القصص: 57] أن أكثر الخلق {لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] كمالية ذوق الرزق اللدني كما لا يعلمون أكثر العلماء دون العلم اللدني؛ لأنهم لم يذوقوه ومن يذق لا يدري. ثم أخبر عن هلاك البشر في دعوى البطر بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ} [القصص: 58]، فيه الإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] يشير إلى قلوب أفسد شعورها عيش النفوس البطرة المتنعمة {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ} [القصص: 58]، وهي الصدور {لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ} [القصص: 58] أي: من فساد حالهم ما يسكن فيها نور الإسلام {إِلاَّ قَلِيلاً} [القصص: 58] من نور الإسلام إلى الحضرة لعدم استعداده لقبول الأنوار بأن يرجع نور الإسلام إلى الحضرة لعدم استعداده لقبول الأنوار {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} [القصص: 59] أي قرى القلوب {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} [القصص: 59] أي روحها فإن القلب من سر تلك الروح {رَسُولاً} [القصص: 59] أي: ورده من نفحات الحق صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: "ألا إن في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها" {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي: تصل روائح النفحات إلى سويداء القلبو هواء حب الدنيا وضيم شهواتها فأعرضت عن نفحة الحق وتعرضت لنفحات الشيطان وهو حبس النفس، فأدركتها الغيرة الإلهية وأهلكتها نفحة الحق تعالى المتعرض لنفحة الشيطان الرجيم وذلك معنى قوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]، وبقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم} [القصص: 59] يا أرباب القلوب المهلكة والنفوس المتمردة أي: وما أوتيتم من مستلذات النفس وشهوات الدنيا {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [القصص: 59] أي هي فانية موجبة لعذاب الأبد {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [القصص: 59] كما قال: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ، {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [القصص: 60] لكم وهو موجب لسعادة الأبد {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] لكي لا يؤثر السعادة الأبدية على الشقاوة الأبدية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنك يا محمد -وغيرك من باب أولى- لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد اللّه سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله. وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } تفسير : فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا. ولهذا، لو كان قادرا عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد اللّه تعالى.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [56] 403 - انا محمدُ بن عبد الأعلى. نا محمدٌ - يعني: ابن ثورٍ - عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسيب، عن أبيه، قال: حديث : لَمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعندهُ أبو جهلٍ وعبدُ الله بن أبي أُميةَ فقال: "أي عَمِّ قُلْ: لا إله إلاَّ اللهُ؛ كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله" فقال له أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أُمية: يا أبا طالبٍ أترغبُ عن مِلَّةِ عبد المطلبِ؟! فلم يزالا يُكلِّمانِهِ حتى قال آخِرَ شيءٍ كلَّمهم: على مِلَّة عبد المطلب، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك" فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] ونزلت {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} . تفسير : 404 - أنا الحسنُ بن محمدٍ، حدَّثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، عن أبي سعيد بن رافعٍ أنهُ قال لاِبنِ عُمر: أفي أبي طالبٍ نزلت {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} قال: نعم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):