Verse. 3321 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُوْرُہُمْ وَمَا يُعْلِنُوْنَ۝۶۹
Warabbuka yaAAlamu ma tukinnu sudooruhum wama yuAAlinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وربك يعلم ما تكن صدورهم» تُسِرُّ قلوبهم من الكفر وغيره. «وما يعلنون» بألسنتهم من ذلك.

69

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } تُسرُّ قلوبهم من الكفر وغيره {وَمَا يُعْلِنُونَ } بألسنتهم من ذلك.

ابن عطية

تفسير : ذكر تعالى في هذه الآيات أموراً يشهد عقل كل مفطور بأن الأصنام لا شركة لها فيها، فمنها علم ما في النفوس وما يجيش بالخواطر، و {تكن} معناه تستر، وقرأ ابن محيص "تَكُن" بفتح التاء وضم الكاف، وعبر عن القلب بـ"الصدر" من حيث كان محتوياً عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى يعلم السر والإعلان، ثم أفرد نفسه بالألوهية ونفاها عن سواه، وأخبر أن الحمد له في الدنيا والآخرة إذ له الصفات التي تقتضي ذلك، و {الحكم} في هذا الموضع القضاء والفصل في الأمور، ثم أخبر بالرجعة إليه والحشر، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم على أمر الليل والنهار وما منح الله فيهما من المصالح والمرافق وأن يوقفهم على إيجاده تعالى بتقليب الليل والنهار، وأنه لو مد أحدهما {سرمداً} لما وجد من يأتي بالآخر، و"السرمد" من الأشياء الدائم الذي لا ينقطع، وقرأت فرقة هي الجمهور "بضياء" بالياء، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل "بضئاء" بهمزتين وضعفه أبو علي، ثم ذكر عز وجل انقسام الليل والنهار على السكون وابتغاء الفضل بالمشي والتصرف وهذا هو الغالب في أمر الليل والنهار، فعدد النعمة بالأغلب وإن وجد من يسكن بالنهار ويبتغي فضل الله بالليل فالشاذ النادر لا يعتد به، وقال بعض الناس: قوله تعالى {جعل لكم الليل والنهار} إنما عبر به عن الزمان لم يقصد لتقسيم، أي في هذا الوقت الذي هو ليل ونهار يقع السكون وابتغاء الفضل، وقوله {ولعلكم} أي على نظر البشر من يرى هذا التلطف والرفق يرى أن ذلك يستدعي الشكر ولا بد.

النسفي

تفسير : {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ } تضمر {صُدُورُهُمْ } من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسده {وَمَا يُعْلِنُونَ } من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة {وَهُوَ ٱللَّهُ } وهو المستأثر بالإلهية المختص بها {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تقرير لذلك كقولك «القبلة الكعبة لا قبلة إلا هي». {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأولَىٰ } الدنيا {وَٱلآخِرَةِ } هو قولهم {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } تفسير : [فاطر: 34] {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } تفسير : [الزمر: 74] {أية : وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.تفسير : [الزمر: 75] والتحميد ثمة على وجه اللذة لا الكلفة {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ } القضاء بين عباده {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالبعث والنشور. وبفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب. {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أريتم محذوف الهمزة: علي { إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً} هو مفعول ثان لـــــ {جعل} أي دائماً من السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحرم «ثلاثة سرد وواحد فرد» والميم مزيدة ووزنه فعمل {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } والمعنى أخبروني من يقدر على هذا

ابو السعود

تفسير : {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} كعداوة رسولِ للها صلى الله عليه وسلم وحقدِه {وَمَا يُعْلِنُونَ} كالطَّعنِ فيه {وَهُوَ ٱللَّهُ} أي المستحقُّ للعبادة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} لا أحدَ يستحقُّها إلا هو {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ} لأنَّه المولى للنِّعم كلِّها عاجلِها وآجلِها على الخلق كافةً يحمَده المؤمنون في الآخرةِ كما حمِدُوه في الدُّنيا بقولِهم: الحمدُ لله الذي أذهبَ عنَّا الحزنَ الحمدُ لله الذي صدقنا وعدَه ابتهاجاً بفضلِه والتذاذاً بحمدِه {وَلَهُ ٱلْحُكْمُ} أي القضاءُ النَّافذُ في كلِّ شيءٍ من غيرِ مشاركةٍ فيه لغيرِه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بالبعثِ لا إلى غيرِه. {قُلْ} تقريراً لما ذُكر {أَرَءيْتُمْ} أي أخبرونِي {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً} دائماً من السَّرد وهو المتابعةُ والاطِّرادِ والميمُ مزيدةٌ كما في دلامص من الدِّلاص يقال: درع دلاصٌ أي ملساءُ لينةٌ {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بإسكانِ الشَّمس تحت الأرضِ أو تحريكها حول الأُفقِ الغائر {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} صفةٌ لإلٰه {يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء} صفةٌ أخرى لها عليها يدورُ أمرُ التبكيتِ والإلزامِ كما في قوله تعالى:{أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ}تفسير : [سورة يونس: الآية 31] وقوله تعالى: {أية : فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ}تفسير : [سورة الملك: الآية 30] ونظائرِهما خلا أنَّه قُصدَ بـيانُ انتفاءِ الموصوفِ بانتفاءِ الصِّفة ولم يُقَل: هل إلٰه الخ لإيرادِ التَّبكيت والإلزامِ على زعمِهم. وقُرىء بضئاءٍ بهمزتينِ {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} هذا الكلامَ الحقَّ سماعَ تدبُّرٍ واستبصارٍ حتَّى تُذعنوا له وتعملوا بموجبِه. {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بإسكانِها في وسطِ السَّماء أو بتحريكِها على مدارٍ فوقَ الأُفق {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} استراحةً من متاعبِ الأشغالِ، ولعلَّ تجريدَ الضَّياءِ عن ذكرِ منافعِه لكونِه مقصوداً بذاتِه ظاهرَ الاستتباعِ لِما نيطَ به من المنافعِ {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} هذه المنفعةَ الظَّاهرةَ التي لا تَخْفى على مَن له بصرٌ. {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي في الليلِ {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} في النَّهارِ بأنواعِ المكاسبِ {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولكي تشكرُوا نعمتَه تعالى فعلَ ما فعلَ أو لكي تعرفُوا نعمتَه تعالى وتشكروه عليها.

القشيري

تفسير : ولِمَ لا وقد قال: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]؟ فالعِلْمُ - الذي لا يَعْزُبُ عنه معلومٌ - نعتُ من لم يَزَلْ، والإبداع من العَدَمِ إلى الوجود ينفرِّدُ بالقدرة عليه لم يَزَلْ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وربك يعلم ما تكن صدورهم} اى تضمر قلوبهم وتخفى كعداوة الرسول وحقد المؤمنين يقال اكننت الشىء اذا اخفيته فى نفسك وكننته اذا سترته فى بيت او ثوب او غير ذلك من الاجسام {ومايعلنون} بأسلنتهم وجوارحهم كالطعن فى النبوة وتكذيب القرآن: والاعلان [آشكارا كردن]

الجنابذي

تفسير : {وَرَبُّكَ} لا غيره {يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} قد تكرّر فيما مضى انّ مكنونات الصّدور تصدق على الارادات والعزمات والخيالات والخطرات ولكن المكنونات حقيقة هى القوى المكمونة فى النّفوس الّتى لم يطّلع عليها صاحبوها ولم يعلم بها الاّ الله والاّ من كان من الله، وامّا ما كان من قبيل الخطرات والخيالات فهو معلن لصاحبه وللملائكة الموكّلة به وهذه الجملة عطف فى معنى التّعليل فانّ اختيار الخيرة لا يتأتّى الاّ ممّن يعلم القوى المكمونة الّتى لا ظهور لها لا لصاحبها ولا لغيره.

اطفيش

تفسير : {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ} أي تخفي. {صُدُورُهُمْ} من كفر ومعاص وغير ذلك وعداوة الرسل وحقده. {وَمَا يُعْلِنُونَ} يظهرون بألسنتهم من طعن في رسول الله وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة وغير ذلك.

اطفيش

تفسير : {وربُّك يعْلم ما تكن صُدُورهم} تخفيه من اعتقاد الباطل، وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المعاصى {وما يعْلنُون} يظهرون من الأفعال والأقوال القبيحة، وقدم ما تكن صدورهم لأنه منبع لما يعلنون، ومتقدم فى الوجود، ولم يقل ما يكنون لمبالغة السوء فى الصدور، فذكر الصدور.

الالوسي

تفسير : {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } أي ما يكنون ويخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة ومن عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك {وَمَا يُعْلِنُونَ } وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة والطعن فيه عليه الصلاة والسلام وغير ذلك، ولعله للمبالغة في خباثة باطنهم لأن ما فيه مبدأ لما يكون في الظاهر من القبائح لم يقل ما يكنون كما قيل: {ما يعلنون}. وقرأ ابن محيصن {تَكُنْ } بفتح التاء وضم الكاف.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : وربك يخلق ما يشاء ويختار}تفسير : [ القصص: 68] أي هو خالقهم ومركبهم على النظام الذي تصدر عنه الأفعال والاعتقادات فيكونون مستعدين لقبول الخير والشر وتغليب أحدهما على الآخر اعتقاداً وعملاً، وهو يعلم ما تخفيه صدورهم، أي نفوسهم وما يعلنونه من أقوالهم وأفعالهم. فضمير {صدورهم} عائد إلى {ما} من قوله {أية : يخلق ما يشاء}تفسير : [القصص: 68] باعتبار معناها، أي ما تكنّ صدور المخلوقات وما يعلنون. وحيث أجريت عليهم ضمائر العقلاء فقد تعين أن المقصود البشر من المخلوقات وهم المقصود من العموم في {أية : ما يشاء}تفسير : [القصص: 68] فبحسب ما يعلم منهم يختارهم ويجازيهم فحصل بهذا إيماء إلى علة الاختيار وإلى الوعد والوعيد. وهذا منتهى الإيجاز. وفي إحضار الجلالة بعنوان {وربك} إيماء إلى أن مما تكنه صدورهم بغض محمد صلى الله عليه وسلم وتقدم {أية : ما تُكِنُّ صدورهم وما يعلنون}تفسير : آخر [النمل: 74]. {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. عطف على جملة {أية : وربك يخلق ما يشاء ويختار}تفسير : [القصص: 68] الآية. والمقصود هو قوله {وله الحكم} وإنما قدم عليه ما هو دليل على أنه المنفرد بالحكم مع إدماج صفات عظمته الذاتية المقتضية افتقار الكل إليه. ولذلك ابتدئت الجملة بضمير الغائب ليعود إلى المتحدث عنه بجميع ما تقدم من قوله {أية : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها}تفسير : [القصص: 58] إلى هنا، أي الموصوف بتلك الصفات العظيمة والفاعل لتلك الأفعال الجليلة. والمذكور بعنوان {أية : ربك}تفسير : [القصص: 69] هو المسمى الله اسماً جامعاً لجميع معاني الكمال. فضمير الغيبة مبتدأ واسم الجلالة خبره، أي فلا تلتبسوا فيه ولا تخطئوا بادعاء ما لا يليق باسمه. وقريب منه قوله {أية : فذلكم الله ربكم الحق}تفسير : [يونس: 32]. وقوله {لا إله إلا هو} خبر ثان عن ضمير الجلالة، وفي هذا الخبر الثاني زيادة تقرير لمدلول الخبر الأول فإن اسم الجلالة اختص بالدلالة على الإله الحق إلا أن المشركين حرفوا أو أثبتوا الإلهية للأصنام مع اعترافهم بأنها إلهية دون إلهية الله تعالى فكان من حق النظر أن يعلم أن لا إله إلا هو، فكان هذا إبطالاً للشرك بعد إبطاله بحكاية تلاشيه عن أهل ملته يوم القيامة بقوله {أية : وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم}تفسير : [القصص: 64]. وأخبر عن اسم الجلالة خبراً ثانياً بقوله {له الحمد في الأولى والآخرة} وهو استدلال على انتفاء إلهية غيره بحجة أن الناس مؤمنهم وكافرهم لا يحمدون في الدنيا إلا الله فلا تسمع أحداً من المشركين يقول: الحمد للعزى، مثلاً. فاللام في {له} للملك، أي لا يملك الحمد غيره، وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص وهو اختصاص حقيقي. وتعريف {الحمد} تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي له كل حمد. و{الأولى} هي الدنيا وتخصيص الحمد به في الدنيا اختصاص لجنس الحمد به لأن حمد غيره مجاز كما تقدم في أول الفاتحة. وأما الحمد في الآخرة فهو ما في قوله {أية : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده}تفسير : [الإسراء: 52]. واختصاص الجنس به في الآخرة حقيقة. وقوله {وله الحكم} اللام فيه أيضاً للملك. والتقديم للاختصاص أيضاً. و{الحكم}: القضاء وهو تعيين نفع أو ضر للغير. وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله {في الأولى والآخرة} عليه، أي له الحكم في الدارين. والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله. وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها في قولهم {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [ يونس: 18] أي في الآخرة إن كان ما زعمتم من البعث. وأما جملة {وإليه ترجعون} فمسوقة مساق التخصيص بعد التعميم، فبعد أن أثبت لله كل حمد وكل حكم، أي أنكم ترجعون إليه في الآخرة فتمجدونه ويُجري عليكم حكمه. والمقصود بهذا إلزامهم بإثبات البعث. وتقديم المجرور في {وإليه ترجعون} للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بالانتهاء إليه أي إلى حكمه.

د. أسعد حومد

تفسير : (69) - واللهُ رَبُّكَ يَا مُحَمَّد هُوَ الذِي يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ الضَّمَائِرُ، وَمَا تَنْطَوي عَليهِ السَّرائِرُ، كَمَا يَعْلَمُ ما تُبدِيهِ الظَّواهِرُ، واختيارُهُ تَعَالى لِمَنِ اختَارَهُمْ للإِيمانِ مَبنِيُّ عَلَى عِلْمٍ منهُ بسَرائِرِ أمُورِهِم وبَواديها، فَيَختَارُ للخَيْرِ أهلهُ وَيُوفِّقُهُمْ لهُ، وَيُولِّي الشَّرَّ أهلَهُ، وَيُخَلِّيهِمْ وَإيَّاهُ. (وَقَدْ يكُونُ المَعْنى: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ عَليمٌ بمَا تُخفِيهِ صُدُورُ المُشرِكينَ مِنْ عَداوَةٍ لَكَ، وَمَا يُعْلِنُونَهُ بألَسِنَتهمْ مِنَ الاعتِراضِ علَى اختيارِكَ للرّسَالةِ). مَا تُكِنَّ صُدُورُهُم - مَا تُضْمِرُهُ مِنَ البَاطِِلِ والعَدَاوَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما تُكنُّ صدورهم أي: السر {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه: 7] والسر: ما تركتَه في نفسك محبوساً، وأسررْتَه عن الخَلْق لا يعرفه إلا أنت، أو السر: ما أسررتَ به إلى الغير، وساعتها لن يبقى سِراً، وإذا ضاق صدرك بأمرك، فصدر غيرك أضيق. وإذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بأن علمه واسع يعلم السر، فهو يعلم الجهر من باب أَوْلَى؛ لأن الجهر يشترك فيه جميع الناس ويعرفونه. أما الأخفى من السر، فلأنه سبحانه يعلم ما تُسِره في نفسك قبل أنْ يوجد في صدرك، وهو وحده الذي يعلم الأشياء قبل أن توجد. ولك أن تسأل: إذا كان من صفاته تعالى أنه يعلم السر وما هو أخفى من السر، فماذا عن الجهر وهو شيء معلوم للجميع؟ وهذه المسألة استوقفتْ بعض المستشرقين وأتباعهم من المسلمين (المنحلين) الذين يجارونهم. وحين نستقرئ آيات القرآن نجد أن الله تعالى سوَّى في علمه تعالى بين السر والجهر، فقال سبحانه: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ..} تفسير : [الرعد: 10]. وقال سبحانه: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [الملك: 13]. والآية التي معنا: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69] وفي هذه الآيات قدّم السر على الجهر، أما في قوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6-7]. وقال سبحانه: {أية : إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110] فقدَّم العلم بالجهر على العلم بالسرِّ، ولا يقدم الجهر إلا إذا كان له ملحظية خفاء عن السر، وهذه الملحظية غفل عنها السطحيون، فأخطأوا في فهم الآية. فأنت مثلاً لو أسررتَ في نفسك شيئاً، فربما ظهر في سقطات لسانك أو على ملامح وجهك، وربما خانك التعبير فدلَّ على ما أسررتْه، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ..} تفسير : [محمد: 30]. إذن: هناك قرائن وعلامات نعرف بها السر، أما الجهر وهو من الجماعة ليس جهراً واحداً؛ لأنه مقابل بالجمع: {أية : إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110] فالمعنى: ويعلم ما تجهرون وما تكتمون. ولك أن تتابع مظاهرة لجمع غفير من الناس، يهتف كل منهم هتافاً، أتستطيع أن تميز بين هذه الهتافات، وأنْ تُرجع كلاً منها إلى صاحبها؟ هذا هو اللغز في الجهر والملحظ الذي فاتهم تدبُّره، لذلك امتن الله علينا بعلمه للجهر من القول الذي لا نعلمه نحن مهما أوتينا من آلات فَرْز الأصوات وتمييزها. لذلك يقولون: لا تستطيع أنْ تُحدِّد جريمة في جمهور من الناس؛ لأن الأصوات والأفعال مختلطة، يستتر كلٌّ منها في الآخر كما يقولون: الفرد بالجمع يُعْصَم. ويقولون: الجماهير ببغائية، كما قال شوقي في مصرع كليوباترا، لما انهزموا في يوم (أكتيوما) وأشاعوا أنهم انتصروا، لكن هذه الحيلة لا تنطلي على العقلاء من القوم، فيقول أحدهم للآخر عن غوغائية الجماهير: شعر : اسْمع الشَّعْبَ دُيُونُ كَيْفَ يُوحُون إليْهِ مَلأ الجوَّ هتافاً بِحيَاتيْ قَاتليْهِ أثَّر البهتانُ فيه وَانْطلى الزُّور عليْه يَا لَهُ مِنْ ببغاء عقلُه في أُذُنَيْه تفسير : إذن: فَعِلْم الجهر هنا مَيْزة تستحق أنْ يمتنَّ الله بها، كما يمتنُّ سبحانه بعلم السر. وقال سبحانه {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ..} [القصص: 69] ليُطمئن رسول الله؛ لأنه سبحانه ربه، والمتولي لتربيته والعناية به، يقول له: لا تحزن مما يقولون، فأنا أعلم سِرَّهم وجهرهم، فإنْ كنتَ لا تعرف ما يقولون فأنا أعرفه، وسوف أخبرك به، ألم يقل سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. فأخبره ربه بما يدور حتى في النفوس، كأنه سبحانه يقول لرسوله: إياك أن تظن أنني سأؤاخذهم بما عرفتَ من أفعالهم فحسب، بل بما لا تعلم مما فعلوه، ليطمئن رسول الله أنه سبحانه يُحصي عليهم كل شيء. ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} معناه تَخفِي.