Verse. 3312 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَمَاۗ اُوْتِيْتُمْ مِّنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُہَا۝۰ۚ وَمَا عِنْدَ اللہِ خَيْرٌ وَّاَبْقٰى۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۶۰ۧ
Wama ooteetum min shayin famataAAu alhayati alddunya wazeenatuha wama AAinda Allahi khayrun waabqa afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها» تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى «وما عند الله» أي ثوابه «خير وأبقى أفلا تعقلون» بالتاء والياء أن الباقي خير من الفاني.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الجواب الثالث: عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى، أما أنه خير فلوجهين أحدهما: أن المنافع هناك أعظم وثانيهما: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار فيها أكثر، وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية، ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا أن نعم الله كانت تنتهي إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا فكيف إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة عليها، وهذا هو المراد بقوله: { أية : أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ } تفسير : [الصافات: 57] فهو يكون كمن أعطاه الله قدراً قليلاً من متاع الدنيا ثم يكون في الآخرة من المحضرين للعذاب، والمقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين للدنيا فقال الله لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقتضي ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا، فكيف وهذه الدنيا يحصل بعدها العقاب الدائم، وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بالترجيح وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال تعالى: { أية : لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } تفسير : [الصافات: 57] { أية : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } تفسير : [الصافات: 127] وفي لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر والمكاره.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم؛ كما قال تعالى: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96] وقال: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} تفسير : [آل عمران: 198] وقال: {أية : وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَـٰعٌ} تفسير : [الرعد: 26] وقال تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 16 ــــ 17] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلاَّ كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه».تفسير : وقوله تعالى: {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة؟ وقوله تعالى: {وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال؛ من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً قلائل، {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} قال مجاهد وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد، الظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات، وذاك في الدركات، فقال: {أية : وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} تفسير : [الصافات: 57] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} تفسير : [الصافات: 158].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } أي تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } أي ثوابه {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء والياء أنّ الباقي خير من الفاني؟.

الماوردي

تفسير : قوله: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} فيه قولان: أحدهما: هو حمزة بن عبد المطلب والوعد الحسن الجنة و {لاَقِيهِ} دخولها، قاله السدي. الثاني: هو النبي صلى الله عليه وسلم والوعد الحسن النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قاله الضحاك. {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال السدي والضحاك: هو أبو جهل. {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من المحضرين للجزاء، قاله ابن عباس. الثاني: من المحضرين في النار، قاله يحيى بن سلام. الثالث: من المحضرين: المحمولين، قاله الكلبي.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب "مَتَاعاً" على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، "والحَيَاةَ" نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: "أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو "أَفَلاَ يَعْقِلُونَ" بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم. قوله: "أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ" قرأ طلحة "أَمَنْ وَعَدْنَاهُ" بغير فاء "وَعْداً حَسَناً" يعني الجنة "فَهُوَ لاَقِيهِ" مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وتزول عن قريب {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} النار، وقرأ الكسائي وقالون: "ثُمَّ هُوَ" بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ "المُحْضَرِينَ" بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى {أية : لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}تفسير : [الصافات: 57] {أية : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}تفسير : [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه)، {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين. أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر "أَغْوَيْنَاهم"، و "كَمَا غَوَيْنَا" نعت لمصدر محذوف، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو "هَؤُلاَء" مبتدأ و "الَّذِينَ أَغوَيْنَا" خبره، و "أغْوَيَنْاهم" مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره. فصل المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} أضللناهم كما ضلننا "تَبَرَّأنَا إلَيْكَ" منهم. قوله: {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} إيَّانَا مفعول "يَعْبُدونُ" قُدِّم لأجل الفاصلة وفي "ما" وجهان: أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا). والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ. قوله: {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي: وقيل للكافرين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب "فَدَعَوْهُمْ" (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم. قوله: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ} جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله {أية : لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: "ورأوا العَذَابَ" ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ}، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا. وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب "لو" محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية. قوله: "وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ" أي: يسأل الله الكفار {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ}، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت "عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ" وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يتساءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة "لا يسّاءلون" بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة {تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1]. فصل قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}[60] قال: من أخذ من الدنيا بشهوة منه حرمه الله في الدنيا والآخرة ما هو خير منها، ومن أخذ منها لضرورة دخلت بنفسه أو لحق لزمه لم يحرم ما هو خير في الدنيا، لذة العبادة ومحبة الحق عز وجل، وفي الآخرة الدرجات العلى. وقيل لعامر بن عبد قيس: لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أخبركم بمن رضي بدون ما رضيت؟ قالوا: بلى. قال: من رضي الدنيا حظاً من الآخرة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [الآية: 60]. قال النصرآباذى: الخلق كلهم عبدة النعم والغريب والعزيز فيهم من يعبد المنعم ومن انقطع عن الله بأى شىء انقطع فهو مغبون وإن كان منقطعًا عنه بطاعته وجنته. قال الله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} خاطب به العوام وقال للخواص و{ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.

القشيري

تفسير : الدنيا حلوة خَضِرَة، ولكنها في التحقيق مُرَّةٌ مَذِرَة، فَبِشْرُها يُوهِمُ أنها صَفْوٌ ولكن مِن وراءِ صَفْوِها حَسُوٌ {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما} مبتدأ متضمنة لمعنى الشرط لدخول الفاء فى خبرها بخلاف الثانية: وبالفارسية [وهرجه] {اوتيتم} اعطيتم والخطاب لكفار مكة كما فى الوسيط {من شىء} من اسباب الدنيا {فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها} اى فهو شىء شأنه ان يتمتع ويتزين به اياما قلائل ثم انتم وهو الى فناء وزوال سمى منافع الدنيا متاعا لانها تفنى ولا تبقى كمتاع البيت {وما} موصولة اى الذى حصل {عند الله} وهو الثواب {خير} لكم فى نفسه من ذلك لانه لذة خالصة من شوائب الالم وبهجة كاملة عارية من مسة الهمم {وابقى} لانه ابدىّ {أفلا تعقلون} اى ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الامر الواضح فتستبدلون الذى هو ادنى بالذى هو خير وتؤثرون الشقاوة الحاصلة من الكفر والمعاصى على السعادة المتولدة من الايمان والطاعات: وبالفارسية [آيادر نمى بابيد وفهم نمى كنيد كه بدل ميكنيد باقى بفانى ومرغوب را بمعيوب] شعر : حيف باشد لعل وزردادن زجنك بس كرفتن در برابر خاك وسنك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "ما" شرطية، وجملة: (فمتاع...) إلخ: جوابه. يقول الحق جل جلاله: {وما أُوتيتم من شيءٍ} من زهرة الدنيا {فمتاعُ الحياة الدنيا وزينتُها} أي: ايُّ شيء أحببتموه من أسباب الدنيا وملاذها فما هو إلا تمتع وزينة، أياماً قلائل، وهي مدة الحياة الفانية، {وما عند الله} من النعيم الدائم في الدار الباقية؛ ثواباً لأعمالكم {خير} من ذلك؛ لأنه لذة خالصة في بهجة كاملة. {وأبقى}؛ لأنه دائم لا يفنى {أفلا تعقلون} أن الباقي خير من الفاني، فتستبدلون الذي هو أدنى يا الذي هو خير؟. وعن ابن عباس رضي الله عنه: (إن الله خلق الدنيا، وجعل أهلها ثلاثة أصناف؛ المؤمن والمنافق والكافر، فالمؤمن يتزود، والمنافق يتربى، والكافر يتمتع. ثم قرأ هذه الآية). وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كانتِ الدنيا تَزِنُ عند الله جناحَ بعوضة لمى سَقَى الكافرَ منها شَرْبَةَ ماءٍ"تفسير : . رواه الترمذي. ثم قرر ذلك بقوله: {أفمن وعدناه وعداً حسنا}، وهو الجنة؛ إذ لا شيء أحسن منها، حيث اشتملت على النظر لوجه الله العظيم، ولأنها دائمة، ولذا سميت الحسنى، {فهو}: أي: الوعد الحسن {لاقيه} ومدركه، لا محالة، لامتناع الخلف في وعده تعالى، {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} الذي هو مشوب بالكدر والمتاعب،، مستعْقب بالفناء والانقطاع، {ثم هو يوم القيامة من المحضَرين} للحساب والعقاب، أو: من الذين أحضروا النار. والآية نزلت في المؤمن والكافر، أو: في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل - لعنه الله -، ومعنى الفاء الأولى: أنه لَمَّا ذكر التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله عقّبه بقوله: {أفمن وعدناه} أي: أبعد هذا التفاوت الجلي نُسَوي بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة؟ والفاء الثانية للتسبيب، لأنه لقاء الموعود مسبب عن الوعد. و "ثم": لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع. ومن قرأ: "ثم هْو"؛ بالسكون، شبه المنفصل بالمتصل، كما قيل في عَضد - بسكون الضاد -. {و} اذكر {يوم يُنادِيهم}؛ يوم ينادي الله الكفارَ، نداء توبيخ، { فيقول أين شركائيَ}؛ في زعمهم {الذين كنتم تزعمون} أنهم شركائي، فحذف المفعول؛ لدلالة على الكلام عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحقير لشأن الدنيا الفانية، وتعظيم لشأن الآخرة الباقية. وقد اتفق على هذا جميع الأنبياء والرسل والحكماء، قديماً وحديثاً، وقد تقدم آنفاً أنها لا تَزِن عند الله جناحَ بعوضة وفي حديث آخر:"حديث : ما الدنيا في جانب الآخرة، إلا كما يُدخل أَحَدُكُمْ يده في البحر ثم يُخرجه، فانظر ماذا يعلق به"تفسير : . بالمعنى: فنعيم الدنيا كله، بالنسبة إلى نعيم الجنان، كبلل الأصبع، الذي دخل في الماء ثم خرج. مع أن نعيمها مكدر، ممزوج بالأهوال والأحزان والمتاعب. وقد كتب علي بي أبي طالب إلى سلمان - رضي الله عنهما -: "إن مثل الدنيا كمثل الحية، لينٌ مسها، قاتل سمها، فأعرض عنها، وعما يعجبك منها، لقلة ما يصحبك منها, ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون منها، احذر ما تكون منها، فإن صاحبها، كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه". وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن هذه الدار دار الثوى، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخائها، ولم يحزن لشقائها - أي: لأنهما لا يدومان - ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وأنها سريعة الثوى - أي: الهلاك - وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها، لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها؛ لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين"تفسير : . هـ. ذكره ابن وداعة الموصلي. وذكر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا إلتاط منها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا، حتى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه، ألا وإن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها, على فانية لا ينفك عذابها, وقدّم لِمَا يُقْدِمُ عليه مما هو الآن في يده، قبل أن يُخلفه لمن يسعد بإنفاقه، وقد شقي هو بجمعه واحتكاره ". تفسير : ثم ذكر مآل من اغتر فيها، قال: {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ...}.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} هذا جمع بين التّزهيد والتّشويق كما انّ الاوّل كان جمعاً بين الانذار والتّبشير {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ} ممّا اوتيتم يعنى ان كان ما اوتيتم خيراً باعتقادكم فما عند الله خيرٌ منه، او لفظ الخير مجرّد عن معنى التّفضيل والاّ فلا نسبة بين ما عند الله وما عندكم {وَأَبْقَىٰ} ممّا عندكم على اعتقادكم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك او لا يكون لكم عقل فتتركون ما عند الله وتأخذون ما عندكم.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} ما شرطية ومن بيانية متعلقة بمحذوف حال من الراجع المحذوف أي وما أوتيتموه قليلا وكثيرا. {فَمَتَاعُ} فهو متاع. {الحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} تتمتعون به فيها. {وَزِينَتُهَا} تتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى. {وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} فانما أوتوا في الدنيا ولو كان حسنا وباقيا لكن ما عند الله خير منه وأبقى لانه لا ينقطع ولا حد لحسنه والذي في الدنيا يبقى قليلا فينقطع. {أَفَلا تَعْقِلُونَ} إن الباقي خير من الفاني وقرأ أبو عمرو وبالتحتية على طريق الالتفات وقراءته أبلغ في الموعظة لأن فيها اعراضا عن خطابهم كما تتكلم لأحد وتعاتبه ثم تقول في شأنه لغيره هذا مجنون وفي الحديث من طريق أبي هريرة وطريق سهل بن سعد: "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منه شربة "تفسير : ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "حديث : أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف المؤمن والمنافق والمشرك. فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والمشرك يتمتع "تفسير : ، وعن اليافعي: "حديث : لو أوصى أحد بثلث ماله لأعقل الناس صرف في المشتغلين بطاعة الله فانه لا أعقل ممن أعطي القليل وأخذ الكثير " تفسير : وفي عبارة صرف للزهاد ومن لم يرجح الآخرة على الدينا فليس بعاقل.

اطفيش

تفسير : {وما أوتيتُمْ من شىء} مما ينتفع به {فمتاع} فهو متاع {الحياة الدنيا وزينتها} فهو حقير، ولو كان عظيما، وقليل ولو كان كثيرا كما يلوح إليه بقوله عز وجل من شىء، وذكره باسم المتاع يتزين به قليلا ويتمتع به قليلا وإضافته للحياة الموصوفة بالدنو، ومقابلته بما عند الله وخير وأبقى {وما عِنْد الله} للمؤمنين من الجنَّة وما فيها {خيرْ} فى ذاته، ولا سيما فى دوامه وخلوصه مما يكدره من الملمات والهموم، وخوف الزوال {وأبْقى} وأقل المنافع الناقص الدائم أفضل من أكثرها الكامل الفانى {أفلا تعْقلونَ} التفاوت بين الناقص السريع الذهاب، الموجب للعقاب، لمن لم يشكره والكامل الدائم.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء } أي أي شيء أصبتموه من / أمور الدنيا وأسبابها {فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } فهو شيء شأنه أن يتمتع به ويتزين به أياماً قلائل ويشعر بالقلة لفظ المتاع وكذا ذكر {أَبْقَىٰ } في المقابل وفي لفظ (الدنيا) إشارة إلى القلة والخسة {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } في الجنة وهو الثواب {خَيْرٌ } في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة {وَأَبْقَىٰ } لأنه أبدى وأين المتناهي من غير المتناهي {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي ألا تتفكرون فلا تفعلون هذا الأمر الواضح فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وتخافون على ذهاب ما أصبتموه من متاع الحياة الدنيا وتمتنعون عن اتباع الهدى المفضي إلى ما عند الله تعالى لذلك فكأن هذا رد عليهم في منع خوف التخطف إياهم من اتباعه صلى الله عليه وسلم على تقدير تحقق وقوع ما يخافونه. وقرأ أبو عمرو (يعقلون) بياء الغيبة على الالتفات وهو أبلغ في الموعظة لإشعاره بأنهم لعدم عقلهم لا يصلحون للخطاب، فالالتفات هنا لعدم الالتفات زجراً لهم وقرىء {فمتاعاً الحياة الدنيا} أي فتتمتعون به في الحياة الدنيا فنصب متاعاً على المصدرية والحياة على الظرفية.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكرهم الله بنعمه عليهم تذكيراً أدمج في خلال الرد على قولهم {أية : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}تفسير : [ القصص: 57] بقوله {أية : يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا}تفسير : [ القصص: 57] أعقبه بأن كل ما أوتوه من نعمة هو من متاع الحياة الدنيا كالأمن والرزق، ومن زينتها كاللباس والأنعام والمال، وأما ما عند الله من نعيم الآخرة من ذلك وأبقى لئلا يحسبوا أن ما هم فيه من الأمن والرزق هو الغاية المطلوبة فلا يتطلبوا ما به تحصيل النعيم العظيم الأبدي، وتحصيله بالإيمان. ولا يجعلوا ذلك موازناً لاتباع الهدى وإن كان في اتباع الهدى تفويت ما هم فيه من أرضهم وخيراتها لو سلم ذلك. هذا وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها. و {من شيء} بيان لــــ {ما أوتيتم} والمراد من أشياء المنافع كما دل عليه المقام لأن الإيتاء شائع في إعطاء ما ينفع. وقد التفت الكلام من الغيبة من قوله {أية : أوَ لم نُمكن لهم حرماً}تفسير : [ القصص: 57] إلى الخطاب في قوله {أوتيتم} لأن ما تقدم من الكلام أوجب توجيه التوبيخ مواجهة اليهم. والمتاع: ما ينتفع به زمناً ثم يزول. والزينة: ما يحسن الأجسام. والمراد بكون ما عند الله خيراً، أن أجناس الآخرة خير مما أوتوه في كمال أجناسها، وأما كونه أبقى فهو بمعنى الخلود. وتفرع على هذا الخبر استفهام توبيخي وتقريري على عدم عقل المخاطبين لأنهم لما لم يستدلوا بعقولهم على طريق الخير نزّلوا منزلة من أفسد عقله فسئلوا: أهم كذلك؟. وقرأ الجمهور {تعقلون} بتاء الخطاب. وقرأ أبو عمرو ويعقوب {يعقلون} بياء الغيبة على الالتفات عن خطابهم لتعجب المؤمنين من حالهم، وقيل: لأنهم لما كانوا لا يعقلون نزلوا منزلة الغائب لبعدهم عن مقام الخطاب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما أتيتم من شيء: أي وما أعطاكم الله من مال أو متاع. فمتاع الحياة الدنيا وزينتها: فهو ما تتمتعون به وتتزينون ثم يزول ويفنى. وما عند الله خير وأبقى: أي وما عند الله من ثواب وهو الجنة خير وأبقى. أفلا تعقلون: لأن من يؤثر القليل الفاني على الكثير الباقي لا عقل له. وعداً حسناً: أي الجنة. فهو لاقيه: أي مصيبه وحاصل عليه وظافر به لا محالة. من المحضرين: أي في نار جهنم. معنى الآيتين: لقد سبق في هذا السياق أن المشركين اعتذروا عن الإِسلام بعذر مادي بحت وهو وجود عداوة بينهم وبين سائر العرب. يترتب عليها حروب وتعطل التجارة إلى غير ذلك. فقوله تعالى هنا {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} هو خطاب لهم ولكل من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة فيسْتَحِل المحرمات ويعطل الأحكام ويضيع الفرائض والواجبات لتعارضها في نظره مع جمع المال والتمتع بالحياة الدنيا. وقوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} أي من مال ومتاع وإن كثر {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي فهو متاع الحياة الدنيا {وَزِينَتُهَا} أي تتمتعون وتتزينون به أياماً أو أعواماً ثم ينفد ويزول، أو تموتون عنه وتتركونه {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من نعيم الجنة {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} خير في نوعه وأبقى في مدته، فالأول رديء وتصحبه المنغصات ويعقبه الكدر، والثاني جيد صالح خال من المنغصات والكدورات وباق لا يبلى ولا يفنى ولا يزول ولا يموت صاحبه ويخلفه وراءه. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يا من تؤثرون الفاني على الباقي والرديء على الجيد والخبيث على الطيب. وقوله تعالى: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} وهو المؤمن الصادق في إيمانه المؤكد له بصالح عمله، {وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} وهو الجنة دار السلام {فَهُوَ لاَقِيهِ} أي لاق موعده بإذن الله بمجرد أن يلفظ أنفاسه وتعرج إلى السماء روحه. {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فهو يأكل ويشرب وينكح كالبهائم {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} في جهنم في دار العذاب والهوان، والجواب: لا يستويان أبداً وشتان ما بينهما، فالأول وهو المؤمن الصالح الموعود بدار السلام لا يقارن بالكافر المتهالك على الدنيا ثم يتركها فجأة ويجد نفسه مع أهل الكفر والإِجرام في عذاب وهون لا يفارقه ولا يخرج منه أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فائدة العقل أن يعقل صاحبه دون ما يضره، ويبعثه على ما ينفعه فإن لم يعقله دون ما يضره ولم يبعثه على ما ينفعه فلا وجود له، ووجوده كعدمه. 2- بيان فضل الآخرة على الدنيا. 3- وعد الله للمؤمن بالجنة خير مما يؤتاه الكافر من مال ومتاع وزينة في الحياة الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَمَتَاعُ} {ٱلْحَيَاةِ} (60) - كُلُّ مَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا مِنْ زِينَةٍ زَائِفَةٍ، وَزَهَرَةٍ فَانِيَةٍ، وأَموَالٍ وأوْلاَدٍ هُوَ مَتَاعٌ مَحْدُودٌ مُؤقَّتٌ تَافِهٌ بالنِّسْبَةِ إِلى مَا أَعدَّهُ الله في الحَيَاةِ الآخِرَةِ مِنْ نَعيمٍ مُقِيمٍ دائِمٍ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنينَ المُخِلصِينَ، فَلا تَصْرِفَنَّكُمْ، أَيُّها العِبَادُ، العَرُوضُ الفَانِيةُ في الحَيَاةِ الدُّنيا، عَنِ النَّعيمِ الخَالِدِ في الحَيَاةِ الآخِرَةِ، وَحَكِّمُوا عُقُولَكُمْ في أُمُورِكُم بَدَلَ أَهَوائِكُم تَفُوزُوا. (وفِي الحَديثِ: حديث : مَا الحَيَاةُ الدُّنيا فِي الآخِرَة إِلاَّ كَمَا يَغْمِسُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُتفسير : ). (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: {مِّن شَيْءٍ ..} [القصص: 60] من أيِّ شيء من مُقوِّمات الحياة، ومن كمالياتها {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ..} [القصص: 60] فمهما بلغ هذا من السُّمو، فإنه متاع عمره قليل، كما قال سبحانه: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77]. لذلك طلبنا منكم ألاَّ تنشغلوا بهذا المتاع، وألاَّ تجعلوه غايةً، لأن بقاءك فيها مظنون، ومتاعك فيها على قَدْر نشاطك وحركتك. وسبق أنْ قلنا: إن آفة النعيم في الدنيا أنه إما أن يتركك أو تتركه، وأن عمرك في الدنيا ليس هو عمر الدنيا، إنما مدة بقائك أنت فيها، ومهما بلغتَ من الدنيا فلا بُدَّ من الموت. لذلك يدلُّنا ربنا - عَزَّ وجَلَّ - على حياة أخرى باقية مُتيقَّنة لا يفارقك نعيمها ولا تفارقه. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [القصص: 60]. {خَيْرٌ ..} [القصص: 60] لأن النعيم فيها ليس على قَدْر نشاطك، إنما على قَدْر قدرة الله وعطائه وكرمه، {وَأَبْقَىٰ ..} [القصص: 60] لأنه دائم لا ينقطع، فلو قارن العاقل بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة لاختار الآخرة. لذلك، فإن الصحابي الذي حدَّثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد، وتيقَّن أنه ليس بينه وبين الجنة إلا أنْ يُقتل في سبيل الله، وكان في يده تمرات يأكلها فألقاها، ورأى أن مدة شغله بمضغها طويلة؛ لأنها تحول بينه وبين هذه الغاية، ألقاها وأسرع إلى الجهاد لينال الشهادة. لماذا؟ لأنه أجرى مقارنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة. والحق - سبحانه وتعالى - حين يُجري هذه المقارنة بين الكفار وبين المؤمنين يقول: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ..} تفسير : [التوبة: 52] إما أن ننتصر عليكم ونُذلكم، ونأخذ خيراتكم، وإما ننال الشهادة فنذهب إلى خير مما تركنا {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ..} تفسير : [التوبة: 52]. إذن: لا تتربصون بنا إلا خيراً، ولا نتربّص بكم إلا شراً. وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 16 - 17] لذلك ذيَّل الآية هنا بقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] لأن العقل لو قارن بين الدنيا والآخرة لا بُدَّ أنْ يختار الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} الحال أنهم {مَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} في هذه النشأة {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الدنية التي هي على طرف التمام، مشرفة على التقضي والانصرام {وَزِينَتُهَا} الزائلة الذاهبة بلا قرار ولا دوام {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من المعارف الحقائق، والمكاشفات والمشاهدات لأرباب المراتب العلية، والمناصب السنية من المنقطعين نحو الحق بعد انخلاعهم عن لوازم هوياتهم البشرية الفائضة عن التلذذ باللذات الروحانية {خَيْرٌ} لا يتخلل بينهي شيء، ولا يعرضه ضر {وَأَبْقَىٰ} إذ لا يلحقه انصرام ولا انقضاء، ولا زوال ولا فناء {أَ} تستبدلون أيها الحمقى الأدنى الفاني بالأعلى الباقي، وتختارون اللذة الجسمانية على اللذات الروحانية {فَلاَ تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] ولا تستعملون عقولكم الموهوبة بمقتضاها؛ ليتميز عندكم ما هو الأليق بحالكم، والأولى بمآلكم؟!. {أَ} تسوون الأجل الباقي بالعاجل الزائد الفاني، مع أن الكل من عندنا وتحت قدرتنا {فَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} أي: موعداً ذا حسن وكرامة، وبهجة وبهاء {فَهُوَ لاَقِيهِ} أي: مدركة وموصلة إليه؛ إذ لا خلف لوعدنا، أتظنون وتعتقدون أيها الجاهلون أن منزلة هذا السعيد الموفق على السعادة من عندنا {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ} في هذه النشأة {مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} مكدرة بأنواع الكدورات، مشوبة بالآلام والحسرات، منغمسة بالخبائث والقاذورات {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بعد انقراض النشأة الأولى {مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} [القصص: 61] للحساب والجزاء على ما تمتعوا في النشأة الأولى؟!. ثمَّ قال سبحانه: {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله، وأثبت له شريكاً في الوجود سواه {يَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء حين ظهر على مظاهره باسم القهار، المفني لأظلال السوى والأغيار مطلقاً {فَيَقُولُ} على مقتضى غيرته وجلاله مخاطباً لمن أشرك به شيئاً من عكوسه وأظلاله، مع أن الكل حنيئذٍ مطموس مقهور تحت حوله وقدرته: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] أيها المشركون شركائي، وتعبدونهم كعبادتي عدواناً وظلماً؟! ثمَّ أظهرهم الحق وأوجدهم؛ أي: التابعين والمتبوعين جميعاً بعدما قهرهم وعذبهم جميعاً؛ إظهاراً للقدرة الكاملة، وإلزاماً للحجة البالغة. وبعدما أظهرهم وسأل عنهم {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ} أي: ثبت وتوجه {عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي: السؤال من الله، وهم الشياطين المعبودون مناجين نحو الحق، متضرعين قائلين: {رَبَّنَا} يا من ربانا على فطرة التوحيد، كيف صدر منَّا أمثال هذه الجرأة؟! بل {هَـٰؤُلاۤءِ} الغواة الهالكون في تيه الغي والضلال هم {ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} عن منهج الاستقامة والسداد بأنواع التذلل والانقياد، والإطاعة والعبادة إيانا على مقتضى أهويتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، مع أنَّا لا نستحق بها على توهم منهم إنَّا قادرون على إنجاح ما في نفوسهم من الأماني والشهوات. ونحن أيضاً {أَغْوَيْنَاهُمْ} بأنواع التغرير والتضليل {كَمَا غَوَيْنَا} هؤلاء إيانا بعبادتهم وطاعتهم نحونا، فتعارض إغواؤنا بإغوائهم، وحين ظهر الحق تساطقا، فالآن {تَبَرَّأْنَآ} عنهم وعن عبادتهم، والتجأنا {إِلَيْكَ} تائبين آيبين، مع أنهم {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] حين ادعوا عبادتنا، بل إنما عبدوا أهوية نفوسهم، وأماني قلوبهم، وتوسلوا بنا فيها، والعابدون أيضاً يتبرؤون عن معبوداتهم بأشد من ذلك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا حض من الله لعباده على الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وعلى الرغبة في الأخرى، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه، ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق، من الذهب، والفضة، والحيوانات والأمتعة، والنساء، والبنين، والمآكل، والمشارب، واللذات، كلها متاع الحياة [الدنيا] وزينتها، أي: يتمتع به وقتا قصيرا، متاعا قاصرا، محشوا بالمنغصات، ممزوجا بالغصص. ويزين به زمانا يسيرا، للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، وينقضي جميعا، ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم، والخيبة والحرمان. { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } من النعيم المقيم، والعيش السليم { خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: أفضل في وصفه وكميته، وهو دائم أبدا، ومستمر سرمدا. { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تزنون أي: الأمور أولى بالإيثار، وأي: الدارين أحق للعمل لها فدل ذلك أنه بحسب عقل العبد، يؤثر الأخرى على الدنيا، وأنه ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في عقله، ولهذا نبه العقول على الموازنة بين عاقبة مؤثر الدنيا ومؤثر الآخرة، فقال: { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ }. أي: هل يستوي مؤمن ساع للآخرة سعيها، قد عمل على وعد ربه له، بالثواب الحسن، الذي هو الجنة، وما فيها من النعيم العظيم، فهو لاقيه من غير شك ولا ارتياب، لأنه وعد من كريم صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، لعبد قام بمرضاته وجانب سخطه، { كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فهو يأخذ فيها ويعطي، ويأكل ويشرب، ويتمتع كما تتمتع البهائم، قد اشتغل بدنياه عن آخرته، ولم يرفع بهدى الله رأسا، ولم ينقد للمرسلين، فهو لا يزال كذلك، لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك. { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } للحساب، وقد علم أنه لم يقدم خيرا لنفسه، وإنما قدم جميع ما يضره، وانتقل إلى دار الجزاء بالأعمال، فما ظنكم إلى ما يصير إليه؟ وما تحسبون ما يصنع به؟ فليختر العاقل لنفسه، ما هو أولى بالاختيار، وأحق الأمرين بالإيثار.