Verse. 3320 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاۗءُ وَيَخْتَارُ۝۰ۭ مَا كَانَ لَہُمُ الْخِيَرَۃُ۝۰ۭ سُبْحٰنَ اللہِ وَتَعٰلٰى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ۝۶۸
Warabbuka yakhluqu ma yashao wayakhtaru ma kana lahumu alkhiyaratu subhana Allahi wataAAala AAamma yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وربك يخلق ما يشاء ويختار» ما يشاء «ما كان لهم» للمشركين «الخيرة» الاختيار في شيء «سبحان الله وتعالى عما يشركون» عن إشراكهم.

68

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} هذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم للشفاعة؛ أي الاختيار إلى الله تعالى في الشّفعاء لا إلى المشركين. وقيل: هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] يعني نفسه زعم، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. وقيل: هو جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال ابن عباس: والمعنى؛ وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته. وقال يحيـى بن سلاّم: والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوّته. وحكى النقاش: أن المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، ويختار الأنصار لدينه. قلت: وفي كتاب البزّار مرفوعاً صحيحاً عن جابر: «حديث : إن الله تعالى اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة ـ يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ـ فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمّتي على سائر الأمم واختار لي من أمتي أربعة قرون»تفسير : . وذكر سفيان بن عُييْنة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبّه عن أبيه في قوله عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} قال: من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. والوقف التام {وَيَخْتَارُ}. وقال عليّ بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون {ما} في موضع نصب بـ{ـيَخْتَارُ} لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال وفي هذا رد على القدرية. قال النحاس: التمام {وَيَخْتَارُ} أي ويختار الرسل. {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو إسحاق: {وَيَخْتَارُ} هذا الوقف التام المختار، ويجوز أن تكون {ما} في موضع نصب بـ{ـيختار} ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخِيرَة. قال القشيري: الصحيح الأوّل لإطباقهم (على) الوقف على قوله {وَيَخْتَارُ}. قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و{ما} من قوله: {مَا كَانَ لَهمُ الْخِيْرَةُ} نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل. الزمخشري: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيَرةُ} بيان لقوله {وَيَخْتَار}؛ لأن معناه يختار ما يشاء؛ ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى؛ إن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وأجاز الزجاج وغيره أن تكون {ما} منصوبة بـ{ـيَخْتَارُ}. وأنكر الطبريّ أن تكون {ما} نافية؛ لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدّم كلام بنفي. قال المهدوي: ولا يلزم ذلك؛ لأن {ما} تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك عملت عملها؛ ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما يسأل عنه، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. وتقدير الآية عند الطبري: ويختار لولايته الخيرة من خلقه؛ لأن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله تبارك وتعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم، فـ{ـما} على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي و{الْخِيَرَةُ} رفع بالابتداء و{لَهُمُ} الخبر والجملة خبر {كان}. وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق وفيه ضعف؛ إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان إلا أن يقدر فيه حذف فيجوز على بعد. وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس. قال الثعلبي: و{ما} نفي أي ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 36]. قال محمود الورّاق:شعر : توكّل على الرحمن في كل حاجةٍ أردتَ فإن الله يقضي ويقدِر إذا ما يرِدْ ذو العرش أمراً بعبده يصبْه وما للعبد ما يتخير وقد يهلك الإنسانُ من وجهِ حِذْره وينجو بحمد الله من حيث يحذر تفسير : وقال آخر:شعر : العبدُ ذو ضَجَرٍ والربُّ ذو قَدَرٍ والدّهرُ ذو دُولٍ والرِّزْقُ مقسومُ والخيرُ أجمعُ فيما اختار خالقُنا وفي اختيار سواه اللَّومُ والشُّومُ تفسير : قال بعض العلماء لا ينبغي لأحد أن يقدُم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك؛ بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ }تفسير : [الكافرون: 1] وفي الركعة الثانية {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1]. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} الآية، وفي الركعة الثانية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وكلٌّ حسن. ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن؛ يقول: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدِر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فَاقْدُره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به»قال: ويسمي حاجته تفسير : . وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهما: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمراً قال: «اللهم خِرْ لي واختر لي»تفسير : . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق قلبك فإن الخير فيه»تفسير : . قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلاً إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله. وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزه نفسه سبحانه بقوله الحق؛ فقال: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي تنزيهاً. {وَتَعَالَىٰ} أي تقدّس وتمجد {عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} يظهرون. وقرأ ابن محيصن وحميد: «تَكُنُّ» بفتح التاء وضم الكاف. وقد تقدم هذا في «النمل». تمدح سبحانه بأنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، وأن جميع المحامد إنما تجب له، وأن لا حكم إلا له وإليه المصير.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} نفي على أصح القولين؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 36] وقد اختار ابن جرير: أن {مّا} ههنا بمعنى الذي، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها نافية؛ كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضاً. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق، ولا تختار شيئاً. ثم قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10]. وقوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلأَخِرَةِ} أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ} أي: الذي لا معقب له؛ لقهره وغلبته وحكمته ورحمته {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولايخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } ما يشاء {مَا كَانَ لَهُمُ } للمشركين {ٱلْخِيَرَةُ } الاختيار في شيء {سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوماً كانوا يجعلون خير أموالهم لأهليهم في الجاهلية فقال {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من خلقه {وَيَخْتَارُ} من يشاء لطاعته، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من الخلق {وَيَخْتَارُ} من يشاء لنبوته، قاله يحيى بن سلام. الثالث: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} النبي محمداً صلى الله عليه وسلم{َوَيَخْتَارُ} الأنصار لدينه حكاه النقاش. {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} وفيه وجهان: أحدهما: معناه ويختار للمؤمنين ما كان لهم فيه الخيرة فيكون ذلك إثباتاً. الثاني: معناه ما كان للخلق على الله الخيرة، فيكون ذلك نفياً. ومن قال بهذا فلهم في المقصود به وجهان: أحدهما: أنه عنى بذلك قوماً من المشركين جعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فنزل ذلك فيهم، قاله ابن شجرة. الثاني: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال ما حكاه الله عنه في سورة الزخرف {أية : وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ} تفسير : الآية [الزخرف: 31] يعني نفسه وعروة بن مسعود الثقفي فقال الله: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} أن يتخيروا على الله الأنبياء.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} كان قوم في الجاهلية يجعلون خير أموالهم لآلهتهم. فقال {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من خلقه {وَيَخْتَارُ} منهم ما يشاء لطاعته، أو يخلق ما يشاء من الخلق ويختار من يشاء للنبوة، أو يخلق ما يشاء النبي ويختار الأنصار لدينه {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} أي يختار للمؤمنين الذي فيه خيرتهم، أو "ما" نافية أن يكون للخلق على الله تعالى خيرة نزلت في الذين {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا}تفسير : [الأنعام: 136]، أو في الوليد بن المغيرة قال {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] يعني نفسه وأبا مسعود الثقفي فقال الله تعالى ما كان لهم أن يتخيروا على الله الأنبياء.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أرطاة قال‏:‏ ذكرت لأبي عون الحمصي شيئاً من قول القدر فقال‏:‏ ما تقرأون كتاب الله تعالى {‏وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة‏}‏ ‏؟‏‏.‏ وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن‏.‏ يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل‏:‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب‏.‏ اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي‏.‏ وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، وأرضني به‏.‏ ويسمى حاجته باسمها‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} [الآية: 68]. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت الجريرى يقول: سئل الجنيد رحمة الله عليه عن قوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} وقال: كيف يكون للعبد اختيار والله المختار له يقول: {وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} [الآية: 68] إذا نظروا إلى الأحكام الجارية بجميل نظر الله لهم فيها، وحسن اختياره لهم فيما أجراه عليهم لم يكن عندهم شىء أفضل من الرضا والسكون لأن الخليقة لو اجتمعت على أن تختار لعبد ما هو أنفع له وأعود عليه لم يكن اختيارهم إلاَّ يسيرًا فى جنب ما اختاره الله لعبده ولن تبلغ الحقيقة مقاديرها وغايات عقلها ولها حدٌ ومكان لا يتجاوز نظر الله لعبده وجميل اختياره شىء لا يحيط به غيره ولا يعلمه سواه فأين يذهب عن ذلك ويخرج عنه فمن أخذ ذلك أهل الرضا حطوا الرحال بين يدى ربهم، وسلَّموا إليه أمورهم بصفاء التفويض والكون تحت الحكم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} يخلق ما يشاء فى قلوب العارفين والمحبين الموحدين من اطيار الافهام والمعارف بخواطر الحق والانعام ويختار بها بمشية الازل اهل محبته ومعرفته ومشاهدته وقربه ووصاله ونفى عن هذه المواهب السنية علة الاكتساب بقوله {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} قال الجنيد كيف يكون للعبد اخيار والله المختار له بقوله ويختارون لهم الخيرة اذا انظروا الى الاحكام الجارية بجميل نظر الله لهم فيها وحسن اختياره فيما اجراه عليهم لم يكن عندهم شئ افضل من الرضا والسكون.

اسماعيل حقي

تفسير : {وربك} [آورده اندكه صناديد عرب طعنه مى زدندكه خداى تعالى جرا محمدرا براى نبوت اختيار كرد بايستى كه جنين منصب عالى بوليد بن مغيرة رسيدى كه بزرك مكه است يابعروة بن مسعود ثقفى كه عظيم طائف] ما قالوا لولا نزل هذه القرآن على رجل من القريتين عظيم فرد الله بقوله {وربك} [وبروردكار تو يامحمد] {يخلق مايشاء} ان يخلقه {ويختار} مما يخلق مايشاء اختياره واصطفاءه فكما ان الخلق اليه فكذا الاختيار فى جميع الاشياء {ما} نافية {كان لهم} اى المشركين {الخيرة} اى الاختيار عليه تعالى وهو نفى لاختيارهم الوليد وعروة وانشدوا شعر : البعد ذو ضجر والرب ذو قدر والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير اجمع فيما اختيار خالقنا وفى اختيار سواه اللوم والشوم تفسير : قال الجنيد قدس سره كيف يكون للعبد اختيار والله المختار له: وقال بعض العارفين اذا نظر اهل المعرفة الى الاحكام الجارية بجميل نظر الله لهم فيها وحسن اختياره فيما اجراه عليهم لم يكن عندهم شىء افضل من الرضى والسكون: قال الحافظ شعر : در دائره قسمت ما نقطه تسليم لطف آنجه توانديشى حكم آنكه توفر مايى تفسير : والخيرة بمعنى التخير بالفارسية [كزيدن] كالطيرة بمعنى التطير. وفى المفردات الخيرة الحالة التى تحصل للمستخير والمختار نحو القعدة والجلسة لحال القاعد والجالس انتهى. وفى الوسيط اسم من الاختيار يقام مقام المصدر وهو اسم للمختار ايضا يقال محمد خيرة الله من خلقه {سبحان الله} اى تنزه بذاته تنزها خاصا به من ان ينازعه احد ويزاحم اختياره اختياره {وتعالى عما يشركون} عن اشراكهم. وفى التأويلات النجمية يشير الى مشيئته الازلية فى الخلق والاختيار وانه فاعل مختار يخلق مايشاء كيف يشاء ولما يشاء متى يشاء و له اختيار فى خلق الاشياء فيختار وجود بعض الاشياء فى العدم فيبقيه فانيا فى العدم ولايوجده وله الخيرة فى انه يخلق بعض الاشياء جمادا وبعض الاشياء نباتا وبعض الاشياء حيوانا وبعض الاشياء انسانا وان يخلق بعض الانسان كافرا وبعض الانسان مؤمنا وبعضهم وليا وبعضهم نبيا وبعضهم رسولا وان يخلق بعض الاشياء شيطانا وبعضها جنا وبعضها ملكا وبعض الملك كروبيا وبعضهم روحانيا وله ان يختار بعض الخلق مقبولا وبعضهم مردودا انتهى وفى الحديث "حديث : ان الله خلق السموات سبعا فاختار العليا منها فسكنها واسكن سائر سماواته من شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بنى آدم واختار من بنى آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بنى هاشم واختارنى من بنى هاشم فانا خيار من خيار الى خيار فمن احب العرب فبحبى احبهم ومن ابغضهم فببغضى ابغضهم"تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله اختار اصحابى على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لى من اصحابى اربعة ابا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير اصحابى وفى كل اصاحبى خير واختار امتى على سائر الامم واختار لى من امتى اربعة قرون بعد اصحابى القرن الاول والثانى والثالث تترى والرابع فردا"تفسير : [بدانكه آدمى را اختيار نيست اختيار كسى تواندكه اورا ملك بود وآدمى بنده است وبنده را ملك نيست آن ملك كه شرع اورا اثبات كرد آن ملك مجازينست عاريتى عن قريب ازوزائل كردد وملك حقيقى آنست آنرا زوال نيست وآن ملك الله است كه مالك بركمال است ودر ملك يمن اززوال ودر ذات ونعت متعال] شعر : همه تخت وملكى بذيرد زوال بجز ملك فرمانده لايزال تفسير : [عالم بيافريد وآنجه خواست ازان بركزيد. فرشتكانرا بيافريد ازيشان جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل را بركزيد. آدم وآدميانرا بيافريد ازيشان بيغمبران بركزيد. ازبيغمبران خليل وكليم وعيسى ومحمد بركزيد عليهم السلام. صحابه رسول را بيافريد ابو بكر تيمى وعمر غدوى وعثمان اموى وعلى هاشمى بركزيد. بسيط زمنين را بيافريد ازان مكه بركزيد موضع ودلات ومدنية بركزيد هجر تكاه رسول وبيت المقدس بركزيد موضع مسراى رسول. روزها بيافاريد ازان روز آدينه بركزيد "وهو يوم اجابة الدعوة". روزعرفه بكزيد "وهو يوم المباهات". روز عيد بركزيد "وهو يوم الجائزة" روز عاشوراء "بركزيد وهو يوم الخلعة". شبها بيافريد و ازان شب برات بركزيدكه حق تعالى بخودىء خود نزول كندو بنده راهمه شب نداى كرامت خواند. ونوازد شب قدر بركزيدكه فرشتكان آسمان بعدد سنك ريزه بزمين فرستد ونثار رحمت كنند بربندكان. شب عيد بركزيدكه در رحمت ومغفرت كشايد وكناهاكارانرا آمرزد. كوهها بيافريد وازان طور كزيدكه موسى بران بمناجات حق رسيد. جودى بركزيدكه نوح دران نجات يافت. حرابر كزيدكه مصطفى عربى دران بعثت يافت. نفس آدمى بيافريدوازان دل بركزيد وزبان دل محل نور معرفت وزبان موضع كلمه شهادت. كتابها از آسمان فرو فرستاد وازان جهار بركزيد توراة وانجيل وزبور وقرآن واز كلمتها جهار "سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر" فى الحديث "حديث : احب الكلام الىالله سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر لايضرك بايهن بدأت"تفسير : الكل فى كشف الاسرار. قال فى زهرة الرياض {ماكان لهم الخيرة} اى ليس للكفار الاختيار بل الاختيار للواحد القهار كأنه قال الاختيار لى ليس لجبرائيل ولا لميكائيل ولا لاسرافيل ولا لعزرائيل و لا لآدم ولا لنوح ولا لابراهيم ولا ليعقوب ولا لموسى ولا لعيسى ولا لمحمد عليه الصلاة والسلام. ولو كان لجبرائيل وميكائيل لاختارت الملائكة مثل هاروت وماروت. ولو كان لاسرافيل لاختار ابليس. ولو كان لعزرائيل لاختار شداد. ولو كان لآدم لاختار قابيل. ولو كان لنوح لاختار كنعان. ولو كان لابراهيم لاختار آزر. ولو كان ليعقوب لاختار العماليق. ولو كان لموسى لاختار فرعون ولو كان لعيسى لاختار الحوارين. ولو كان لمحمد لاختار عمه ابا طالب ولكن الاختيار لى اخترتك فاشكر لى لان الله علم حيث يجعل رسالته ونبوته وولايته. قال يحيى الرازى رحمه الله الهى علمك بعيوبى لم يمنعك عن اختيارى فكيف يمنعك عن غفرانى. ويقال ان يوسف عليه السلام اختار السجن فاورثه الوبال والله تعالى اختار للفتية الكهف فاورثهم الجمال ألا ترى ان رجلا لو تزوج امرأة فانه يستر عيوبها مخافة ان يقال له انت اخترتها فالله تعالى اختارك فى الازل فالرجاء ان يستر عيوبك. ويقال اختار من ثمانية عشر الف عالم اربعة الماء والتراب والنار والريح فجعل الماء طهورك والتراب مسجدك والنار طباخك والريح نسيمك. واختار من الملائكة اربعة جبرائيل صاحب وحيك وميكائيل خازن نعمتك واسرافيل صاحب لوحك وعزرائيل قابض روحك. واختار من الشرائع اربعة الصلاة عملك والوضوء امانتك والصوم جنتك والزكاة طهارتك. ومن القبلة اربعة العرش موضع دعوتك والكرسى موضع رحمتك والبيت المعمور مصعد عملك والكعبة قبلتك. ومن الاوقات اربعة فوقت المغرب لطعامك ووقت العشاء لمنامك ووقت السحر لمناجاتك ووقت الصبح لقراءتك. ومن المياه الماء الذى تفجر من اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه افضل من زمزم والكوثر وغيرهما من انهار الدنيا والآخرة. ومن البقاع البقعة التى ضمت جسمه اللطيف عليه السلام فانها افضل البقاع الارضية والسماوية. ومن الازمنة الزمان الذى ولد فيه عليه السلام ولذا كان شهر ربيع الاول من افاضل الشهور كشعبان فانه مضاف الى نبينا عليه السلام ايضا. ومن الملوك الخواقين العثمانية لان دولتهم آخر الدول وتتصل بزمان المهدى المنتظر على ماثبت وصح عن اكابر علماء هذه الامة. واختار من العلماء من تشرف بعلم الظاهر والباطن كان ذا جناحين نسأل الله الثبات فى طريق التحقيق انه ولى التوفيق

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وربك يخلقُ ما يشاءُ}، لا موجب عليه، ولا مانع له، وفيه دلالة على خلق الأفعال. {ويختارُ} ما يشاء، لا اختيار لأحد مع اختياره. قال البيضاوي: وظاهره: نفي الاختيار عنهم رأساً، والأمر كذلك عند التحقيق؛ فإنَّ اختبار العبد مخلوق لله، منوط بدواعٍ لا اختيار لهم فيها، وقيل: المراد أنه ليس لأحد أن يختار عليه، فلذلك خلا عن العاطف، يعني قوله: {ما كان..} إلخ، ويؤيده: ما روي أنه نزل في قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] هـ. {ما كان لهم الخِيَرةُ} أي: ليس لهم أن يختاروا مع الله شيئاً ما، وله الخيرة عليهم. والخيرة: من التخير، تستعمل مصدراً بمعنى التخير، وبمعنى المتخيّر، ومنه: محمد خيرة الله من خلقه، ولم يدخل العاطف في {ما كان لهم الخيرة}؛ لأنه مقرر لِمَا قبله، وقيل: "ما": موصولة، مفعول بيختار، والراجع إليه: محذوف، أي: ويختار الذي كان لهم من الخيرة والصلاح. هـ. وبحث فيه النسفي بأن فيه ميلاً إلى الاعتزال، ويجاب: بأن المعتزلة يقولون ذلك على سبيل الإيجاب، ونحن نقوله على سبيل التفضل والإحسان. {سبحان الله}، أي: تنزيهاً له عن أن ينازعه أحد، أو يزاحم اختيارَهُ اختيارٌ. {وتعالى عما يشركون}، أي: تعاظم عن إشراكهم، أو: عن مشاركة ما يُشركون به. {وربك يعلم ما تُكِنُّ} تُضمر {صدورُهم} من عداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وحسده، {وما يُعلنون} من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلاً اختير عليه غَيْرُهُ في النبوة. {وهو الله} المستأثر بالألوهية المختص بها، {لا إله إلا هو}، تقرير له، كقولك: الكعبة قبلة، لا قبلةَ إلا هي. {له الحمد في الأولى} أي: في الدنيا، {والآخرة}؛ لأنه المُولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها، يحمده المؤمنون في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة بقولهم: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر: 34]، {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} تفسير : [الزمر: 74]، {أية : وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الزمر: 75]، والتحميد تم على وجه التلذذ لا الكلفة. {وله الحُكم}؛ القضاء بين عباده، {وإليه تُرجعون} بالبعث والنشور. وبالله التوفيق. الإشارة: في الآية تحضيض على ترك التدبير والاختيار، مع تدبير الواحد القهار، وهو أصل كبير عند أهل التصوف، أفرد بالتأليف، وفي الحِكَم: " أراح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك؛ لا تقم به أنت عن نفسك". وقال سهل رضي الله عنه: ذروا التدبير والاختيار، فإنهما يكدران على الناس عيشهم. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ذروا التدبير, وإن كان ولا بد من التدبير، فدبروا ألا تدبروا. هـ. والتدبير المذموم: هو ما فيه للنفس حظ، كتدبير أسباب الدنيا، وما تحصل بها من شهواتها، إذا صحبه عزم أو تكرير، وأمَّا ما كان فيما يقرب إلى الله تعالى فهو النية الصالحة، أو لم يصحب تصميم؛ بأن كان عَزْمه محلولاً، أو علقة بمشيئة الله، أو كان خاطراً غير ساكن، فلا بأس به. قال القشيري - بعد كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى: لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العِزِّ؛ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلاً، والاختيارُ للحق نعتُ عز، والاختيار للخلق صِفةُ نقصٍ، ونعتُ ملام وقصور، فاختيارُ العَبْدُ على غيرُ مُبَارَكٍ له، لأنه صفة غيرُ مستحِقٍّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح، قال قائلهم: شعر : ومعَانٍ إذا ادّعاها سواهم لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ تفسير : والطينةُ إذا ادَّعَت صفة للحقِّ أظهرت رعونتها، فما للمختار والاختيار؟! وما للمملوكِ والمِلْك؟! وما للعبيد في دَسْتِ الملوك؟! قال تعالى: {ما كان لهم الخيرة}. هـ. وقال آخر في هذا المعنى: شعر : العبدُ ذو ضَجَرٍ، والربُّ ذو قُدَرٍ والدهرُ ذو دُوَلٍ، والرزقُ مقسومُ والخيرُ أجمعُ: فيما اختار خالقنا وفي اختيارِ سواه: اللومُ والشُّومُ تفسير : فإذا علمت، أيها العبد، أن الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، لم يبق لك مع الله اختيار، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك، ولذلك قيل: العارف لا يعارض ما حلّ به، فقراً كان أو غنى. قال اللجائي في كتاب قطب العارفين: الراضي شبه ميت، لا نفس له، يختار لها، فالفقر والغنى حكمان من حكيم واحد، وهو أعلم سبحانه بعبيده، وما يصلحون به، فمنهم من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومنهم من يصلح للغنى ولا يصلح للفقر، ومنهم من يصلح بالمنع ولايصلح بالعطاء، ومنهم من يصلح بالعطاء ولا يصلح بالمنع، ومنهم من يصلح بالبلاء ولا يصلح بالصحة، ومنهم من يصلح بالصحة ولا يصلح بالبلاء، ومنهم من يصلح بالوجهين جميعاً، وهو أعلى رُتبة يشار إليها في غاية هذا الشأن، {وربك يخلق ما يشاء ويختار...} الآية، ففي هذه الآية كفاية وتعزية لكل سالك راض عن الله تعالى، لكن لا يعقْلُها ولا يتلذذ بها إلا مشايخ العارفين. هـ. وبالله التوفيق. ثم برهن على انفراده بالخلق والاختيار، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَرَبُّكَ} لا غيره فانّ التّقديم للحصر {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} لانّ غيره عاجز عن حفظ نفسه بعدما خلقه الله فكيف يخلق غيره وحفظه {وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} اى الاختيار او المختار فانّ الخيرة اسم مصدر تستعمل فى المختار ايضاً لانّ غيره جاهل بما هو خيرٌ له لا يتميّز خيره عن شرّه عنده ولا يعلم مآل حاله ومختاره فلا يمكنه اختيار ما هو خيرٌ له والآيات تعريض بالامّة واشراكهم بعلىٍّ فى الولاية واختيارهم بآرائهم اماماً لانفسهم وان كان نزوله فى غيرهم، واعراب قوله وربّك يخلق (الآية) انّ الواو حاليّة والجملة حال من الجمل السّابقة ويختار امّا عطف على يشاء وحينئذٍ يكون لفظة ما نافية او موصولة بدلاً من ما يشاء، او عطف على يخلق وما نافيةٌ او موصولةٌ {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} انشاء تسبيحٍ او اخبار تنزيهٍ او كلمة تعجّبٍ وتعجيب على اىّ تقديرٍ فالمقصود انّ الله فى مظهره الّذى هو علىّ (ع) منزّه {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فى الولاية والخلافة وما فى عمّا يشركون مصدريّة او موصولة وفى الاخبار اشارات الى هذا التّعريض والتّأويل من اراد الاطّلاع فليرجع الى المفصّلات من كتب التّفاسير والاخبار.

الأعقم

تفسير : {وربك يخلق ما يشاء ويختار} والآية نزلت جواباً لقول الوليد حيث قال: {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] والله تعالى يختار ما هو أصلح لهم والله أعلم بعواقب الأمور، وقيل: يختار للنبوة {ما} يصلح لها ليس لهم أن يختاروا بل يجب أن يتبعوا أمر الله، وقوله: {ما كان لهم الخيرة} بيان لقوله ويختار، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي تنزيهاً عن شريك له في خلقه {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} لأنه يعلم الضمائر والسرائر {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} أي هو مستحق الحمد في الدارين دائماً إلى يوم القيامة {وله الحكم وإليه ترجعون} ثم بيَّن تعالى ما يدل على توحيده فقال سبحانه: {قل} يا محمد لهؤلاء: {أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمداً} دائماً {إلى يوم القيامة} لا يكون معه نهار {من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون} ما بيَّنه لكم؟ {قل} يا محمد {أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} تستريحون {أفلا تبصرون} {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} يعني تسكنوا في الليل {ولتبتغوا من فضله} بالنهار {ولعلكم تشكرون} أي تشكروا هذه النعم، ثم عاد الكلام إلى ذكر القيامة فقال سبحانه: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} انهم شفعاؤكم {ونزعنا} أي أخرجنا {من كل أمة} من أهل عصر وجماعة {شهيداً}، قيل: هم الأنبياء يشهدون على الناس بالتبليغ وعلى العلماء بالإِنذار {فقلنا هاتوا برهانكم} أي حجتكم على صحة ما كنتم عليه من الشرك {فعلموا أن الحق لله} يعني الحق في التوحيد لله، أو علموا أن الحجة كلها لله ولا حجة لهم {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} أي بطل ما كانوا يكذبون {إن قارون كان من قوم موسى}، قيل: كان من بني إسرائيل نسباً، وقيل: كان ابن عم موسى، وقيل: كان من قومه ممن آمن به وقبل دينه، وقيل: كان موسى ابن أخيه، وقيل: كان ممن يقرأ التوراة {فبغى عليهم} أي طلب زيادة ليست له، واختلفوا في البغي فقيل: كان بغيه انه كان يستخف بهم ويتكبر عليهم بكثرة ماله وولده، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقيل: قصد إلى امرأة بغيَّة مشهورة بذلك وضمن لها مالاً على أن تقول أن موسى طلبني الفساد فأجابته إلى ذلك، فجاءت إلى موسى وأرادت أن تقول ذلك فأمسك الله لسانها عنه فجرى على لسانها براءة موسى فقالت: أن قارون ضمن لي مالاً على أن أقول لموسى كذا وان موسى بريء الساحة {وآتيناه من الكنوز} يعني أعطيناه من الأموال المدخرة {ما إن مفاتحه} جمع مفتح وهو المفتاح الذي يفتح به {لتنوء} لتثقل، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله، والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وقيل: ستون، وقد قيل: إن مفاتيح خزائنه حمل ستون بغلاً وكانت من الجلود {أولي القوة} أي تلك العصبة لهم {إذ قال له قومه} من بني إسرائيل {لا تفرح} أي.... {إن الله لا يحب الفرحين} كقوله: {أية : ولا تفرحوا بما آتاكم الله} تفسير : [الحديد: 23] ولأنه لا يفرح بالدنيا إلاَّ من رضي بها واطمأنّ إليها وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يفارق ما هو فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح، والفرحين الأشرين البطرين.

اطفيش

تفسير : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} ما يشاء هذا عند بعضهم جواب لقول قريش. {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين }تفسير : اي يختار من يشاء للرسالة. {مَا كَانَ لَهُمُ الخِيرَةُ} أي الاختيار او التخير فهو اسم مصدر اي لا موجب عليه ولا مانع له ولا يبعث الله الرسل باختيار المرسل اليهم وما نافية ويجوز ان تكون اسما موصولا مفعولا فيختار اي يختار لهم ما فيه خيرتهم وصلاحهم والرابط محذوف كما قدرته وهو هاء فيه ولكون جملة ما كان لهم الخيرة كالبيان ليختار جردت عن عاطف وقيل ليس سبب النزول قالو قريش {أية : لولا نزل }تفسير : الخ بل الآية على عموم لفظها ولا دليل فيها لأهل الجبر فان افعال الخلق باختيارهم واختيارهم مخلوق لله تعالى باختياره المنوط بدواع لا اختيار لهم فيها قال سعيد بن ابي وقاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سعادة ابن آدم استخارته الله ومن شقاوته تركه ". تفسير : {سُبحَانَ اللهِ وَتَعَالَى} تناع في قوله. {عَمَّا يُشْرِكُونَ} او معمول سبحان غير ذلك محذوف تقديره سبحان الله عن ان تكون لغيره الخيرة اي هو منزه عن ذلك وما مصدرية اي عن الاشراك او موصولة اسم والرابط محذوف ويقدر مضاف اي عن مشاركة الاصنام التي تشركونها به.

اطفيش

تفسير : {وربُّك يخْلق ما يشَاءُ} من الأجسام والأعراض، والطاعة والمعصية وغيرهما، وذلك عموم بين ما فيه بقوله: {ويختار} أى يختار في خلقه ما فيه الحكمة، بمعنى لا يخلق إلا ما فيه الحكمة، أو يخلق باختياره لا باجبار حاشاه، أو يخلق بدون نظر الى ما يحب خلقه إذا خلقهم {ما كان لَهُم الخِيرَة} اختيار فى أن يخلقوا وقت كذا، أو على صفة كذا قبل خلقهم إذ هم عدم، ولا أن يراد فى خلقهم، أو ينقص بعد وجودهم، أو يكون الأمر كذا كقول من قال: "أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل"تفسير : [الزخرف: 31] وقول اليهود: لو كان يأتيك غير جبريل لآمنا بك، لأنه ملك العذاب، ولا دليل للمجبرة فى الآية، فإن للعبد اختيارا مخلوقا لله عز وجل، يشاهده من نفسه إذ قدر أن يفعل، وأن لا يفعل، فيعمد الى أحدهما، وأجيز أن تكون ما مفعولا ليختار، وكان تامة أى اختار ما حصل، ولهم الخيرة مستأنف مثبت، أى للخلق اختيار فى أفعالهم وتروكهم، به عوقبوا وأثيبوا، وإلا كان الله ظالما للعباد إذ عذبهم على ما أجبرهم، وقد نص الله عز وجل أنه لا يوصف بالظلم، وكان غير حكيم إذا أجبرهم على فعل وفعلوه بلا اختيار، وأثابهم وقد نص الله بأنه عزيز حكيم. {سبحان الله} تسبح الله تسبحا أى تنزه تنزها عن أن يكون أحد مشاركا له فى الخلق أو الاختيار، وهذا اخبار كما ترى، ويناسبه قوله: {وتعالى} فإنه إخبار، وليس سبحان هنا أمرا بالتنزيه {عما يُشْركُون} عن إشراكهم، وما مصدرية، وهو أولى من جعلها اسما موصولا، أو نكرة موصوفة على تقدير تعالى عن مشاركة ما يشركونه به لكثرة الحذف، أو تعجيب من اشراك من يضرهم، وهو عاجز بمن يريد لهم كل خير، قادرا على كل شىء، وهو متعلق بتعالى، ويجوز أن يتنازع فيه سبحانه وتعالى أى سبحان الله عنه، أى عن الاشراك، وتعالى عن الاشراك.

الالوسي

تفسير : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } خلقه من الأعيان والأعراض {وَيَخْتَارُ } عطف على يخلق، والمعنى على ما قيل: يخلق ما يشاؤه باختياره فلا يخلق شيئاً بلا اختيار، وهذا مما لم يفهم مما يشاء فليس في الآية شائبة تكرار، وقيل في دفع ما يتوهم من ذلك غير ما ذكر مما نقله ورده الخفاجي ولم يتعرض للقدح في هذا الوجه، وأراه لا يخلو عن بعد ولي وجه في الآية سأذكره بعد إن شاء الله تعالى. {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أي التخير كالطيرة بمعنى التطير وهما والاختيار بمعنى. وظاهر الآية نفي الاختيار عن العبد رأساً كما يقوله الجبرية، ومن أثبت للعبد اختياراً قال: إنه لكونه بالدواعي التي لو لم يخلقها الله تعالى فيه لم يكن {كان} في حيز العدم، وهذا مذهب الأشعري على ما حققه العلامة الدواني قال: الذي أثبته الأشعري هو تعلق قدرة العبد وإرادته الذي هو سبب عادي لخلق الله تعالى الفعل فيه، وإذا فتشنا عن مبادي الفعل وجدنا الإرادة منبعثة عن شوق له وتصور أنه ملائم وغير ذلك من أمور ليس شيء منها بقدرة العبد واختياره، وحقق العلامة الكوراني في بعض «رسائله» المؤلفة في هذه المسألة أن مذهب السلف أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى وأن له اختياراً لكنه مجبور باختياره وادعى أن ذلك هو مذهب الأشعري دون ما شاع من أن له قدرة غير مؤثرة أصلاً بل هي كاليد الشلاء ونفي الاختيار عنه على هذا نحوه على ما مر فإنه حيث كان مجبوراً به كان وجوده كالعدم. وقيل: إن الآية أفادت نفي ملكهم للاختيار ويصدق على المجبور باختياره بأنه غير مالك للاختيار إذ لا يتصرف فيه كما يشاء تصرف المالك في ملكه، وقيل: المراد لا يليق ولا ينبغي لهم أن يختاروا عليه تعالى أي لا ينبغي لهم التحكم عليه سبحانه بأن يقولوا لم لم يفعل الله تعالى كذا؟ ويؤيده أن الآية نزلت حين قال الوليد بن المغيرة {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] أو حين قال اليهود لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به على ما قيل، والجملة / على هذا الوجه مؤكدة لما قبلها أو مفسرة له إذ معنى ذلك يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء أن يختاره لا ما يختاره العباد عليه ولذا خلت عن العاطف وهي على ما تقدم مستأنفة في جواب سؤال تقديره فما حال العباد؟ أو هل لهم اختيار أو نحوه؟ فقيل: إنهم ليس لهم اختيار، وضعف هذا الوجه بأنه لا دلالة على هذا المعنى في النظم الجليل وفيه حذف المتعلق وهو على الله تعالى من غير قرينة دالة عليه، وكون سبب النزول ما ذكر ممنوع، والقول الثاني فيه يستدعي بظاهره أن يكون ضمير {لهم} لليهود وفيه من البعد ما فيه. وقيل: {مَا } موصولة مفعول {يختار} والعائد محذوف، والوقف على {يشاء} لا نافية، والوقف على {يختار} كما نص عليه الزجاج وعلي بن سليمان والنحاس كما في الوجهين السابقين أي ويختار الذي كان لهم فيه الخير والصلاح، واختياره تعالى ذلك بطريق التفضل والكرم عندنا وبطريق الوجوب عند المعتزلة، وإلى موصولية {ما} وكونها مفعول {يختار} ذهب الطبري إلا أنه قال في بيان المعنى عليه: أي ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس، وأنكر أن تكون نافية لئلا يكون المعنى أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وادعى أبو حيان أنه روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معنى ما ذهب إليه، واعترض بأن اللغة لا تساعده لأن المعروف فيها أن الخيرة بمعنى الاختيار لا بمعنى الخير وبأنه لا يناسب ما بعده من قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } الخ، وكذا لا يناسب ما قبله من قوله سبحانه: {يَخْلُقُ مَا يَشَاء }، وضعفه بعضهم بأن فيه حذف العائد ولا يخفى أن حذفه كثير. وأجيب عما اعترض به الطبري بأنه يجوز أن يكون المراد بمعونة المقام استمرار النفي؛ أو يكون المراد ما كان لهم في علم الله تعالى ذلك، وهذا بعد تسليم لزوم كون المعنى ما ذكره لو أبقى الكلام على ظاهره. وقال ابن عطية: يتجه عندي أن يكون {ما} مفعول {يختار} إذا قدرنا {كان} تامة أي إن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه وقوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله سبحانه لهم لو قبلوا وفهموا اهـ. يعني والله تعالى أعلم أن المراد خيرة الله تعالى لهم أي اختياره لمصلحتهم. وللفاضل سعدي جلبـي نحو هذا إلا أنه قال في قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } إنه في معنى ألهم الخيرة؟ بهمزة الاستفهام الإنكاري، وذكر أن هذا المعنى يناسبه ما بعد من قوله سبحانه: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } الخ فإنه إما تعجيب عن إثبات الاختيار لغيره تعالى أو تنزيه له عز وجل عنه، ولا يخفى ضعف ما قالاه لما فيه من مخالفة الظاهر من وجوه. ويظهر لي في الآية غير ما ذكر من الأوجه، وهو أن يكون {يختار} معطوفاً على {يخلق} والوقف عليه تام كما نص عليه غير واحد وهو من الاختيار بمعنى الانتقاء والاصطفاء وكذا الخيرة بمعنى الاختيار بهذا المعنى والفعل متعد حذف مفعوله ثقة بدلالة ما قبله عليه أي ويختار ما يشاء، وتقديم المسند إليه في كل من جانبـي المعطوف والمعطوف عليه لإفادة الحصر، وجملة {ما كان لهم الخيرة} مؤكدة لما قبلها حيث تكفل الحصر بإفادة النفي الذي تضمنته، والكلام مسوق لتجهيل المشركين في اختيارهم ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة والشفاعة لهم يوم القيامة كما يرمز إليه {أية : ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } تفسير : [القصص: 64] وللتعبير - بما - وجه ظاهر، والمعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه فيصطفي مما يخلقه شفعاء ويختارهم للشفاعة ويميز بعض مخلوقاته جل جلاله على بعض ويفضله عليه بما شاء ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا ما شاءوا ويميزوا بعض مخلوقاته تعالى على بعض ويجعلوه مقدماً عنده عز وجل على غيره لأن ذلك يستدعي القدرة / الكاملة وعدم كون فاعله محجوراً عليه أصلاً وأنى لهم ذلك فليس لهم إلا اتباع اصطفاء الله تعالى وهو جل وعلا لم يصطف شركاءهم الذين اصطفوهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصطفوهم عليه فما هم إلا جهال ضلال صدوا عما يلزمهم وتصدوا لما ليس لهم بحال من الأحوال، وإن شئت فنزل الفعل منزلة اللازم وقل المعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه لا غيره يفعل الاختيار والاصطفاء فيصطفي بعض مخلوقاته لكذا وبعضاً آخر لكذا ويميز بعضاً منها على بعض ويجعله مقدماً عنده تعالى عليه فإنه سبحانه قادر حكيم لا يسأل عما يفعل وهو جل وعلا أعظم من أن يعترض عليه وأجل، ويدخل في الغير المنفي عنه ذلك المشركون فليس لهم أن يفعلوا ذلك فيصطفوا بعض مخلوقاته للشفاعة ويختاروهم للعبادة ويجعلوهم شركاء له عز وجل ويدخل في الاختيار المنفي عنهم ما تضمنه قولهم {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فإن فيه انتقاء غيره صلى الله عليه وسلم من الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي وتمييزه بأهلية تنزيل القرآن عليه فإن صح ما قيل: في سبب نزول هذه الآية من أنه القول المذكور كان فيها رد ذلك عليهم أيضاً إلا أنها لتضمنها تجهيلهم باختيارهم الشركاء واصطفائهم إياهم آلهة وشفعاء كتضمنها الرد المذكور جيء بها هنا متعلقة بذكر الشركاء وتقريع المشركين على شركهم، وربما يقال: إنها لما تضمنت تجهيلهم فيما له نوع تعلق به تعالى كاتخاذ الشركاء له سبحانه وفيما له نوع تعلق بخاتم رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم غيره عليه الصلاة والسلام بأهلية الإرسال إليه وتنزيل القرآن عليه جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن إشراكهم وسؤالهم عن جوابهم للمرسلين الناهين لهم عنه الذين عين أعيانهم وقلب صدر ديوانهم رسوله الخاتم لهم صلى الله عليه وسلم فلها تعلق بكلا الأمرين إلا أن تعلقها بالأمر الأول أظهر وأتم وخاتمتها تقتضيه على أكمل وجه وأحكم. وربما يقال أيضاً: إن لها تعلقاً بجميع ما قبلها، أما تعلقها بالأمرين المذكورين فكما سمعت، وأما تعلقها بذكر حال التائب فمن حيث إن انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيار الله تعالى إياه واصطفاءه له وتمييزه على من عداه، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة وذكر انحصار الخلق فيه تعالى وتقديمه على انحصار الاختيار والاصطفاء مع أن مبنى التجهيل والرد إنما هو الثاني للإشارة إلى أن انحصار الاختيار من توابع انحصار الخلق، وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارة إلى أن خلقه عز وجل ما شاء على وفق المصلحة والحكمة وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام وهي في غاية الحسن إن صح ما تقدم عن الوليد سبباً للنزول، ويخطر في الباب احتمالات أخر في الآية فتأمل فإني لا أقول ما أبديته هو المختار كيف وربك جل شأنه يخلق ما يشاء ويختار. {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } أي تنزه تعالى بذاته تنزهاً خاصاً به من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره عز شأنه {وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن إشراكهم على أن (ما) مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بتقدير مضاف أي عن مشاركة ما يشركونه به كذا قيل، وجعل بعضهم {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } تعجيباً من إشراكهم من يضرهم بمن يريد لهم كل خير تبارك وتعالى وهو على احتمال كون {مَا } فيما تقدم موصولة مفعول {يختار}، والمعنى ويختار ما كان لهم فيه الخير والصلاح، ويجوز أن يكون تعجيباً أيضاً من اختيارهم شركاءهم الذين أعدوهم للشفاعة وإقدامهم على ما لم يكن لهم وذلك بناءً على ما ظهر لنا وظاهر كلام كثير أن الآية ليست من باب الإعمال، وجوز أن تكون منه بأن يكون كل من سبحان وتعالى طالباً عما يشركون والأفيد على ما قيل أن لا تكون منه.

ابن عاشور

تفسير : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} هذا من تمام الاعتراض وهي جملة {أية : فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً}تفسير : [ القصص: 67] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء، وأنه الذي اختار فريقاً على فريق. وفي «أسباب النزول» للواحدي «قال أهل التفسير نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه {أية : وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [ الزخرف: 31] اهــــ. يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. وهما المراد بالقريتين. وتبعه الزمخشري وابن عطية. فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله {أية : ماذا أجبتم المرسلين}تفسير : [ القصص: 65]، فإن قولهم {لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى: أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وهذا في معنى قوله {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [ الأنعام: 124]، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم؛ والوجهان لا يتزاحمان. والمقصود من الكلام هو قوله {ويختار} فذكر {يخلق ما يشاء} إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته. وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم. وجوز أن يكون {ما} من قوله {ما كان لهم الخيرة} موصولة مفعولاً لفعل {يختار} وأن عائد الموصول مجرور بــــ (في) محذوفين. والتقدير: ويختار ما لهم فيه الخير، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم لا ما يشتهونه من رجالهم. وجملة {ما كان لهم الخيرة} استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي. وصيغة {ما كان} تدل على نفي للكون يفيد أشد مما يفيد لو قيل: ما لهم الخيرة، كما تقدم في قوله تعالى {أية : وما كان ربك نسيَّاً}تفسير : في سورة مريم (64). والابتداء بقوله {وربك يخلق ما يشاء} تمهيد للمقصود وهو قوله {ويختار ما كان لهم الخيرة} أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار. و {الخيرة} بكسر الخاء وفتح التحتية: اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة اسم لمصدر التطير. قال ابن الأثير: ولا نظير لهما. وفي «اللسان» ما يوهم أن نظيرهما: سبي طيبة، إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد. ويحتمل أنه أراد التنظير في الزنة لا في المعنى، لأنها زنة نادرة. واللام في {لهم} للملك، أي ما كانوا يملكون اختياراً في المخلوقات حتى يقولوا {أية : لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [ الزخرف: 31]. ونفي الملك عنهم مقابل لقوله {ما يشاء} لأن {ما يشاء} يفيد معنى ملك الاختيار. وفي ذكر الله تعالى بعنوان كونه رباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه اختاره لأنه ربه وخالقه فهو قد علم استعداده لقبول رسالته. {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عمّا يشركون}. استئناف ابتدائي لإنشاء تنزيه الله وعلوه على طريقة الثناء عليه بتنزهه عن كل نقص وهي معترضة بين المتعاطفين. و {سبحان} مصدر نائب مناب فعله كما تقدم في قوله {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا}تفسير : في سورة البقرة (32). وأضيف {سبحان} إلى اسمه العلم دون أن يقال: وسبحانه، بعد أن قال {أية : وربك يعلم}تفسير : [القصص: 69] لأن اسم الجلالة مختص به تعالى وهو مستحق للتنزيه بذاته لأن استحقاق جميع المحامد مما تضمنه اسم الجلالة في أصل معناه قبل نقله إلى العلمية. والمجرور يتنازعه كلا الفعلين. ووجه تقييد التنزيه والترفيع بــــ (ما يشركون) أنه لم يجترىء أحد أن يصف الله تعالى بما لا يليق به ويستحيل عليه إلا أهل الشرك بزعمهم أن ما نسبوه إلى الله إنما هو كمال مثل اتخاذ الولد أو هو مما أنبأهم الله به، و{أية : إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}تفسير : [ الأعراف: 28]. وزعموا أن الآلهة شفعاؤهم عند الله. وقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وأما ما عدا ذلك فهم معترفون بالكمال لله، قال تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : [ لقمان: 25]. و {ما} مصدرية أي سبحانه وتعالى عن إشراكهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يخلق ما يشاء: أي من خلقه. ويختار: أي من يشاء لنبوته وطاعته. ما كان لهم: أي للمشركين. الخيرة: أي الاختيار في شيء. سبحان الله: أي تنزيها لله عن الشرك. يعلم ما تكن صدورهم: أي ما تسر وتخفي من الكفر وغيره. له الحمد في الأولى: أي في الدنيا لأنه مولى كل نعمة. وفي الآخرة: أي في الجنة. وله الحكم: أي القضاء النافذ. وإليه ترجعون: بعد النشور وذلك يوم القيامة. معنى الآيات: لقد تقدم في الآيات قبل هذه التنديد بالشرك وتوبيخ المشركين وتحديهم بدعاء شركائهم ليخلصوهم مما هم فيه من الذل والعذاب، وكان شركهم باختيارهم الخاص وإرادتهم الحرة إذ تبرأ منهم من اختاروهم آلهة مع الله فعبدوهم معه. وفي هذه الآية يكشف تعالى عن خطئهم في الاختيار، وذلك من وجهين: الأول أنه لاحق لهم في الاختيار. إذ الاختيار الخالق المخلوقات فيختار منها ما يشاء لنبوته أو طاعته أما الذي يُخلَقْ ولا يَخْلُقُ فكيف يصح منه اختيار. والثاني بحكم أنهم مخلوقون مربوبون لله تعالى وهم يعلمون هذا إذ لو سألهم أحد: من خلقكم؟ لقالوا: الله؛ كان المفروض فيهم والمطلوب منهم أن يطلبوا من الله تعالى خالقهم أن يختار لهم ما يعبدون ويبين لهم كيف يعبدون، إذ هو مولاهم الحق ولا مولى لهم سواه أما أن يركبوا رؤوسهم ويختاروا بأنفسهم ما يعبدون فهذا ظلم منهم كبير استوجبوا به اللوم في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: [68] {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}.. أي وربك يا محمد يخلق ما يشاء ممن يريد خلقهم ويختار من يشاء لما يشاء ممن يشاء من عباده لما يشاء من كمال أو نقصان. أما عبيده فليس لهم حق الاختيار وإنما عليهم السمع والطاعة قال تعالى: {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي حق الاختيار بل الذي يختاره الله هو الذي يجب أن يختاره العبد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: "حديث : اللهم خِرْ لي واختر لي" تفسير : وكان يعلم أصحابه دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، ويحضهم على أن يختاروا في الأمر الواحد سبع مرات. وقوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه تعالى نفسه عن شرك المشركين وباطل المبطلين وقوله {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} وهذا برهان أن الخيرة له وليس لغيره إذ الذي يعلم الظواهر والبواطن والبدايات والنهايات قبل البدء والمنتهى صاحب هذا العلم هو الذي يختار. أما الذي لا يعلم ما يكنه أخوه في صدره بل ولا ما يظهره آخر إلى جنبه أي لا يعلم عاقبته فكيف يصح منه الاختيار أو تكون له خيرة في شيء. وفوق ذلك أنه سبحانه وتعالى وهو الله الذي لا إله إلا هو أي المعبود الذي لا معبود بحق سواه الذي له الحمد في الدنيا إذ كل ما في الدنيا هو خلقه وفضله وإنعامه، وله الحمد في الآخرة، يحمده أهل الجنة إذ قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن بل الحياة الدنيا كالآخرة. تختم بالحمد لله. قال تعالى {أية : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الزمر: 75] {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وله الحكم أي القضاء في الدنيا والآخرة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فكما أن الحكم خاص به فكذلك الرجوع إليه، ويوم يرجعون إليه يحكم بينهم بحكمه وهو العزيز العليم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ "ليس من حق العبد أن يختار إلا ما اختار الله له". 2- تعين طلب الاختيار في الأمر كله من الله تعالى بقول العبد "اللهم خر لي واختر لي". 3- تأكيد سنة الاستخارة وهي إذا هم العبد بالأمر يصلي ركعتين في وقت لا تكره فيه صلاة النافلة، ثم يدعو بدعاء الاستخارة كما ورد في الصحيح وهو "اللهم إني أستَخِيرُكَ بعلمك واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به". ويسمي حاجته التي همَّ بها من سفر أو زواج أو بناء أو تجارة أو غراسة. 4- تقرير التوحيد وإبطال التنديد. 5- وجوب حمد الله وشكره على كل حال وذلك لتجدد النعمة في كل آن.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَ} {وَتَعَالَىٰ} (68) - يُخْبِرُ اللهُ تََعَالى أَنه المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ والاختيارِ، وأَنَّهُ لاَ يُنَازِعُهُ في ذَلِكَ مُنَازِعٌ، ولا مُعَقِّبَ عَلى حُكْمِهِ، فَمَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لمْ يشَأْ لمْ يكُنْ فالأمورُ كُلُّها، خيرُهَا وشَرُّها، بيدِهِ فَيختَارُ قَوماً لأَدَاءِ رِسَالتِهِ، وهِدايةِ خَلقِهِ، ويُمَيِّزُ بعضَ الخَلْقِ عَلى بَعْضٍ، ويُفَضِّلُه بمَا شاء، وليسَ للخَلْقِ أن يَخْتَاروا عَلى الله شَيئاً، ولهُ الخِيرَةُ عَليهم، وليسَ للخَلْقِ إلا اتِّبَاعُ ما اصْطَفَاهُ اللهُ، فَتَنَزَّهَ اللهُ تعالى عن شِرْكِهِمْ، وَتَبَارَكَ اسمُهُ وتَقَدَّسَ. الخِيَرَةُ - الاختِيَارُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كنا ننتظر أنْ يُخبرنا السياق بما سيقع على المشركين من العذاب، لكن تأتي الآية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ..} [القصص: 68] وكأن الحق سبحانه يقول: أنا الذي أعرف أين المصلحة، وأعرف كيف أُريحكم من شرِّهم، فدعوني أخلق ما أشاء، وأختار ما أشاء، فأنا الرب المتعهد للمربى بالتربية التي تُوصله إلى المهمة منه. والمربَّى قسمان: إما مؤمن وإما كافر، ولا بُدَّ أنْ يشقى المؤمن بفعل الكافر، وأنْ يمتد هذا الشقاء إنْ بقي الكافر على كفره؛ لذلك شَرعتُ له التوبة، وقَبِلْتُ منه الرجوع، وهذا أول ما يريح المؤمنين. ومعنى: {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ..} [القصص: 68] يعني: لا خيارَ لكم، فدعوني لأختار لكم، ثم نفِّذوا ما أختاره أنا. أو: أن هذه الآية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ..} [القصص: 68] قيلت للردِّ على قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. يقصدون الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي، فردَّ الله عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..} تفسير : [الزخرف: 32]. فكيف يطمعون في أنْ يختاروا هم وسائل الرحمة، ونحن الذين قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، فجعلنا هذا غنياً، وهذا فقيراً، وهذا قوياً، وهذا ضعيفاً، فمسائل الدنيا أنا متمكن منهم فيها، فهل يريدون أنْ يتحكموا في مسائل الآخرة وفي رحمة الله يوجِّهونها حسب اختيارهم؟!! {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ..} [القصص: 68] أي: الاختيار في مثل هذه المسائل. ويجوز {مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ..} [القصص: 68] أي: المؤمنون ما كان لهم أنْ يعترضوا على قبول توبة الله على المشركين الذين آذوهم، يقولون: لماذا تقبل منهم التوبة وقد فعلوا بنا كذا وكذا، وقد كنا نود أن نراهم يتقلبون في العذاب؟ والحق تبارك وتعالى يختار ما يشاء، ويفعل ما يريد، وحين يقبل التوبة من المشرك لا يرحمه وحده، ولكن يرحمكم أنتم أيضاً حين يُريحكم من شرِّه. وقوله: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] أي: تعالى الله وتنزَّه عما يريدون من أنْ يُنزِلوا الحق سبحانه على مرادات أصحاب الأهواء من البشر، ولو أن الحق سبحانه نزل على مرادات أصحاب الأهواء من البشر - وأهواؤهم مختلفة - لفسدتْ حياتهم جميعاً. ألا ترى أن البشر مختلفون جميعاً في الرغبات والأهواء، بل وفي مسائل الحياة كلها، فترى الجماعة منهم في سنٍّ واحدة، وفي مركز اجتماعي واحد، فإذا توجَّهوا لشراء سلعة مثلاً اختار كل منهم نوعاً ولوناً مختلفاً عن الآخر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآيات، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر [والأزمان] والأماكن، وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء، وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك، والظهير، والعوين، والولد، والصاحبة، ونحو ذلك، مما أشرك به المشركون، وأنه العالم بما أكنته الصدور وما أعلنوه، وأنه وحده المعبود المحمود في الدنيا والآخرة، على ماله من صفات الجلال والجمال، وعلى ما أسداه إلى خلقه من الإحسان والإفضال. وأنه هو الحاكم في الدارين، في الدنيا، بالحكم القدري، الذي أثره جميع ما خلق وذرأ، والحكم الديني، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي. وفي الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي، ولهذا قال: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }. فيجازي كلا منكم بعمله، من خير وشر.