٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء أحدها: قوله: {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه وتجعلونه شريكاً في العبادة وتزعمون أنه يشفع؟ أين هو لينصركم ويخلصكم من هذا الذي نزل بكم. ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول، والمراد من القول هو قوله: { أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [هود: 119] ومعنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه، واختلفوا في أن الذين حق عليهم هذا القول من هم؟ فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال، وقال بعضهم الشياطين قوله: {رَبَّنَا هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا } هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصوف محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيارهم يعني أن إغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال: {أية : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ ووعَدتكمْ فأَخلفتكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَليكُمْ من سلْطـان إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاستجبتم لى فَلاَ تَلُومُوِني وَلُومُوا أنفُسَكُم} تفسير : [إبراهيم:22] وقال تعالى لإبليس: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } تفسير : [الحجر: 42] فقوله: { أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ } تفسير : [الحجر: 42] يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك، ثم قال تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم، والحاصل أنهم يتبرءون منهم كما قال تعالى: { أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } تفسير : [البقرة: 166] وأيضاً فلا يمتنع في قوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكَائِىَ} أن يريد به هؤلاء الرؤساء والشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزله الشريك لله تعالى، وإذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة وثانيها: قوله تعالى: {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } والأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم، وكل ذلك على وجه التوبيخ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا، فأما قوله تعالى: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال الضحاك ومقاتل يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة وثانيها: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق وثالثها: ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون ورابعها: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب وخامسها: قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى: { أية : لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [الشعراء: 201] وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله: {ٱدْعُواْ شركاءكم} فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً فقال تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شيئاً أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام؟ قلنا هذا كقوله: { أية : فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } تفسير : [الكهف:52] وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا ههنا وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية الأمر الثالث: من الأمور التي يسأل الله الكفار عنها قوله: {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـاء } أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضاً كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعاً في عمي الأنباء عليهم والعجز عن الجواب، وقرىء فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوضون الأمر إلى علم الله وذلك قوله تعالى: { أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تفسير : [المائدة: 109] فما ظنك بهؤلاء الضلال، قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله تعالى ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك، فكانت حجتهم على الله تعالى طاهرة وكذلك القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك فتكون الحجة لهم في ذلك قوية والعذر ظاهراً والجواب: أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب إلا ويعيد استدلاله بها، وكما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد وهو أن علم الله تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين، والذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً فثبت أن الإشكال مشترك، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي ينادي الله يوم القيامة هؤلاء المشركين {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم. {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي حقت عليهم كلمة العذاب وهم الرؤساء؛ قاله الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين. {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} أي دعوناهم إلى الغيّ. فقيل لهم: أغويتموهم؟ قالوا: {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا}. يعنون أضللناهم كما كنا ضالين. {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ} أي تبرأ بعضنا من بعض، والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. قوله تعالى: {وَقِيلَ} أي للكفار {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم. {فَدَعَوْهُمْ} أي استغاثوا بهم. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} أي فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم. {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} قال الزجاج: جواب {لَوْ} محذوف؛ والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب. وقيل: أي لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم. وقيل المعنى: ودّوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إذا رأوا العذاب يوم القيامة. {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي. {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ} أي خفيت عليهم الحجج؛ قاله مجاهد؛ لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة. و«الأَنْبَاءُ» الأخبار؛ سَمَّى حججهم أنباء لأنها أخبار يخبرونها. {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجج؛ لأن الله تعالى أدحض حججهم؛ قاله الضحاك. وقال ابن عباس: {لاَ يَتَسَاءَلُونَ} أي لا ينطقون بحجة. وقيل: {لاَ يَتَسَاءَلُونَ} في تلك الساعة، ولا يدرون ما يجيبون به من هول تلك الساعة، ثم يجيبون بعد ذلك كما أخبر عن قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. وقال مجاهد: لا يتساءلون بالأنساب. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحمل من ذنوبه شيئاً؛ حكاه ابن عيسى. قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن تَابَ} أي من الشرك {وَآمَنَ} أي صدّق {وَعَمِلَ صَالِحاً} أدى الفرائض وأكثر من النوافل {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} أي من الفائزين بالسعادة. وعسى من الله واجبة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 94]. وقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يعني: الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ يَعْبُدُونَ} فشهدوا عليهم أنهم أغووهم، فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم: 81 ــــ 82] وقال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 5 ــــ 6] وقال الخليل عليه السلام لقومه: {أية : إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [العنكبوت: 25] الآية، وقال الله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 166 ــــ 167] ولهذا قال: {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي: ليخلصوكم مما أنتم فيه؛ كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة. وقوله: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} أي: فَوَدُّوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } تفسير : [الكهف: 52 ــــ 53]. وقوله: {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن، فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه، لا أدري، ولهذا لاجواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، ولهذا قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} أي: في الدنيا {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} أي: يوم القيامة، وعسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ يُنَادِيهِمْ } الله {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }ـهم شركائي.
الماوردي
تفسير : قوله: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَآءُ يَوْمَئِذٍ} فيه وجهان: أحدهما: الحجج، قاله مجاهد. الثاني: الأخبار، قاله السدي. {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يسألون بالأنساب، قاله مجاهد. الثاني: لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحتمل من ذنوبه، حكاه ابن عيسى. الثالث: لا يسأل بعضهم بعضاً عن حاله، حكاه ابن شجرة. الرابع: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجة، وهذا قول الضحاك.
ابن عطية
تفسير : التقدير واذكر يوم، وهذا النداء يحتمل أن يكون بواسطة، ويحتمل بغير ذلك، والضمير المتصل بـ {ينادي} لعبدة الأصنام والإشارة إلى قريش وكفار العرب وقوله {أين}، على جهة التقريع والتوبيخ وقوله {شركائي} أي على قولكم وزعمكم. قال القاضي أبو محمد: ولما كان هذا السؤال مسكتاً لهم مبهتاً فكأنه لا متعلق لجمهور الكفرة إلا بـ"المغوين" لهم والأعيان، والرؤوس منهم وبالشياطين المغوين فكأن هذه الصنيفة المغوية إنما أتت الكفرة على علم فالقول عليها متحقق وكلمة العذاب ماضية لكنهم طمعوا في التبري من كل أولئك الكفرة الأتباع فقالوا {ربنا هؤلاء} إنما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم وأرادوا هم أتباعنا وأحبوا الكفر كما أحببناه. فنحن نتبرأ إليك منهم وهم لم يعبدونا إنما عبدوا غيرنا. قال القاضي أبو محمد: فهذا التوقيف يعم جميع الكفرة، والمجيبون هم كل مغو داع إلى الكفر من الشياطين ومن الإنس الرؤساء، والعرفاء والسادة في الكفر، وقرأ الجمهور "غوَينا" بفتح الواو، يقال غوى الرجل يغوى بكسر الواو، وروي عن ابن عامر وعاصم "غوِينا" بكسر الواو، ثم أخبر تعالى أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام الذين اعتقدوهم آلهة {ادعوا شركاءكم} أي الأصنام التي كنتم تزعمون أنهم شركاء لله، وأضاف الشركاء إليهم لما كان ذلك الاسم بزعمهم ودعواهم، فبهذا القول من الاختصاص أضاف الشركاء إليهم، ثم أخبر أنهم دعوهم فلم يكن في الجمادات ما يجيب ورأى الكفار العذاب، وقوله تعالى: {لو أنهم كانوا يهتدون} ذهب الزجاج وغيره من المفسرين إلى أن جواب {لو} محذوف تقديره لما نالهم العذاب ولما كانوا في الدنيا عابدين للأصنام ففي الكلام على هذا التأويل تأسف عليهم، وذلك محتمل مع تقديرنا الجواب لما كانوا عابدين للأصنام وفيه مع تقديرنا الجواب لما نالهم العذاب نعمة منا، وقالت فرقة {لو} متعلقة بما قبلها تقديره فودّوا {لو أنهم كانوا يهتدون}.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ينادي الله الكفار نداء توبيخ وهو عطف على {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أو منصوب بـــــ «ذكر» {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ } بناء على زعمهم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ومفعولا {تزعمون} محذوفان تقديره: كنتم تزعمونهم شركائي، ويجوز حذف المفعولين في باب ظننت ولا يجوز الاقتصار على أحدهما {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي الشياطين أو أئمة الكفر. ومعنى حق عليهم القول وجب عليه مقتضاه وثبت وهو قوله: {أية : لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة:13] {رَبَّنَا هَـؤُلاء } مبتدأ {ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا } أي دعوناهم إلى الشرك وسولنا لهم الغي صفة والراجع إلى الموصول محذوف والخبر {أَغْوَيْنَـٰهُمْ } والكاف في {كَمَا غَوَيْنَا } صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب وهو كقوله {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلاْمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ } إلى قوله {أية : وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22] {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم ومما اختاروه من الكفر {مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } بل يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم، وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي في الدنيا أنهم من شركائي {قال الذين حق عليهم القول} أي وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة {ربنا هؤلاء الذين أغوينا} أي دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع {أغويناهم كما غوينا} أي أضللناهم كما ضللنا {تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} معناه تبرأ بعضهم من بعض وصاروا أعداء {وقيل} يعني للكفار {ادعوا شركاءكم} أي الأصنام لتخلصكم من العذاب {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} أي لم يجيبوهم {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} معناه لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة {ويوم يناديهم} أي يسأل الكفار {فيقول ماذا أجبتم المرسلين} أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين {فعميت عليهم} أي خفيت واشتبهت عليهم {الأنباء} يعني الأخبار والأعذار والحجج {يومئذ} فلم يكن لهم عذر ولا حجة {فهم لا يتساءلون} أي لا يجيبون ولا يحتجون وقيل يسكتون فلا يسأل بعضهم بعضاً {فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين} أي من السعداء الناجين وعسى من الله واجب. قوله تعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار} نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31] يعني الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم لأنه المالك المطلق وله أن يخص ما يشاء بما يشاء لا اعتراض ألبتة {ما كان لهم الخيرة} أي ليس لهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله. وقيل معناه ويختار الله ما كان هو الأصلح والخير لهم فيه، ثم نزه الله تعالى نفسه فقال {سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن} أي تخفي {صدورهم وما يعلنون} أي يظهرون {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} أي يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة في الجنة {وله الحكم} أي فصل القضاء بين الخلق وقال ابن عباس يحكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاوة {وإليه ترجعون} قوله عز وجل {قل} أي قل يا محمد لأهل مكة {أرأيتم} يعني أخبروني {إن جعل الله عليكم الليل سرمداً} أي دائماً {إلى يوم القيامة} لا نهار فيه {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي بنهار تطلبون فيه المعيشة {أفلا تسمعون} أي سماع فهم وقبول {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة} أي لا ليل فيه {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} أي ما أنتم عليه من الخطأ قيل إن من نعمة الله تعالى على الخالق أن جعل الليل والنهار يتعاقبان لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ولأجله يحصل الاجتماع فتمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل فلا بد منهما فأما من الجنة فلا تعب ولا نصب فلا حاجة بهم إلى الليل ولذلك يدوم لهم الضياء أبداً فبين الله تعالى أنه القادر على ذلك ليس غيره فقال {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار} أي يتعاقبان بالظلمة والضياء {لتسكنوا فيه} أي في الليل {ولتبتغوا من فضله} أي بالنهار {ولعلكم تشكرون} أي نعم الله فيهما {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} كرر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ {ونزعنا} يعني أخرجنا وقيل ميزنا {من كل أمة شهيداً} يعني رسولهم يشهد عليهم بأنه بلغهم رسالة ربهم ونصح لهم {فقلنا} يعني للأمم المكذبة لرسلهم {هاتوا برهانكم} أي حجتكم بأن معي شريكاً {فعلموا أن الحق لله} أي التوحيد لله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي يختلقون في الدنيا من الكذب على الله.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} قال: هؤلاء بنو آدم {قال الذين حق عليهم القول} قال: هم الجن {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم...} الآية. وقيل لبني آدم {ادعو شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} ولم يردوا عليهم خيراً.
القشيري
تفسير : إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل.. وإلاَّ فَمِنْ أين لهم الجواب فضلاً عن الصواب! والذي يسألهُم هو الذي على ما شاء جَعَلَهم؛ فما وَرَدَ فِعْلٌ إلا على فِعْلِهِ، وما صَدَرَ ما صَدَرَ إلا من أصْلِه. وإذْ تَبَرَّأَ بعضُهم من بعض بَيَّنَ أنه لم يكن للأصنام استحقاقُ العبودية ولا لأحدٍ من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداثِ ذَرَّةَ أو منه شظيَّة.. كلاّ بل هو الواحد القهار.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يناديهم} يوم منصوب باذكر المقدر والمراد يوم القيامة والضمير للكفار اى واذكر يا محمد لقومك يوم يناديهم ربهم وهو عليهم غضبان {فيقول} تفسير للنداء {اين شركائى الذين كنتم تزعمون} اى الذين كنتم تزعمونهم شركائى وكنتم تعبدونهم كما تعبدوننى فحذف المفعولان معا ثقة بدلالة الكلام عليهما. قال فى كشف الاسرار وسؤالهم عن ذلك ضرب من ضروب العذاب لانه لاجواب لهم الا مافيه فضيحتهم واعترافهم بجهل انفسهم
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} عطف على يوم القيامة او بتقدير اذكر او ذكر او متعلّق بقوله {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} {فَيَقُولُ} للمشركين {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} انّهم شركائى من الاصنام والكواكب والاهوية والوسائل وشركاء الولاية فى كلّ عصرٍ وزمانٍ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي: في الآخرة، يعني المشركين {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: في الدنيا أنهم شركائي، فَأَشْرَكتموهم في عبادتي. {قَالَ الذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} أي: الغضب، يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان {رَبَّنَا هَؤُلآءِ الذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ} أي: أضللناهم {كَمَا غَوَيْنَا} أي: كما ضللنا {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} أي: سلطان كان لنا عليهم استكرهناهم به، وإنما دعوهم بالوسوسة كقول إبليس:{أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}تفسير : [إبراهيم: 22]، وكقوله في قولهم: {أية : وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} تفسير : [الصافات: 30] وكقول الله: (أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) تفسير : [سبأ: 21]... إلى آخر الآية. وكقوله: {أية : مَآ أنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ}تفسير : [الصافات: 162] أي: بمضلّين (أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ) تفسير : [الصافات: 163]. قال: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ} يعني الأوثان {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا العَذَابَ} أي: ودخلوا العذاب {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [أي: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما دخلوا العذاب. وبعضهم يقول: لَو أنَّهُمْ كَانُوا مُهْتَدِينَ] أي: في الدنيا كما أبصروا الهدى في الآخرة ما دخلوا العذاب، وإيمانهم في الآخرة لا يقبل منهم. قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} يعني المشركين {فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} يستفهمهم، فيحتجّ عليهم، وهو أعلم بذلك، ولا يسأل العبادَ عن أعمالهم إلا اللهُ وحده.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} أي واذكر يوم. {يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ} الله ويجوز عطف اليوم على اليوم فيقول عطف مفصل على مجمل. {أَيْنَ شُرَكَائِيَ} اضاف الشركاء الى نفسه تهكما بعبدتها في اثباتهم إياها. {الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} حذف مفعولا تزعم للدلالة عليهما أي تزعمونهم شركائي ويجوز تقدير ما يسد مسدهما اي تزعمون انهم شركائي.
اطفيش
تفسير : {ويَوْم} عطف على يوم، ولو اتحد الاختلاف ما بعدهما، أو اذكر يوم {يُنادِيهِم} يأمر النداء فينادى ملك، أو يقدر مضاف، أى ينادى ملكه أو يخلق الله النداء حيث شاء، والإسناد مجاز عقلى، وذلك نداء توبيخ، وفسر النداء بقوله: {فيقول أين شركائى الَّذين كُنتم تَزْعُمون} المعروف فى رابط الصلة من المعتدى تقديره ضميرا أى تزعمونهم، فهو هذه الهاء، والثانى شركائى بعد الضمير، كقوله: شعر : زعمتنى شيخا ولست بشيخ تفسير : والأكثر أن يؤتى بأن بالفتح ومعموليها نيابة عنهما، مثل أن يقدر هنا تزعمون أنهم شركائى، وهو جائز لأنه الأكثر، وقد يترجح لكثرته ولا سيما أنه قد جاء فى قوله: "أية : الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء" تفسير : [الأنعام: 94].
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } عطف على {أية : يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}تفسير : [القصص: 61] لاختلافهما عنواناً وإن اتحدا ذاتاً أو منصوب بإضمار اذكر، ونداؤه تعالى إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وأن يكون بدونها وهو نداء إهانة وتوبيخ {فَيَقُولُ } تفسير للنداء {أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي فإن زعم مما يتعدى إلى مفعولين كقوله:شعر : وأن الذي قد عاش يا أم مالك يموت ولم أزعمك عن ذاك معزلاً تفسير : وحذف هنا المفعولان معاً ثقة بدلالة الكلام عليهما نحو من يسمع يخل. وفي «الكشاف» يجوز حذف المفعولين في باب ظننت ولا يصح الاقتصار على أحدهما، وادعى بعضهم أن عدم صحة الاقتصار هو الأصح وأنه الذي ذهب إليه الأكثرون. وقال الأخفش: إذا دخلت هذه الأفعال ظن وأخواتها على أن نحو ظننت أنك قائم فالمفعول الثاني منهما محذوف والتقدير ظننت قيامك كائناً لأن المفتوحة بتأويل المفرد. وسيبويه يرى في ذلك أن أن مع ما بعدها سدت مسد المفعولين، وأجاز الكوفيون الاقتصار على الأول إذا سد شيء مسد الثاني كما في باب المبتدأ نحو أقائم أخواك فيقولون هل ظننت قائماً أخواك؟ وقال أبو حيان: إذا دل دليل على أحدهما جاز حذفه كقوله:شعر : كأن لم يكن بين إذا كان بعده تلاق ولكن لا أخال تلاقياً تفسير : أي لا إخال بعد البين تلاقياً وقال صاحب «التحفة»: يجوز الاقتصار في باب كسوت على أحد المفعولين بدليل وبغير دليل لأن الأول فيهما غير الثاني وأجاز بعضهم حذف الأول إذا كان هو الفاعل معنى نحو قوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ }تفسير : [النور: 57] أي ولا يحسبن الذين كفروا إياهم أي أنفسهم معجزين، وقال الطيبـي: في عدم الحذف فيما عدا ما ذكر. وجواز الحذف فيه لعل السر أن هذه الأفعال قيود للمضامين تدخل على الجمل الاسمية لبيان ما هي عليه لأن النسبة قد تكون عن علم وقد تكون عن ظن فلو اقتصر على أحد طرفي الجملة لقيام قرينة توهم أن الذي سيق له الكلام والذي هو مهتم بشأنه الطرف المذكور وليس غير المذكور مما يعتنى به، نعم إذا كان الفاعل والمفعول لشيء واحد يهون الخطب، وذكر عن صاحب «الإقليد» ما يؤيده وقد أطال طيب الله تعالى مرقده الكلام في هذا المقام، وادعى ابن هشام أن الأولى أن يقدر هنا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي لأنه لم يقع الزعم في التنزيل على المفعولين الصريحين بل على أن وصلتها كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } تفسير : [الأنعام: 94] وفيه نظر. والظاهر أن المراد بالشركاء من عبد من دون الله تعالى من ملك أو جن أو إنس أو كوكب أو صنم أو غير ذلك.
ابن عاشور
تفسير : تخلص من إثبات بعثة الرسل وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشركاء لله، فالجملة معطوفة على جملة {أية : أفمن وعدناه وعداً حسناً}تفسير : [القصص: 61] مفيدة سبب كونهم من المحضرين، أي لأنهم اتخذوا من دون الله شركاء، وزعموا أنهم يشفعون لهم فإذا هم لا يجدونهم يوم يحضرون للعذاب، فلك أن تجعل مبدأ الجملة قوله {يناديهم} فيكون عطفاً على جملة {أية : ثم هو يوم القيامة من المحضرين}تفسير : [القصص: 61] أي يحضرون و{يناديهم فيقول: أين شركائي} الخ. ولك أن تجعل مبدأ الجملة قوله {يوم يناديهم}. ولك أن تجعله عطف مفردات فيكون {يوم يناديهم} عطفاً على {أية : يوم القيامة من المحضرين}تفسير : [القصص: 61] فيكون {يوم يناديهم} عين {يوم القيامة} وكان حقه أن يأتي بدلاً من {يوم القيامة} لكنه عدل عن الإبدال إلى العطف لاختلاف حال ذلك اليوم باختلاف العنوان، فنزل منزلة يوم مغاير زيادة في تهويل ذلك اليوم. ولك أن تجعل {يوم يناديهم} منصوباً بفعل مقدر بعد واو العطف بتقدير: اذكر، أو بتقدير فعل دل عليه معنى النداء. واستفهام التوبيخ من حصول أمر فظيع، تقديره: يوم يناديهم يكون ما لا يوصف من الرعب. وضمير {يناديهم}المرفوع عائد إلى الله تعالى. وضمير الجمع المنصوب عائد إلى المتحدث عنهم في الآيات السابقة ابتداء من قوله {أية : وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}تفسير : [ القصص: 57] فالمنادون جميع المشركين كما اقتضاه قوله تعالى {أين شركائي الذين كنتم تزعمون}. والاستفهام بكلمة {أين} ظاهره استفهام عن المكان الذي يوجد فيه الشركاء ولكنه مستعمل كناية عن انتفاء وجود الشركاء المزعومين يومئذ، فالاستفهام مستعمل في الانتفاء. ومفعولا {تزعمون} محذوفان دل عليهما {شركائي الذين كنتم تزعمون} أي تزعمونهم شركائي، وهذا الحذف اختصار وهو جائز في مفعولي (ظن). وجردت جملة {قال الذين حق عليهم القول} عن حرف العطف لأنها وقعت في موقع المحاورة فهي جواب عن قوله تعالى {أين شركائي الذين كنتم تزعمون}. والذين تصدوا للجواب هم بعض المنادين بــــ{أين شركائي الذين كنتم تزعمون} علموا أنهم الأحرياء بالجواب. وهؤلاء هم أيمة أهل الشرك من أهل مكة مثل أبي جهل وأمية بن خلف وسدنة أصنامهم كسادن العزى. ولذلك عبّر عنهم بــــ {الذين حقّ عليهم القول} ولم يعبر عنهم بــــ (قالوا). ومعنى {حق عليهم القول} يجوز أن يكون {حق} بمعنى تحقق وثبت ويكون القول قولا معهوداً وهو ما عهد للمسلمين من قوله تعالى {أية : حقَّ القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}تفسير : [ السجدة: 13] وقوله {أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب}تفسير : [الزمر: 19] فالذين حق عليهم القول هم الذين حل الإبان الذي يحق عليهم فيه هذا القول. والمعنى: أن الله ألجأهم إلى الاعتراف بأنهم أضلوا الضالين وأغووهم. ويجوز أن يكون {حق} بمعنى وجب وتعين، أي حق عليهم الجواب لأنهم علموا أن قوله تعالى {فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} موجه إليهم فلم يكن لهم بد من إجابة ذلك السؤال. ويكون المراد بالقول جنس القول، أي الكلام الذي يقال في ذلك المقام وهو الجواب عن الاستفهام بقوله {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} وعلى كلا الاحتمالين فالذين حق عليهم القول هم أيمة الكفر كما يقتضيه قوله تعالى {هؤلاء الذين أغوينا...} الخ. والتعريف في {القول} الأظهر أنه تعريف الجنس وهو ما دل عليه {قال}، أي قال الذين حق عليهم أن يقولوا، أي الذين كانوا أحرى بأن يجيبوا لعلمهم بأن تبعة المسؤول عنه واقعة عليهم لأنه لما وجه التوبيخ إلى جملتهم تعين أن يتصدى للجواب الفريق الذين ثبتوا العامة على الشرك وأضلوا الدهماء. وابتدأوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم، نداء أريد منه الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافاً منهم بالعبودية وتمهيداً للتنصل من أن يكونوا هم المخترعين لدين الشرك فإنهم إنما تلقوه عن غيرهم من سلفهم، والإشارة بــــ{هؤلاء} إلى بقية المنادين معهم قصداً لأن يتميزوا عمن سواهم من أهل الموقف وذلك بإلهام من الله ليزدادوا رُعباً، وأن يكون لهم مطمع في التخليص. و{الذين أغوينا} خبر عن اسم الإشارة وهو اعتراف بأنهم أغووهم. وجملة {أغويناهم كما غوينا} استئناف بياني لجملة {الذين أغوينا} لأن اعترافهم بأنهم أغووهم يثير سؤال سائل متعجب كيف يعترفون بمثل هذا الجرم فأرادوا بيان الباعث لهم على إغواء إخوانهم وهو أنهم بثوا في عامة أتباعهم الغواية المستقرة في نفوسهم وظنوا أن ذلك الاعتراف يخفف عنهم من العذاب بقرينة قولهم {تبرّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون}. وإنما لم يقتصر على جملة {أغويناهم} بأن يقال: هؤلاء الذين أغويناهم كما غوينا، لقصد الاهتمام بذكر هذا الإغواء بتأكيده اللفظي، وبإجماله في المرة الأولى وتفصيله في المرة الثانية، فليست إعادة فعل {أغوينا} لمجرد التأكيد. قال ابن جني في كتاب «التنبيه» على إعراب الحماسة عند قول الأحوص: شعر : فإذا تزول تزول عن متخمط تخشى بوادره على الأقران تفسير : إنما جاز أن يقول: فإذا تزول تزول، لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفاد منه الفائدة، ومثله قول الله تعالى {هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} ولو قال: هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يُفد القول شيئاً، لأنه كقولك: الذي ضربته ضربته، والتي أكرمتها أكرمتها، ولكن لما اتصل بــــ{أغويناهم} الثانية قوله {كما غوينا} أفاد الكلام كقولك: الذي ضربته ضربته لأنه جاهل. وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما اخترناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك» اهــــ. وقد تقدم بيان كلامه عند قوله تعالى {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : في سورة الاسراء (7)، وقوله {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} في سورة الشعراء (130)، وقوله {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : في سورة الفرقان (72)، فإن تلك الآيات تطابق بيت الأحوص لاشتمالهن على (إذا). و{كما غوينا} صفة لمصدر، أي إغواء يوقع في نفوسهم غيّاً مثل الغي الذي في قلوبنا. ووجه الشبه في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مُغوون قبلهم، وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعة عنهم ويتوهمون أن السير على قدم الغاوين يبرر الغواية، وهذا كما حكى عنهم في سورة الشعراء( 96،99){أية : قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون}تفسير : . وحذف مفعول فعل {أغوينا} الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل، لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصاراً. وذكر مفعول فعل {أغويناهم} الثاني اهتماماً بذكره لعدم الاستغناء عنه في الاستعمال. وجملة {تبرأنا إليك} استئناف. والتبرؤ: تفعل من البراءة وهي انتفاء ما يصم، فالتبرؤ: معالجة إثبات البراءة وتحقيقها. وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف (إلى) الدال على الانتهاء المجازي؛ يقال: إني أبرأ إلى الله من كذا، أي أوجه براءتي إلى الله، كما يتعدى إلى الشيء الذي يَصِم بحرف (من) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى {أية : فبرأه الله مما قالوا}تفسير : [ الأحزاب: 69]. وقد تدخل (من) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى {أية : وقال إني بريء منكم}تفسير : [ الأنفال: 48] أي من كفركم. والتقدير: من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال. فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة {ما كانوا إيانا يعبدون} فهي بيان لإجمال التبرؤ. والمقصود: أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلاً لما سمعوا قوله تعالى {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [ الأنبياء: 98]. هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني. وتقديم {إيانا} على {يعبدون} دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويوم يناديهم: أي الربّ سبحانه وتعالى. كنتم تزعمون: أي أنهم شركاء لي فعبدتموهم معي. حق عليهم القول: أي بالعذاب في النار وهم أئمة الضلال. أغويناهم: أي فَغَوَوْا ولم نكرههم على الغي. تبرأنا إليك: أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل ادعوا شركاءكم: أي نادوهم ليخلصوكم مما أنتم فيه. لو أنهم كانوا يهتدون: أي لما رأوا العذاب وَدُّوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين. ويوم يناديهم: أي الله تبارك وتعالى. فعميت عليهم الأنباء: أي فخفيت عليهم الأنباء التي يمكنهم أن يحتجوا بها. فهم لا يتساءلون: أي انقطعوا عن الكلام. فأما من تاب وآمن: أي آمن بالله ورسوله وتاب من الشرك. وعمل صالحاً: أدى الفرائض والواجبات. فعسى أن يكون من المفلحين: أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، وعسى من الله تعالى لا تفيد مجرد الرجاء بل هي لتحقق الموعود به. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله واذكر يوم ينادي ربك هؤلاء المشركين وقد ماتوا على شركهم فيقول لهم {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي أنهم شركائي هذا سؤال تقريع وتأنيب والتقريع والتأنيب ضرب من العذاب الروحي الذي هو أشد من العذاب الجثماني. وقوله تعالى {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} اي نطق الرؤساء من أئمة الضلال وهم الذين حق عليهم العذاب في نار جهنم { رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} {أَغْوَيْنَاهُمْ} فغووا {كَمَا غَوَيْنَا} أي ما أكرهناهم على الغواية، {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ} أي منهم. {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} أي بل كانوا يعبدون أهواءهم لا غير. وقوله: {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي يقال للمشركين تهكماً بهم واستهزاء، {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي لينصروكم ويخلصوكم مما أنتم فيه من الذل والهوان. قال تعالى: {فَدَعَوْهُمْ} بالفعل نادوا {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} إذا لا يقدر واحد من الإِنس أو الجن أن يقول هذا كان يعبدني، بل كل معبود يتبرأ ممن عبده كما قالوا في الآية قبل ذي تبرأنا إليك أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم وقوله تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} بأعينهم فاشتدت حسرتهم وودوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي ربهم قائلاً {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ}؟ أخبرونا كيف كان موقفكم مع من أرسلنا إليكم؟ هل آمنتم بهم واتبعتموهم أم كذبتموهم وحاربتموهم قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ} أي فخفيت عليهم الأخبار التي يمكنهم أن يحتجوا بها فلم يجدوا حجة واحدة ولذا {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي لا يسأل بعضهم بعضاً لأنه سقط في أيديهم وعلموا أنهم صالو الجحيم لا محالة. وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَن تَابَ} من هؤلاء المشركين اليوم من الشرك وآمن بالله ولقائه ورسوله وعمل صالحاً فأدى الفرائض والواجبات {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، فهذه دعوة سخية لكل مشرك وكافر وفاسق أن يتخلى عن الباطل المتلبس به ويؤمن الإِيمان الصحيح ويعمل صالحاً بأداء الفرائض فإنه ينجو من النار ويدخل الجنة دار الأبرار فهل من تائب؟!. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالشرك والمشركين. 2- براءة الرؤساء في الضلالة من المرؤوسين. 3- التحذير من الغواية وهي الضلال والانغماس في الذنوب والآثام. 4- خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم. 5- باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه ولا يهلك على الله إلا هالك.
القطان
تفسير : حقّ عليهم: وجب عليهم. القول: العذاب. أغويناهم: أضللناهم، الغواية: الضلال والفعل غوى يغوَى غياً وغواية فهو غاو. وفي سورة النجم {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}. فعميت: خفيت. الأنباء: الحجج والاعذار. الخِيرة: الاختيار. تكنّ: تخفي. يعلنون: يظهرون. وله الحكم: له القضاء النافذ في كل شيء. اذكر ايها الرسول لقومك يومَ ينادي ربُّ العزة المشركين ويقول لهم: أين الذين زعمتم انهم شركائي وعبدتموهم من دوني. فيجيبه قادةُ الكفر ودعاة الضلال الذين ثَبتَ عليهم العذابُ قائلين: يا ربنا، هؤلاء الذين أضللناهم، إنما أغويناهم باختيارهم كما غوينا نحن. لقد دعوناهم إلى ما نحن فضلّوا مثلنا باختيارهم، واننا نبرأ اليك منهم فما كانوا يعبدوننا في الحقيقة، وانما كانوا يعبدون أهواءهم. ويقال للأتباع ادعوا شركاءَكم واستغيثوا بهم، ففعلوا فلم يجيبوهم، ورأوا العذابَ حاضرا، وتمنّوا أنهم كانوا في دنياهم مؤمنين. ويوم ينادي الله المشركين ويقول لهم: بماذا أجبتم المرسَلين؟ هل آمنتم بهم. فلا يستطيعون ان يقولوا شيئا، وغابت عنهم الحُجج، ولم يجدوا معذرة، ولا يسأل بعضهم بعضا من الدَّهَش والخوف. وبعد ان بيّن حال الكفار المعذَّبين وما يجري عليهم من التوبيخ والاهانة - أَتبعه بذِكر من يتوب في الدنيا وما ينتظره من نعيم فقال: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ}. وأما من تاب من الشِرك، وآمن ايماناً صادقا وعمل الأعمالَ الصالحة، فانهم يكونون عند الله من الفائزين برضوان الله وبالنعيم الدائم. وربك يخلق ما يشاء ويختار ما يريد، ليس لأحدٍ الخيارُ في شيء، تنزه وتعالى عما يشركون، وربك يعلم ما تخفي صدورهم وما به يجهرون. وهو الله لا إله يُعبد ويرجى الا هو، له الحمد في الدنيا من عباده على إنعامه وهدايته، وفي الآخرة على عدله ومثوبته. وهو وحده صاحب الحكم والفضل، واليه المرجع والمصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {شُرَكَآئِيَ} (62) - واذْكُر أَيُّها الرَّسُولُ حِينَ يُوَبِّخُ اللهُ تَعَالى المُشْرِكِينَ المُضِلِّينَ يَومَ القِيَامَةِ، فَيَسْأَلُهُمْ قَائِلاً: أَيْنَ الآلِهَةُ التِي كُنْتُمْ تَعبُدُونَها فِي الدَّارِ الدُّنيا مِنَ الأَصْنَامِ والأَندَادِ والجِنِّ.. هَلْ يَدْفَعُونَ عَنْكُمُ اليَومَ، أَوْ يَشْفَعُونَ فِيكُمْ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسؤال هنا للذين أشركوا، لا لمن أُشرك بهم، وكلمة {وَيَوْمَ ..} [القصص: 62] منصوبة على الظرفية، لا بُدَّ أن نُقدِّر لها فعلاً يناسبها، فالتقدير: واذكر يوم يناديهم، والأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لمن يذكره رسول الله؟ يذكره للكافرين بهذا اليوم يوم القيامة. والآية تعطينا لقطة من لقطات هذا اليوم الذي هو يوم الواقعة التي لا واقعةَ بعدها، ويوم الحاقَّة أي الثابتة التي لا تَزَحْزُحَ عنها، ويوم الصَّاخة أي: التي تصخّ الآذان التي انصرفتْ عنها في الدنيا، ويوم الطامة التي تطمُّ، ويوم الدين، أي: الذي ينفع فيه الدين. والحق سبحانه يذكر هذه اللقطة لأمرين: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عُودِي وأُوذِي وهزِىء به وسُخِر منه، واجتمعت عليه كل وسائل النكالَ من خصومة فبيَّتوا له بمكر، وصنعوا له سحراً .. إلخ. وحين تجد دعوة تُقابل بهذه الشراسة، فاعلم أنها ما قُوبلت هذه المقابلة إلا لأنها ستهدم فساداً ينتفع به قوم ترهبهم كلمة الإصلاح؛ لأنها تصيبهم في مصالحهم وفي شهواتهم وفي جاههم وعنجهيتهم وطغيانهم، فطبيعي أن يقفوا في وجهها. لذلك نجد كثيراً من الغربيين يعرفون عظمة الإسلام من شراسة عداوة خصومه، يقولون: لو لم يكُنْ هذا الدين ضد فسادهم ما ائتمروا عليه، ولو كان أمراً هيِّناً لتركوه للزمن يمحوه، لكنهم أيقنوا أنه الحق الذي سيُذهِب باطلهم، ويقضي على طغيانهم. فالحق سبحانه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يذكر ذلك اليوم يذكره لنفسه، ويذكره لقومه ليعتبروا، فربما إذا سمعوا ما في هذا اليوم من القسوة والخزي والنكال ربما راجعوا أنفسهم فتابوا إلى الله. إذن: ليس حظ الله تعالى من هذا العمل أنْ يُرهبهم إنما ليحذرهم، لئلا يقع منهم الكفر الذي يُوقِفهم هذا الموقف، كما تُبشِّع لولدك عاقبة الإهمال، وتُحذِّره من الرسوب لينفر من أسبابه، ويبحث عن أسباب النجاح. يقول تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ..} [القصص: 62] وقد ناداهم في الدنيا: يا أيها الناس، يا بني آدم فصمُّوا آذانهم، وأعرضوا عن نداء الله، واليوم يناديهم نداءً لا يملكون أنْ يصمُّوا آذانهم عنه؛ لأنه {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] فكأن الحق يُذكِّرهم بهذا اليوم، لعلهم يرعوون، ولعلهم يرجعون. الأمر الثاني: أن الآية جاءت تسلية لسيدنا رسول الله يقول له ربه: لا تيأس مما يصنعون معك، ولا يحزنك كيدهم وعنادهم؛ لأنني سأصنع بهم كيت وكيت. وأنت تستطيع أن تدرك سِرَّ هذا الإيعاز النفسي في نفس المضطهد وفي نفس المظلوم حين يشكو لك ولدك أن أخاه ضربه أو أهانه فتقول أنت لتُرضيه: انتظر سوف أفعل به كذا وكذا، فترى الولد ينبهر بهذه العقوبة المسموعة ويسعد بها، وكذلك حين يسمع رسول الله العقوبة التي تنال أعداءه على ما حدث منهم يسعد بها، وتُسرِّي عن نفسه ما يلاقي. ومضمون النداء {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] فلم يقُلْ شركائي ويسكت، إنما وصفهم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] لأنه سبحانه واحد لا شريك له، وهؤلاء شركاء في زعمهم فقط، والزعم كما يقولون: مطية الكذب؛ لذلك لن يجدوا جواباً لهذا السؤال {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62]. ولو كان أمامهم شركاء لقالوا: ها هم الذين أضلُّونا، فأذِقْهم يا رب العذاب ضِعْفين، لكنهم لم يجيبوا فهذا دليل على أنهم غَير موجودين، لقد وقف هؤلاء المشركين حائرين، لا يدرون جواباً كما قال تعالى: {أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ..} تفسير : [القصص: 66]. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا إخبار من اللّه تعالى، عما يسأل عنه الخلائق يوم القيامة، وأنه يسألهم عن أصول الأشياء، وعن عبادة اللّه وإجابة رسله، فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي: ينادي من أشركوا به شركاء يعبدونهم، ويرجون نفعهم، ودفع الضرر عنهم، فيناديهم، ليبين لهم عجزها وضلالهم، { فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ } وليس للّه شريك، ولكن ذلك بحسب زعمهم وافترائهم، ولهذا قال: { الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } فأين هم، بذواتهم، وأين نفعهم وأين دفعهم؟ ومن المعلوم أنه يتبين لهم في تلك الحال، أن الذي عبدوه، ورجوه باطل، مضمحل في ذاته، وما رجوا منه، فيقرون على أنفسهم بالضلالة والغواية. ولهذا { قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } الرؤساء والقادة، في الكفر والشر، مقرين بغوايتهم وإغوائهم: { رَبَّنَا هَؤُلاءِ } التابعون { الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أي: كلنا قد اشترك في الغواية، وحق عليه كلمة العذاب. { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } من عبادتهم، أي: نحن برآء منهم ومن عملهم. { مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } وإنما كانوا يعبدون الشياطين. { وَقِيلَ } لهم: { ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } على ما أملتم فيهم من النفع فأمروا بدعائهم في ذلك الوقت الحرج، الذي يضطر فيه العابد إلى من عبده. { فَدَعَوْهُمْ } لينفعوهم، أو يدفعوا عنهم من عذاب اللّه من شيء. { فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } فعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين مستحقين للعقوبة، { وَرَأَوُا الْعَذَابَ } الذي سيحل بهم عيانا، بأبصارهم بعد ما كانوا مكذبين به، منكرين له. { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } أي: لما حصل عليهم ما حصل، ولهدوا إلى صراط الجنة، كما اهتدوا في الدنيا، ولكن لم يهتدوا، فلم يهتدوا. { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } هل صدقتموهم، [واتبعتموهم] أم كذبتموهم وخالفتموهم؟ { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ } أي: لم يحيروا عن هذا السؤال جوابا، ولم يهتدوا إلى الصواب. ومن المعلوم أنه لا ينجى في هذا الموضع إلا التصريح بالجواب الصحيح، المطابق لأحوالهم، من أننا أجبناهم بالإيمان والانقياد، ولكن لما علموا تكذيبهم لهم وعنادهم لأمرهم، لم ينطقوا بشيء، ولا يمكن أن يتساءلوا ويتراجعوا بينهم في ماذا يجيبون به، ولو كان كذبا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):