٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } بدخول النار وهم رؤساء الضلالة {رَبَّنَا هَٰؤُلاءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا } هم مبتدأ وصفتة {أَغْوَيْنَٰهُمْ } خبره فغووا {كَمَا غَوَيْنَا } لم نكرههم على الغيّ {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم {مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } ما نافية وقدّم المفعول للفاصلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف مبنى على حكاية السؤال كأنه قيل فماذا صدر عنهم حنيئذ فقيل قال {الذين حق عليهم القول} فى الازل بان يكونوا من اهل النار المردودين يدل عليه قوله تعالى {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى}تفسير : الآية كما فى التأويلارت النجمية. وقال بعض اهل التفسير معنى حق عليهم القول ثبت مقتضاه وتحقق مؤاده وهو قوله {أية : لاملأن جهنم من الجنة والناس اجمعين}تفسير : وغيره من آيات الوعيد والمراد بهم شركاؤهم ومن الشياطين او رؤساؤهم الذين اتخذوهم اربابا من دون الله بان اطاعوهم فى كل ماامروهم به ونهوهم عنه وتخصيصهم بهذا الحكم مع شموله للاتباع ايضا لاصالتهم فى الكفر واستحقاق العذاب ومسارعتهم الى الجواب مع كون السؤال للعبدة لتفطنهم ان السؤال عنهم لاستحقارهم وتوبيخهم بالاضلال وجزمهم بان العبدة سيقولون هؤلاء اضلونا {ربنا} [اى برود كارما] {هؤلاء} اى كفار بنى آدم او الاتباع هم {الذين اغوينا} فحذف الراجع الى الموصول ومرادهم بالاشارة بيان انهم يقولون مايقولون بمحضر منهم وانهم غير قادرين عل انكاره ورده {اغويناهم كما غوينا} هو الجواب فى الحقيقة وما قبله تمهيد له اى ماأكرهنا على الغى وانما اغوينا بما قضيت لنا ولهم الغواية والضلالة مساكين بنو آدم انهم من خصوصية ولقد كرمنا بنى آدم يحفظون الادب مع الله فى اقصى البعد كما يتأدب الاولياء على بساط اقصى القرب ولايقولون اغويناهم كما اغويتنا كما قال ابليس صريحا ولم يحفظ الادب رب بما اغويتنى لاقعدن لهم {تبرأنا اليك} منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصى هوى منهم وهو تقرير لما قبله ولذا لم يعطف عليه وكذا قوله تعالى {ماكانوا ايانا يعبدون} ايانا مفعول يعبدون اى ماكانوا يعبدوننا وانما كانوا يعبدون اهواءهم ويطيعون شهواتهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "هؤلاء": مبتدأ. و"الذين": صفته، والعائد: محذوف، و"أغويناهم": خبر. والكاف في "كما": صفة لمصدر محذوف، أي أغويناهم غياً مثل ما غوينا، و "لو أنهم": جوابه محذوف، أي: لما رأوا العذاب. يقول الحق جل جلاله: {قال الذين حقَّ عليهم القولُ} بالعذاب، وثبت مقتضاه، وهو قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119]، وهم الشياطين، أو: أئمة الكفر: ورؤساء الكفرة: {ربنا هؤلاء} الكفرة {الذين أغوينا أغويناهم} أي: دعوناهم إلى الشرك وسوّلناه لهم، قد غَووا غياً {كما} مثل ما {غَوَينا} يقولون: إنا لم نغو إلا باختيارنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل إليهم من الكتب، وهذا كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ...}تفسير : إلى قوله:{أية : وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ...}تفسير : [إبراهيم: 22]. ثم قالوا: {تبرَّأنا إليك} منهم فيما اختاروه من الكفر، {ما كانوا إيانا يعبدون}، بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم. فَتَحَصَّلَ من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غَرُّوا الضعفاء، وتبرؤوا من أن يكون آلهتهم، فلا تناقض. انظر ابن جزي. وإخلاء الجملتين من العاطف؛ لكونهما مقررتين للجملة الأولى. {وقيل} للمشركين: {ادعو شركاءَكم} أي: الأصنام؛ لتُخلصكم من العذاب، {فَدَعَوْهُمْ فلم يستجيبوا لهم}، فلم يجيبوهم؛ لعجزهم عن الإجابة والنصرة. {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} لَمَّا رأوا ذلك العذاب، وقيل: "لو"؛ للتمني، أي: تمنوا أنهم كانوا يهتدون. {و} اذكر {يوم يُناديهم فيقولُ ماذا أجبتُمُ المرسلين} الذي أُرسلوا إليكم؟ أي: بماذا أجبتموهم؟ وهو أعلم بهم. حكي، أولاً، ما يوبخهم به؛ من اتخاذهم له شركاء، ثم ما تقوله الشياطين، أو: أئمة الكفر عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين, أو الرؤساء، استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم؛ لاستغائتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم. ثم ما يُبَكَّتُونَ به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. قال تعالى: {فعَمِيتْ عليهم الانبياء يومئذِ}؛ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب، فلم يدروا بماذا يجيبون؛ إذ لم يكن عندهم جواب. قال البيضاوي: وأصله: فعموا عن الانباء، لكنه عكس؛ مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج، فإن أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد بالأنباء: ما أجابوا به الرسل، أو: ما يعمها وغيرَها، فإذا كانت الرسل يتلعثمون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، ويفوضون إلى علم الله تعالى؛ فما ظنك بالضلال من البُهم؟. هـ. {فهم لا يتساءلون}؛ لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب؛ لفرط الدهشة، أو: عن العذر والحجة، عسى أن يكون عندهم عذر أو حجة. {فأما من تابَ} من الشرك {وآمَنَ} بربه وبمن جاء من عنده، {وعَمِلَ صالحاً} أي: جمع بين الإيمان والعمل، {فعسى أن يكون من المفلحين}؛ من الفائزين عند الله بالنعيم المقيم. و "عسى"، من الكِرام، تحقيق. وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام، وترغيب للكافرين في الإيمان. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الذين حق عليهم القول؛ بالانحطاط عن درجة المقربين، والبقاء مع عامة أهل اليمين، وهم الصادُّون الناسَ عن الدخول في طريق القوم: ربنا هؤلاء الذين أغوينا؛ زيناً لهم البقاء مع الأسباب، والوقوف مع العوائد، أغويناهم كما غوينا، فحيث لم نَقَوَ على مقام أهل التجريد، قوينا سوادنا بهم، تبرأنا إليك؛ لأنا لم نقهرهم، ولكن وسوسنا لهم ذلك، ما كانوا إيانا يعبدون، ولكن عبدوا هوى أنفسهم. ثم يقال لهم: ادعوا ما كنتم تعبدونه من حظوظ الدنيا وشهواتها، فدعوهم؛ فلم يستجيبوا لهم، ورأوا عذاب القطيعة، لو أنهم كانوا يهتدون إلى اتباع أهل التربية؛ ما وقعوا في ذلك. ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم الداعين، الذين أرسلتهم في كل زمان، يدعون إلى الله، ويرفعون الحجاب بينهم وبين ربهم، فعميت عليهم الأنبياء يومئذٍ، فهم لا يتساءلون عن أحوال المقربين، لغيبتهم عنهم. والله تعالى أعلم. ثم بين الله تعالى بعض صفاته الحسنى، فقال: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ...}
الجنابذي
تفسير : {قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} من مدّعى الرّبوبيّة ومن مدّعى الولاية والرّسالة وممّن جعلهم المشركون شركاء الله او شركاء الولاية لكنّ المنظور شركاء الولاية {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} اشارة الى المشركين والاتباع {أَغْوَيْنَاهُمْ} بصرفهم عنك أو عن ولّى امرهم {كَمَا غَوَيْنَا} بأنفسنا {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ} منهم فانّهم كانوا اعداء لنا وكنّا نظنّهم احباباً {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} بل كان معبودهم ومطاعهم اهويتهم.
اطفيش
تفسير : {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} العذاب او الغضب وهم رؤساء الضالة من بني آدم او هم الشياطين الذين يدعونهم الى عبادة الأوثان. {رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ} مبتدأ وخبر وجملة أغويناهم مستأنفة او الذين تابع لهؤلاء وأغويناهم خبر. {أَغْوَيْنَا} أضللناهم وهم الاتباع. {أَغْوَيْنَاهُمْ} أضللناهم. {كَمَا غَوَيْنَا} ضللنا ولم نكرههم على الضلالة بل أحبوها كما أحببناها فبمجرد تحببنا إياها اليهم اتبعونا فيها. {تَبَرَّأَنَا إِلَيْكَ} منهم. {مَا} نافية او مصدرية على تقدير من اي تبرأنا اليك من كونهم يعبدوننا. {كَانُوا إِيَّانَا} مفعول ليعبدون وقدم للفاصلة. {يَعْبُدُونَ} بل عبدوا اهواءهم ولم يقرن جملة تبرأنا وجملة اليك ما كانوا إيانا يعبدون بالعاطف لأنه تقرير للمحبة قبلهما واذا جعلنا ما مصدرية فالجملة واحدة.
اطفيش
تفسير : {قال الَّذين حقَّ عليْهِمُ القَوْل} قصدوا به، بالمعنى المصدرى، أو حق عليهم المقول بمعنى المفعول، وهو ما تضمنه من أن لهم النار، وهم الرؤساء من الجن والإنس، المتبوعون فى الكفر خصُّوا بالذكر لأصالتهم وتسببهم فيه، ولم يقل قال الذين زعموهم شركاء، لأن عيسى وعزير والملائكة لا يقولون ربنا هؤلاء الذين أغوينا إلخ، مع أنهم شركاء لله فى زعمهم، والكلام فيهم بدليل قوله: {ربَّنا هؤلاء الَّذين أغْوينَا أغْويناهم كما غَوَيْنا} وإلا فالقول حق على التابعين كما حق على المتبوعين، أو أراد هنا أن التابعين قد أجابوا بقولهم هؤلاء أضلونا، فيشمل من حق عليه القول التابع والمتبوع، ولا سيما، أن السؤال فى قوله تعالى: "أية : أين شركائى" تفسير : [القصص: 62] للتابعين، وإنما سارع الرؤساء المتبوعون الى الجواب بقولهم: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا} الخ لعلمهم إن السؤال راجع إليهم ولعلمهم أنهم يستحضرون ولعلمهم أن التابعين سيقولون هؤلاء أضلونا، والذين نعت أو بيان، وأغويناهم خبر هؤلاء، وهذا أولى من جعل الذين خبر، وأغويناهم خبرا ثانيا أو مستأنفا، والمعنى أغويناهم مع اختيارهم لا بالقهر، كما غوينا باختيارنا فقد أفاد الخبر ما لم تفده الصلة، كما أفاد قولك: الذى ضرب ضرب، والذى جاء جاء فى فرس، وحصول العائدة بالفضلة كاف. {تبرَّأنا} من عبادتهم إيانا، ومن الكفر والمعاصى ولو ادعوها لنا {إليك} تركناها ولم نقبلها {ما كانُوا إِيَّانا يعْبدون} فى الحقيقة، لأن عبادتهم لا تتصل بنا، ولسنا أهلا لها، وإنما عبدوا أهواءهم، وقيل: ما مصدرية على تقدير حرف الجر، والمصدر متعلق بقوله: تبرأنا إليك أى تبرأنا إليك من كونهم يعبدوننا.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف مبني على حكاية السؤال كأنه قيل: فماذا كان بعد هذا السؤال فقيل قال: {ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي ثبت عليهم مقتضى القول وتحقق مؤداه وهو قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }تفسير : [هود: 119] وغيره من آيات الوعيد، والمراد بالموصول الشركاء الذين كانوا يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر، وتخصيصهم بما في حيز الصلة مع شمول مضمونها الاتباع أيضاً لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب، والتعبير عنهم بذلك دون الذين زعموهم شركاء لإخراج مثل عيسى وعزير والملائكة عليهم السلام لشمول الشركاء على ما سمعت له، ومسارعتهم إلى الجواب مع كون السؤال للعبدة لتفطنهم إن السؤال منهم سؤال توبيخ / وإهانة وهو يستدعي استحضارهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا، وقيل: يجوز أن يكون العبدة قد أجابوا معتذرين بقولهم هؤلاء أضلونا ثم قال الشركاء ما قص الله تعالى رداً لقولهم ذلك إلا أنه لم يحك إيجازاً لظهوره. {رَبَّنَا هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا } تمهيد للجواب والإشارة إلى العبدة لبيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم وأنهم غير قادرين على إنكاره ورده و {هَـؤُلاء } مبتدأ خبره الموصول بعده، وجملة {أغوينا} صلة الموصول والعائد محذوف للتصريح به فيما بعد أي الذين أغويناهم، وقوله تعالى: {أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } هو الجواب حقيقة أي ما أكرهناهم على الغي وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل لا بالقسر والإلجاء فغووا باختيارهم غياً مثل غينا باختيارنا، ويجوز أن يكون الموصول صفة اسم الإشارة والخبر جملة {أغويناهم كما غوينا} ومنع ذلك أبو علي في «التذكرة» بأنه يؤدي إلى أن الخبر لا يكون فيه فائدة زائدة لأن إغواءهم إياهم قد علم من الوصف. ورد بأن التشبيه دل على أنهم غووا باختيار لا أن الإغواء إلجاء وقوله: إن {كما غوينا} فضلة فلا تصير ذاك أصلاً في الجملة ليس بشيء لأن الفضلات قد تلزم في بعض المواضع نحو زيد عمرو قائم في داره وقرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين {كَمَا غَوَيْنَا } بكسر الواو، قال ابن خالويه: وليس ذلك مختاراً لأن كلام العرب غويت من الضلالة وغويت بالكسر من البشم. {تَبَرَّأْنَا } منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوى من أنفسهم موجهين التبرؤ ومهيئين له {إِلَيْكَ } والجملة تقرير لما قبلها لأن الإقرار بالغواية تبرؤ في الحقيقة ولذا لم تعطف عليه وكذا قوله تعالى: {مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } أي ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون في نفس الأمر والمآل أهواءهم، وقيل: ما مصدرية متصلة بقوله تعالى: {تَبَرَّأْنَا } وهناك جار مقدر أي تبرأنا من عبادتهم إياناً وجعلها نافية على أن المعنى ما كانوا يعبدوننا باستحقاق وحجة ليس بشيء وأياً ما كان فإيانا مفعول {يعبدون} قدم للفاصلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَغْوَيْنَاهُمْ} (63) - ويَقُولُ رُؤَسَاءُ الضَّلاَلَةِ، والدُّعَاةُ إلى الكُفرِ، الذِينَ حَقَّ عَليهِمْ غَضَبُ اللهِ: رَبَّنا إِنَّ هؤُلاءِ الأَتبَاعَ الذِينَ أَضْلَلْنَاهُمْ كَمَا ضَلَلْنَا، هُمُ الذِينَ غَوَوْا بِطَوْعِهِمْ واخْتِيَارِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَّا لَهُمْ إِلاَّ الوَسْوَسَةُ والتَّسْوِيلُ، ولمْ نُكرِههُّمْ على فِعلِ شيءٍ لا يُريدُونَه، فَهُم كَانوا مُختَارينَ حِينما تَقَبَّلُوا تلكَ العَقَائِدَ، وأقدَموا على هذِهِ الأعمالِ. وإِنَّنا نَبرأ إِليكَ مِنْهُمُ اليَومَ، ومِمّا اختارُوه فِي الدُّنيا مِنَ الكُفرِ، وهُمْ لمْ يَعْبُدونَا نَحنُ، بلْ عَبدُوا أَهَواءَهُمْ، وأَطَاعُوا شَهَوَاتِهِمْ. أَغْوَينَا - دَعَونَاهُمْ إِلى الغَيِّ فَاتَّبَعُونَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكلام هنا للشركاء الذين أضلوا المشركين وأغَووْهم، ومعنى {حَقَّ عَلَيْهِمُ ..} [القصص: 63] أي: ثبت ووقع، فهو أمر لا محالة منه، ولم يعد هناك مجال لزحزحته عنهم، كما قال سبحانه في موضع آخر: أية : {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} تفسير : [الصافات: 31]. وقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} تفسير : [النمل: 85]. لكن، ما هو القول الذي وقع وثبت لهم وحَقَّ عليهم؟ القول: أن كلَّ واحد له مكان عندي في الجنة على فَرْض أنكم جميعاً آمنتم، وكل واحد له مكان في النار على فَرْض أنكم جميعاً كفرتم. وماذا قالوا؟ قالوا: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ..} [القصص: 63] سبحان الله الآن تقولون ربنا وتعترفون بربوبيته تعالى، كما قال تعالى في شأن فرعون: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91]. الآن تعترفون بعد أنْ سُلِب منكم الاختيار، ولم تعُد لكم إرادة حتى على جوارحكم وأبعاضكم، فيدُكَ التي كنت تبطش بها، ورِجْلك التي كنت تسعى بها ولسانك .. كلها خرجت عن إرادتك وطَوْع أمرك؛ لأنها الآن طَوْعٌ لأمر الله {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. ومعنى {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ ..} [القصص: 63] أي: المشركين {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا .. } [القصص: 63] أي: لنكون سواء، هذه عِلَّة غوايتهم، أن يكونوا في الخُسْران سواء، وإلا فأهل الباطل يسعون جاهدين للإيقاع بأهل الحق ليشاركوهم باطلهم، وليكونوا أمثالهم. وهذه المسألة تعطينا السيال النفسي لكل منحرف حين يرى ملتزماً مستقيماً، لا يشاركه فساده وانحرافه، فيعزّ عليه أنْ يكون في الهاوية وحده، ولماذا يمتاز عنه الآخرون؟ واقرأ قوله تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ..} تفسير : [النساء: 89]. ألا ترى أهل الباطل والفساد والفجور يهزءُون من أهل الحق ويسخرون منهم، ليُزهدوهم في الخير والصلاح، وليغروهم بما هم فيه، حتى أصبح الإنسان الملتزم بدينه وشرع ربه لا يسلَم من ألسنتهم، كما يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29-30]. وليت الأمر ينتهي عند الغَمْز واللمز، إنما يتمادى هؤلاء، فيجعلون من سخريتهم بأهل الإيمان والطاعة مادةً للمسامرة والتسلية {أية : وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 31] يعني: فرحين مسرورين بما نالوه من أهل الطاعة، مما يدلّ على أنهم جميعاً تُسعِدهم هذه المسألة وتُرضي شيئاً في نفوسهم المريضة الحاقدة. لكن المؤمن من طبيعته يحب أنْ يُكرم، وأنْ ينأى بنفسه عن مجاراة هؤلاء، لذلك يتولَّى ربه - عز وجل - الدفاع عنه يقول له: لا تحزن فسوف نقتصُّ لك، ونسخر منهم، ونجعلهم أضحوكة في يوم بَاقٍ لا ينتهي فيه عذابهم: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 34-36]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يسترضي عباده المؤمنين: أيعجبكم ما آلوا إليه؟ أقَدرْنا أن نجازيهم على ما اقترفوه في حقكم؟ نعم يا رب، فسخرية الكفار من أهل الإيمان في دار الباطل الفانية انقلبت سخرية منهم في دار الحق الباقية، وهي سخرية دائمة لا نهاية لها. إذن: {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ..} [القصص: 63] يعني: حتى نكون سواء، لا يكون أحدنا أحسن من الآخر، ومن هذا المنطلق أغوى إبليسُ آدمَ، لأنه لما طغى وطُرد من رحمة الله، ومن الصفائية التي كان ينعمَ بها مع الملائكة. أراد أنْ يأخذ آدم بل وذريته إلى هذا المصير، فقد حَزَّ في نفسه أن يلاقي هذا المصير وحده، في حين ينعَم آدم وذريته برحمة الله ورضوانه. لذلك نجد إبليس - لعنه الله - لا يكتفي بأن تُغوي ذريته ذريةَ آدم، إنما يطلب من الله أنْ يُنظِره إلى يوم البعث ليباشر بنفسه هذه الغواية، فهو (المعلم) الكبير، وكأنه يحذر أن إمكانات ذريته في الغواية قد لا ترضيه؛ لذلك يتولى بنفسه هذه المهمة فيقول: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. والبعض يفهم قوله تعالى: {أية : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} تفسير : [الأعراف: 14-15] أن الله تعالى أجاب إبليس إلى ما طلب، لكن {أية : إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} تفسير : [الأعراف: 15] ليست إجابةً، إنما تقرير لشيء حادث بالفعل قبل أن يطلب، فالمعنى أن سؤالك ليس له معنى؛ لأنك من المنظرين فعلاً، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أنْ يظلَّ إبليس الذي أغوى آدم وأخرجه من الجنة باقياً أمام ذريته ليُذكِّرهم دائماً: هذا الذي أغوى أباكم آدم. وقولهم: {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ..} [القصص: 63] لنا وقفة مع {هَـٰؤُلاۤءِ ..} [القصص: 63] وهي اسم إشارة للجمع بنوعيه، تقول: هؤلاء الرجال، وهؤلاء النساء، وهي عبارة عن: الهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة، وكذلك في هذا، هذه، هذان، هاتان، فالهاء فيها للتنبيه لتنبه السامع أنك ستتكلم ليعطيك سمعه، ويهتم بما تقول، فلا يفوته من كلامك شيء. هذا حين تخاطب مثلك لأنه يحتاج إلى تنبيه، أما إذا خاطبتَ ربك - عز وجل - فمن سوء الأدب أنْ تستخدم في خطابه أداة التنبيه، كما استخدمها المشركون، فما داموا قد قالوا {رَبَّنَا ..} [القصص: 63] فليس من الأدب أن يقولوا {هَـٰؤُلاۤءِ ..} [القصص: 63] أيُنبِّهون الله عز وجل؟ لذلك نلحظ هذا الأدب في خطاب نبي الله موسى - عليه السلام - فيما حكاه عنه القرآن: {أية : وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} تفسير : [طه: 84] فقال (أولاء) بدون هاء التنبيه تأدُّباً مع ربه عَزَّ وجَلَّ. ونلحظ أنك لا تجد خطاباً من الكفار إلا باستخدام هؤلاء: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا ..} تفسير : [الأعراف: 38] {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ..} تفسير : [النحل: 86] أما المؤمن فلا يليق به أبداً أن يُنبِّه الله تعالى، بل ولا تصدر من مؤمن لمؤمن لأنه دائماً منتبه. ثم يقولون: {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] الآن ينكُصون كما قالوا من قبل {رَبَّنَا ..} [القصص: 63] يقولون الآن {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ ..} [القصص: 63] لكن هيهات تنفعهم هذه البراءة، لقد انتهى وقتها، ومضى زمن التكليف والاختيار، والآن وقت الحساب وسَلْب الإرادة والاختيار، وما أشبههم بفرعون حين قال الله له: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91]. وقولهم: {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] يقول الشركاء: ما كان معنا قوة قهر نحملكم بها على عبادتنا، ولا قوة سلطان أو حجة نقنعكم بها، إنما كنتم في انتظار إشارة منا، كما قال كبيرهم إبليس: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. إذن: فهؤلاء المشركون كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم؛ لأن الشركاء كانوا أصناماً أو غيرها، وليس لهم منهج يتكلَّمون به، ويدْعُون الناس إلى عبادتهم به، وإلا فماذا قالت الأصنام أو الشمس أو النجوم لمن عبدها؟ بِمَ أمرتهم، وعمَّ نهتْهم؟ إذن: هو إله بلا منهج وبلا تكاليف، وهذا ما يريده المشركون؛ لأن الذي يُتعب الناس في قضية الإيمان بالألوهية ما تقتضيه من تكاليف، وما تفرضه من أمرأو نهي يحول بين النفس البشرية وما تشتهي، ويُوقفها عند حدود لا تتعداها. إذن: {مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] بل يعبدون ذواتهم، ويعبدون شهواتهم ورغباتهم، وما أسهل أن يعبد الإنسان آلهة لا تلزمه بشيء، فيسير في حياته على هواه، وهذه هي التي روجَتْ لعبادة هذه الآلهة. لذلك فإن الحق سبحانه يريد أنْ يلزم الإنسان حجة أن نفسه هي الوسيلة الأولى لشهواته، وإلا فلو أن المسألة كلها وسوسة شيطان، فمَن أغوى إبليس بالعصيان أولاً على حَدِّ قَوْل الشاعر: شعر : إبليسُ لما عَصى مَنْ كان وسْوَسَهُ؟ تفسير : إذن: فهي كبرياء النفس ورغباتها، وليس للشيطان إلا أنْ يُلوِّح لها فتقع؛ لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : إذا أقبل رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وسُلْسلت الشياطين ". تفسير : وما دامت الشياطين سُلسلت، فليس لها حركة مع الإنس؛ لأن الله تعالى يعلم منّا أنَّا نُعلِّق كل معاصينا على الشيطان، فكأنه سبحانه يقول: ها هي الشياطين صُفِّدت وسُلْسِلت، فمَنْ أغواكم وزيَّن لكم حال سَلْسلتها؟ إذن: هي نفسك التي تَوسوس لك؛ لذلك نقول: كل معصية تقع في رمضان ليس للشيطان فيها نصيب، إنما هي شهوة النفس. وسبق أنْ بيَّنا كيف نُفرِّق بين المعصية متى تكون من الشيطان؟ ومتى تكون شهوة نفس؟ إنْ كانت المعصية تُوقفك عندها لا تتزحزح عنها إلى غيرها، فاعلم أنها من نفسك، أما إنْ عزَّتْ عليك معصية ففكَّرْتَ في غيرها، فهي من الشيطان؛ لأنه والعياذ بالله يريدك عاصياً على أي وجه، وبأيِّ طريقة فينقلك إلى معصية أخرى يستطيع أنْ يُوقِعك فيها، على خلاف شهوة النفس، فهي تريد شيئاً بذاته لا تريد غيره. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2224- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا}: [الآية: 63]، قال: هم الشياطين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):