٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} أي القرى الكافر أهلها. {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} قرىء بضم الهمزة وكسرها لإتباع الجر يعني مكة و{رَسُولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وقيل: {فِي أُمِّهَا} يعني في أعظمها {رَسُولاً} ينذرهم. وقال الحسن: في أوائلها. قلت: ومكة أعظم القرى لحرمتها وأوّلها، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 96] وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها؛ لأن الرسل تبعث إلى الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أمّ ما حولها. وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة «يوسف». {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} {يَتْلُوا} في موضع الصفة أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا. {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ} وسقطت النون للإضافة مثل {أية : ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النحل: 28]. {إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان لعدله وتقدّسه عن الظلم. أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم. ونزّه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال عز من قائل: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} تفسير : [هود: 117] فنصّ في قوله {بِظُلْمٍ} على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلماً لهم منه، وأن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دلّ على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143]. قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} يا أهل مكة {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} أي تتمتعون بها مدّة حياتكم، أو مدّة في حياتكم، فإما أن تزولوا عنها أو تزول عنكم. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي أفضل وأدوم، يريد الدار الآخرة وهي الجنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن الباقي أفضل من الفاني. قرأ أبو عمرو: {يَعْقِلُونَ} بالياء. الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار لقوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم}. قوله تعالى: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} يعني الجنة وما فيها من الثواب {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فأعطي منها بعض ما أراد. {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} أي في النار. ونظيره قوله: {أية : وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} تفسير : [الصافات: 57] قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل بن هشام. وقال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة وعليّ، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد. وقيل: في عمار والوليد بن المغيرة؛ قاله السدي. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم. الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } بظلم منها {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا } أي أعظمها {رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَٰلِمُونَ } بتكذيب الرسل.
ابن عطية
تفسير : إن كانت الإرادة بـ {القرى} المدن التي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فـ"أم القرى" مكة، وإن كانت الإرادة {القرى} بالإطلاق في كل زمن فـ {أمها} في هذا الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو بمثابة مكة في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت أم القرى كلها أيضاً من حيث هي أول ما خلق من الأرض ومن حيث فيها البيت، ومعنى الآية أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، و"الظلم" هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق، ثم خاطب تعالى قريشاً محقراً لما كانوا يفخرون به من مال وبنين وغير ذلك من قوة لم تكن عند محمد صلى الله عليه وسلم ولا عند من آمن به فأخبر تعالى قريشاً أن ذلك متاع الدنيا الفاني وأن الآخرة وما فيها من النعم التي أعدها الله لهؤلاء المؤمنين {خير وأبقى}، ثم وبخهم بقوله تعالى: {أفلا تعقلون}، وقرأ الجمهور "أفلا يعقلون" بالياء، وقرأ أبو عمرو وحده بالتاء من فوق، وروي عنه بالياء، كذا قال أبو علي في الحجة، وذلك خلاف ما حكى أبو حاتم والناس، فإن نافعاً يقرأ بالتاء من فوق وهي قراءة الأعرج والحسن وعيسى، ثم زادهم توبيخاً بقوله {أفمن وعدناه وعداً حسناً} الآية، وقوله {أفمن وعدناه} يعم معناها جميع العالم لكن اختلف الناس فيمن نزلت، فقال مجاهد: الذي وعد الوعد الحسن هو محمد عليه السلام وضده أبو جهل، وقال مجاهد أيضاً: نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل في علي وأبي جهل، وقال قتادة: نزلت عامة في المؤمن والكافر كما معناها عام. قال القاضي أبو محمد: ونزولها عام بين الاتساق بما قبله من توبيخ قريش، و {من المحضرين}، معناه في عذاب الله قاله مجاهد وقتادة، ولفظة {محضرين} مشيرة إلى سوق بجبر، وقرأ طلحة "أمن وعدناه" بغير فاء، وقرأ مسروق "أفمن وعدناه نعمة منا فهو لاقيها".
ابن عبد السلام
تفسير : {أُمِّهَا} أوائلها "ح"، أو معظم القرى من سائر الدنيا، أو مكة.
النسفي
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } في كل وقت {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا } وبكسر الهمزة: حمزة وعلي أي في القرية التي هي أمها أي أصلها ومعظمها {رَسُولاً } لإلزام الحجة وقطع المعذرة أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها رسولاً، ــ يعني محمداً عليه السلام {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } أي القرآن {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } أي وما أهلكناهم للانتقام إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم وهو إصرارهم على كفرهم وعنادهم ومكابرتهم بعد الاعذار إليهم {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } وأي شيء أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياماً قلائل وهي مدة الحياة الفانية {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } وهو ثوابه {خَيْرٌ } في نفسه من ذلك {وَأَبْقَىٰ } لأنه دائم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن الباقي خير من الفاني. وخيّر أبو عمرو بين الياء والتاء والباقون بالتاء لا غير. وعن ابن عباس رضي الله عنهما. إن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن والمنافق والكافر. فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. ثم قرر هذه الآية بقوله: {أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْداً حَسَناً } أي الجنة فلا شيء أحسن منها لأنها دائمة ولذا سميت الجنة بالحسنى {فَهُوَ لاَقِيهِ } أي رائيه ومدركه ومصيبه {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } من الذين أحضروا النار ونحوه فكذبوه فإنهم لمحضرون. نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل لعنه الله، أو في علي وحمزة وأبي جهل، أو في المؤمن والكافر، ومعنى الفاء الأولى أنه لما ذكر التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله عقبه بقوله {أفمن وعدناه} أي أبعد هذا التفاوت الجلي يسوي بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة، والفاء الثانية للتسبيب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد. و «ثم» لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع ثم هو عليّ كما قيل عضدّ في عضد شبه المنفصل بالمتصل
البقاعي
تفسير : ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى، ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال: {وما كان} أي كوناً ما {ربك} أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي أعظمها وأشرفها، لأن غيرها تبع لها، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من الناصرة، وبعث في بيت المقدس {رسولاً يتلوا عليهم} أي أهل القرى كلهم {آياتنا} الدالة - بما لها من الجري على مناهيج العقول، على ما ينبغي لنا من الحكمة، وبما لها من الإعجاز - على تفرد الكلمة، باهر العظمة، إلزاماً للحجة، وقطعاً للمعذرة، لئلا يقولوا {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً} ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول من أم القرى كلها، وهي مكة البلد الحرام، وفيها لأنها مع كونها مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها الكلمة، فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع، وجازت الأثرين لأن الختام به واقع، وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه. ولما غيّى الإهلاك بالإرسال تخويفاً، ضرب له غاية أخرى تحريراً للأمر وتعريفاً، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال، على مقامه العال، بانتهاك الحرمات، عبر بأداة العظمة فقال: {وما كنا} أي بعظمتنا وغنانا {مهلكي القرى} أي كلها، بعد الإرسال {إلا وأهلها ظالمون*} أي عريقون في الظلم بالعصيان، بترك ثمرات الإيمان. ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف، فذكرهم نعمته عليهم بإقامة أسباب الأمن وإدرار الرزق، وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته، ويتقي أخذه لمن خالفه وبطشاته، وكان خوفهم من عواقب المتابعة إما على أنفسهم وإما على ما بأيديهم من المتاع، علم من ذلك كله قطعاً أن التقدير بما سبب التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين: فأنفسكم في خطر من خوف الهلاك من القادر عليكم كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة أشد من خطر الخوف من التخطف بسبب المتابعة، أو يكون التقدير: فما خفتم منه التخطف غير ضائركم، وكفكم عن المتابعة لأجله غير مخلدكم، فما إهلاككم على الله بأي وجه كان - بعزيز، فعطف على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره قوله: {وما أوتيتم} أي من أي مؤت كان {من شيء} أي من هذه الأشياء التي بأيدكم وغيرها {فمتاع} أي فهو متاع {الحياة الدنيا} وليس يعود نفعه إلى غيرها، فهو إلى نفاد وإن طال زمن التمتع به {وزينتها} أي وهو زينة الحياة الدنيا التي هي كلها - فضلاً عن زينتها - إلى فناء، فليست هي ولا شيء منها بأزلي ولا أبدي {وما عند الله} أي الملك الأعلى مما تثمره لكم المتابعة من الثواب الذي وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها دلالة واضحة إطباقكم على وصف هذه بالدنيا، ومن أصدق وعداً منه {خير} على تقدير مشاركة ما في الدنيا له في الخيرية في ظنكم، لأن الذي عنده أكثر وأطيب وأظهر، وأحسن وأشهى، وأبهج وأزهى، {و} هو مع ذلك كله {أبقى} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزلياً فهو أبدي. فلما بان أنه لا يقدم على خطر المخالفة المذكور خوفاً من خطر المتابعة الموصوف عاقل، توجه الإنكار عليهم في قوله تعالى: {أفلا تعقلون*}. ولما كان هذا سبباً لأن ظهر كالشمس بون عظيم بين حال المخالف والمؤالف، سبب عنه وأنتج قوله، مقرراً لما ذكر من الأمرين موضحاً لما لهما من المباينة، منكراً على من سوى بينهما، فكيف بمن ظن أن حال المخالف أولى: {أفمن وعدناه} على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق {وعداً} وهو الإثابة والثواب {حسناً} لا شيء أحسن منه في موافقته لأمنيته وبقائه {فهو} بسبب وعدنا الذي لا يخلف {لاقيه} أي مدركه ومصيبه لا محالة {كمن متعناه} أي بعظمتنا {متاع الحياة الدنيا} فلا يقدر أحد غيرنا على سلبه منه بغير إذن منا، ولا يصل أحد إلى جعله باقياً، وهو مع كونه فانياً وإن طال زمنه مشوب بالأكدار، مخالط بالأقذار والأوزار {ثم هو} مع ذلك كله {يوم القيامة} الذي هو يوم التغابن، من خسر فيه لا يربح أصلاً، ومن هلك لا يمكن عيشه بوجه {من المحضرين*} أي المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بطلاع الأرض ذهباً، فإن كل من يوكل به لحضور أمر يتنكد على حسب مراتب التوكيل كائناً من كان في أي أمر كان. ولما كان اليوم وإن كان واحداً يتعدد بتعدد أوصافه، بما يقع في أثناءه وأضعافه، على يوم القيامة تهويلاً لأمره، وتعظيماً لخطره وشره، قوله مقرراً لعجز العباد، عن شيء من الإباء في يوم العباد: {ويوم يناديهم} أي ينادي الله هؤلاء الذين يغرون بين الناس ويصدون عن السبيل، ويتعللون في أمر الإيمان، وتوحيد المحسن الديان {فيقول} أي الله: {أين شركاءي} أي من الأوثان وغيرهم؛ ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله: {الذين كنتم} أي كوناً أنتم عريقون فيه {تزعمون*} ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم. ولما كان اسم الشريك يقع على من سواه الإنسان بآخر في شيء من الأشياء، وكان الأتباع قد سووا المتبوعين الذين عبدوهم من الشياطين وغيرهم بالله تعالى في الخضوع لهم، والطواعية في عبادة الأوثان، ومعاندة الهداة ومعاداتهم، والصد عن أتباعهم، فكان اسم الشريك متناولاً لهم، وكان بطش من وقع الإشراك به يكون أولاً بمن عد نفسه شريكاً ثم بمن أنزله تلك المنزلة، فتشوفت النفس إلى مبادرة الرؤساء بالجواب خوفاً من حلول العقاب بهم وزيادتهم بقيادتهم عليهم، فقيل: قالوا - هكذا الأصل، ولكنه أظهر إعلاماً بالوصف الذي أوجب لهم القول فقال: {قال الذين حق} أي ثبت ووجب {عليهم القول} أي وقع عليهم معنى هذا الاسم وتناولهم، وهو العذاب المتوعد به بأعظم القول، وهم أئمة الكفر، وقادة الجهل، بإنزالهم أنفسهم منزلة الشركاء، وأفهم بإسقاط الأداة كعادة أهل القرب والتعبير بوصف الإحسان أنهم وصلوا بعد السماجة والكبر إلى غاية الترقق والذل، فقال معبراً عن قولهم: {ربنا هؤلاء} إشارة إلى الأتباع {الذين أغوينا} أي أوقعنا الإغواء وهو الإضلال بهم بما زينا لهم من الأقوال التي أعاننا على قبولهم أنها منا، مع كونها ظاهرة العوار، واضحة العار، ما خولتنا فيه في الدنيا من الجاه والمال؛ ثم استأنفوا ما يظنون أنه يدفع عنهم فقالوا: {أغويناهم} أي فغووا باختيارهم {كما غوينا} أي نحن لما أغوانا بما زين لنا من فوقنا حتى تبعناهم، لم يكن هناك إكراه منا ولا إجبار، مع ما أتاهم من الرسل ولهم من العقول، كما غوينا نحن باختيارنا، لم يكن ممن فوقنا إجبار لنا كما قال إبليس {أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} تفسير : [إبراهيم: 22] - فالآية من الاحتباك: حذف أولاً "فغووا" لدلالة {غوينا} عليه، وثانياً "لما أغوانا، من قبلنا" لدلالة {أغويناهم} عليه ومرادهم، بقولهم هذا السفساف أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم، وهذا معنى قولهم: {تبرأنا إليك} أي من أمرهم، فلا يلزمنا عقوبة بسببهم، فهو تقرير لما قبل وتصريح به. ولما كان يعلمون أنهم غير مؤمنين من أمرهم، تبرؤوا من انفرادهم بإضلالهم، فقالوا لمن كأنه قال: ما وجه براءتكم وقد أقررتم باغوائهم؟: {ما كانوا إيانا} أي خاصة {يعبدون*} بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء لهم إليه وحث عليه، فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على كل من كان سبباً في ذلك كما في الآية الأخرى {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} وضل عن الجهلة أن هذا لا يغنيهم عن الله شيئاًَ، فإن الكل في العذاب وليس يغني أحد منهم عن أحد شيئاً، قال {لكل ضعف ولكن لا تعلمون}.
القشيري
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً}: بالتكليف يأمرهم. ويأمر التكوين - على ما يريد - يقفهم. وهو - سبحانه - يبعث الرسلَ إنذاراً ويعمي السُّبَلَ عليهم اقتداراً؛ يُوَضِّحُ الحجةَ بحيث لا شبهة، ولكنه لا يهدي إلا مَنْ سَبَقَت له السعادة بحكم القسمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان ربك} وما كانت عادته فى زمان {مهلك القرى} قبل الانذار {حتى يبعث فى امها} اى فى اصلها واعظمها التى تلك القرى سوادها واتباعها وخص الاصل والاعظم لكون اهلها افطن واشرف والرسل انما بعثت غالبا الى الاشراف وهم غالبا يسكنون المدن والقصبات {رسولا يتلو عليهم آياتنا} الناطقة بالحق ويدعوهم اليه بالترغيب والترهيب وذلك لالزام الحجة وقطع المعذرة بان يقولوا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك. وفى التكملة الأم هى مكة والرسول محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لان الارض دحيت من تحتها فيكون المعنى وما كان ربك يا محمد مهلك البلدان التى هى حوالى مكة فى عصرك وزمانك حتى يبعث فى امها اى ام القرى التى هى مكة رسولا هو انت {وما كنا مهلكى القرى} بالعقوبة بعد بعثنا فى امها رسولا يدعوهم الى الحق ويرشدهم اليه فى حال من الاحوال {الا واهلها ظالمون} اى حال كون اهلها ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الاهلاك بموجب السنة الالهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الاهلاك عقيب البعث. دلت الآية على ان الظلم سبب الهلاك ولذا قيل الظلم قاطع الحياة ومانع النبات وكذا الكفران يقال النعم محتاجة الى الاكفاء كما تحتاج اليها الكرائم من النساء واهل البطر ليسوا من اكفاء النعم كما ان الارذال ليسوا اكفاء عقائل الحرم جمع عقيلة وعقيلة كل شىء اكرمه وحرم الرجل اهله فكما ان الكريمة من النساء ليست بكفؤ للرذيل من الرجال فيفرق بينهما للحوق العار فكذا النعمة تسلب من اهل البطر والكبر والغرور والكفران واما اهل الشكر فلا يضيع سعيهم بل يزداد حسن حالهم ولله تعالى رزق واسع فى البلاد ولا فرق فيه بين الشاكر والكفور من العباد كما قال الشيخ سعدى شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغماجه دشمن جه دوست تفسير : قال الشيخ عبد الواحد وجدنا فى جزيرة شخصا يعبد الاصنام فقلنا له انها لاتضر ولاتنفع فاعبدالله فقال وماالله قلنا الذى فى السماء عرشه وفى الارض بطشه قال ومن اين هذا الامر العظيم قلنا ارسل الينا رسولا كريما فلما ادى الرسالة قبضه الله اليه وترك عندنا كتاب الملك ثم تلونا سورة فلم يزل يبكى حتى اسلم فعلمناه شيئا من القرآن فلما صار الليل اخذنا مضاجعنا فكان لاينام فلما قدمنا عبادان جمعنا له شيئا لينفقه فقال هو لم يضيعنى حين كنت اعبد الصنم فكيف يضيعنى وانا الآن قد عرفته اى والعارف محبوب لله فهو اذا لايترك المحبوب فى يد العدو ومن العدو الفقر الغالب والألم الحاصل منه شعر : محالست جون دوست دارد ترا كه دردست دشمن كذارد ترا تفسير : فعلى العاقل ان يعرف الله تعالى ويعرف قدر النعمة فيقيدها بالشكر ولايضع الكفر موضع الشكر فانه ظلم صريح يحصل منه الهلاك مطلقا اما للقلب فبالاعراض عن الله ونسيان ان العطاء منه واما للقالب فبالبطش الشديد وكم رأينا فى الدهر من امثاله من خرب قلبه ثم خرب داره ووجد آخر الامر بواره ولكن الانسان من النسيان لايتذكر ولايعتبر بل يمضى على حاله من الغفلة ايقظنا الله واياكم من نوم الغفلة فى كل لحظة وشرفنا فى جميع الساعات باليقظة الكاملة المحضة
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} اى ما كان فى سجّيّته ان يهلك القرى من دون تنبيهٍ لهم وتذكير فلا يهلكها {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا} قريتها العظيمة الّتى كان رجوع الكلّ اليها {رَسُولاً} وهذا على الاغلب والاّ فقد بعث الله بعض الرّسل (ع) من الرّساتيق وكانوا لا يخرجون منها ويكون رجوع القرى العظيمة اليها، او على الاشارة الى التّأويل فانّ الرّسل (ع) اينما كانوا واينما بعثوا كانوا اصل القرى الانسانيّة ومرجعها ومعظمها وكان الرّسول الّذى هو اللّطيفة الانسانيّة الّتى اتّصفت بصفات الرّوحانيّين يبعث اوّلاً فى تلك القرية العظيمة الّتى هى مملكة وجود الرّسول (ع) ثمّ يبعث منها الى سائر القرى الانسانيّة {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} التّدوينيّة والآفاقيّة واحكامنا الّتى هى لوازم الرّسالة {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} بتكذيب الرّسل (ع) وسائر انواع الظّلم والكفر واصل الكلّ انكار الرّسل (ع).
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى} الكافر أهلها أي ما كانت عادته اهلاك القرى. {حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا} أصلها وقصتها التي هي اعمالها وتوابعها. {رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} قطعا للمعذرة أو ما كان في قضاء الله سبحانه أن يهلك القرى بالقتل والخراب حتى يبعث في أمها أي في مكة رسولا أي محمد صلى الله عليه وسلم وقد وقع بعد تكذيبهم عليهم القحط سبع سنين قبل الهجرة والقتل بعدها وقريء في أمها بكسر الهمزة تبعا للميم. {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} مشركون واهلاك القرية اهلاك اهلها أو خرابها باهلاك اهلها فتقرر ان الله عدل لطيف اذ كان لا يهلك القرية إلا لاصرارها على الشرك بعد البعث اليها.
اطفيش
تفسير : {وما كان ربُّك مُهْلك القُرى} ما صح، أو ما كان فى اللوح، أو فى الحكمة أو فى قضاء ربك أن يهلك أهل القرى {حتَّى يبْعَث فى أمها} أصلها التى ترجع إليها سائرها لكثرتها، وكثرة أهل بلد ادعى الى زيادة فطنة أهله ونبلهم، إذ هو محل كرسى المملكة والأحكام {رسُولاً يتْلو عليهم آياتنا} تعليما وترغيبا وترهيبا وقطعا للعذر، وإلا قالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا إلخ وذلك عموم، وذكر بعض أن القرى ما كان حول مكة على عهده صلى الله عليه وسلم، تستحق أن يهلكها الله إن لم يؤمنوا، إذ بعثه رسولا فى أم القرى، وهى مكة، وهو مروى عن قتادة. {وما كنَّا مُهْلكى القرى إلاَّ وأهْلها ظالمونَ} هذه الجملة حال من القرى، والقرى على ظاهره، لأنه ذكر أهلها بعد، وإن فسرت بالأهل أو قدر مضاف فأهلها فى موضع الضمير، أى إلا وهم ظالمون، والحكمة ذكرهم مرتين تأكيدا، ولأن إهلاك القرى إهلاك لأهلها، إذ لم يعتد اهلاك قرية وسلامة أهلها فيها، وإهلاك أهلها إهلاك لها إذ اقتضت الحكمة أن لا تعمر بعدهم.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار بل كانت سنته عز وجل أن لا يهلكها {حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا } أي في أصلها وكبيرتها التي ترجع تلك القرى إليها {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِنَا } الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب، وإنما لم يهلكهم سبحانه حتى يبعث إليهم رسولاً لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، وإنما كان البعث في أم القرى لأن في أهل البلدة الكبيرة وكرسي المملكة ومحل الأحكام فطنة وكيساً فهم أقبل للدعوة وأشرف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن قتادة أن أم القرى مكة والرسول محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد بالقرى القرى التي كانت في عصره عليه الصلاة والسلام والأولى أولى، والالتفات إلى نون العظمة في {آياتنا} لتربية المهابة وإدخال الروعة وقرىء {فِى إمّهَا } بكسر الهمزة اتباعاً للميم. {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ } عطف على {وَمَا كَانَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } {إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } استثناءً مفرغ من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك بموجب السنة الإلهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث.
ابن عاشور
تفسير : أعقب الاعتبار بالقرى المهلكة ببيان أشراط هلاكها وسببه، استقصاء للإعذار لمشركي العرب، فبين لهم أن ليس من عادة الله تعالى أن يهلك القرى المستأهلة الإهلاك حتى يبعث رسولا في القرية الكبرى منها لأن القرية الكبرى هي مهبط أهل القرى والبوادي المجاورة لها فلا تخفى دعوة الرسول فيها ولأن أهلها قدوة لغيرهم في الخير والشر فهم أكثر استعداداً لإدراك الأمور على وجهها فهذا بيان أشراط الإهلاك. و {القرى}: هي المنازل لجماعات من الناس ذوات البيوت المبنية، وتقدم عند قوله تعالى {أية : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية}تفسير : في [البقرة: 58]. وخصت بالذكر لأن العبرة بها أظهر لأنها إذا أهلكت بقيت آثارها وأطلالها ولم ينقطع خبرها من الأجيال الآتية بعدها ويعلم أن الحلل والخيام مثلها بحكم دلالة الفحوى. وإفراغ النفي في صيغة ما كان فاعلاً ونحوه من صيغ الجحود يفيد رسوخ هذه العادة واطرادها كما تقدم في نظائره منها قوله تعالى {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم}تفسير : في سورة [آل عمران: 79] وقوله {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} في سورة يونس (37). وقرى بلاد العرب كثيرة مثل مكة وجدة ومنى والطائف ويثرب وما حولها من القرى وكذلك قرى اليمن وقرى البحرين. وأم القرى هي القرية العظيمة منها وكانت مكة أعظم بلاد العرب شهرة وأذكرها بينهم وأكثرها مارة وزواراً لمكان الكعبة فيها والحج لها. والمراد بإهلاك القرى إهلاك أهلها. وإنما علق الإهلاك بالقرى للإشارة إلى أن شدة الإهلاك بحيث يأتي على الأمة وأهلها وهو الإهلاك بالحوادث التي لا تستقر معها الديار بخلاف إهلاك الأمة فقد يكون بطاعون ونحوه فلا يترك أثراً في القرى. وإسناد الخبر إلى الله بعنوان ربوبيته للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود بهذا الإنذار هم أمة محمد الذين كذبوا فالخطاب للنبيء عليه السلام لهذا المقصد. ولهذا وقع الالتفات عنه إلى ضمير المتكلم في قوله {ءاياتنا} للإشارة إلى أن الآيات من عند الله وأن الدين دين الله. وضمير {عليهم} عائد إلى المعلوم من القرى وهو أهلها كقوله {أية : واسأل القرية التي كنا فيها}تفسير : [ يوسف: 82]، ومنه قوله {أية : فليدع ناديه}تفسير : [العلق: 17]. وقد حصل في هذه الجملة تفنن في الأساليب إذ جمعت الاسم الظاهر وضمائر الغيبة والخطاب والتكلم. ثم بين السبب بقوله {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} أي ما كان من عادتنا في عبادنا أن نهلك أهل القرى في حالة إلا في حالة ظلمهم أنفسهم بالإشراك، فالإشراك سبب الإهلاك وإرسال رسول شرطه، فيتم ظلمهم بتكذيبهم الرسول. وجملة {وأهلها ظالمون} في موضع الحال، وهو حال مستثنى من أحوال محذوفة اقتضاها الاستثناء المفرغ، أي ما كنا مهلكي القرى في حال إلا في حال ظلم أهلها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 59- وما كان من حكمة الله تعالى - وهو ربك الذى خلقك واصطفاك - أن يهلك المدن العظيمة إلا بعد أن يُرسل إلى أهلها رسولا بالمعجزات الباهرة يتلو عليهم الكتاب المنزل، ويبين لهم شرائعه، ثم لم يؤمنوا، وما كنا مُهلكى المدن العظيمة إلا وأهلها مستمرون على الظلم والاعتداء. 60- وكل شئ رُزقْتموه من أعراض الدنيا وزينتها متاع محدود إلى أمد قريب، فلا يصرفَنَّكم عن الإيمان والعمل الصالح، فإن ما عند الله فى الآخرة من الثواب والنعيم الخالد أنفع وأدوم من ذلك كله، فلماذا لا تُعمِلون عقولكم بدل أهوائكم؟. 61- لا يستوى من آمن وعمل صالحا فاستحق وعد الله - الوعد الحسن بالثواب والجنة - فهو مُدْركه كما وعده الله، ومن كفر وعمل سيئا وفتنه متاع الحياة وزخرفها، ثم هو يوم القيامة من المُحضرين للحساب، الهالكين فى العذاب. 62- واذكر - أيها الرسول - يوم يقف هؤلاء بين يدى الله للحساب فيناديهم سبحانه نداء توبيخ: أين الآلهة الذين زعمتموهم شركاء ليدافعوا عنكم أو ليشفعوا فيكم؟! 63- قال قادة الكفر من الذين حق عليهم غضب الله ووعيده: يا ربنا، هؤلاء الذين دعوناهم إلى الشرك وزيَّنا لهم الضلال أغْويناهم لأنهم اختاروا الكفر وتقبَّلوه كما اخترناه نحن وتقبَّلناه. تبرأنا إليك منهم اليوم ومما اختاروه فى الدنيا من الكفر، لم يعبدونا نحن، بل عبدوا أهواءهم وأطاعوا شهواتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَتْلُو} {آيَاتِنَا} {ظَالِمُونَ} (59) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ عَدْلِهِ فَيقُولُ: إِنَّهُ لاَ يُهْلِكُ أَحَداً وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ، وَإِنَّما يُهِلكُهُ بعدَ أَنْ تَقُومَ عَليهِ الحُجَّةُ. وإِنَّهُ لاَ يُهلِكُ القُرى حَوْلَ مَكَّةَ بِكُفْرِهِم وَظُلْمِهِم إِلاَّ بَعْدَ أَن يَبْعَثَ فِي أُمِّ القُرَى (مَكَّةَ) رَسُولاً يدْعُوهُم إِلى اللهِ، وَيُبِيِّنُ لهُم سَبيلَ الهِدَايَةِ والرَّشَادِ، وَيتلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ، وإِنَّهُ لا يُهلِكُ هذهِ القُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظَالِمُونَ، قَدْ كَذَّبُوا النَّبِيَّ، وَرَفَضُوا اتِّباعَهُ، وقَبُولَ دَعْوَتِهِ. (وَفُهِمَ مِنْ هذِهِ الآيةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُعِثَ إِلى النَّاسِ كَافَّة، وَلَيسَ لأَهلِ مَكَّةَ خَاصَّةً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: لا بُدَّ أن نُعْلِم بالمنهج، ويأتي رسول يقول: افعل كذا، ولا تفعل كذا، حتى إذا حَلَّ العذاب بالكافرين يكون بالعدْل، وبعد إلزامهم الحجة، لا أنْ نترك الناس يذنبون، ثم نقول لهم: هذا حرام. وسبق أنْ قُلْنا ما قاله القانون: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصًّ، ولا نصَّ إلا بإعلام. وما كان الله ليهلك قرية ظلماً، إنما عقوبةً لهم على ما فعلوا. والقرية لها تسلسل فنقول: (نَجْع) وهو المكان الذي تسكنه أسرة واحدة، و (كَفْر) لعدة أسر، ثم (قرية) ثم (أم القرى) وهي الحضر أو العاصمة، وقد نزل القرآن في أمة مُتبدية، تعيش على الترحال، وتقيم في الخيام تتنقل بها بين منابت الكلأ، فقالوا (أم القرى) للمكان الذي تجد به القرى، وتتوفر فيه من مقومات الحياة مَا لا يوجد في النجوع والكفور والقرى الصغيرة، كما يعيش الآن أهل الريف على قضاء حوائجهم من (البندر)، كأنّ أُمّ القرى لها حنان، يشمل صغار البلاد حولها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً} فأم القُرى: مَكةٌ وأُم كُلِّ شَيءٍ أَصلُهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):