٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الجواب الثاني: عن تلك الشبهة، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفاً من زوال نعمة الدنيا، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان، قال صاحب «الكشاف»: البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: { أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف: 155] أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها، وإما تضمين بطرت معنى كفرت. فأما قوله: {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة. وثانيها: يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها، فكأن سائلاً أورد السؤال من وجهين الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد؟ الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً } أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولاً لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني: وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ومعنى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } يؤدي ويبلغ، وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى معرضاً بأهل مكة في قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي: طغت وأشرت، وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَان} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [النحل: 112 ــــ 113] ولهذا قال تعالى: {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: دثرت ديارهم، فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله تعالى: {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ} أي رجعت خراباً ليس فيها أحد. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود: أنه سمع كعباً يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة ــــ يعني: البومة ــــ: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه، قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله تعالى، ثم تلا: {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ} ثم قال تعالى مخبراً عن عدله، وأنه لا يهلك أحداً ظالماً له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} وهي مكة {رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا} فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام؛ كما قال تعالى: {أية : لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الشورى: 7] وقال تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158] وقال: {أية : لأُِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقال: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] وتمام الدليل قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} تفسير : [الإسراء: 58] الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في "الصحيحين" عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «حديث : بعثت إلى الأحمر والأسود»تفسير : ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي من بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بقوله: {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىۤ أُمِّهَا رَسُولاً} أي: أصلها وعظيمتها؛ كأمهات الرساتيق والأقاليم، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا }؟ أي عيشها وأريد بالقرية أهلها {فَتِلْكَ مَسَٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } للمارّة يوما أو بعضه {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ } منهم.
الشوكاني
تفسير : قوله {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } أي من أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، فوقع منهم البطر، فأهلكوا. قال الزجاج: البطر الطغيان عند النعمة. قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. قال الزجاج، والمازني: معنى {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا }: بطرت في معيشتها، فلما حذفت «في» تعدّى الفعل كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف: 155]. وقال الفراء: هو منصوب على التفسير كما تقول: أبطرك مالك وبطرته، ونظيره عنده قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين؛ لأن معنى التفسير: أن تكون النكرة دالة على الجنس. وقيل: إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى: جهلت {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لم يسكنها أحد بعدهم إلاّ زمناً قليلاً، كالذي يمرّ بها مسافراً فإنه يلبث فيها يوماً أو بعض يوم، أو لم يبق من يسكنها فيها إلاّ أياماً قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم. وقيل: إن الاستثناء يرجع إلى المساكن، أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلاّ قليلاً من المساكن، وأكثرها خراب، كذا قال الفراء، وهو قول ضعيف {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ } منهم لأنهم لم يتركوا وارثاً يرث منازلهم وأموالهم، ومحلّ جملة: {لَمْ تُسْكَن } الرفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } أي وما صحّ، ولا استقام أن يكون الله مهلك القرى الكافرة، أي الكافر أهلها حتى يبعث في أمها رسولاً ينذرهم، ويتلوا عليهم آيات الله الناطقة بما أوجبه الله عليهم، وما أعدّه من الثواب للمطيع والعقاب للعاصي، ومعنى {أُمّهَا }: أكبرها وأعظمها، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها؛ لأن فيها أشراف القوم، وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى. وقال الحسن: أمّ القرى أوّلها. وقيل: المراد بأمّ القرى هنا: مكة، كما في قوله: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 96] الآية، وقد تقدّم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف، وجملة: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } في محل نصب على الحال، أي تالياً عليهم ومخبراً لهم أن العذاب سينزل بهم إن لم يؤمنوا {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق إلاّ حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم، وتأكيد الحجة عليهم كما في قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } تفسير : [هود: 117]. ثم قال سبحانه: {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْء فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } الخطاب لكفار مكة، أي وما أعطيتم من شيء من الأشياء فهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به مدّة حياتكم أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه، أو يزول عنكم، وعلى كل حال فذلك إلى فناء، وانقضاء {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من ثوابه وجزائه {خَيْرٌ } من ذلك الزائل الفاني؛ لأنه لذّة خالصة عن شوب الكدر {وَأَبْقَىٰ } لأنه يدوم أبداً، وهذا ينقضي بسرعة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الباقي أفضل من الفاني، وما فيه لذّة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر المنغصة بعوارض البدن والقلب، وقرىء بنصب: "متاع" على المصدرية، أي: فتمتعون متاع الحياة، قرأ أبو عمرو: "يعقلون" بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب وقراءتهم أرجح لقوله: {وَمَا أُوتِيتُم }. {أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ } أي وعدناه بالجنة، وما فيها من النعم التي لا تحصى فهو لاقيه، أي مدركه لا محالة فإن الله لا يخلف الميعاد {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } فأعطي منها بعض ما أراد مع سرعة زواله، وتنغيصه {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } هذا معطوف على قوله: {مَّتَّعْنَاهُ } داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه، ومقرّر له، والمعنى: ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا للعذاب اقتضاه المقام، والاستفهام للإنكار، أي ليس حالهما سواء، فإن الموعود بالجنة لا بدّ أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا، وهذا حال المؤمن. وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلاّ مجرّد التمتيع بشيء من الدنيا يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد منهما حظه منه، وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟ قرأ الجمهور: {ثم هو} بضم الهاء، وقرأ الكسائي وقالون بسكون الهاء إجراء لـ {ثم} مجرى الواو، والفاء. وانتصاب «يوم» في قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } بالعطف على يوم القيامة، أو بإضمار اذكر، أي يوم ينادي الله سبحانه هؤلاء المشركين {فَيَقُولُ } لهم: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم، ومفعولا يزعمون محذوفان، أي تزعمونهم شركائي لدلالة الكلام عليهما {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي حقت عليهم كلمة العذاب، وهم رؤساء الضلال الذين اتخذوهم أرباباً من دون الله، كذا قال الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين {رَبَّنَا هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا } أي دعوناهم إلى الغواية يعنون الأتباع {أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أي أضللناهم كما ضللنا {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم، والمعنى: أن رؤساء الضلال، أو الشياطين تبرّؤوا ممن أطاعهم. قال الزجاج: برىء بعضهم من بعض، وصاروا أعداء كما قال الله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } تفسير : [الزخرف: 67]، و{هؤلاء} مبتدأ، {والذين أغوينا} صفته، والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر: {أغويناهم}، و{كما غوينا} نعت مصدر محذوف. وقيل: إن خبر هؤلاء هو الذين أغوينا، وأما {أغويناهم كما غوينا} فكلام مستأنف لتقرير ما قبله، ورجح هذا أبو عليّ الفارسي، واعترض الوجه الأوّل، وردّ اعتراضه أبو البقاء. {مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } وإنما كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل: إن «ما» في {ما كانوا} مصدرية، أي تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، والأول أولى. {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } أي قيل للكفار من بني آدم هذا القول، والمعنى: استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم {فَدَعَوْهُمْ } عند ذلك {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أي التابع والمتبوع قد غشيهم {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } قال الزجاج: جواب لو محذوف، والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم ذلك، ولم يروا العذاب. وقيل: المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم: وقيل: المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لعلموا أن العذاب حق. وقيل: المعنى: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل: قد آن لهم أن يهتدوا لو كانوا يهتدون. وقيل: غير ذلك. والأوّل أولى، ويوم في قوله: {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ } معطوف على ما قبله، أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي. {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـاء يَوْمَئِذٍ } أي خفيت عليهم الحجج حتى صاروا كالعمي الذين لا يهتدون، والأصل فعموا عن الأنباء، ولكنه عكس الكلام للمبالغة، والأنباء الأخبار، وإنما سمى حججهم أخباراً؛ لأنها لم تكن من الحجة في شيء، وإنما هي أقاصيص، وحكايات {فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } لا يسأل بعضهم بعضاً، ولا ينطقون بحجة ولا يدرون بما يجيبون، لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر، ولا حجة يوم القيامة. قرأ الجمهور: (عميت) بفتح العين، وتخفيف الميم. وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم. {فَأَمَّا مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أن تاب من الشرك وصدّق بما جاء به الرسل، وأدّى الفرائض واجتنب المعاصي فعسى أن يكون من المفلحين، أي الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهو من الله واجب على ما هو عادة الكرام. وقيل: إن الترجي هو من التائب المذكور لا من جهة الله سبحانه. {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } أي يخلقه {وَيَخْتَارُ } ما يشاء أن يختاره. {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم، واختاروهم أي الاختيار إلى الله {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أي التخير، وقيل: المراد من الآية: أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار، بل الاختيار هو إلى الله عزّ وجلّ. وقيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وقيل: هذه الآية جواب عن اليهود حيث قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال الزجاج: الوقف على {ويختار} تام على أن "ما" نافية. قال: ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب بـ {يختار}، والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأوّل لإجماعهم على الوقف. وقال ابن جرير: إن تقدير الآية: ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في غاية من الضعف. وجوّز ابن عطية أن تكون «كان» تامة، ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة. وهذا أيضاً بعيد جداً. وقيل: إن «ما» مصدرية، أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير، والراجح أوّل هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } تفسير : [الأحزاب: 36] والخيرة: التخير كالطيرة فإنها التطير، اسمان يستعملان استعمال المصدر، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } أي تنزّه تنزّهاً خاصاً به من غير أن ينازعه منازع، ويشاركه مشارك {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن إشراكهم. {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } أي تخفيه من الشرك، أو من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من جميع ما يخفونه مما يخالف الحق {وَمَا يُعْلِنُونَ } أي يظهرونه من ذلك. قرأ الجمهور: {تكن} بضم التاء الفوقية وكسر الكاف. وقرأ ابن محيصن وحميد بفتح الفوقية وضم الكاف. ثم تمدح سبحانه وتعالى بالوحدانية والتفرّد باستحقاق الحمد، فقال: {وَهُوَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ } أي الدنيا {وَٱلآخِرَةِ } أي الدار الآخرة {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ } يقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالبعث، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، لا ترجعون إلى غيره. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } قال: قال الله: لم نهلك قرية بإيمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا، وظلموا فبذلك هلكوا. وأخرج مسلم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله عزّ وجلّ: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني» تفسير : الحديث بطوله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا، وأعطش ما كانوا، وأعرى ما كانوا، فمن أطعم لله عزّ وجلّ أطعمه الله، ومن كسا لله عزّ وجلّ كساه الله، ومن سقى لله عزّ وجلّ سقاه الله، ومن كان في رضا الله كان الله على رضاه»تفسير : . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأنبَـاء } قال: الحجج {فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } قال: بالأنساب. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح تعليم الاستخارة وكيفية صلاتها ودعائها، فلا نطول بذكره.
الماوردي
تفسير : قوله: {بَطِرَتْ مَعَيشَتَهَا} والبطر الطغيان بالنعمة.وفيه وجهان: أحدها: يعني بطرت في معيشتها، قاله الزجاج. الثاني: أبطرتها معيشتها، قاله الفراء. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلَكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمَّهَا رَسُولاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في أوائلها، قاله الحسن. الثاني: في معظم القرى من سائر الدنيا، حكاه ابن عيسى. الثالث: أن أم القرى مكة، قاله قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَطِرَتْ} البطر: الطغيان بالنعمة {مَعِيشَتَهَا} في معيشتها قاله الزجاج أو أبطرتها معيشتها.
ابو السعود
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي وكثيرٌ من أهلِ قريةٍ كانت حالُهم كحالِ هؤلاءِ في الأمنِ وخفضِ العيشِ والدَّعةِ حتَّى أشِرُوا فدمَّرنا عليهم وخرَّبنا ديارَهم {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ} خاويةٌ بما ظلمُوا {لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ} من بعدِ تدميرِهم {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا زماناً قليلاً إذْ لا يسكنُها إلا المارَّةُ يوماً أو بعضَ يومٍ أو لم يبقَ من يسكنُها إلا قليلاً من شؤمِ معاصيِهم {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ} منهم إذ لم يخلفهم أحدٌ يتصرَّفُ تصرَّفَهم في ديارِهم وسائرِ ذاتِ أيديهم. وانتصابُ معيشتَها بنزعِ الخافضِ أو بجعلِها ظرفاً بنفسِها كقولِك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ أو بإضمارِ زمانٍ مضافٍ إليه أو بجعلِه مفعولاً لبطرتْ بتضمينِ معنى كفرتْ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} بـيانٌ للعنايةِ الربَّانيةِ إثرَ بـيانِ إهلاكِ القُرى المذكورةِ أي وما صحَّ وما استقامَ بل استحال في سنَّته المبنيةِ على الحكمِ البالغةِ أو ما كان في حكمِه الماضِي وقضائِه السَّابق أنْ يُهلكَ قبلَ الإنذارِ بل كانتْ عادتُه أنْ لا يهلكَها {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا} أي في أصلِها وقُصبتِها التي هي أعمالُها وتوابعُها لكون أهلِها أفطنَ وأنبلَ {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا} الناطقةَ بالحقِّ ويدعُوهم إليه بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ وذلك لإلزام الحجَّة وقطع المعذرةِ بأنْ يقولوا: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فنتبعَ آياتِك. والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لتربـيةِ المهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ. وقولُه تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ} عطفٌ على ما كانَ ربُّك. وقولُه تعالى: {إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي وما كنَّا مهلكينَ لأهلِ القُرى بعد ما بعثنا في أمِّها رسولاً يدعُوهم إلى الحقِّ ويُرشدهم إليه في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونِهم ظالمينَ بتكذيبِ رسولِنا والكفرِ بآياتِنا فالبعثُ غايةٌ لعدمِ صحَّة الإهلاكِ بموجبِ السنَّة الإلٰهيةِ لا لعدمِ وقوعِه حتَّى يلزمَ تحققُ الإهلاكِ عقيبَ البعثِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ بني إسرائيلَ. {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْء} من أمور الدُّنيا {فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} أي فهو شيءٌ شأنه أنْ يتمتَّعَ ويتزينَ به أياماً قلائل {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} وهو الثَّوابُ {خَيْرٌ} في نفسِه من ذلك لأنَّه لذَّةٌ خالصةٌ عن شوائبِ الألم وبهجةٌ كاملة عارية عن سِمةِ الهمِّ {وَأَبْقَىٰ} لأنَّه أبديّ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ألا تتفكرونَ فلا تعقلون هذا الأمرَ الواضحَ فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ. وقُرىء بالياءِ على الالتفات المبنيِّ على اقتضاء سوء صنيعهم الإعراضَ عن مخاطبتِهم.
القشيري
تفسير : لم يعرفوا قَدْرَ نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظامَ أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوهِهم، فَخَرُّوا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم اللَّهُ من كاساتِ الهوان ما كسر خمارَ بَطَرِهم؛ فماكنهم منهم خالية، وسقوفُها عليهم خاوية، وغِربانُ الدمار فيها ناعية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "كم": منصوب بأهلكنا. والبطر: الطغيان عند النعمة. قال في القاموس: البَطَر - محركة: النشاط، والأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش، والحيرة، والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية، فعلى الكل: كفرح. هـ. و(معيشتها) نصب بحذف الجار واتصال الفعل، أي: في معيشتها. وجملة (لم تسكن): حال، والعامل فيها: الإشارة. يقول الحق جل جلاله: {وكم أهلكنا من قرية}، أي: كثيراً أهلكنا من أهل قرية، كانت حالهم كحالهم في الأمن والدعة، وخصب العيش، مِنْ وصفها {بَطِرَتْ} في {مَعِيشَتها}، أي: طغت وتجبرت ولم تشكر، بل قابلتها بالبطر والطغيان. قال القشيري: لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أموالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوهم، وخَرُّوا في وَهدة الطغيان على أذقانهم، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. {فتلك مساكنهم} خاوية، أو: فتلك منازلهم باقية الآثار، يشاهدونها في الأسفار؛ كبلاد ثمود، وقرى لوط، وقوم شعيب، وغيرهم، {لم تُسكن من بعدهم إلا قليلاً} من السكنى، أي: لم يسكنها إلا المسافر، أو مار بالطريق؛ يوماً أو ساعة، {وكنا نحن الوارثين} لتك المساكن من سكانها، أي: لا يملك التصرف فيها غيرنا. وفيه إشارة لوعد النصر لمتبع الهدى، وأن الوراثة له، لا أنه يتخطف كما قد قيل، بل يقع الهلاك على من لم يشكر نعمة الله، ويتبع هواه، فكيف يخاف من تكون عاقبته الظفر ممن يكون عاقبته الدمار والتبار؟ والحاصل: إنما يلحق الخوف من لم يتبع الهدى، فإنه الذي جرت سنة الله في بالهلاك، وأما متبع الهدى؛ فهو آمن والعاقبة له. {وما كان ربك}؛ وما كانت عادته {مُهلك القرى} بذنب {حتى يبعث في أُمِّها}، أي: القرية التي هي أصلها ومعظمها؛ لأن أهلها يكونون أفطن وأقبل. {رسولاً}؛ لإلزام الحجة وقطع المعذرة، أو: ما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أمها، وهي مكة؛ لأن الأرض دحيت من تحتها. {رسولاً} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، {يتلوا عليهم آياتنا}؛ القرآن، {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلُها ظالمون}، أي: وما أهلكناهم للانتقام، إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم، وهو إصرارهم على الكفر والمعاصي، والعناد، بعد الإعذار إليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم خَرَّبْنَا من قلوب وأخليناها من النور، حيث طغت وتجبرت في معيشتها، وانشغلت بحظوظها وشهواتها، فتلك أماكنها خاوية من النور، لم تُسكن بالنور إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين لها، فأعطينا ذلك النور غيرها، وما فعلنا ذلك حتى بعثنا من يُذكرها ويُنذرها، وما كنا مهلكي قلوبٍ وَمُتْلِفيهَا إلا وأهلها ظالمون، بإيثار الغفلة والشهوة على اليقظة والعفة. والله تعالى أعلم. وسبب هلاك هو حب الدنيا، ولذلك حقرّ الله تعالى شأنها، فقال: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ...}
الجنابذي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} عطف على قوله {أَوَلَمْ نُمَكِّن} وجمع بين الوعد والوعيد والتّرغيب والتّرهيب {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} بطر اهلها السعة معيشتها {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} من سوء افعالهم فاتّقوا يا اهل مكّة مثل افعالهم {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} لمساكنهم واموالهم واجسادهم وارواحهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} كقوله: (أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ)تفسير : [النحل: 112] أي: فأهلكناهم، يعني من أهلك من القرون الأولى. {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} كقوله: (أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) تفسير : [مريم: 40]. قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى} أي: معذبهم، يعني هذه الأمة {حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا} وأمها: مكة، هي أم القرى. والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم، قال: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} وقال في آية أخرى مدنية في النحل بعد هذه الآية: {أية : وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَت ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً}تفسير : ، والرغد ألا يحاسبها أحد بما رزقها الله {أية : مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ}تفسير : أي: كفر أهلها، وهي مكة {أية : فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ} تفسير : محمد صلى الله عليه وسلم {أية : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : أي: وهم مشركون. قوله {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: الجنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين. ثم قال على الاستفهام: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} أي: الجنة {فَهُوَ لاَقِيهِ} أي: داخل الجنة {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ} أي: في النار، أي: إنهما لا يستويان، أي: لا يستوي من يدخل الجنة ومن يدخل النار. وبعضهم يقول: نزلت في النبي عليه السلام وأبي جهل.
اطفيش
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي من أهل قرية أو سمي الحال باسم المحل. {بَطِرَتْ} البطر عدم الشكر. {مَعِيشَتَهَا} مصدر ميمي بمعنى العيش أو المراد ما يعاش به دمرهم الله لما لم يشكروا النعمة وحالهم كحالكم يأهل مكة فأحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم والنصب على نزع الخافض أي في معيشتها أو على الظرفية المكانية المجازية كقولك زيد ظني مقيم أو الظرفية الزمانية بتقدير مضاف أي أيام معيشتها كقولك أجبي، مقدم الحاج أي زمان قدومهم أو على التشبيه بالمفعول به أو على المفعولية بتضمين بطرت معنى كفرت. {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلاً} إلا زمانا قليلا أو سكنا قليلا قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يسكنها إلا المسافر أو مار طريق أو قليلا مستثنى من الفاعل المحذوف الذي غاب عنه المستتر أي لم يبق من يسكنها إلا قليلا أو من الضمير المستتر أي لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها فقد سكن وأكثرها خراب. {وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} اذ لم يخلفهم فيها أحد يتصرف فيها تصرفهم.
اطفيش
تفسير : {وكم أهْلكنا من قَريةٍ} من أهل قرية، القرية أهلها على ما مر {بَطِرتْ} أهانت ولم تشكر {معيشَتَها} بمعنى رزقها الذى رزقناها، تعيش به فى لين وسعة، ويجوز تقدير فى معيشتها على قول الأخفش، ونصبه على الظرفية، أى بطرت حال عيشها، أى حياتها كجئت طلوع الفجر {فتلْكَ} أى ديار القرية التى رأيتم بقيتها فى أسفاركم، كحجر ثمود مبتدأ خبره قوله: {مساكنُهم} وقوله: {لَمْ تُسكَن من بعدهم إلاَّ قليلاً} خبر ثان، أو مساكن بدل أو بيان، وما بعده خبر، والمعنى لم يسكنها أحد بعد إهلاكهم إلا سكنا قليلا، أو زمانا قليلا كما يقيل: المسافرون فيها، أو يبيتون فيها، أو نحو ذلك، وإن سكن بعض منها على استمرار، فالقلة باعتبار قلة الساكنين، وإذا جاز هذا جاز أن يكون النصب على الاستثناء من ضمير تسكن، إلا أن المتبادر ما مر {وكنَّا نَحْن الوارثين} لم يملكها أحد بعدهم سوانا، كمن مات وورثه غيره، وهنا خاف أهل مكة أن يقع عليهم مثل ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي وكثيراً من أهل قرية كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم {فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ } التي تمرون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا حال كونها. {لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ } من بعد تدميرهم {إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا زماناً قليلاً إذ لا يسكنها إلا المارة يوماً أو بعض يوم أو إلا سكناً قليلاً وقلته باعتبار قلة الساكنين فكأنه قيل: لم يسكنها من بعدهم إلا قليل من الناس. وجوز أن يكون الاستثناء من المساكن أي إلا قليلاً منها سكن وفيه بعد. {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوٰرِثِينَ } منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر ذات أيديهم، وفي «الكشاف» أي تركناها على حال لا يسكنها أحد أو خربناها وسويناها بالأرض وهو مشير إلى أن الوراثة إما مجرد انتقالها من أصحابها وإما إلحاقها بما خلقه الله تعالى في البدء فكأنه رجع إلى أصله ودخل في عداد خالص ملك الله تعالى على ما كان أولاً وهذا معنى الإرث، وانتصاب {معيشتها} على التمييز على مذهب الكوفيين، أو مشبه بالمفعول به على مذهب بعضهم، أو مفعول به على تضمين بطرت معنى فعل متعد أي كفرت معيشتها ولم ترع حقها على مذهب أكثر البصريين أو على إسقاط {فِى } أي في معيشتها على مذهب الأخفش، أو على الظرف نحو جئت خفوق النجم على قول الزجاج.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : أوَ لم نمكّن لهم حرماً آمناً}تفسير : [القصص: 57] باعتبار ما تضمنته من الإنكار والتوبيخ، فإن ذلك يقتضي التعرض للانتقام شأن الأمم التي كفرت بنعم الله فهو تخويف لقريش من سوء عاقبة أقوام كانوا في مثل حالهم من الأمن والرزق فغمِطوا النعمة وقابلوها بالبطر. والبطَر: التكبر. وفعله قاصر من باب فَرِح، فانتصاب {معيشتها} بعد {بطرت} على تضمين {بطرت} معنى (كفرت) لأن البَطر وهو التكبر يستلزم عدم الاعتراف بما يُسدى إليه من الخير. والمراد: بطِرت حالة معيشتها، أي نعمة عيشها. والمعيشة هنا اسم مصدر بمعنى العيش والمراد حالته فهو على حذف مضاف دل عليه المقام، ويعلم أنها حالة حسنة من قوله: {بطرت} وهي حالة الأمن والرزق. والإشارة بــــ(تلك) إلى {مساكنهم} الذي بيّن به اسم الإشارة لأنه في قوة تلك المساكن. وبذلك صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن منزَّل منزلة الحاضر بمرأى السامع، ولذلك فقوله: {لم تُسكن من بعدهم} خبر عن اسم الإشارة والتقدير: فمساكنهم لم تُسكَن من بعدهم إلا قليلاً. والسكنى: الحلول في البيت ونحوه في الأوقات المعروفة بقصد الاستمرار زمناً طويلاً. ومعنى {لم تُسكْن من بعدهم} لم يتركوا فيها خلفاً لهم. وذلك كناية عن انقراضهم عن بكرة أبيهم. وقوله {إلا قليلاً} احتراس أي إلا إقامة المارين بها المعتبرين بهلاك أهلها. وانتصب {قليلاً} على الاستثناء من عموم أزمان محذوفةٍ. والتقدير: إلا زماناً قليلاً، أو على الاستثناء من مصدر محذوف. والتقدير: لم تسكن سكناً إلاّ سكناً قليلاً، والسَّكْن القليل: هو مطلق الحلول بغير نية إطالة فهي إلمام لا سكنى. فإطلاق السكنى على ذلك مشاكلة ليتأتى الاستثناء، أي لم تسكن إلا حلول المسافرين أو إناخة المنتجعين مثل نزول جيش غزوة تبوك بحجر ثمود واستقائهم من بئر الناقة. والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية خلاء لا يعمرها عامر، أي أن الله قدر بقاءها خالية لتبقى عبرة وموعظة بعذاب الله في الدنيا. وبهذه الآية يظهر تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مرّ في طريقه إلى تبوك بحجْر ثمود فقال: «حديث : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبك مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين»تفسير : أي خائفين أي اقتصاراً على ضرورة المرور لئلا يتعرضوا إلى تحقق حقيقة السكنى التي قدر الله انتفاءها بعد قومها فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقاً لقدره. وجملة {وكنا نحن الوارثين} عطف على جملة {لم تُسكن من بعدهم} وهو يفيد أنها لم تسكن من بعدهم فلا يحلُّ فيها قوم آخرون بعدهم فعُبِّر عن تداول السكنى بالإرث على طريقة الاستعارة. وقصْر إرث تلك المساكن على الله تعالى حقيقي، أي لا يرثها غيرنا. وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن. وتلك الكناية رمز إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن فعاقبها بالحرمان من بهجة المساكن لأن بهجة المساكن سكانها، فإن كمال الموجودات هو به قوام حقائقها.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَسَاكِنُهُمْ} {ٱلْوَارِثِينَ} (58) - يُعَرِّضُ الله تَعَالى بأهلِ مَكَّةَ، وَيُنَبِّهُهُمْ إِلى أَنَّهُ قَدْ سَبَق لَهُ أَنْ أَهلَكَ كَثيراً مِنَ المُدُنِ والقُرى، التي طَغَتْ وأَشِرَتْ وكَفَرَت بِنِعْمَةِ اللهِ، فِيما أَنْعَمَ بهِ عَلَيها، فَدَمَّرَهَا تَدمِيراً، وَلَم يَتْرُكْ أَحَداً مِنْ أهلِها حياً، وَلَم يَعُدْ يُرى فِيها إِلاّ المَسَاكِنُ الخَرَابُ المَهْجُورَةُ، لَمْ يَسْكُنها أَحدٌ بَعدَهُمْ، إِلاَّ عَابِرُو السَّبِيلِ لفَتَراتٍ قَصِيرةٍ، وَهُمْ مَارُّون مُجْتَازُونَ بِها، وَآلتْ وِرَاثَتُها إِلى اللهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهلِهَا أَحَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ وِرَاثَتَها. كَمْ أَهْلَكْنا - كَثَيراً مَا أَهْلَكْنا. بَطِرَتْ مَعِيشَتها - طَغَتْ وَتَمَرَّدَتْ فِي أَيَّامِ حَيَاتِها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {وَكَمْ} [القصص: 58] كم هنا خبرية تفيد الكثرة، كأنك تركتَ الجواب ليدل بنفسه على الكثرة، كما تقول لمن ينكر جميلك، ولا تريد أنْ تُعدد أياديك عليه: كم أحسنتُ إليك، يعني: أنا لن أُعدِّد، وسوف أرضى بما تقوله أنت لأنك واثق أن الإجابة سوف تكون في صالحك، وعندها لا يملك إلا أن يقول: نعم هي كثيرة. فكم هنا تعني الكثرة، وينطق بها المخاطب لتكون حجة عليه. ومعنى: {مِن قَرْيَةٍ} [القصص: 58] من للعموم أي: من بداية ما يُقال له قرية {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] البطر: أن تنسى شُكْر المُنعِم على نِعمه، أي: أنه سبحانه لم يرد ذكره على بالك وأنت تتقلَّبَ في نِعمه، أو يكون البطر باستخدام النعمة في معصية المنعم عز وجل. ومن البطر أن يتعالى المرء على النعمة، أو يستقلها ويراها أقلّ من مستواه، كالولد الذي تأتي له أمه مثلاً بطبق العدس فيتبرَّم به، وربما لا يأكل، فتقول الأم كما نقول في العامية: أنت (بتتبطر) على نعمة ربنا؟ كلمة في لغتنا العامية لكن لها أصل في الفصحى. إذن: من البطر أنْ تتجبَّر، أو تتكبر، أو تتعالى على نعمة الله، فلا ترضى بها، وتطلب أعلى منها. ومعنى {مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] أي: أسباب معيشتها {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} [القصص: 58] فما داموا قد بطروا نعمة الله فلا بُدَّ أن يسلبها من أيديهم، وإنْ سُلبتْ نِعم الله من بلد هلكوا، أو رحلوا عنها {إِلاَّ قَلِيلاً} [القصص: 58] هم الذين يقيمون بعد هلاك ديارهم. {وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} [القصص: 58] نرثهم لأنهم لم يتركوا مَنْ يرثهم، وإذا تُرِك مكان بلا خليفة يرثه آل ميراثه إلى الله تعالى. وفي آية أخرى يعالج الحق سبحانه هذه القضية بصورة أوسع، يقول تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النحل: 112] يعني: بطرت بنعمه تعالى {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ..} تفسير : [النحل: 112]. ومعنى الكفر بالله: سَتْر وجود الله، والسَّتْر يقتضي مستوراً، فكأن الأصل أن الله تعالى موجود، لكن الكافر يستر هذا الوجود، وهكذا يكون الكفر نفسه دليلاً على الإيمان، فالإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه. ومثال ذلك قولنا: إن الباطل جُنْدي من جنود الحق، فحين يستشري الباطل يذوق الناس مرارته، ويكتوون بناره، فيعودون إلى الحق وإلى الصواب، ويطلبون فيه المخرج حين تعضُّهم الأحداث. وكذلك نقول بنفس المنطق: الألم أول جنود الشفاء؛ لذلك نجد أن أخطر الأمراض هو المرض الذي يتلصص على المريض دون أنْ يُشعره بأيِّ ألم، فلا يدري به إلا وقد استفحل أمره، وتفاقم خطره وعزَّ علاجه، لذلك نسميه - والعياذ بالله - المرض الخبيث. ففي قوله تعالى: {أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النحل: 112]. دليل على وجود النعم، ومع ذلك كفروا بها أي: ستروها، إما بعدم البحث في أسبابها، والتكاسل عن استخراجها، أو ستروها عن المستحق لها وضنُّوا بها على العاجز الذي لا يستطيع الكسب؛ لذلك يسلبهم الله هذه النعم ويحرمهم منها رغم قدرتهم. وهناك أشياء لو ظلت موجودة لأعطتْ رتابة، ربما فهموا منها أن هذه الأشياء إنما تأتيهم تلقائياً بطبيعة الأشياء، وحين يسلب الله منهم نعمه ويقطع هذه الرتابة، فإنما ليفهموا أن الرتابة في التكليفات تُضعِف الحكمة من التكليف، كيف؟ نقول: الحق - تبارك وتعالى - حرَّم علينا أشياء وأحلَّ لنا أشياء، فمثلاً حرَّم الله علينا الخمر حتى أصبحنا لا نشربها ولا حتى تخطر ببالنا، فأصبحت عادة رتيبة عندنا، والله تعالى يريد أنْ يُديم على الإنسان تكليفَ العبادة، حتى لا يعتادها فيفعلها بالعادة، فيكسر هذه العادة مثلاً في صوم رمضان. ويُحرِّم عليك ما كان حلالاً لك طوال العام، وقد اعتدْتَ عليه، فيأتي رمضان وتكليف الصيام ليُحرِّم عليك الطعام الذي كنت تأكله بالأمس، ذلك لتظل حرارة العبادة موجودةً تُشوِّق العبد إليها، وتُعوِّده الانضباط في أداء التكاليف. ثم يذكر العقاب على الكفر بنعمة الله {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ..} تفسير : [النحل: 112] والجوع له مظهران: أنْ تطلبه البطن في أول الأمر، فإنْ زاد الجوع ضعُفَتْ الجوارح، وتألمتْ الأعضاء كلها، وذاقتْ ألم الجوع، والله تعالى يريد أنْ يُرينا إحاطة هذا الألم، فشبَّهه باللباس الذي يحيط بالجسم كله، ويلفّه من كل نواحيه. وهذه سُنَّة الله في القُرى الظالمة، كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} الآية هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من انعام الله تعالى عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر والبطر فدمرهم الله تعالى وخرب ديارهم ومعيشتها منصوب على التمييز على مذهب الكوفيين أو مشبه بالمفعول على مذهب بعضهم أو مفعول به على تضمين بطرت أي خسرت أو على إسقاط في أي في معيشتها أو على الظرف على حذف مضاف أي أيام معيشتها وتقدم ذكر المساكن. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ} تقدم الكلام عليه لما ذكر تعالى تفاوت بين ما أوتوا من المتاع والزينة وما عند الله من الثواب قال: فبعد هذا التفاوت الظاهر يسوي بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا والفاء في فهو لاقيه للتسبب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في الخير وثم لتراخي حال الإِحضار عن حال التمتع بتراخي وقته عن وقته وقرىء ثم هو بضم الهاء وبسكونها أجري مجرى الفاء والواو فكما سكنوا جاء هو وهي نحو فهو وهي فكذلك سكنوها بعد ثم ومعنى من المحضرين أي المحضرين العذاب. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الآية نداؤه تعالى يحتمل أن يكون بواسطة أو بغير واسطة فيقول أين شركائي أي على زعمكم وهذا الاستفهام على جهة التوبيخ والتقريع والشركاء هم من عبدوه من دون الله تعالى من ملك أو غيره ومفعولاً يزعمون محذوفان أحدهما العائد على الموصول والتقدير يزعمونهم شركاء. {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي الشياطين وأئمة الكفر ورؤسه وحق أي وجب عليهم القول أي مقتضاه وهؤلاء مبتدأ والذين صفة له وأغوينا صلة للذين والعائد محذوف تقديره أغويناهم وأغويناهم خبر المبتدأ وتقيد بقوله: {كَمَا غَوَيْنَا} استفيد من الخبر ما لم يستفد من الصلة ويجوز أن يكون هؤلاء مبتدأ والذي وأغوينا خبر المبتدأ وأغويناهم استئناف أخبار مقيد بقوله: {كَمَا غَوَيْنَا}. {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} لما سئلوا أين شركاؤكم وأجابوا بغير جواب سئلوا ثانياً فقيل ادعوا شركاءكم وأضاف الشركاء إليهم أي الذين جعلتموهم شركاء لله وقوله: {ٱدْعُواْ} على سبيل التهكم لأنه يعلم أنه لا فائدة في دعائهم. {فَدَعَوْهُمْ} هذه السخافة عقولهم في ذلك الموطن أيضاً إذ لم يعلموا أن من كان موجوداً منهم في ذلك الموطن لا يجيبهم والضمير في رأوا قيل للتابع والمتبوع وجواب لو محذوف والظاهر أن يقدر مما يدل عليه ما يليه أي لو كانوا مؤمنين ما رأوا العذاب في الآخرة. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} حكى أولاً ما يوبخهم به من اتخاذ الشركاء ثم باستعانتهم بشركائهم ثم بما يبكتون به من الإِجتماع عليهم بإِرسال الرسل وإزالة العلل ومعنى عميت أظلمت عليهم الأمور فلم يستطيعوا أن يخبروا بما فيه نجاة لهم وأتى بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي لا يسأل بعضهم بعضاً فيما يتخلصون به إذ أيقنوا أنهم لا حجة منهم في عمى وعجز عن الجواب والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله. {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} نزلت بسبب ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقول بعضهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وقالت ذلك الوليد بن المغيرة. {وَمِن رَّحْمَتِهِ} من هنا للسبب أي وسبب رحمته إياكم جعل لكم الليل والنهار ثم علل جعل كل واحد منهما فبدأ بعلة الأول وهو الليل وهو لتسكنوا فيه ثم بعلة الثاني وهو النهار ولتبتغوا من فضله ثم بما يشبه العلة لجعل هذين الشيئين وهو لعلكم تشكرون أي هذه الرحمة والنعمة. وهذا النوع من علم البديع يسمى التفسير وهو أن تسمي أشياء ثم تفسرها بما يناسبها والضمير في فيه عائد على الليل ومن فضله يجوز أن يكون عائدا على الله تعالى والتقدير من فضل الله أي في النهار وحذف لدلالة المعنى عليه ولدلالة لفظ فيه السابق عليه. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الآية تقدم الكلام عليها وكرر هنا على جهة الإِبلاغ والتأكيد * وقارون إسم أعجمي امتنع من الصرف للعلمية والعجمة قيل ومعنى كان من قومه أي آمن به وهو إسرائيلي بإِجماع واختلف في قرابته من موسى عليه السلام اختلافاً كثيراً قال ابن عباس: أنه ابن عمه وهو قارون بن يضهر بن قاهث جد موسى لأن النساب ذكروا نسبه كذلك وكان يسمى المنور لحسن صورته وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم فنافق كما نافق السامري. {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} ذكروا من أنواع بغيه الكفر والكبر وحسده لموسى عليه السلام على النبوة ولهارون على الذبح والقربان وظلمه بني إسرائيل حين ملكه فرعون عليهم ودسه بغياً تكذب عليه أنه تعرض لها وتفضحه بذلك بين ملأ بني إسرائيل ومن تكبره أنه زاد في ثيابه شبراً. {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ} قيل أظفره الله تعالى بكنز من كنوز يوسف عليه السلام وقيل سميت أمواله كنوزاً إذ كان ممتنعاً من أداء الزكاة وبسبب ذلك عادى موسى عليه السلام أول عداوته وما موصولة صلتها أن ومعمولاها وتقدم الكلام على مفاتح في سورة الأنعام. {لَتَنُوءُ} أي لتثقل والصحيح أن الباء للتعدية أي لتنيء العصبة وتقدم تفسير العصبة والمراد وآتيناه من الكنوز ما ان حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها يتعب حفظها القائمين عليها. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ} نهوه عن الفرح المطغي الذي هو إنهماك وإنحلال نفس وأشر وإعجاب وإنما يفرح بإِقبال الدنيا عليه من اطمأن إليها وغفل عن أمر الآخرة قال الزمخشري: ومحل إذ منصوب بتنوء "انتهى" هذا ضعيف جداً لأن إثقال المفاتيح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه له لا تفرح قال ابن عطية: وهو متعلق بقوله: فبغى عليهم "انتهى" هذا ضعيف أيضاً لأن بغيه عليهم لم يكن مقيداً بذلك الوقت وقال أبو البقاء إذ قال له قومه ظرف لآتيناه وهذا ضعيف أيضاً لأن الإِيتاء لم يكن وقت ذلك القول وقال أيضاً ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى عليهم إذ قال له قومه "انتهى" ويظهر لي أن يكون تقديره فأظهر التفاخر والفرح بما أوتي من الكنوز إذ قال له قومه لا تفرح ولما نهوه عن الفرح المطغي أمروه بأن يطلب فيما آتاه الله من الكنوز وسعة الرزق ثواب الدار الآخرة بأن يفعل فيه أفعال البر ويجعله زاداً إلى الآخرة. {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} قال ابن عباس معناه ولا تضيع عمرك في أن لا تعمل صالحاً. {عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} قيل هي الكيمياء وقيل هي غير ذلك. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} قيل كان يوم السبت أي أظهر ما يقدر عليه من الملابس والمراكب وزينة الدنيا. قيل في ثياب حمر وقيل هو وحشمه في ثياب معصفرة وقيل في ثياب الأرجوان وقيل على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه وقيل عليهم وعلى حيواناتهم الديباج الأحمر وعلى يمينه ثلثمائة غلام وعلى يساره ثلثمائمة جارية بيض عليهم الحلى والديباج وقيل في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات وهو أول يوم رئي فيه المعصفر وقيل غير ذلك من الكيفيات ما الله أعلم بصحة ذلك. {وَيْكَأَنَّهُ} هي كاف التشبيه الداخلة على أن وكتبت وي متصلة بكاف التشبيه لكثرة الاستعمال وأنشد سيبويه: شعر : كأن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعض عيش ضر تفسير : وحكى الفراء أن امرأة قالت لزوجها أين ابنك فقال: ويكأنه وراء البيت وقال الأخفش هي ويك وينبغي أن تكون الكاف حرف خطاب فلا موضع له من الإِعراب والوقف عليه ويك ومنه قوله عنترة* شعر : ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : {وَلاَ فَسَاداً} جاء النفي بلا فدل على أن كل واحد من العلو والفساد مقصود لا مجموعها. {فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} قيل العمل به. {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قيل هي مكة أراد ردّه إليها يوم الفتح وقيل غير ذلك. {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} هم المشركون. {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ} تذكير لنعمه تعالى على رسوله وأنه تعالى رحمه رحمة لم يتعلق بها رجاؤه. {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى دين ربك وهذه المناهي كلها ظاهرها أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في الحقيقة لاتباعه والهلاك يطلق بإِزاء العدم المحض فالمعنى أن الله يعدم كل شىء سواه وبإِزاء نفي الإِنتفاع به اما للأماتة أو لتفريق الأجزاء وإن كانت باقية يقال هلك الثوب لا يريدون فناء أجزائه ولكن خروجه عن الإِنتفاع به ومعنى. {إِلاَّ وَجْهَهُ} أي إلا إياه. {لَهُ ٱلْحُكْمُ} أي فصل القضاء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إلى جزائه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):