٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} هذا قول مشركي مكة. قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن قولك حقّ، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا ـ يعني مكة ـ لاجتماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم. وكان هذا من تعللاتهم؛ فأجاب الله تعالى عما اعتلّ به فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} أي ذا أمن. وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمّنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوّهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم. والتخطف الانتزاع بسرعة؛ وقد تقدّم. قال يحيـى بن سَلام يقول: كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي يُجَمع إليه ثمراتُ كل أرض وبلد؛ عن ابن عباس وغيره. يقال: جبى الماء في الحوض أي جمعه. والجابية الحوض العظيم. وقرأ نافع: {تُجْبَى} بالتاء؛ لأجل الثمرات. الباقون بالياء؛ لقوله: {كُلِّ شَيْءٍ} واختاره أبو عبيد. قال: لأنه حال بين الاسم المؤنث وبين فعله حائل، وأيضاً فإن الثمرات جمع، وليس بتأنيث حقيقي. {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي من عندنا. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعقلون؛ أي هم غافلون عن الاستدلال، وأن من رزقهم وأمَّنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم. و{رِزْقاً} نصب على المفعول من أجله. ويجوز نصبه على المصدر بالمعنى؛ لأن معنى: {تُجْبَى} ترزق. وقرىء {يُجْنَى} بالنون من الجنا، وتعديته بإلى كقولك يجني إلى فيه ويجنى إلى الخافَة. قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} بيّن لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر؛ فكم من قوم كفروا ثم حلَّ بهم البوار، والبطر الطغيان بالنعمة؛ قاله الزجاج {مَعِيشَتَهَا} أي في معيشتها فلما حذف في تعدّى الفعل؛ قاله المازني. الزجاج كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً}تفسير : [الأعراف: 155]. الفرّاء: هو منصوب على التفسير. قال كما تقول: أبطرت مالك وبطرته. ونظيره عنده: {أية : إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة: 130] وكذا عنده. {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} تفسير : [النساء: 4] ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين؛ لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحداً نكرة يدلّ على الجنس. وقيل: انتصب بـ{ـبَطِرَتْ} ومعنى: {بَطِرَتْ} جهلت؛ فالمعنى: جهلت شكر معيشتها. {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها إلا قليلاً من المساكن وأكثرها خراب. والاستثناء يرجع إلى المساكن أي بعضها يسكن؛ قاله الزجاج. واعترض عليه؛ فقيل: لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال إلا قليل؛ لأنك تقول: القوم لم تضرب إلا قليل؛ ترفع إذا كان المضروب قليلاً، وإذا نصبت كان القليل صفة للضرب؛ أي لم تضرب إلا ضرباً قليلاً، فالمعنى إذاً: فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون ومن مرّ بالطريق يوماً أو بعض يوم، أي لم تُسْكن من بعدهم إلا سكوناً قليلاً. وكذا قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافر أو مارّ الطريق يوماً أو ساعة. {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} أي لما خلّفوا بعد هلاكهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي قومه {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } أي نُنْتَزَعْ منها بسرعة قال تعالى {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً} يأمنون فيه من الإِغارة والقتل الواقعَيْن من بعض العرب على بعض {يُجْبَىٰ} بالفوقانية والتحتانية {إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ } من كل أَوْب {رِزْقاً } لهم {مّن لَّدُنَّا } أي عندنا؟ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنّ ما نقوله حق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى} نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للرسول صلى الله عليه سلم إنا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك مخافة أن يتخطفنا العرب في أرضنا يعني مكة وإنما نحن أكلة رأس للعرب ولا طاقة لنا بهم. {ءَامِناً} بما طبعت عليه النفوس من السكون إليه حتى لا يفر الغزال من الذئب والحمام من الحدأ، أو أمر بأن يكون آمناً لمن دخله ولاذ به يقول كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري. أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. {يُجْبَى} يجمع {ثَمَرَاتُ كُلِّ} أرض وبلد {لا يَعْلَمُونَ} لا يعقلون، أو لا يتدبرون.
النسفي
تفسير : {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً } قالت قريش: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك أن يتخطفونا من أرضنا، فألقمهم الله الحجر بأنه مكن لهم في الحرم الذي أمنه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته، والثمرات تجبى إليه من كل أوب وهم كفرة، فأنّى يستقيم أن يعرضهم للتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام؟ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ } وبالتاء: مدني ويعقوب وسهل أي تجلب وتجمع {ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } معنى الكلية الكثرة كقوله {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء} تفسير : [النمل: 23] {رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } هو مصدر لأن معنى {يجبى إليه} يرزق أو مفعول له أو حال من الثمرات إن كان بمعنى مرزوق لتخصصها بالإضافة كما تنصب عن النكرة المتخصصة بالصفة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } متعلق بـــــ {من لدنا} أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة وقابلوها بالبطر فأهلكوا. و {كم} نصب بـــــ {أهلكنا} و{معيشتها} بحذف الجار وإيصال الفعل أي في معيشتها، والبطر سوء احتمال الغني وهو أن لا يحفظ حق الله فيه {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ } منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم {لَمْ تُسْكَن } حال والعامل فيها الإشارة {مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } من السكنى أي لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ } لتلك المساكن من ساكنيها أي لا يملك التصرف فيها غيرنا
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فأنزل الله تعالى {وقالوا إن نتبع الهدى معك...} الآية. وأخرج النسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أو لم نمكن لهم حرماً آمنا} قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا فإذا خرج أحدهم قال: إنا من أهل الحرم لم يعرض له أحد، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل وسلب. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً} قال: أو لم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه، ولا يخافون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {نتخطف} قال: كان بعضهم يغير على بعض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يجبى إليه ثمرات كل شيء} قال: ثمرات الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً} قال: في أوائلها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً} قال: أم القرى: مكة. بعث الله إليهم رسولاً محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} قال: قال الله لم نهلك قرية بايمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنوا لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا وظلموا فبذلك هلكوا.
القشيري
تفسير : قالوا نخاف الأعرابَ على أنفسنا إنْ صَدَّقْنَاكَ، وآمَنَّا بِكَ، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم فقال الله تعالى: "وكيف تخافونهم وترون اللَّهَ أظفركم على عدوِّكم، وحَكَمْنا بتعظيم بيتكم، وجعلنا مكةَ تُجْبَى إليها ثمراتُ كل شيءٍ من أقطار الدنيا"؟ ويقال من قام بحقِّ الله - سبحانه - سَخّر له الكونَ بجملته، ومَنْ اشتغل برعاية سِرِّه لله، وقام بحقِّ الله، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مُكِّنَ من التصرّف بهمته في مملكة الله؛ فالخَلْقَ مُسَخّرٌ له، والوقتُ طَوعُ أمرِه، والحقُّ - سبحانه - متولٍ أيامَه وأعماله يُحَقِّقُ ظنَّه، ولا يُضَيِّعُ حقّه. أمَّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله، ويتيه في مفازات خِزْيِهِ، ويبوء بوِزْرِ هواه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً} مهم بالحقيقة قلب محمد صلى الله عليه وسلم وهو كعبة القدس وحرم الانس وسرادق مجد تجلى جلاله وجماله يحيى اليه ثمرات جميع اشجار الذات والصفات من دخل ذلك الحرم بشرط المحبة والموافقة كان أمنا من أفات الكونين و العالمين وكان منظور الحق فى العالم وهكذا كل من دخل فى قلب ولى من اوليائه وقلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات من دفع عنه خاطر الوساوس والهواجس يحيى اليه من اشجار الانوار ثمرات الاسرار قال بعضهم من مكّن من رعاية سره وافتقاد ---- الزوائد من الله ودوام الفوائد ومن ضيّع اوقاته واهمل ساعاته فهو متردد فى ميادين الغفلة وساع فى مسالك الهلكة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من ارضنا} معنى اتباع الهدى معه الاقتداء به عليه السلام فى الدين والسلوك الى طريق الرشاد: وبالفارسية [وكفتند اكرما قبول كنيم اين بيغام آوردى وباين راه نمونى توبى بريم ودردين تو آييم باتو] او التخطف الاختلاس بسرعة نزلت فى الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف حيث اتى النبى عليه السلام فقال نحن نعلم انك على الحق شعر : قول توحق وسخن راستست وانجه ميفر مايى سبب دولت ماست تفسير : [درحيات ووسيله سعادت مابعد از وفات] وما كذبت كذبة قط فنتهمك اليوم ولكنا نخاف ان اتبعناك وخالفنا العرب ان يتخطفونا اى يأخذونا ويسلبونا ويقتلونا ويخرجونا من مكة والحرم لاجماعهم على خلافنا وهم كثيرون ونحن اكلة رأس اى قليلون لا نستطيع مقاومتهم فرد الله عليهم بقوله {أولم نمكن لهم حرما آمنا} اى ألم نعصمهم ونجعل مكانهم حرما ذا امن لحرمة البيت الذى فيه يتقاتل العرب حوله ويضير بعضهم بعضا وهم آمنون: يعنى [امن آن حرم درهمه طباع سرشته مرغ بامردم آشنا وازيشان ايمن وآهواز شبك ايمن وهر ترسنده كه درحرم باشد ايمن كشت جون عرب حرمت حرم دانند كجا درو قتل وغارت روا دارند] {يجبى اليه} يحمل الى ذلك الحرم ويجمع فيه من قولك جبيت الماء فى الحوض اى جمعته والحوض الجامع له جابية {ثمرات كل شىء} اى الوان الثمرات من جانب كمصر والشام واليمن والعراق لا ترى شرقى الفواكه ولاغربيها مجتمعة الا فى مكة لدعاء ابراهيم عليه السلام حيث قال {أية : وارزقهم من الثمرات}،تفسير : وقال الكاشفى: يعنى [منافع ازهر نوعى وغرايب ازهر ناحيتى بانجا آورند] ومعنى الكلية الكثرة والجملة صفة اخرى لحرما دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم بانقطاع الميرة وهو الطعام المجلوب من بلد الى بلد {رزقا من لدنا} من عندنا لامن عند المخلوقات فاذا كان حالهم هذا وهم عبدة الاصنام فكيف يخافون التخطف اذا ضموا الى حرمة البيت حرمة التوحيد: يقول الفقير شعر : حرم خاص الهست توحيد جمله را جاى بناهست توحيد باعث امن وامانست ايمان كان دلراشه راهست توحيد تفسير : وانتصاب رزقا على انه مصدر مؤكد لمعنى يجبى لان فيه معنى يرزق اى يرزقون رزقا من لدنا. وقال الكاشفى [وروزى داديم ايشانرا درين وادى غير ذى زرع وروزى دادنى از نزديك مابى منت غيرى] {ولكن اكثرهم لايعلمون} اى اكثر اهل مكة جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا ذلك. قال فى عرائس البيان حرمهم فى الحقيقة قلب محمد عليه السلام وهو كعبة القدس وحرم الانس يجبى اليه ثمرات جميع اشجار الذات والصفات من دخل ذلك الحرم بشرط المحبة والموافقة كان آمنا من آفات الكونين وكان منظور الحق فى العالمين وهكذا كل من دخل فى قلب ولى من اولياء الله: قال الحافظ شعر : كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مبادكس كه درين نكته شك وريب كند تفسير : وفى الآية اشارة الى خوف النفس من التخطف بجذبات الالوهية من ارض الانانية ولو كانت تابعة لحمد القلب لوجد فىحرم الهوية حقائق كل ثمرة روحانية وجسمانية ولذائذ كل شهوة ولكنها لا تعلم كمالية ذوق الرزق اللدنى كما لايعلم اكثر العلماء لانهم لم يذوقوه ومن لم يذق لايدرى: قال الكمال الخجندى شعر : زاهد نه عجب كركند ازعشق تو برهيز كين لذت اين باده جه داندكه نخوردست تفسير : ثم بين ان الامر بالعكس يعنى انهم خافوا الناس وأمنوا من الله واللائق ان يخافوا من بأس الله على ماهم عليه ويأمنوا الناس فقال {وكم اهلكنا من قرية بطرت معيشتها} البطر الطغيان فى النعمة. قال بعضهم البطر والاشر واحد وهو دهش يعترى الانسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها الى غير وجهها ويقاربه الطرب وهو خفة اكثر مايعترى من الفرج وانتصاب معيشتها بنزع الحافظ اى فى معيشتها كما فى الوسيط. والمعنى وكم من اهل قرية كانت حالهم كحال اهل مكة فى الامن وسعة العيش حتى اطغتهم النعمة وعاشوا فى الكفران فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم {فتلك} [بس آنست] {مساكنهم} خاوية بما ظلموا ترونها فى مجيئكم وذهابكم {لم تسكن} يعنى [ننشستند دران] {من بعدهم} من بعد تدميرهم {الا قليلا} الا زمانا قليلا اذلا يسكنها الا المارة يوما او بعض يوم [وباز خالى بكذارند درخانه دنياجه نسبتى برحيز كين خانه بدان خوش است كه آيند وروند] ويحتمل ان شؤم معاصى المهلكين بقى اثره فى ديارهم فلم يبق من يسكنها من اعقابهم الا قليلا اذ لا بركة فى سكنى الارض الشئوم. وقال بعضهم سكنها الهام والبوم ولذا كان من تسبيحها سبحان الحى الذى لايموت شعر : برده دارى ميكند درطاق كسى عنكبوت يوم نوبت ميزند در قلعه افراسياب تفسير : {وكنا نحن الوارثين} منهم لتلك المساكن اذ لم يخلفهم احد يتصرف تصرفهم فى ديارهم وسائر متصرفاتهم شعر : يعنى مابيم باقى ازفناء همه تفسير : وهذا وعيد للمخاطبين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (رزقاً): حال من (الثمرات)؛ لتخصيصه بالإضافة، أو مصدر لتجبى؛ لأن معناه: نرزق، أو: مفعول له. يقول الحق جل جلاله: {وقالوا} أي: كفار قريش {إن نتبع الهُدَى} وندخل {معك} في هذا الدين؛ {نُتَخَطّفُ من أرضنا} أي: تخطفنا العرب وتُخرجنا من أرضنا. نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف، إن اتبعناك وخالفنا العرب، وإنما نحن أكَلَةُ رأس، أَنْ يتخطفونا من أرضنا، فردّ الله عليهم بقوله: {أوَ لَمْ نُمكِّنْ لهم حَرَماً آمناً}؛ أَوَ لَمْ نجعل مكانهم حرماً ذا آمن بحرمة البيت، يأمن فيه قُطانه، ومن التجأ إليه من غيرهم؛ فَأَنَّى يستقيم أن نعرضهم للتخطف، ونسلبهم الأمن، إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام؟. {تُجْبَى إليه}، أي: تُجمع وتُجلب إليه من كل أَوْب، {ثمراتُ كل شيء} أي: كل صنف ونوع. ومعنى الكُلِّيَّةِ: الكثرة؛ كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23]، {رزقاً من لدُنَّا}، ونعمة من عندنا، وإذا كان حالهم، وهم عبدة الأصنام، فكيف إذا أووا إلى كهف الإسلام، وتدرعوا بلباس التوحيد؟ {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: جهلة، لا يتفطنون ولا يتفكرون حتى يعلموا أنه لا يهملهم من حفظه ورعايته، إن أسلموا. وقيل: يتعلق بقوله: {من لدُنَّا}، أي: قليل منهم يتدبرون، فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله؛ وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك, ولو علموا أنه من عند الله؛ لعلموا أن الخوف والأمن من عند الله، ولَمَا خافوا التخطف إذا آمنوا به. والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى كثيراً من الناس، ممن أراد الله حرمانه من الخصوصية، يتعلل بهذه العلل الواهية، يقول: إن دخلنا في طريق القوم؛ رفضَنا الناس، وأنكر علينا أقاربنا، ونخاف الضيعة على أولادنا. يقول تعالى لهم: أو لم أُمَكِّن لأوليائي، المتوجهين إلى حَضْرَةِ القدس، حرماً آمناً تُجبى لأهلها الأرزاق من كل جانب، بلا حرص ولا طمع ولا سبب، ولكن أكثر الناس؛ جهالاً بهذا، وقفوا مع العوائد، فحُرموا الفوائد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم خوّفهم بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُوۤاْ} عطف على قوله: {قَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} يعنى قال قريش او عشيرتك او ابو طالب (ع) على قول العامّة {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ} اى رسالتك {نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} روى عن امير المؤمنين (ع) انّها نزلت فى قريشٍ حين دعاهم رسول الله (ص) الى الاسلام والى الهجرة، وعن النّبىّ (ص) انّه قال: والّذى نفسى بيده لادعونّ الى هذا الامر الابيض والاسود ومن على رؤس الجبال ومن فى لجج البحار، ولادعونّ اليه فارس والرّوم فجبرت قريش واستكبرت وقالت لابى طالب: اما تسمع الى ابن اخيك ما يقول والله لو سمعت بهذا فارس والرّوم لااختطفتنا من ارضنا ولقلعت الكعبة حجراً حجراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} اى الم نرزقهم فى حال كفرهم من كلّ ما يرزق مع انّ مكانهم وادٍ غير ذى زرعٍ ولم نجعل لهم {حَرَماً آمِناً} ذا امنٍ او آمناً ساكنوه مكاناً ومحلاًّ لسكناهم فكيف يكون حالهم اذا كانوا موحّدين مستحقّين لكرامتنا {يُجْبَىٰ} اى يجمع {إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} لم يقل كلّ نباتٍ لقصد تعميم الثّمرات لكل خيرٍ ومالٍ فانّه لا اختصاص لجمع الاشياء اليه بالفواكه بل يجبى اليه كلّ ما يحصل من النّباتات والاشجار والانعام والصّنائع وانفس الانعام بل يجبى اليه ثمرات القلوب وخيرات الآخرة ولذلك قال تعالى {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} يعنى انّ الثّمرات الدّنيويّة وان كان رزقاً من الارض لكن ثمرات الآخرة والقلوب من ارزاقنا اللدّنيّة، وكذلك بركات ثمرات الارض وما كان منها رزقاً للارواح {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} انّ ذلك لهم من فضلنا وحكمتنا وقدرتنا وينسبون ذلك الى انفسهم او اكثرهم لا علم لهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أَرْضِنَآ} أي: لِقلَّتِنَا في كثرة العرب، ولكن ينفي الحربَ عنا أنا على دينهم، فإذا آمنا بك واتَّبعناك خشينا أن يتخَطَّفنا الناس. قال الله: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: قد كانوا في حَرَمِي يَأكلون رزقي، ويعبدون غيري، وهم آمنون، أفيخافون، إن آمنوا، أن أُسلِّط عليهم من يقتلهم ويسبيهم؟ ما كنت لأفعل. قوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} كقوله: (أية : يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ) تفسير : [النحل: 112]. ذكر بعضهم قال: إن سيلاً أتى على المقام واقتلعه فإذا في أسفله كتاب. فدعوا له رجلاً من حمير فزبره لهم في جريدة، ثم قرأه عليهم فإذا فيه: هذا بيت الله المحرّم، جعل رزق من يعمره يأتيهم من ثلاث سبل، مبارك لأهله في الماء واللحم، وأول من يحلّه أهله. ذكر مجاهد قال: وجد عند المقام كتاب الله فيه: إني أنا الله ذو بَكّة، صنعتها يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر، وحرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها من ثلاث سبل، مبارك لأهلها في الماء واللّحم، وأول من يحلّها أهلها. قال: {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: جماعتهم لا يعلمون، يعني من لا يؤمن منهم.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} أي قومه قريش والقائل منهم الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبدمناف نحن نعلم انك على الحق ولكن نخاف إن خالفنا العرب واتبعناك أن يتخطفونا من أرضنا ونحن جماعة قليلة. قال تعالى: {إِن نَّتَّبِعِ الهُدَىَ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ} نخرج بسرعة. {مِنْ أَرْضِنَا} مكة ورد الله سبحانه عليهم بقوله: {أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} يأمنون فيه والعرب حوله يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وآمنا بمعنى ذو أمن كلابن بمعنى صاحب لبن ومن المعروف انه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحداء فاذا كانوا في أمن بحرمة الكعبة فيكف ان أضموا اليها الايمان. {تُجْبَى} تجلب وقرأ غير نافع بالتحتية وقرأ يجبى بالتحتية في أوله والنون قبل آخره من قولك جنيت الرطب وعدي الى أن المراد تجلب بعد ان تجنى. {إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ} وقرىء بضم الثاء والميم وبضم الثاء واسكان الميم. {كُلِّ شَيْءٍ} أي اكثر الأشياء فالكلية بمعنى الكثرة أو هي على ظاهرها بمعنى انه يجلب اليه كل ما احتاجوا من الثمار يجمع الى الحرم من مصر والشام واليمن وعمان والعراق والطائف. {رِّزْقاً} حال من ثمرات أو مفعول مطلق لجبي لأن المعنى نرزق لهم ثمرات. {مِّن لَّدُونَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} انه ذلك رزق من عندنا ولو علموا ما خافوا غيرنا من جهة الرزق أو لا يعلمون أن تمكين الحرم الآمن لهم وجبي الثمرات اليه من عندنا أو المراد انهم جهلة لا يتفطنون.
اطفيش
تفسير : {وقالوا إنْ نتَّبع الهُدَى} ما هو هدى عندك وعند الله، لأن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ومن معه، أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: نعلم أنك على الحق، ولكن نخاف إن اتبعناك وخالفناك، وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا، فرد الله عز وجل بقوله: {وقالوا إن نتبع الهدى} {معَكَ نُتخطَّف} نؤخذ بسرعة {من أرْضِنا} وبقوله عز وجل: {أو لم نمكِّن لَهُم} متعلق بنمكِّن لأهل مكة أو للعرب {حَرماً} مفعول لنمكن بمعنى نثبت، ولا حاجة الى جعله بمعنى جعلنا متعديا لاثنين، ولهم مفعول ثان {آمناً} أسند الأمن الى الحرم على طريق المجاز العقلى من الإسناد، الى المحل لأن الآمن حقيقة أهله، وأما إذا جعلنا آمناً للنسب كتامر ولابن، أى حرما ذا أمن، فليس فيه غنى عما قلنا، لأن صاحب الأمن ليس الحرم، بل أهله لا يؤخذ أهله تتناحر العرب حوله، وتأمن فيه أيضا لا يخافون ضيق الرزق باتباع الهدى كما قال. {يجبى} تجمع {إليه ثمرات كل شىء} يمكن جلب ثمراته إليه، وتطلب فلا يشكل بأن كثيرا من الثمرات لا يجبى إليه، وهذا أولى من أن يقال المراد بالكل الكثرة، والجملة نعت ثان لحرما، وإنما حصل الأمن للحرم لأجل الكعبة {رزْقاً} حال من ثمرات، أى مرزوقات، أو مفعول مطلق لتجبى لتضمن يجبى معنى ترزق أو رزقا معنى تجبى، وأجيز أن يكون مفعولا من أجله بمعنى المصدرى، وفيه ضعف لتبادر أن المراد بالجبى هو معنى أن يرزقوا بها فلا يعلل بالرزق {من لدنا} نعت رزقا أو متعلق بيجبى {ولكنَّ أكثرهم} قيل كلهم، وقيل فيهم يعلم ولا يعمل، والاستدراك متعلق بقوله: {أو لم نمكن} إلخ، أو بقوله: {من لدنا} والأول أولى، لأن المقام للرد عليهم بأنا قد أعددنا لهم ما يؤمنون معه، ولا يخافون معه، وهم مشركون عبدة أوثان، وكيف إذا أسلموا، وليس المقام لإعلامهم أن الرزق منا لا من غيرنا {لا يعْلمُون} لا يتدبرون فيعلموا أنا قد أحضرنا لهم ما يؤمنون معه إن آمنوا، أو يعلموا أن ذلك الرزق من الله عز وجل، وحققوا إذ لو علموا لما خافوا.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } أي نخرج من بلادنا ومقرنا، وأصل الخطف الاختلاس بسرعة فاستعير لما ذكر، والآية نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف حيث أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد الله تعالى عليهم خوف التخطف بقوله: {أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً } أي ألم نعصمهم ونجعل مكانهم حرماً ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه تتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه، فالعطف على محذوف و {نُمَكّن } مضمن معنى الجعل، ولذا نصب (حرماً) و(آمناً) للنسب كلابن وتامر، وجعل أبو حيان الإسناد فيه مجازياً لأن الآمن حقيقة ساكنوه فيستغني عن جعله للنسب وهو وجه حسن {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ } أي يحمل إليه ويجمع فيه من كل جانب وجهة {ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } أي ثمرات أشياء كثيرة على أن كل للتكثير وأصل معناه الإحاطة وليست بمرادة قطعاً، والجملة صفة أخرى لحرماً دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم إن اتبعوا الهدى بانقطاع الميرة، وقوله تعالى: {رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } نصب عن المصدر من معنى {يجبـى} لأن مآله يرزقون، أو الحال من {ثمرات} بمعنى مرزوقاً وصح مجىء الحال من النكرة عند من لا يراه لتخصصها بالإضافة هنا، أو على أنه مفعول له بتقدير نسوق إليه ذلك رزقاً. وحاصل الرد أنه لا وجه لخوف من التخطف إن أمنوا فإنهم لا يخافون منه وهم عبدة أصنام فكيف يخافون إذا أمنوا وضموا حرمة الإيمان إلى حرمة المقام {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } جهلة لا يتفطنون ولا يتفكرون ليعلموا ذلك فهو متعلق بقوله تعالى: {أَوَ لَمْ نُمَكّن } الخ. وقيل: هو متعلق بقوله سبحانه: {مّن لَّدُنَّا} أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله عز وجل إذ لو علموا لما خافوا غيره، والأول أظهر، والكلام عليه أبلغ في الذم. وقرأ المنقري {نُتَخَطَّفْ } بالرفع كما قرىء في قوله تعالى: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } تفسير : [النساء: 78] برفع يدرك وخرج بأنه بتقدير فنحن نتخطف وهو تخريج شذوذ. / وقرأ نافع وجماعة عن يعقوب، وأبو حاتم عن عاصم {تجبـى} بتاء التأنيث، وقرىء {تجنى} بالنون من الجني وهو قطع الثمرة وتعديته بإلى كقولك يجنى إلى فيه ويجنى إلى الخافة وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم {ثَمَرٰتِ } بضم الثاء والميم، وقرأ بعضهم {ثمرٰتِ } بفتح الثاء وإسكان الميم، ثم إنه تعالى بعد أن رد عليهم خوفهم من الناس بين أنهم أحقاء بالخوف من بأس الله تعالى بقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا...}.
ابن عاشور
تفسير : هذه بعض معاذيرهم قالها فريق منهم ممن غلبه الحياء على أن يكابر ويجاهر بالتكذيب، وغلبه إلف ما هو عليه من حال الكفر على الاعتراف بالحق، فاعتذروا بهذه المعذرة، فروي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وناساً من قريش جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث «إنا لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس» (أي أن جمعنا يشبعه الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلة) فهؤلاء اعترفوا في ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى. والتخطف: مبالغة في الخطف، وهو انتزاع شيء بسرعة، وتقدم في قوله تعالى {أية : تخافون أن يتخطفكم الناس}تفسير : في سورة الأنفال (26). والمراد: يأسرنا الأعداء معهم إلى ديارهم، فرد الله عليهم بأن قريشاً مع قلتهم عدّاً وعدة أتاح الله لهم بلداً هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل العرب واشتغالهم بالغارة على جيرتهم وجبى إليهم ثمرات كثيرة قروناً طويلة، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الله الذي أمنهم في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله. والتمكين: الجعل في مكان، وتقدم في قوله تعالى {أية : مكّنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم} تفسير : في سورة الأنعام (6)، وقوله في أول هذه السورة (6) {أية : ونمكن لهم في الأرض}تفسير : . واستعمل هنا مجازاً في الإعداد والتيسير. والجبي: الجمع والجلب ومنه جباية الخراج. والاستفهام إنكار أن يكون الله لم يمكن لهم حرماً. ووجه الإنكار أنهم نزلوا منزلة من ينفي أن ذلك الحرم من تمكين الله فاستفهموا على هذا النفي استفهام إنكار. وهذا الإنكار يقتضي توبيخاً على هذه الحالة التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرماً. والواو عطفت جملة الاستفهام على جملة {وقالوا}. والتقدير: ونحن مكنا لهم حرماً. و {كل شيء} عام في كل ذي ثمرة وهو عموم عرفي، أي ثمر كل شيء من الأشياء المثمرة المعروفة في بلادهم والمجاورة لهم أو استعمل {كل} في معنى الكثرة. و {رزقاً} حال من {ثمرات} وهو مصدر بمعنى المفعول. ومعنى {من لدنا} من عندنا، والعندية مجاز في التكريم والبركة، أي رزقاً قدرناه لهم إكراماً فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص بالله تعالى. وقد حصل في خلال الرد لقولهم إدماج للامتنان عليهم بهذه النعمة ليحصل لهم وازعان عن الكفر بالمنعم: وازع إبطال معذرتهم عن الكفر، ووازع التذكير بنعمة المكفور به. وموقع الاستدراك في قوله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنه متعلق بالكلام المسوق مساق الرد على قولهم {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} إذ التقدير: أن تلك نعمة ربانية ولكن أكثرهم لا علم لهم فلذلك لم يتفطنوا إلى كُنه هذه النعمة فحسبوا أن الإسلام مفضٍ إلى اعتداء العرب عليهم ظنّاً بأن حرمتهم بين العرب مزيّة ونعمة أسداها إليهم قبائل العرب. وفعل {لا يعلمون} منزَّل منزلة اللازم فلا يقدَّر له مفعول، أي ليسوا ذوي علم ونظر بل هم جهلة لا يتدبّرون الأحوال. ونُفِي العلم عن أكثرهم لأن بعضهم أصحاب رأي فلو نظروا وتدبروا لما قالوا مقالتهم تلك. ولو قدر لفعل {يعلمون} مفعول دل عليه الكلام، أي لا يعلمون تمكين الحرم لهم وأن جلب الثمرات إليهم من فضلنا لما استقام إسناد نفي العلم إلى أكثرهم بل كان يسند إلى جميعهم لإطباق كلمتهم على مقالة {إن نتبع الهُدى معك نُتَخطَّف من أرضنا}. وقرأ نافع وأبو جعفر ورويس عن يعقوب {تُجْبَى} بالمثناة الفوقية. وقرأ الباقون بالياء التحتية مراعاة للمضاف إليه وهو {كل شيء} فأكسب المضاف تأنيثاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمِناً} {ثَمَرَاتُ} (57) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا اعتَذَرَ بهِ بَعْضُ المُشْرِكِينَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ سَببِ عَدَمِ إيمانِهِمْ بِرِسَالَتِهِ، وَكَانَ مِنْ هؤلاءِ المُعتَذِرِينَ الحَارِثُ بِنُ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَل بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ فَقَدْ جَاءَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَهُ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَلى الحقِّ، ولكِنَّنا نَخَافُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ، وَخَالَفْنا العَرَبَ، أَنْ يُخرِجُونا مِنْ أَرضِنا، ويَغْلِبُونَا عَلَى سُلْطَانِنا ونَحْنُ قِلَّةٌ. وَيَردُّ الله تَعالى عَلَى هؤلاءِ بقَولِهِ: إِنّ الذِي اعْتَذَرُوا بِهِ بَاطِلٌ، لأَنَّ اللهَ جَعَلَهُمْ في بَلَدٍ آمِنٍ، وَحَرمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِعَ. فَكَيفَ يَكُونَ هذا الحَرَمُ آمِناً لَهُمْ وَهُمْ كُفّارٌ، مُشْرِكُونَ، وَلا يَكُونُ آمناً لهُمْ إِذا أَسْلَمُوا واتَّبَعُوا الحَقَّ؟ ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُ يَسَّرَ وصُُولَ الثَّمَرَاتِ والأَمتِعَةِ والأَرْزَاقِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ إِلى أهلِ الحَرَمِ، وهذا كُلُّهُ بِفَضْلِ اللهِ، وَمنْ عِنَايَتِهِ، ولكِنَّ أَكثَرَ هؤلاءِ جَهَلَةٌ لاَ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ خَيرُهُم وَسَعَادَتُهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالُوا مَا قَالُوا. نُتَخَطَّفُ - نُنْتَزَعُ بِسْرُعَةٍ. يُجْبَى إِليهِ - يُجْلَبُ إِليهِ وَيُحْمَلُ إِليهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه المقولة {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ..} [القصص: 57] قالها الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، فقد ذهب إلى سيدنا رسول الله، وقال: إننا نعلم أنك جئتَ بالحق، ولكن نخاف إنْ آمنا بك واتبعنا هواك أنْ نُتخطّف من أرضنا، ولا بُدَّ أنه كان يتكلم بلسان قومه الذين ائتمروا على هذا القول. والخطْف: هو الأخْذ بشدة وسرعة. إذن: فهم يُقرُّون للرسول بأنه جاء بالحق، وأنه على الهدى، لكن علة امتناعهم أنْ يتخطفوا، وكان عليهم أنْ يقارنوا بعقولهم بين أن يكونوا مع رسول الله على الحق وعلى الهدى ويُتخطَّفوا وبين أنْ يظلُّوا على كفرهم. فقصارى ما يصيبهم إنْ اتبعوا رسول الله أن يتخطفهم الناس في أموالهم أو في أنفسهم - على فرض أن هذا صحيح - قصارى ما يصيبهم خسارة عَرَض فانٍ من الدنيا لو استمر لك لتمتعتَ به مدة بقائك فيها، وهذا الخير الذي سيفوتك من الدنيا محدود على مقتضى قوة البشر، ولا يضيرك هذا إنْ كنتَ من أهل الآخرة حيث ستذهب إلى خير بَاقٍ دائم، خير يناسب قدرة المنعم سبحانه. أما إنْ ظلُّوا على كفرهم، فمتاع قليل في الدنيا الفانية، ولا نصيبَ لهم في الآخرة الباقية. إذن: فأيُّ الطريق أهدى؟ إن المقارنة العقلية ترجح طريق الهدى واتباع الحق الذي جاء به رسول الله، هذه واحدة. ثم مَنْ قال إنكم إن اتبعتم الهدى مع رسول الله تُتخطَّفوا وتُضطهدوا؟ لذلك يرد الله عليهم: قُلْ لهم يا محمد: كذبتم، فلن يتخطفكم أحد بسبب إسلامكم {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 57]. فقد أنعم الله عليكم وأنتم كافرون مشركون به، تعبدون الأصنام في جاهلية، ومكَّن لكم حياة آمنة في رحاب بيته الحرام، ووفّر لكم رَغَد العيش وأنتم بوادٍ غير ذي زرع حيث يُجْبى إليه الثمرات من كل مكان، فالذي صنع معكم هذا الصنيع أيترككم ويتخلى عنكم بعد أنْ آمنتم به، واهتديتم إلى الحق؟ كيف يكون منكم هذا القياس؟ ومعنى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ ..} [القصص: 57] استفهام للتقرير، فاسألهم وسوف يعترفون هم أن الله مكَّن لهم حرماً آمناً يُجبَى إليه ثمرات كل شيء، فالحق سبحانه يريد أنْ يثبت هذه القضية بإقرارهم بها. ومعنى {نُمَكِّن لَّهُمْ ..} [القصص: 57] نجعلهم مكينين فيه، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [يوسف: 21] والتمكين يدل على الثبات؛ لأن ظرف المكان ثابت على خلاف ظرف الزمان. وقال: {حَرَماً آمِناً ..} [القصص: 57] مع أن الأمن لمن في المكان، لكن أراد سبحانه أن يُؤمِّن نفس المكان، فيكون كل ما فيه آمناً، حتى القاتل لا يُقتصّ منه في الحرم، والحيوان لا يُثار فيه ولا يُصَاد، والنبات لا يُعضد حتى الحجر في هذا المكان آمن، ألاَ تراهم يرجمون حجراً في رمي الجمرات في حين يُكرِّمون الحجر الأسود ويُقبّلونه. وحينما نتأمل الحرم منذ أيام الخليل إبراهيم - عليه السلام - نجد أن له خطة، وأن الحق سبحانه يُعدُّه ليكون حرماً آمناً، فلما جاءه إبراهيم قال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. هذا يعني أن المكان ليس به من مقومات الحياة إلا الهواء، لأن نفي الزرع يعني عدم وجود الماء؛ لذلك اعترضت السيدة هاجر على هذا المكان القفر، فلما علمتْ أنه اختيار الله لهم قالت: إذن لن يضيعنا. وقد رأتْ بنفسها أن الله لم يُضيِّعهم، فلما احتاجت الماء لترضع وليدها وسعتْ في طلبه بين الصفا والمروة سبعة أشواط على قَدْر ما أطاقتْ لم تجد الماء في سَعْيها، ولو أنها وجدته لكان سعيها سبباً إنما أراد الله أنْ يُصدِّقها في كلمتها، وأن يثبت لها أنه سبحانه لن يُضيّعهم من غير أسباب لتتأكد أن كلمتها حق، ثم شاءتْ قدرة الله أن يخرج الماء من تحت قدم الوليد، وهو يضرب بقدمه الأرض، ويبكي من شدة الجوع والعطش، وانبجستْ زمزم. ولما أسكن إبراهيم أهله في هذا المكان المقْفر أراده لهم سكناً دائماً، لا مجرد استراحة من عناء السفر؛ لذلك قال: {أية : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. وكأنه - عليه السلام - يريد أن يطمئن على إقامة أهله في هذا المكان، وأن يكون البيت مُصلَّى لله، لا تنقطع فيه الصلاة، وهذا هو الفرق بين بيت الله باختيار الله وبيت الله باختيار عباد الله. فالبيت الذي نبنيه لله تعالى قد يُغلق حتى في أوقات الفروض، أما بيت الله الذي اتخذه لنفسه فلا يخلو من الطواف والصلاة في أيِّ وقت من ليل أو نهار، ولا ينقطع منه الطواف إلا لصلاة مكتوبة، فإذا قُضيتْ الصلاة رأيتهم يُهرعون إلى الطواف. وقد رأيت الحرم في إحدى السنوات وقد دهمه سيل جارف حتى ملأ ساحته، ودخل الماء الكعبة وغطَّى الحجر الأسود، فكان الناس يطوفون سباحة، ورأينا أناساً يغطسون عند الحجر ليُقبِّلوه، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يظلَّ الطواف حول بيته لا ينقطع على أيِّ حال. كذلك نفهم من قوله تعالى: {أية : تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. من الفعل هَوَى يهوي، يعني: سقط؛ لأن الذي يسقط لا إرادةَ له في عدم السقوط، كذلك مَنْ يأتي بيت الله أو يجلب إليه الخيرات يجد دافعاً يدفعه كأنه لا إرادة له. كما نفهم منها معنى آخر، فكل تكاليف الحق سبحانه ربما تكاسل الناس في أدائها، فمنّا مَنْ لا يصلي أو لا يُزكِّي. إلا الحج حيث قال الله فيه: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً ..} تفسير : [الحج: 27] فمجرد أن تؤذن يأتوك. لذلك نجد من غير القادرين على نفقات الحج من يجوع ويُمسك على أهله ليوفِّر تكاليف الحج، فهو - إذن - الفريضة الوحيدة التي يتهافت عليها مَنْ لم تطلب منه. ونلحظ أن إبراهيم - عليه السلام - دعا بالأمن للحرم مرتين: مرة في قوله: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ..} تفسير : [البقرة: 126] يعني: اجعل هذا المكان بلداً آمناً، كأيِّ بلد آمن لا تُقام إلا في مكان يُؤَمِّنون فيه كل مُقوِّمات الحياة، فأيّ بلد لا تُبنى حتى من الكافر إلا إذا كان آمناً فيها، فالطلب الأول أنْ يتحول هذا المكان الخالي إلى بلد آمن، كما يأمن كل بلد حين ينشأ، وهذا أمن عام. ثم يدعو مرة أخرى {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً ..} تفسير : [إبراهيم: 35] بعد أن أصبحتْ مكة بلداً آمناً يطلب لها مزيداً من الأمن، وهذا أمن خاص، حيث جعلها بلداً حراماً، يأمن فيها الإنسان والحيوان والنبات، بل والجماد. وقد وقف البعض عند قوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97]. وقالوا: أين هذا الأمن، وقد حدث في الحرم الاعتداء والقتل وترويع الآمنين، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم، وقتلوا الناس فيه، وأخذوا الحجر، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان، وما حدث فيها من قَتْل في الحرم. وهذه الآية: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97] جملة خبرية غرضها الأمر والحثّ، كأنه تعالى قال: أمِّنوا من دخل الحرم. وهذه ليست قضية كونية، إنما قضية شرعية، وفرْق بين القضيتين: الكونية لا بُدَّ أن تحدث، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض، ويخرج عليه البعض، فمَنْ أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أنْ يجعل أمر الله صادقاً يُؤمِّن أهل الحرم، ومَنْ أراد أنْ يكذِّب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه. ومن الآيات التي كثيراً ما يُسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ ..} تفسير : [النور: 26] يقولون: كثيراً ما يتزوج خبيث من طيبة، أو طيبة من خبيث، فالواقع لا يتفق مع الآية. نقول أيضاً هنا: هذه قضية شرعية تحمل أمراً قد يُطاع وقد يُعْصَى، وليست قضية كونية لا بُدَّ أنْ تأتي كما أخبر الله تعالى بها، ولا يتخلّف مدلولها. فالمعنى في الآية: إن زوجتُم فزوِّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إنْ عيَّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أنْ تردّ عليه، لا بُدَّ من وجود التكافؤ حتى في (القباحة)، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة؟ إذن: فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر، وإنْ كانت تعني الأمر، كما تقول عن الميت: رحمه الله بصيغة الماضي، وأنت لا تدري رحمه الله، أو لم يرحمه، إذن: لا بُدَّ أن المعنى دعاء: فليرحمه الله، قلتها أنت بصيغة الماضي، رجاء أن تكون له الرحمة. نعود إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً ..} [القصص: 57] ونلحظ هذا التمكين وهذا الأمن من قصة الفيل، حيث جاء أبرهة ليهدم الكعبة، ويتقدّم الجيش فيل ضخم يقال له محمود، فلما قالوا في أذنه (أبرُكْ محمود وارجع راشداً) يعني: انفد بجلدك (فإنك ببلد الله الحرام) فبرك الفيل واستجاب. ثم جاءت معركة الطير الأبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش سكان حرمه؛ لتظل الكعبة مسكونة بهم، وما داموا هم سكان الحرم والناس تأتيهم من كل الأنحاء للحج كل عام، فسوف يظل لهم الأمن بين القبائل، ولا يجرؤ أحد على الأعتداء عليهم، أو التعرُّض لقوافلهم في رحلة الشتاء والصيف، وأيُّ أمن، وأيُّ مهابة بعد هذا؟ ومع الحجيج يُجلب الطعام وتُجلب الأرزاق، وصدق الله العظيم: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. وكيف بعد هذا الأمن والأمان يخاف مَنْ يؤمن بمحمد أنْ يُتخطَّف من أرضه؟ إنها مقولة لا مدلولَ لها.
الجيلاني
تفسير : ومن الأعراب قوم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم {وَقَالُوۤاْ}: إنَّا قد علمنا يقيناً أنك على الحق والهداية والرشاد، لكن {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ} ونؤمن بك ونعمل بدينك، وابتعناك بجميع ما جئت به من عند ربك على الوجه الذي اعتقدناك {نُتَخَطَّفْ} ونُخرج {مِنْ أَرْضِنَآ} التي كنا مستقرين عليها بمخالفتنا العرب؛ إذ نحن أكلة رأس متفقين، ومتى خالفناهم في أمر لم يرضوا عليه أخرجونا من بينهم صاغرين مهانين، فرد الله عليه سبحانه عذرهم هذا بقوله: {أَ} يخالفون أولئك الخائفون {وَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} من ما مضى، ولم نجعل مكانهم الذي يستقرون فيه {حَرَماً} ذا حرمة عظيمة {آمِناً} ذا أمن من جميع المكروهات، جالباً لأنواع الخيرات والبركات؛ إذ {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ} ويجمع فيه، ويحمل نحوه {ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: نفائسه من كل أمد بعيد، وفج عميق؛ ليكون {رِّزْقاً} لهم سابقاً {مِّن لَّدُنَّا} إياهم؟! {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} المجبولين على الجهل والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] كمال لطفنا معهم، ووفور نعمتنا ورحمتنا إياهم. {وَ} قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنَّا: لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، وإمهالنا إياكم فيها مترفهين متنعمين؛ إذ {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي: كثيراً أهكلنا أهل قرية قد {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي: كان أهلها بطرين بسعة عيشها، ووفور معيشتها أمثالكم فدرا عليهم الدول، فأخذناهم بأنواع النقم بدل نعمهم، فأهلكناهم واستأصلناهم صاغرين؟! {فَتِلْكَ} الأطلال الخربة، والآثار الكربة التي تجاه وجوهكم {مَسَاكِنُهُمْ} وأوطانهم التي يتمكنون فيها مترفهين بطرين، انظر كيف اندرست وتفتت إلى حيث {لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ} في بلادهم وأماكنهم. {إِلاَّ قَلِيلاً} من أهل السفر والعبور ينزلون فيه، ويرحلون بلا إقامة فيها ووارثةٍ لها، وهكذا الدنيا وحياتها، والاستقرار عليها والتمتع بمتاعها عند العارف المتحقق بحقيقتها {وَ} بعدما أهلكناهم، وخربنا بلادهم {كُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} [القصص: 58] منهم، حيث لا نمكن فيها خلفاً من أبناء من شؤم آثارهم ومعاصيهم التي كانوا عليها مصرين غير ممتنعين، وإن أرسلنا عليهم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} وما ينبغي ويليق بشأن العليم الحكيم أخذهم بغتةً بلا منبه منذر، بل ما أخذهم على ظلمهم {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} أي: البلدة التي هي أم القرى الهالكة؛ إذ أهلها قبل المرشد والهداية من أصحاب القرى والنواحي، وهم تابعون لهم في معظم أمورهم {رَسُولاً} مؤيَّداً من عندنا، مرسلاً إليهم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الدالة على عظيم ذاتنا، وكمال قدرتنا على الإنعام والانتقام، ويدعوهم إلى توحيدنا والتدين بالدين الموضوع من عندنا، فتلا عليهم آياتنا فدعاهم إلى توحيدنا وديننا، فلم يقبلوا قوله ولم يستجيبوا له، بل كذبوه وجميع ما جاء به من الرشد والهداية مصرين على ما هم عليه من الغواية، فاستحقوا الهلاك والعذاب فأهلكناهم. {وَ} بالجلمة: {مَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] يعني: ما كنا مبادرين على إهلاك القرى الهالكة بلا سبق أسباب صدرت عنهم، واستوجبت هلاكهم، بل إنما أخذناهم بعدما ظلموا أنفسهم بالخروج عن مقتضى حدودنا الموضوعة فيها ظلماً وعدواناً، وصاروا مصرين مباهين بما آتيناهم من زخرفة الدنيا المستعارة الفانية التي ألهاهم عن اللذائذ الأخروية الباقية فيهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن المكذبين من قريش وأهل مكة، يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم: { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة. وهذا الكلام منهم، يدل على سوء الظن باللّه تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، بل يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق. قال اللّه مبينا لهم حالة هم بها دون الناس وأن اللّه اختصهم بها، فقال: { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } أي: أولم نجعلهم متمكنين [ممكنين] في حرم يكثره المنتابون ويقصده الزائرون، قد احترمه البعيد والقريب، فلا يهاج أهله، ولا ينتقصون بقليل [ولا كثير]. والحال أن كل ما حولهم من الأماكن، قد حف بها الخوف من كل جانب، وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين، فَلْيَحْمَدُوا ربهم على هذا الأمن التام، الذي ليس فيه غيرهم، وعلى الرزق الكثير، الذي يجيء إليهم من كل مكان، من الثمرات والأطعمة والبضائع، ما به يرتزقون ويتوسعون. ولْيَتَّبِعُوا هذا الرسول الكريم، ليتم لهم الأمن والرغد. وإياهم وتكذيبه، والبطر بنعمة الله، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا، وبعد عزهم ذلا وبعد غناهم فقرا، ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم، فقال: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي: فخرت بها، وألهتها، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل، فأهلكهم اللّه، وأزال عنهم النعمة، وأحل بهم النقمة. { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا } لتوالي الهلاك والتلف عليهم، وإيحاشها من بعدهم. { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم. ومن حكمته ورحمته أن لا يعذب الأمم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم، ولهذا قال: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى } أي: بكفرهم وظلمهم { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا } أي: في القرية والمدينة التي إليها يرجعون، ونحوها يترددون، وكل ما حولها ينتجعها، ولا تخفى عليه أخبارها. { رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } الدالة على صحة ما جاء به، وصدق ما دعاهم إليه، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم، بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة، والأطراف النائية، فإن ذلك مظنة الخفاء والجفاء، والمدن الأمهات مظنة الظهور والانتشار، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم. { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } بالكفر والمعاصي، مستحقون للعقوبة. والحاصل: أن اللّه لا يعذب أحدا إلا بظلمه، وإقامة الحجة عليه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} [57] 405 - أنا الحسنُ بن محمدٍ، حدَّثنا حجاجٌ، عن ابن جُريج، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة قال: قال عمرو بنُ شُعيبٍ، عن ابن عباسٍ - ولم يسمعهُ منهُ - أنَّ الحارث بن عامر بن نوفلٍ الذي قال: {إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ}. 406 - أنا أبو داوُدَ، قال: نا يعلي بنُ عُبيدٍ، نا سُفيانُ العُصْفُريُّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}تفسير : [القصص: 85] قال: إلَي مَكَّةَ.
همام الصنعاني
تفسير : 2223- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَرَماً آمِناً}: [الآية: 57]، قال: كان أهل الحرم آمنين، يذهبون حيث شاءوا فإذا خرج أحدهم، قال: أنَا من أَهْلِ الحرم، لم يُعَرِّض له. وكان غيرهم مِنَ الناسِ إذَا خرج، قتل أو سلب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):