٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ } أي الأصنام الذين تزعمون أنهم شركاء الله {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } دعاءهم {وَرَأَوُاْ } هم {ٱلْعَذَابَ } أبصروه {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } في الدنيا لما رأوه في الآخرة.
النسفي
تفسير : {وَقِيلَ } للمشركين {ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } أي الأصنام لتخلصكم من العذاب {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يجيبوهم {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } وجواب «لو» محذوف أي لما رأوا العذاب {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ } الذين أرسلوا إليكم. حكى أولاً ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر عند توبيخهم، لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم آلهتهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكون به من الاحتجاح عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـاء يَوْمَئِذٍ } خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب {فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } لا يسأل بعضهم بعضاً عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذر وحجة لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب {فَأَمَّا مَن تَابَ } من الشرك {وءامن} بربه وبما جاء من عنده {وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أي فعسى أن يفلح عند الله. و «عسى» من الكرام تحقيق، وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام وترغيب للكافرين على الإيمان. ونزل جواباً لقول الوليد بن المغيرة: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }.تفسير : [الزخرف: 31] يعني نفسه أو أبا مسعود. {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} وفيه دلالة خلق الأفعال، ويوقف على { وَيَخْتَارُ } أي وربك يخلق ما يشاء وربك يختار ما يشاء {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أي ليس لهم أن يختاروا على الله شيئاً ما وله الخيرة عليهم. ولم يدخل العاطف في {ما كان لهم الخيرة} لأنه بيان لقوله {ويختار} إذ المعنى أن الخيرة لله وهو أعلم بوجوه الحكمة في أفعاله فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. ومن وصل على معنى ويختار الذي لهم فيه الخيرة فقد أبعد بل «ما» لنفي اختيار الخلق تقريراً لاختيار الحق، ومن قال: ومعناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال. والخيرة من التخير يستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى المتخير كقولهم «محمد خيرة الله من خلقه» {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي الله بريء من إشراكهم وهو منزه عن أن يكون لأحد عليه اختيار
البقاعي
تفسير : ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدماً، لأنه لا طائل تحته، أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جواباً كما قيل "رب قول جوابه في السكوت" بقوله: {وقيل} أي ثانياً للأتباع تهكماً بهم وإظهاراً لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول، إظهاراً للاستهانة بهم، وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل أمر كائناً من كان: {ادعوا} أي كلكم {شركاءكم} أي الذين ادعيتم جهلاً شركتهم ليدفعوا عنكم. وأضافهم هنا إليهم إشارة إلى أنهم لم يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - إلا أن أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم وأقوالهم، وأزمانهم وأحوالهم {فدعوهم} تعللاً بما لا يغني، وتمسكاً بما يتحقق أنه لا يجدي، لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا لهم} كما يحق لهم بما لهم من وصف عدم الإدراك، والعجز والهلاك {ورأوا} أي كلهم {العذاب} عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم، فكان الحال حينئذ مقتضياً لأن يقال من كل من يراهم: {لو أنهم كانوا} أي كوناً هو لهم صفة راسخة {يهتدون*} أي يحصل منهم هدى ساعة من الدهر، تأسفاً على أمرهم، وتمنياً لخلاصهم، أو لو أن ذلك كان في طبعهم لنجوا من العذاب، أو لما رأوه أصلاً، أو لما اتبعوهم. ولما أشار إلى أنه لا خلاص من ذلك الردى إلا بالهدى، أتبعه الإعلام بأنه لا يمكن أحداً هناك أن يفعل ما قد يروج على سائله كما يفعل في هذه الدار من إظهار ما لم يكن مكرراً لتهويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه وتفظيعه، سائلاً عن حق رسله عليهم الصلاة والسلام بعد السؤال عن حقه سبحانه، منادياً بعجز الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى {ويوم يناديهم} وهم بحيث يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، قد برزو الله جميعاً من كان منهم عاصياً ومن كان مطيعاً في صعيد واحد، قد أخذ بأنفاسهم الزحام، وتراكبت الأقدام على الأقدام، وألجمهم العرق، وعمهم الغرق {فيقول ماذا} أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي {أجبتم المرسلين*} أي به، ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج، وتابعت عليهم من الأدلة، لم يكن لهم جواب إلا السكوت، وهو المراد بقوله: {فعميت} أي خفيت وأظلمت في غواية ولجاج {عليهم الأنباء} أي الأخبار التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، وهي التي يمكن أن يقع بها الخلاص، وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم، فعم الكل العمى فصاروا بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها، ولا يهتدون إليها لانتشار عماها إليهم، وهذا كله إشارة إلى أنهم لم يقدموا عملاً في إجابة الرسل بحق أن يذكر في ذلك اليوم، بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما يودون لو أن بينهم وبينه أمداً بعيدأً، وقال: {يومئذ} تكريراً لتخويف ذلك اليوم وتهويله، وتقريراً لتعظيمه وتبجيله. ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علماً منهم بأنه ليس عند أحد منهم ما يغني في جوابه من حسن القول وصوابه، وأنهم لا يذكرون شيئاً من المقال إلا عاد عليهم بالوبال، قال مترجماً عن ذلك: {فهم لا يتساءلون*} أي لا يسأل أحد منهم أحداً عن شيء يحصل به خلاص، لعلمهم أنه قد عمهم الهلاك، ولات حين مناص، ولأن كل منهم أبغض الناس في الآخر. ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئاً بطريق العبارة، وأشير إلى حال من تاب فوعد الوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف إلى التصريح بحالهم، فقال مفصلاً مرتباً على ما تقديره: هذا حال من أصر على كفره {فأما من تاب} أي عن كفره وقال: {وآمن} تصريحاً بما علم التزاماً، فإن الكفر والإيمان ضدان، لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر {وعمل} تصديقاً لدعواه باللسان {صالحاً}. ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص، مسرعة إلى الدنايا، أشير إلى صعوبة الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة بقوله: {فعسى} أي فإنه يتسبب عن حاله هذا الطمع في {أن يكون} أي كوناً هو في غاية الثبات {من المفلحين*} أي الناجين من شر ذلك اليوم، الظافرين بجميع المراد، باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت، وإنما لم يقطع له بالفلاح وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعاً، إعلاماً بأنه لا يجب سبحانه شيء ليدوم حذره، ويتقي قضاؤه وقدره، فإن الكل منه. ولما كان كأنه قيل: ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك البلا، إلى رحب هذا الرجا، وكان الجواب: ربك منعهم من ذلك، أو ما لم يقطع لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء؟ وكان الجواب: إن ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه - إشارة إليه قوله {وربك} أي المحسن إليك، بموافقة من وافقك ومخالفة منخالفك لحكم كبار، دقت عن فهم أكثر الأفكار {يخلق ما يشاء} من الهدى الضلال وغيرهما، لأنه المالك المطلق لا مانع له من شيء من ذلك {ويختار} أي يوقع الاختيار، لما يشاء فيريد الكفر للأشرار، والإيمان للأبرار، لا اعتراض عليه، فربما ارتد أحد ممن أظهر المتاب، لما سبق عليه من الكتاب، فكان من أهل التباب فلا تأس على من فاتك كائناً من كان، واعلم أنه ما ضر إلا نفسه، ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته. ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئاً لم يكن إلا أن يوافق مراده تعالى، صرح به بقوله: {ما كان لهم الخيرة} أي أن يفعلوا أو يفعل لهم كل ما يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام أو غيره، اسم من الاختيار، يقام مقام المصدر، وهو أيضاً اسم المختار، فهو تعبير بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيماً فكان عدماً، قال الرازي في اللوامع: وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار، فلهذا أهل الرضى حطوا الرحال بين يدي ربهم، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض، يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا، وإن أصابهم بسهام المصائب العظام صابروا، وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا، وإن أذلهم رضوا وسلموا، فلا يرضيهم إلا ما يرضيه، ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه: شعر : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ما من يهون عليك ممن أكرم تفسير : ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصاً، وكان وقوع الشرك سفولاً وعجزاً، قال تعالى مشيراً إلى نتيجة هذه الآيات في نفي ذلك عنه: {سبحان الله} أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئاً لا يريده فيص إليه أو يقع بوجه عليه {وتعالى} أي علا علو المجتهد في ذلك، فعلوُّه لا تبلغ العقول بوجه كنه هداه {عما يشركون*} لأنه لا إرادة لما ادعوهم شركاء، ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفادها لعجزهم على إيجاد الخالق. ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، قال: {وربك} أي المحسن إليك المتولي لتربيتك، كما هو بالغ القدرة، فهو شامل العلم {يعلم ما تكن} أي تخفي وتستر {صدورهم} من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى أو لا يؤمنون، ومن كون ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه خالصاً أو مشوباً. ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال: {وما يعلنون*} أي يظهرون، كل ذلك لديه سواء، فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه. ولما كان علمه بذلك إنما هو لكونه إلهاً، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه، عبر عن ذلك بقوله: {وهو الله} أي المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له، الذي لا يحيط الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال، وأما التفاصيل كلها أو أقلها فهيهات هيهات؛ ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله {لا إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {في الأولى والآخرة} وليس ذلك لشيء سواه إن آمنوا أو كفروا {وله} أي وحده {الحكم} أي إمضاء القضاء على الإطلاق، فلو أراد لقسرهم على الإيمان {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} أي بأيسر أمر يوم النفخ في الصور، لبعثرة القبور، بالبعث والنشور، ومع أنكم الآن أيضاً راجعون في جميع أحكامكم إليه ومقصورون عليه، إن شاء أمضاها، وإن أراد ردها ولواها، ففي الايات غاية التقوية لقلوب المطيعين، ونهاية الزجر والردع للمتمردين، بالتنبيه على كونه قادراً على جميع الممكنات، علماً بكل المعلومات، منزهاً عن النقائص والآفات يجزي الطائعين والعاصين بالقسط.
ابو السعود
تفسير : {وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ} إما تهكُّماً أو تبكيتاً لهم {فَدَعَوْهُمْ} لفرطِ الحيرةِ {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} ضرورةَ عدمِ قُدرتهم على الاستجابةِ والنُّصرة {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} قد غشيهم {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} لوجهٍ من وجوهِ الحيلِ يدفعون به العذابَ أو إلى الحقِّ لما لقُوا ما لقُوا وقيل: «لو» للتَّمنِّي أي تمنَّوا لو أنَّهم كانُوا مهتدين. {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} عطفٌ على ما قبله سُئلوا أولاً عن إشراكِهم وثانياً عن جوابِهم للرُّسلِ الذين نَهَوهم عن ذلك {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـاء يَوْمَئِذٍ} أي صارتْ كالعَمَى عنهم لا تهتدي إليهم وأصله فعَمُوا عن الأنباءِ وقد عكس للمبالغةِ والتنبـيهِ على أنَّ ما يحضر الذهن يفيضُ عليه ويصل إليه من خارجٍ فإذا أخطأ لم يكُن له حيلةٌ إلى استحضارِه. وتعديةُ الفعلِ بعلى لتضمنه معنى الخفاءِ والاشتباهِ، والمرادُ بالأنباءِ إمَّا ما طلب منهم ممَّا أجابُوا به الرُّسلَ أو جميعُ الأنباءِ وهي داخلةٌ فيه دخولاً أولياً وإذا كانتِ الرُّسل عليهم الصَّلاة والسَّلام يفوِّضون العلمَ في ذلك المقامِ الهائلِ إلى علاَّم الغُيوب مع نزاهتِهم عن غائلةِ المسؤول فما ظنُّك بأولئكَ الضُّلاَّل من الأممِ {فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ} لا يسألُ بعضُهم بعضاً عن الجوابِ لفرطِ الدَّهشة أو العلمِ بأنَّ الكلَّ سواءٌ في الجهل {فَأَمَّا مَن تَابَ} من الشركِ {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً} أي جمعَ بـين الإيمانِ والعملِ الصَّالح {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} أي الفائزينَ بالمطلوبِ عنده تعالى النَّاجينَ عن المهروبِ، وعسى للتَّحقيقِ على عادةِ الكرامِ أو للترجِّي من قبلِ التَّائبِ بمعنى فليتوقعِ الإفلاحَ. {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} أنْ يخلقَه {وَيَخْتَارُ} ما يشاءُ اختيارَه من غيرِ إيجابٍ عليه ولا منعٍ له أصلاً {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي التَّخيُّرُ كالطِّيرةِ بمعنى التَّطيرِ، والمرادُ نفيُ الاختيارِ المؤثرِ عنهم وذلك ممَّا لا ريبَ فيه. وقيل: المرادُ أنَّه ليس لأحدٍ من خلقِه أنْ يختارَ عليه ولذلك خَلا عن العاطفِ ويؤيدُه ما رُوي أنَّه نزل في قولِ الوليدِ بنِ المُغيرةِ {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [سورة الزخرف: الآية 31] والمعنى لا يبعثُ الله تعالى الرُّسلَ باختيارِ المرسَلِ إليهم وقيل: معناه ويختار الذي كان لهم فيه الخيرُ والصَّلاحُ {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ} أي تنزَّه بذاتِه تنزُّهاً خاصّاً به من أنْ ينازعَه أحدٌ أو يزاحم اختيارَه اختيارٌ {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن إشراكِهم أو عن مشاركةِ ما يشركونَه به.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقيل} لمن عبد غير الله توبيخا وتهديدا والقائلون الخزنة {ادعوا شركاءكم} اى الاصنام ونحوها ليخلصوكم من العذاب اضافها اليهم لادعائهم انها شركاء الله {فدعوهم} من فرط الحيرة {فلم يستجيبوا لهم} ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة {ورأوا العذاب} الموعود قد غشيهم {لو انهم كانوا يهتدون} لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب او الى الحق فى الدنيا لما لقوا مالقوا من العذاب. وقال بعضهم لو للتمنى هنا اى تمنوا لون انهم كانوا مهتدين لاضالين
الجنابذي
تفسير : {وَقِيلَ} للاتباع {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} فى الولاية والطّاعة او فى الرّبوبيّة {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} لعجزهم عن الجواب او اشتغالهم بانفسهم {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} استيناف بصورة التّمنّى واظهار انّه ينبغى ان يتحسّر عليهم، او حال بتقدير القول اى مقولاً فيهم لو انّهم كانوا يهتدون الى الولاية لما كانوا فى العذاب.
اطفيش
تفسير : {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} الأصنام التي تعبدونها وتزعمون انها شركاء الله. {فَدَعَوْهُمْ} لشدة حيرتهم. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} لعجزهم عن الاجابة والنصر. {وَرَأَوُا العَذَابَ} أبصروه. {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا} في الدنيا. {يَهْتَدُونَ} للاسلام جواب لو محذوف اي ما ابصروه ويجوز كون لو للتمني ويقدر القول اي وقالوا ليتنا اهتدينا فيكون بين قالوا. و {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا} الخ التفات السكاكي ويجوز ان يراد وانهم يهتدون اليوم لحيلة يدفعون بها العذاب.
اطفيش
تفسير : {وقيل} للتابعين تهكما بهم {ادْعُوا شُركاءكُم} ادعوا من تزعمون أنهم شركاء لله سبحانه {فدَعَوْهم} قهراً، فدعوهم مع علمهم أنه لا حجة لهم، ولا نفع فيهم، والفاء وما بعدها تقوى أنهم مطلوبون بأن يدعوهم، ولو كان المراد بقوله عز وجل ادعوا شركاءكم مجرد تعجيز لهم، لم يقل فدعوهم {فلم يستجيبوا لهم} لعدم حجة لهم، ولعدم قدرتهم على النصرة، ولأنهم فى شغل عنهم، أو للختم على أفواههم {ورأوا العذَابَ} الداعون التابعُون والمدعون المتبوعون، أو الداعون التابعون، والرؤية بصرية، والعذاب لا يرى بالعين، فالمراد يرون بأعينهم مقدمات العذاب، كتغيير الوجوه، والزبانية، والأغلال، أو آلاته وهى ما ذكر، أو نزل العذاب منزلة الجسم المشاهد لتحققه، والصحيح جواز حذف أحد المفعولين، وبقاء الآخر لدليل مثل أن يقدر ورأوا العذاب متصلاً أو لاحقاً بهم، أو غاشياً لهم مع أن الرؤية علمية. {لو أنَّهم كانوا يهْتَدون} فى الدنيا فينجوا من العذاب الآن، ولو للتمنى، والجملة مقول لحال محذوف من واو رأوا، أى رأوا العذاب قائلين: لو أنا كنا مهتدين فذكر ذلك عنهم بالغيبة يجوز ذلك على الاطلاق فى مجاله، نقول: خلف زيد ليقومن، وحلف لأقومن، أو ذلك كلام على سبيل التمنى، وصورته من غير أن يتحقق لهم من أحد كأنه يرق بالطبع كل من علم ذلك، أو شاهد ذلك، أو كان للناس تمنوا لهم، وقيل: لو شرطية، وجوابها محذوف، أى لنجوا من العذاب، أو لم يروا العذاب، أو نحو ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَقِيلَ } تقريعاً لهم وتهكماً بهم {ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } الذين زعمتم {فَدَعَوْهُمْ } لفرط الحيرة وإلا فليس هناك طلب حقيقة للدعاء، وقيل: دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلباً، والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه قيل: والظاهر من تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى: {فَدَعَوْهُمْ } أنها لطلب الدعاء وإيجابه والأول أبلغ في تهويل أمر أولئك الكفرة والإشارة إلى سوء حالهم وأمر التعقيب بالفاء سهل {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة، وجوز أن يكون المراد فلم يجيبوهم لأنهم في شغل شاغل عنهم ولعلهم ختم على أفواههم إذ ذاك. {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } الظاهر أن الضمير للداعين وقال الضحاك: هو للداعين والمدعوين جميعاً، وقيل: هو للمدعوين فقط وليس بشيء. والظاهر أن الرؤية بصرية ورؤية العذاب إما على معنى رؤية مباديه أو على معنى رؤيته نفسه بتنزيله منزلة المشاهد، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثاني محذوف أي رأوا العذاب متصلاً بهم أو غاشياً لهم أو نحو ذلك. وأنت تعلم أن حذف أحد مفعولي أفعال القلوب مختلف في جوازه وتقدم آنفاً عن البعض أن الأكثرين على المنع فمن منع وقال في بيان المعنى ورأوا العذاب متصلاً بهم جعل متصلاً حالاً من العذاب. {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } لو شرطية وجوابها محذوف أي لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب أو لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين مؤمنين لما رأوا العذاب. / واعترض بأن الدال على المحذوف {رأوا العذاب} وهو مثبت فلا يقدر المحذوف منفياً وهو غير وارد لأن الالتفات إلى المعنى وإذا جاز الحذف لمجرد دلالة الحال فإذا انضم إليها شهادة المقال كان أولى وأولى، وجوز أن تكون {لَوْ } للتمني أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين فلا تحتاج إلى الجواب وقال صاحب «التقريب»: فيه نظر إذ حقه أن يقال لو كنا إلا أن يكون على الحكاية كاقسم ليضربن أو على تأويل رأوا متمنين هدايتهم. وجوز على تقدير كونها للتمني أن يكون قد وضع {لو أنهم كانوا مهتدين} موضع تحيروا لرؤيته كان كل أحد يتمنى لهم الهداية عند ذلك الهول والتحير ترحماً عليهم أو هو من الله تعالى شأنه على المجاز كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ }تفسير : [البقرة: 103]، وجعل الطيبـي وضعه موضعه من إطلاق المسبب على السبب لأن تحيرهم سبب حامل على هذا القول. وقال عليه الرحمة: إن النظم على هذا الوجه ينطبق. واختار الإمام الرازي أنها شرطية إلا أنه لم يرتض ما قالوه في تقدير الجواب فقال بعد نقل ما قالوه: وعندي أن الجواب غير محذوف، وفي تقريره وجوه أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله سبحانه: {ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } فهناك يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار فيصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً، فقال سبحانه: ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يبصرون شيئاً على معنى أنهم لم يروا العذاب لأنهم صاروا بحيث لا يبصرون شيئاً، وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام إنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين، ولكنها ليست كذلك، والإتيان بضمير العقلاء على حسب اعتقاد القوم بهم، وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب [في الدنيا] لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب (لو) محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية اهـ ولعمري أنه لم يأت بشيء وما يرد عليه أظهر من أن يخفى على من له أدنى تمييز بين الحي واللي.
ابن عاشور
تفسير : هذا موجه إلى جميع الذين نودوا بقوله {أية : أين شركائي الذين كنتم تزعمون}تفسير : [ القصص: 62] فإن ذلك النداء كان توبيخاً لهم على اتخاذهم آلهة شركاء لله تعالى. فلما شعروا بالمقصد من ندائهم وتصدى كبراؤهم للاعتذار عن اتخاذهم أتبع ذلك بهذا القول. وأسند فعل القول إلى المجهول لأن الفاعل معلوم مما تقدم، أي وقال الله. والأمر مستعمل في الإطماع لتعقب الإطماع باليأس. وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين لأنهم الذين ادعوا لهم الشركة كما في آية الأنعام (94) {أية : الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء}تفسير : . والدعاء دعاء الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله في الدنيا. وقوله فلم يستجيبوا لهم} هو محل التأييس المقصود من الكلام. وأما قوله تعالى {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} فيحتمل معاني كثيرة فرضها المفسرون: وجماع أقوالهم فيها أخذاً ورداً أن نجمعها في أربعة وجوه: أحدها: أن يكون عطفاً على جملة {فلم يستجيبوا لهم}. والرؤية بصرية، والعذاب عذاب الآخرة، أي أحضر لهم آلة العذاب ليعلموا أن شركاءهم لا يغنون عنهم شيئاً. وعلى هذا تكون جملة {لو أنهم كانوا يهتدون} مستأنفة ابتدائية مستقلة عن جملة {ورأوا العذاب}. الثاني: أن تكون الواو للحال والرؤية أيضاً بصرية والعذاب عذاب الآخرة، أي وقد رأوا العذاب فارتبكوا في الاهتداء إلى سبيل الخلاص فقيل لهم: ادعوا شركاءكم لخلاصكم، وتكون جملة {لو أنهم كانوا يهتدون} كذلك مستأنفة ابتدائية. الثالث: أن تكون الرؤية علمية، وحذف المفعول الثاني اختصاراً، والعذاب عذاب الآخرة. والمعنى: وعلموا العذاب حائقاً بهم، والواو للعطف أو الحال. وجملة {لو أنهم كانوا يهتدون} مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل: ماذا صنعوا حين تحققوا أنهم معذبون؟ فأجيب بأنهم لو أنهم كانوا يهتدون سبيلاً لسلكوه ولكنهم لا سبيل لهم إلى النجاة. وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون {لو} حرف شرط وجوابها محذوفاً دل عليه حذف مفعول {يهتدون} أي يهتدون خلاصاً أو سبيلاً. والتقدير: لتخلصوا منه. وعلى الوجوه الثلاثة ففعل {كانوا} مزيد في الكلام لتوكيد خبر (أنّ) أي لو أنهم يهتدون اهتداء متمكناً من نفوسهم، وفي ذلك إيماء أنهم حينئذ لا قرارة لنفوسهم. وصيغة المضارع في {يهتدون} دالة على التجدد فالاهتداء منقطع عنهم وهو كناية عن عدم الاهتداء من أصله. الوجه الرابع: أن تكون {لو} للتمني المستعمل في التحسر عليهم. والمراد اهتداؤهم في حياتهم الدنيا كيلا يقعوا في هذا العذاب، وفعل {كانوا} حينئذ في موقعه الدال على الاتصاف بالخبر في الماضي، وصيغة المضارع في {يهتدون} لقصد تجدد الهدى المتحسر على فواته عنهم فإن الهدى لا ينفع صاحبه إلا إذا استمر إلى آخر حياته. ووجه خامس عندي: أن يكون المراد بالعذاب عذاب الدنيا، والكلام على حذف مضاف تقديره: ورأوا آثار العذاب. والرؤية بصرية، أي وهم رأوا العذاب في حياتهم أي رأوا آثار عذاب الأمم الذين كذبوا الرسل وهذا في معنى قوله تعالى في سورة إبراهيم (45) {أية : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم}تفسير : وجملة {لو أنهم كانوا يهتدون} شرط جوابه محذوف دل عليه {لو أنهم كانوا يهتدون} أي بالاتعاظ وبالاستدلال بحلول العذاب في الدنيا على أن وراءه عذاباً أعظم منه لاهتدوا فأقلعوا عن الشرك وصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا لأنه يفيد معنى زائداً على ما أفادته جملة {فلم يستجيبوا لهم}. فهذه عدة معان يفيدها لفظ الآية، وكلها مقصودة، فالآية من جوامع الكلم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 64- وأمر المشركين من جانب الله أمر توبيخ بدعوة الآلهة التى أشركوها مع الله لتخلصهم من عذابه كما زعموا، فخضعوا فى ذلة وَدَعَوْهُمْ فى حيرة، فلم يظفروا منهم بجواب، وشاهدوا العذاب المعد لهم حاضرا، وتمنوا لو أنهم كانوا فى دنياهم مؤمنين مهتدين لما حاق بهم ذلك العذاب. 65- واذكر - أيها الرسول - كذلك يوم ينادى المشركون من جانب الله تعالى نداء توبيخ، فقال لهم: بأى شئ أجبتم رسلى الذين أرسلتهم لدعوتكم إلى الإيمان فبلغوكم الرسالة؟ 66- فصارت الأخبار غائبة عنهم لا يهتدون إليها، كأنهم فى عَمى، ولم يرجع بعضهم إلى بعض فى ذلك لتساويهم فى العجز عن الإجابة. 67- هذا شأن المشركين، فأمَّا من تاب من الشرك، وآمن إيماناً صادقاً وعمل الصالحات، فهو يرجو أن يكون عند الله من الفائزين برضوان الله وبالنعيم الدائم المستمر. 68- وربك يخلق ما يشاء بقدرته، ويختار بحكمته من يشاء للرسالة والطاعة على مقتضى علمه باستعدادهم لذلك، ولم يكن فى مقدور الخلق ولا من حقهم أن يختاروا على الله ما يشاءون من أديان باطلة وآلهة زائفة، تنزَّه الله - تعالى شأنه - عن الشركاء. 69- وربك - أيها الرسول - محيط علمه بما تخفيه صدور المشركين من عداوتهم لك، وما يعلنون بألسنتهم من المطاعن فيك والاعتراض على اختيارك للرسالة. 70- وربك - أيها الرسول - هو الله الحق المختص بالألوهية، المستحق - وحده - للحمد من عباده فى الدنيا على إنعامه وهدايته، وفى الآخرة على عدله ومثوبته. وهو - وحده - صاحب الحكم والفصل بين عباده، وإليه المرجع والمصير.
د. أسعد حومد
تفسير : (64) - وَيُقَالُ في ذلكَ اليَومِ - يومِ القِِيَامةِ - لِهؤلاءِ المُشرِكِينَ الذِينَ كَفُروا بالله في الدُّنيا، وَعَبدُوا مَعَهُ غَيْرَه: ادْعُوا آلِهَتَكُمْ الذِينَ زَعَمْتُم أَنَّهم كَانُوا شُرَكَاءَ للهِ، لُيخَلِّصُوكُم مِمّا أَنتُمْ فيهِ، كَمَا كُنتُم تَرْجُونَ مِنْهُمْ ذلِكَ في الدَّارِ الدُّنيا. فدَعوْهُم فَلَم يَرُدُّوا عَلَيهم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإِجابةِ، وأَيقنَ الدَّاعُونَ والمَدعُوُّونَ أَنَّهم صَائِرُونَ إِلى النَّارِ لا مَحَالةَ، فَتَمَنَّوْا لوْ أنَّهُمْ كَانُوا مِنَ المُهتَدِينَ في الدَّارِ الدَّنيا، لِكيلاَ يَصِيرُوا إِلى العَذَابِ الأَليمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبق أن ناداهم {أية : أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [القصص: 62] أي: في زعمكم؛ لأنه سبحانه ليس له شركاء، وهنا يقول لهم {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] ولم يقُلْ شركائي، مع أنهم اتخذوهم شركاء لله. فمعنى {شُرَكَآءَكُمْ ..} [القصص: 64] أفي دعوى الألوهية؟ لا، لأنهم تابعون لهم، إذن: فما معنى {شُرَكَآءَكُمْ ..} [القصص: 64]؟ قالوا: الإضافة تأتي بمعَانٍ ثلاثة: إما بمعنى (من) مثل: أردب قمح أي: من قمح، أو بمعنى (في) مثل: مكر الليل أي: مكر في الليل، أو: بمعنى (لام) الملكية مثل: قلم زيد أي: قلم لزيد. فالمعنى هنا {شُرَكَآءَكُمْ ..} [القصص: 64] أي: من جنسكم أو فيكم يعني: لا يتميز عنكم بشيء، والإله لا بُدَّ أن يكون من جنس أعلى، فإنْ كان من جنسكم، فهو مُسَاوٍ لكم، لا يصلح أن تتخذوه إلهاً. ومعنى {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ..} [القصص: 64] يعني: نادوهم لينصروكم، ويشفعوا لكم، كما قلتم: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [يونس: 18]. وقلتم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. إذن: فنادوهم ليُقربوكم من الله، وليشفعوا لكم، والذي يقوم بهذه المهمة لا بُدَّ أنْ يكون له منزلة عند الله يضمنها، وهل يضمن هؤلاء الشركاء منزلة عند الله؟ كيف وهم لا يضمنونها لأنفسهم؟ {فَدَعَوْهُمْ ..} [القصص: 64] يا شركاءنا، يا مَنْ قُلْتم لنا كذا وكذا أدركونا {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ..} [القصص: 64] لأنهم مشغولون بأنفسهم {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] يعني: لو كانوا يهتدون بهَدْي الله، وهَدْي رسوله، ويروْن العذاب الذي أنذرهم به حقيقة وواقعاً لا يتخلفون عنه لَمَا حدث لهم هذا، ولما واجهوا هذه العاقبة. أو: أنهم لما رأوا العذاب حقيقة في الآخرة تمنَّوا لو أنهم كانوا مهتدين. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَقِيلَ} حينئذٍ من قِبَل الحق للمشركين: {ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} الذين تطمعون وتدعون شفاعتهم لكم {فَدَعَوْهُمْ} صائحين متضرعين {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} من كمال عجزهم وحيرتهم في أمر أنفسهم {وَ} بعدما {رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} النازل على أربابهم قالوا متمنين على سبيل التلهف والتحسر: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] في النشأة الأولى لينقذوا أنفسهم من العذاب اليوم، فكيف: إنقاذهم بنا؟!. {وَ} بعدما سأل سبحانه عن شركهم سألهم عن تكذيب رسله، اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الحق {فَيَقُولُ} سبحانه معاتباً إياهم: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] حين دعوتكم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل الصالح والاجتناب عن المحظورات وترك المنكرات {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ} يعني: ضلوا وتحيروا عن جميع طرق الكلام، وسُدت عليهم سبل الأجوبة والإخبار مطلقاً؛ وذلك من كمال دهشتهم وحيرتهم، وشدة عمههم وسكرتهم {فَهُمْ} يومئذٍ من غاية ولههم وحيرتهم {لاَ يَتَسَآءَلُونَ} [القصص: 66] ولا تقاولون؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضاً حتى يعلمه، بل كلهم حينئذٍ حيارى سكارى، تائهين هائمين، لا يُسمع لهم ولا يتأتى منهم الالتفات والتلقي أصلاً. {فَأَمَّا مَن تَابَ} عمَّا جرى عليه من المعاصي {وَآمَنَ} بالله على مقتضى ما أمرهم الحق بلسان رسله وأنبيائه {وَعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} امتثالاً لما نطق به الكتب والرسل {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ} هذا السعيد {مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ} [القصص: 67] الفائزين بالمثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله، ومن المبشرين من عنده بشرف اللقاء، والوصول إلى دار البقاء. {وَرَبُّكَ} يا أكمل الرسل {مَا يَشَآءُ} ويُظهر بمقتضى تجلياته الحبية الجمالية جميع {يَخْلُقُ} من المظاهر {وَيَخْتَارُ} منها ما يختار، فالكل مجبور تحت قدرته ومشيئته {مَا كَانَ} أي: ما صح وثبت {لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي: التخير والاختيار؛ حتى يريدوا لأنفسهم ما هو الأصلح لهم، بل جميع شئونهم وأمورهم مفوضة إلى الله أولاً وبالذات، وهم مقهورون مجبورون تحت حكمه وقضائه، وكيف لا يكونوا مجبورين؛ إذ هم من عكوس أسمائه وظلال أوصافه، ما لهم وجود في أنفسهم، وتحقق في ذواتهم؟! {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} المنزه عن المثل والشبيه {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] من الشريك والنظير. {وَرَبُّكَ} يا أكمل الرسل {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا تُكِنُّ} وتخفي {صُدُورُهُمْ} أي: ضمائرهم وقلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69] بجوارحهم وآلاتهم. {وَ} كيف يخفى عليه شيء؛ إذ {هُوَ ٱللَّهُ} الواجب لذاته، المستقل في وجوده وظهوره على عروش عموم مظاهره ومصنوعاته بالاستقلال التام والاستيلاء الكامل {لاۤ إِلَـٰهَ} في الوجود سواه، ولا عالم لما ظهر وبطن {إِلاَّ هُوَ} لذلك ثبت {لَهُ ٱلْحَمْدُ} والثناء من ألسنة ذرائر الأكوان، وجميع من رش عليه من رشحات جوده ولمعات وجوده {فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ} من نشأتي الظهور والخفاء، والبروز والكمون، والقبض والبسط {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ} والأمر في الصعود والهبوط، والنزول والعروج، وجميع الشئون والتطورات {وَ} بالجملة: {إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود {تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] وتُحشرون، كما أن منه تُبدؤون وتُنشؤون؟!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):