٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ يُنَٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ } إليكم؟.
ابن عطية
تفسير : هذا النداء أيضاً كالأول في احتماله الواسطة من الملائكة، وهذا النداء أيضاً للكفار يوقفهم على ما أجابوا به {المرسلين} الذين دعوهم إلى الله تعالى فتعمى {عليهم الأنباء} أي أظلمت لهم الأمور فلم يجدوا خبراً يخبرون به مما لهم فيه نجاة، وساق الفعل في صيغة المضي لتحقق وقوعه وأنه يقين، والماضي من الأفعال متيقن فلذلك توضع صيغته بدل المستقبل المتقين وقوعه وصحته، و"عميت" معناه أظلمت جهاتها وقرأ الأعمش "فعُمّيت" بضم العين وشد الميم، وروي في بعض الحديث: كان الله في عماء، وذلك قبل أن يخلق الأنوار وسائر المخلوقات، و {الأنباء} جمع نبأ، وقوله تعالى {فهم لا يتساءلون} معناه فيما قال مجاهد وغيره بالأرحام والمتات الذي عرفه في الدنيا أن يتساءل به لأنهم قد أيقنوا أن كلهم لا حيلة له ولا مكانة. ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم أنه لا حجة لهم، ثم انتزع تعالى من الكفرة {من تاب} من كفره {وآمن} بالله ورسوله {وعمل} بالتقوى، ورجى عز وجل فيهم أنهم يفوزون ببغيهم ويبقون في النعيم الدائم وقال كثير من العلماء "عسى" من الله واجبة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من "عسى" أنها ترجية لا واجبة، وفي كتاب الله عز وجل {أية : عسى ربه إن طلقكن} تفسير : [التحريم: 5]، وقوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} الآية، قيل سببها ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقول بعضهم {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] فنزلت هذه الآية بسبب تلك المنازع، ورد الله تعالى عليهم وأخبر أنه يخلق من عباده وسائر مخلوقاته ما يشاء وأنه يختار لرسالته من يريد ويعلم فيه المصلحة ثم نفى أن يكون الاختيار للناس في هذا ونحوه، هذا قول جماعة من المفسرين أن {ما} نافية أي ليس لهم تخير على الله تعالى فتجيء الآية كقوله تعالى {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله} تفسير : الآية [الأحزاب: 36]. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد و {يختار} الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {سبحان الله وتعالى عما يشركون}، وذهب الطبري إلى أن {ما} في قوله تعالى و {يختار ما كان} مفعولة بـ {يختار} قال: والمعنى أن الكفار كانوا يختارون من أموالهم لأصنامهم أشياء فأخبر الله تعالى أن الاختيار إنما هو له وحده يخلق ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس لا كما يختارون هم ما ليس إليهم ويفعلون ما لم يؤمروا به. قال القاضي أبو محمد: واعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: {ما كان لهم الخيرة} بأقوال لا تتحصل وقد رد الناس عليه في ذلك، وذكر عن الفراء أن القاسم بن معن أنشده بيت عنترة: [البسيط] شعر : أمن سمية دمع العين تذريف لو كان ذا منك قبل اليوم معروف تفسير : وقرن الآية بهذا البيت والرواية في البيت لو أن ذا ولكن على ما رواه القاسم يتجه في بيت عنترة أن يكون الأمر والشأن مضمراً في كان وذلك في الآية ضعيف، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور وفي هذا كله نظر، والوقف على ما ذهب إليه جمهور الناس في قوله {ويختار} وعلى ما ذهب إليه الطبري لا يوقف على ذلك ويتجه عندي أن يكون {ما} مفعولة إذا قدرنا {كان} تامة أي أن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: {لهم الخيرة} جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} هذا النداءُ أيضاً للكفَّارِ، و {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَآءُ}: معناه أَظْلَمَتْ عليهم جهاتُها. وقوله: {فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ} معناه، في قول مجاهد: لاَ يَتَساءلون بالأرحامِ ويحتملُ أنْ يرِيدَ أنهم لا يتَساءلون عن الأبناء، ليقين جَميعهِم أنه لا حُجَّةَ لَهُمْ. وقوله سبحانه: {فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ}. قال كثير من العلماءِ: «عسى» من اللّه واجبة. قال * ع *: وهذا ظَنُّ حَسَنٌ باللّهِ تعالى يُشْبِهُ كَرَمَه وفَضْلَه سبحَانه، واللازِمُ مِنْ «عسى»: أنها تَرْجِيَة لاَ وَاجِبَة، وفي كتاب اللّه تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} تفسير : [التحريم:5]. * ت *: ومعنى الوجوبِ هنا: الوقوعُ. وقوله سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ}، قِيلَ: سَبَبُها، قولُ قريش: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف:31]. ونحوُ ذلك من قولهم؛ فَرَدَّ اللّهُ عليهم بهذه الآيةِ، وجماعة المفسرين: أن «ما» نافيةٌ، أي: ليس لهم الخِيرَةُ، وذهبَ الطبريُّ إلى أن {ما} مفعولة بـ {يَخْتَار} أي: ويختارُ الذي لَهُمْ فيه الخِيَرةُ، وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «حديث : مِن سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللّهَ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُهُ» تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك»؛ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ، انتهى من «السلاح». وباقي الآية بَيِّنٌ. والسَّرْمَدُ مِنَ الأَشْيَاءِ: الدَّائِمُ الذي لا ينقطعُ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي، يا ابن آدم ماذا عملت فيما عملت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {فعميت عليهم الأنباء} قال: الحجج {يومئذ فهم لا يتساءلون} قال: بالأنساب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ}. يسألهم سؤالَ هيبةٍ؛ فلا يَبْقَى لهم تمييزٌ، ولا قوةُ عقلٍ، ولا مُكْنَةُ جوابٍ، قال جلّ ذكره: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ}. إذ استولت عليهم الحَيْرَةُ، واستمكن منهم الدهشُ؛ فلا نُطْقَ ولا عقلَ ولا تمييز ولا فهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يناديهم} اى واذكر يوم ينادى الله الكفار نداء تقريع وتوبيخ {فيقول ماذا اجبتم المرسلين} [جه جواب داديد] المرسلين الذين ارسلتهم اليكم حين دعوكم الى توحيدى وعبادتى عن الشرك
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} عطف على سابقه {فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} فى دعائهم ايّاكم الى الله والى قبول رسالتهم والمراد بالمرسلين اعمّ من الرّسل وخلفائهم.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} مفعول لأذكر او معطوف على احد اليومين. {يُنَادِيهِمْ} الله. {فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ المُرسَلينَ} ماذا اسم استفهام مفعول مطلق بمعنى الاجابة وناصب محله اجبتم بعد اي اي اجابة اجبتم المرسلين او ما مبتدأ وذا خبر او بالعكس واجبتم صلة ذا والرابط محذوف اي ما الجواب الذي اجبتموه المرسلين.
اطفيش
تفسير : {ويوم} عطف على يوم أو اذكر يوم {يُناديِهم} مثل ما من {فيقول ماذا أجبْتُم المرْسَلين} فى الدنيا حين دعوكم إلى الإيمان، قدم السؤال عن الإشراك لأنه المقصود من قوله: {أين شركائى الذين كنتم تزعمون} ولتقدم الإشراك خارجاً، وبعده لجهلهم الرسل، وسئلوا ثانيا عما أجابوا به الرسل، الناهين عن الإشراك، واعلم أن الرسل فى مثل هذه الآية يشمل الأنبياء غير المرسلين، لأنهم يدعون إلى الإيمان، والكلام فى هؤلاء الآيات للأمم عموما، وماذا مفعول أى أى اجابة أجبتم المرسلين.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ } عطف على الأول سئلوا أولاً عن إشراكهم لأنه المقصود من {أية : أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}تفسير : [القصص: 62]، وثانياً عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك.
ابن عاشور
تفسير : هو {أية : يوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون}تفسير : [القصص: 62]. كرر الحديث عنه باعتبار تعدد ما يقع فيه لأن مقام الموعظة يقتضي الإطناب في تعداد ما يستحق به التوبيخ. وكررت جملة {يوم يناديهم} لأن التكرار من مقتضيات مقام الموعظة. وهذا توبيخ لهم على تكذيبهم الرسل بعد انقضاء توبيخهم على الإشراك بالله. والمراد: ماذا أجبتم المرسلين في الدعوة إلى توحيد الله وإبطال الشركاء. والمراد بــــ{المرسلين} محمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى في سورة [سبأ: 45] {أية : فكذبوا رسلي}تفسير : . وله نظائر في القرآن منها قوله {أية : ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} تفسير : يريد محمداً صلى الله عليه وسلم في سورة [يونس: 103] وقوله {أية : كذبت قوم نوح المرسلين}تفسير : الآيات في سورة [الشعراء: 105]، وإنما كذب كل فريق من أولئك رسولاً واحداً. والذي اقتضى صيغة الجمع أن جميع المكذبين إنما كذبوا رسلهم بعلة استحالة رسالة البشر إلى البشر فهم إنما كذبوا بجنس المرسلين، ولام الجنس إذا دخلت على (جميع) أبطلت منه معنى الجمعية. والاستفهام بــــ {ماذا} صوري مقصود منه إظهار بلبلتهم. و(ذا) بعد (ما) الاستفهامية تعامل معاملة الموصول، أي ما الذي أجبتم المرسلين، أي ما جوابكم. و {الأنباء}: جمع نبأ، وهو الخبر عن أمر مهم، والمراد به هنا الجواب عن سؤال {ماذا أجبتم المرسلين} لأن ذلك الجواب إخبار عما وقع منهم مع رسلهم في الدنيا. والمعنى: عميت الأنباء على جميع المسؤولين فسكتوا كلهم ولم ينتدب زعماؤهم للجواب كفعلهم في تلقي السؤال السابق: {أية : أين شركائي الذين كنتم تزعمون}تفسير : [القصص: 62]. ومعنى {عميت} خفيت عليهم وهو مأخوذ من عمى البصر لأنه يجعل صاحبه لا يتبين الأشياء، فتصرفت من العمى معان كثيرة متشابهة يبينها تعدية الفعل كما عدي هنا بحرف (على) المناسب للخفاء. ويقال: عمي عليه الطريق. إذا لم يعرف ما يوصل منه، قال عبد الله بن رواحة: شعر : أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع تفسير : والمعنى: خفيت عليهم الأنباء ولم يهتدوا إلى جواب وذلك من الحيرة والوهل فإنهم لما نودوا {أية : أين شركائي الذين كنتم تزعمون}تفسير : [القصص: 62] انبرى رؤساؤهم فلفقوا جواباً عدلوا به عن جادة الاستفهام إلى إنكار أن يكونوا هم الذين سنوا لقومهم عبادة الأصنام، فلما سئلوا عن جواب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم عيوا عن الجواب فلم يجدوا مغالطة لأنهم لم يكونوا مسبوقين من سلفهم بتكذيب الرسول فإن الرسول بعث إليهم أنفسهم. ولهذا تفرع على (عميت عليهم الأنباء) قوله {فهم لا يتساءلون} أي لا يسأل بعضهم بعضاً لاستخراج الآراء وذلك من شدة البهت والبغت على الجميع أنهم لا متنصل لهم من هذا السؤال فوجموا. وإذ كان الاستفهام لتمهيد أنهم محقوقون بالعذاب علم من عجزهم عن الجواب عنه أنهم قد حق عليهم العذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : (65) - ثُمَّ يُنَادي اللهُ تَعَالى المُشرِكِينَ وَيَسْأَلُهُم عَمَّا أَجَابُوا بهِ عَلَى دَعْوَةِ المُرسَلِينَ إِليهِمْ، وكَيفَ كَانَ حَالُهُم مَعَهُم حِينَما أبلَغُوهُم دَعْوَةَ رَبِّهِمْ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال هنا أيضاً {يُنَادِيهِمْ ...} [القصص: 65] فما الغرض من كل هذه النداءات؟ إنها للتقريع وللتوبيخ وللسخرية منهم، وممَّنْ عبدوهم واتبعوهم من دون الله، ومضمون النداء: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] والإجابة: موافقة المطلوب من الطالب، فماذا كانت إجابتكم لهم بعد أن آمنتم بإله، أأخذتُم بما جاءوا به من أحكام؟ أعلمتم منهم علماً يقينياً حقاً؟ وهذا الاستفهام للتعجيز؛ لأنهم إنْ حاولوا الإجابة فلن يجدوا إجابة فيخزون ويخجلون؛ لذلك يقول بعدها {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ..} [القصص: 66] أي: خفِيَتْ عليهم الحجج والأعذار وعموا عنها فلم يروْهَا {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} [القصص: 66] لا يملكون إلا السكوت كما قالوا: جواب ما يكره السكوت، وكما قال سبحانه: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} تفسير : [المعارج: 10]. وهؤلاء لا يتساءلون؛ لأنهم في الجهل سواء، وفي الضلال شركاء، وكل منهم مشغول بنفسه {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37]. وكما سُئِل المشركون: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] في موضع آخر يسأل الرسل: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ..} تفسير : [المائدة: 109] أي: فيما علمتم من العلم، وأوله: علم اليقين الأعلى، وثانيها: علم الأحكام، فبماذا أجابكم الناس؟ وتأمل هنا أدب الرسل ومدى فهمهم في مقام الجواب لله، وهم يعلمون تماماً بماذا أجاب أقوامهم، وأن منهم مَنْ آمن بهم، وتفانى في خدمة دعوتهم وضحّى واستشهد، ومنهم مَنْ كفر وعاند، ومع ذلك يقولون: {أية : قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 109]. فكيف يقولون: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَآ ..} تفسير : [المائدة: 109] وهم يعلمون؟ قالوا: لأنهم غير واثقين أن مَنْ آمن آمن عن عقيدة أم لا، فهم يأخذون بظواهر الناس، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله، كأنهم يقولون: أنت يا ربنا تسأل عن إجابة الحق لا عن إجابة النفاق، وإجابة الحق نحن لا نعرفها، وأنت سبحانك علاَّم الغيوب. إذن: جعلوا الحق - تبارك وتعالى - هو السُّلْطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية في محكمة العدل الإلهي التي سيُعلن فيها على رؤوس الأشهاد {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ..} تفسير : [غافر: 16]. والسؤال عند العرب يُطلق، إما للمعرفة حيث تسأل لتعرف، كما يسأل التلميذ أستاذه، أو يكون السؤال للإقرار بما تعرف، كما يسأل الأستاذ تلميذه ليقرّ على نفسه، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] أي: سؤالَ علم؛ لأننا نعلم. وقوله تعالى: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24] أي: سؤال إقرار منهم، وإنْ كان كلامي يوم القيامة حجة، لأنه لا مردَّ له، لكن مع ذلك نسألهم ليقروا هم، وليشهدوا على أنفسهم. والحق - تبارك وتعالى - يدلُّك على أنه تعالى يُبشِّع مظاهر يوم القيامة على الكافرين، لا لأنه كاره لهم، بل يريدهم أنْ يستحضروا هذه الصورة البشعة لعلهم يرعوون ويتوبون؛ لذلك يفتح لهم باب التوبة لأنه رب ورحيم. لذلك جاء في الحديث القدسي: "حديث : قالت الأرض: يا رب إئذن لي أنْ أخسف بابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أنْ أخِرَّ على ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. وقالت البحار: يا رب إئذن لي أنْ أغرِق ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، دعوهم فإنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وأنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : أعالجهم بالترغيب مرة، وبالترهيب أخرى، أشوِّقهم إلى الجنة، وأخوِّفهم من النار، وأفتح باب التوبة، وفتْح باب التوبة ليس رحمة من الله للتائب فقط، ولكن رحمة لكل مَنْ يشقى بعصيان غير التائب. ولو أغلق باب التوبة في وجه العاصي ليئس وتحول إلى (فاقد) يشقى به المجتمع طوال حياته، إذن: ففتْح باب التوبة رحمة بالتائب، ورحمة بمجتمعه، بل وبالإنسانية كلها، رحمة بالعاصي وبمَنِ اكتوى بنار المعصية.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} معناه يَقولُ لَهُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):