Verse. 3323 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

قُلْ اَرَءَيْتُمْ اِنْ جَعَلَ اللہُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا اِلٰى يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ مَنْ اِلٰہٌ غَيْرُ اللہِ يَاْتِيْكُمْ بِضِيَاۗءٍ۝۰ۭ اَفَلَا تَسْمَعُوْنَ۝۷۱
Qul araaytum in jaAAala Allahu AAalaykumu allayla sarmadan ila yawmi alqiyamati man ilahun ghayru Allahi yateekum bidiyain afala tasmaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لأهل مكة «أرأيتم» أي أخبروني «إن جعل الله عليكم الليل سرمداً» دائماً «إلى يوم القيامة من إله غير الله» بزعمكم «يأتيكم بضياءٍ» نهار تطلبون فيه المعيشة «أفلا تسمعون» ذلك سماع تفهم فترجعون عن الإشراك.

71

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: { أية : وَهُوَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأُولَىٰ وَٱلأَخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه فقال لرسوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فنبه على أن الوجه في كون الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع فيمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة والسكون بالليل فلا بد منهما والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبين تعالى أنه لا قادر على ذلك إلا الله تعالى، وإنما قال: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر فلما لم ينتفعوا نزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر قال الكلبـي قوله: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك وقوله: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال، قال صاحب «الكشاف» السرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد، فإن قيل هلا قال: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: بليل تسكنون فيه؟ قلنا ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء أفلا تسمعون، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل أفلا تبصرون لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه، ومن رحمته زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضله في الآخر وهو النهار ولأداء الشكر على المنفعتين معاً. واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى به فلهذا خصه به.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} أي دائماً؛ ومنه قول طرفة:شعر : لعمرُك ما أمري عليّ بغُمَّةٍ نهاري ولا ليلي عليّ بسَرْمدِ تفسير : بيّن سبحانه أنه مهد أسباب المعيشة ليقوموا بشكر نعمه. {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} أي بنور تطلبون فيه المعيشة. وقيل: بنهار تبصرون فيه معايشكم وتصلح فيه الثمار والنبات. {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} سماع فهم وقبول. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} أي تستقرّون فيه من النصب. {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} ما أنتم فيه من الخطأ في عبادة غيره؛ فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلمَ تشركون به. {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي فيهما. وقيل: الضمير للزمان وهو الليل والنهار. {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي لتطلبوا من رزقه فيه أي في النهار فحذف. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما، وبيّن أنه لو جعل الليل دائماً عليهم سرمداً إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس، وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ}؟ أي: تبصرون به، وتستأنسون بسببه، {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمداً، أي: دائماً مستمراً إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم {أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ} أي: بكم {جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي: خلق هذا وهذا؛ {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي: في الليل، {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل، استدركه بالنهار، أو بالنهار، استدركه بالليل؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] والآيات في هذا كثيرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لأهل مكة {أَرَءَيْتُمْ } أي أخبروني { إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً} دائما {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ } بزعمكم {يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } نهار تطلبون فيه المعيشة {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } ذلك سماع تفهُّم فترجعون عن الإِشراك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَدا} السرمد: الدائم المستمرّ، من السرد، وهو المتابعة فالميم زائدة، ومنه قول طرفة:شعر : لعمرك ما أمري عليك بغمة نهاري ولا ليلي عليك بسرمد تفسير : وقيل: إن ميمه أصلية، ووزنه فعلل لا مفعل، وهو الظاهر، بيّن لهم سبحانه أنه مهّد لهم أسباب المعيشة ليقوموا بشكر النعمة؛ فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلاً دائماً إلى يوم القيامة لم يتمكنوا من الحركة فيه، وطلب ما لا بدّ لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والملابس. ثم امتنّ عليهم فقال {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء } أي هل لكم إلاه من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم بضياء؟ أي بنور تطلبون فيه المعيشة وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه، وتصلح به ثماركم وتنمو عنده زرائعكم وتعيش فيه دوابكم {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } هذا الكلام سماع فهم وقبول، وتدبر وتفكر. ثم لما فرغ من الامتنان عليهم بوجود النهار امتنّ عليهم بوجود الليل فقال: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي جعل جميع الدهر الذي تعيشون فيه نهاراً إلى يوم القيامة {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } أي تستقرّون فيه من النصب والتعب، وتستريحون مما تزاولون من طلب المعاش والكسب {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } هذه المنفعة العظيمة إبصار متعظ متيقظ؛ حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله، وإذا أقرّوا بأنه لا يقدر على ذلك إلاّ الله عزّ وجلّ فقد لزمتهم الحجة، وبطل ما يتمسكون به من الشبه الساقطة، وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل قوله: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } لأن البصر يدرك ما لا يدركه السمع من ذلك {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } أي في الليل {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي في النهار بالسعي في المكاسب {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي ولكي تشكروا نعمة الله عليكم، وهذه الآية من باب اللف والنشر، كما في قول امرىء القيس:شعر : كأنّ قلوب الطير رطباً ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي تفسير : واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً، وطلب الرزق في الليل ممكناً، وذلك عند طلوع القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشيء بما له نور كالسراج، لكن ذلك قليل نادر مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به. {وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } كرّر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين؛ لأنهم ينادون مرة فيدعون الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون، وفي هذا التكرير أيضاً تقريع بعد تقريع وتوبيخ بعد توبيخ، وقوله: {وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } عطف على ينادي، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقق، والمعنى: وأخرجنا من كل أمة من الأمم شهيداً يشهد عليهم. قال مجاهد: هم الأنبياء، وقيل: عدول كلّ أمة، والأوّل أولى. ومثله قوله سبحانه: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] ثم بين سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله: {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء، فعند ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان، ولذا قال: {فَعَلِمُواْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ } في الإلهية، وأنه وحده لا شريك له {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي غاب عنهم وبطل وذهب ما كانوا يختلقونه من الكذب في الدنيا بأن لله شركاء يستحقون العبادة. ثم عقب سبحانه حديث أهل الضلال بقصة قارون لما اشتملت عليه من بديع القدرة وعجيب الصنع فقال: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } قارون على وزن فاعول اسم أعجمي ممتنع للعجمة والعلمية، وليس بعربيّ مشتق من قرنت. قال الزجاج: لو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عمّ موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو ابن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان عمّ موسى لأب وأم فجعله أخا لعمران، وهما ابنا قاهث. وقيل: ابن خالة موسى ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق السامري وخرج عن طاعة موسى، وهو معنى قوله: {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } أي جاوز الحدّ في التجبر والتكبر عليهم، وخرج عن طاعة موسى وكفر بالله. قال الضحاك: بغيه على بني إسرائيل استخفافه بهم لكثرة ماله، وولده. وقال قتادة: بغيه بنسبته ما آتاه الله من المال إلى نفسه لعلمه، وحيلته. وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، فتعدّى عليهم وظلمهم. وقيل: كان بغيه بغير ذلك مما لا يناسب معنى الآية. {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ} جمع كنز، وهو المال المدّخر. قال عطاء: أصاب كنزاً من كنوز يوسف. وقيل: كان يعمل الكيمياء، و«ما» في قوله: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } موصولة صلتها إنّ وما في حيزها، ولهذا كسرت. ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع جعل المكسورة، وما في حيزها صلة الذي، واستقبح ذلك منهم لوروده في الكتاب العزيز في هذا الموضع. والمفاتح جمع مفتح بالكسر، وهو ما يفتح به، وقيل: المراد بالمفاتح: الخزائن، فيكون واحدها مفتح بفتح الميم. قال الواحدي: إن المفاتح: الخزائن في قول أكثر المفسرين، كقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنعام: 59] قال: وهو اختيار الزجاج، فإنه قال: الأشبه في التفسير أن مفاتحه: خزائن ماله. وقال آخرون: هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب، وهذا قول قتادة ومجاهد {لَتَنُوأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ } هذه الجملة خبر إن وهي واسمها وخبرها صلة ما الموصولة، يقال: ناء بحمله: إذا نهض به مثقلاً، ويقال: ناء بي الحمل: إذا أثقلني، والمعنى: يثقلهم حمل المفاتح. قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، والمعنى: لتنوء بها العصبة، أي تنهض بها. قال أبو زيد: نؤت بالحمل: إذا نهضت به. قال الشاعر:شعر : إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف عبداً إذا ما ناء بالحمل وقف تفسير : وقال الفراء: معنى تنوء بالعصبة: تميلهم بثقلها كما يقال: يذهب بالبؤس، ويُذهِب البؤس وذهبت به، وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به، وأنأته، واختار هذا النحاس، وبه قال كثير من السلف. وقيل: هو مأخوذ من النأي، وهو البعد وهو بعيد. وقرأ بديل بن ميسرة: "لينوء" بالياء، أي لينوء الواحد منها أو المذكور، فحمل على المعنى. والمراد بالعصبة: الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض. قيل: هي من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من العشرة إلى الخمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى العشرين، وقيل: من الخمسة إلى العشرة. وقيل: أربعون. وقيل: سبعون. وقيل: غير ذلك {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ } الظرف منصوب بـ {تنوء}. وقيل: بـ {آتيناه}، وقيل: بـ {بغى}. وردّهما أبو حبان بأن الإيتاء والبغي لم يكونا ذلك الوقت. وقال ابن جرير: هو متعلق بمحذوف، وهو: اذكر، والمراد بقومه هنا: هم المؤمنون من بني إسرائيل. وقال الفراء: هو موسى، وهو جمع أريد به الواحد، ومعنى {لا تفرح}: لا تبطر ولا تأشر {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } البطرين الأشرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قال الزجاج: المعنى لا تفرح بالمال، فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه، وقيل: المعنى: لا تفسد: كقول الشاعر:شعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أفرحتك الودائع تفسير : أي أفسدتك. قال الزجاج: الفرحين، والفارحين سواء. وقال الفراء: معنى الفرحين: الذين هم في حال الفرح، والفارحين: الذين يفرحون في المستقبل. وقال مجاهد: معنى {لا تفرح}: لا تبغ إن الله لا يحبّ الفرحين الباغين. وقيل معناه: لا تبخل إن الله لا يحبّ الباخلين. {وَٱبْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ } أي واطلب فيما أعطاك الله من الأموال الدار الآخرة فأنفقه فيما يرضاه الله لا في التجبر والبغي. وقرىء: "واتبع". {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا }. قال جمهور المفسرين: وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره، وعمله الصالح. قال الزجاج: معناه: لا تنس أن تعمل لآخرتك؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته. وقال الحسن، وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بما أنعم به عليك من نعم الدنيا. وقيل: أطع الله واعبده كما أنعم عليك، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما؛ أن جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» تفسير : . {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ } أي لا تعمل فيها بمعاصي الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ } في الأرض. {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي } قال قارون هذه المقالة ردّاً على من نصحه بما تقدّم، أي إنما أعطيت ما أعطيت من المال لأجل علمي، فقوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ } في محل نصب على الحال، و{عندي} إما ظرف لأوتيته، وإما صلة للعلم. وهذا العلم الذي جعله سبباً لما ناله من الدنيا، قيل: هو علم التوراة. وقيل: علمه بوجوه المكاسب والتجارات. وقيل: معرفة الكنوز والدفائن. وقيل: علم الكيمياء. وقيل: المعنى إن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني. واختار هذا الزجاج وأنكر ما عداه. ثم ردّ الله عليه قوله هذا، فقال: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } المراد بالقرون: الأمم الخالية، ومعنى أكثر جمعاً: أكثر منه جمعاً للمال، ولو كان المال أو القوّة يدلان على فضيلة لما أهلكهم الله. وقيل: القوّة الآلات. والجمع الأعوان. وهذا الكلام خارج مخرج التقريع والتوبيخ لقارون؛ لأنه قد قرأ التوراة، وعلم علم القرون الأولى وإهلاك الله سبحانه لهم {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } أي لا يسألون سؤال استعتاب، كما في قوله: {أية : وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } تفسير : [النحل: 84]، {أية : وَمَا هُم من ٱلْمُعْتَبِينَ } تفسير : [فصلت: 24] وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، كما في قوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة غداً عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون. وقال قتادة: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار. وقيل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } الفاء للعطف على {قال} وما بينهما اعتراض، و{فِي زِينَتِهِ } متعلق بخرج، أو بمحذوف هو حال من فاعل خرج. وقد ذكر المفسرون في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة، والمراد أنه خرج في زينة انبهر لها من رآها، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها كما حكى الله عنهم بقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } وزينتها {ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَـٰرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } أي: نصيب وافر من الدنيا. واختلف في هؤلاء القائلين بهذه المقالة، فقيل: هم من مؤمني ذلك الوقت، وقيل: هم قوم من الكفار. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }، وهم: أحبار بني إسرائيل قالوا للذين تمنوا: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ } أي ثواب الله في الآخرة خير مما تمنونه {لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } فلا تمنوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم {وَلاَ يُلَقَّاهَا } أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار، وقيل: الضمير يعود إلى الأعمال الصالحة. وقيل: إلى الجنة {إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ } على طاعة الله والمصبرون أنفسهم عن الشهوات. {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } يقال: خسف المكان يخسف خسوفاً: ذهب في الأرض، وخسف به الأرض خسفاً، أي غاب به فيها، والمعنى: أن الله سبحانه غيبه وغيب داره في الأرض {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي ما كان له جماعة يدفعون ذلك عنه {وَمَا كَانَ } هو في نفسه {مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ } من الممتنعين مما نزل به من الخسف. {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلاْمْسِ } أي منذ زمان قريب {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي يقول كل واحد منهم متندّماً على ما فرط منه من التمني. قال النحاس: أحسن ما قيل في هذا ما قاله الخليل وسيبويه ويونس والكسائي: أن القوم تنبهوا، فقالوا: وي. والمتندم من العرب يقول في خلال ندمه: وي. قال الجوهري: وي كلمة تعجب، ويقال: ويك، وقد تدخل وي على كأن المخففة، والمشدّدة ويكأن الله. قال الخليل: هي مفصولة تقول: وي، ثم تبتدىء، فيقول كأن. وقال الفراء: هي كلمة تقرير كقولك: أما ترى صنع الله وإحسانه؟ وقيل: هي كلمة تنبيه بمنزلة ألا. وقال قطرب: إنما هو: ويلك فأسقطت لامه، ومنه قول عنترة:شعر : ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : وقال ابن الأعرابي: معنى وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ: أعلم أن الله. وقال القتيبي: معناها بلغة حمير: رحمة، وقيل: هي بمعنى ألم تر؟ وروي عن الكسائي أنه قال: هي كلمة تفجع {لَوْلا أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } برحمته وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر، والبغي، ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك التمني {لَخَسَفَ بِنَا } كما خسف به. قرأ حفص: {لَخَسَفَ } مبنياً للفاعل، وقرأ الباقون مبنياً للمفعول {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي لا يفوزون بمطلب من مطالبهم {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ } أي الجنة، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها، كأنه قال: تلك التي سمعت بخبرها وبلغك شأنها {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ } أي: رفعة وتكبراً على المؤمنين {وَلاَ فَسَاداً } أي عملاً بمعاصي الله سبحانه فيها، وذكر العلوّ والفساد منكرين في حيز النفي يدلّ على شمولهما لكلّ ما يطلق عليه أنه علوّ وأنه فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائناً ما كان، وأما العلوّ فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير، والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحقّ، والرئاسة في الدين ولا محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن. {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } وهو أن الله يجازيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إلاّ مثل ما كانوا يعملون، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تقدّم بيان معنى هذه الآية في سورة النمل: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } قال المفسرون: أي أنزل عليك القرآن. وقال الزجاج: فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن، وتقدير الكلام: فرض عليك أحكام القرآن وفرائضه {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } قال جمهور المفسرين: أي إلى مكة. وقال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن: إنّ المعنى: لرادّك إلى يوم القيامة، وهو اختيار الزجاج، يقال: بيني وبينك المعاد، أي يوم القيامة؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء. وقال أبو مالك وأبو صالح: لرادّك إلى معاد: إلى الجنة. وبه قال أبو سعيد الخدري، وروي عن مجاهد. وقيل: {إِلَىٰ مَعَادٍ }: إلى الموت {قُل رَّبّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنك في ضلال، والمراد: من جاء بالهدى هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن هو في ضلال مبين: المشركون، والأولى حمل الآية على العموم، وأن الله سبحانه يعلم حال كلّ طائفة من هاتين الطائفتين، ويجازيها بما تستحقه من خير وشرّ. {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ } أي ما كنت ترجو أنا نرسلك إلى العباد، وننزل عليك القرآن. وقيل: ما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب بردّك إلى معادك، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } منقطع، أي لكن إلقاؤه عليك رحمة من ربك، ويجوز أن يكون متصلاً حملاً على المعنى، كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلاّ لأجل الرحمة من ربك. والأوّل أولى، وبه جزم الكسائي والفرّاء {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ } أي عونا لهم، وفيه تعريض بغيره من الأمة. وقيل: المراد: لا تكوننّ ظهيراً لهم بمداراتهم. {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } أي لا يصدنك يا محمد الكافرون وأقوالهم وكذبهم وأذاهم عن تلاوة آيات الله والعمل بها بعد إذ أنزلها الله إليك وفرضت عليك. قرأ الجمهور بفتح الياء وضم الصاد من صدّه يصدّه. وقرأ عاصم بضم الياء وكسر الصاد، من أصدّه بمعنى صدّه. {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } أي ادع الناس إلى الله، وإلى توحيده، والعمل بفرائضه، واجتناب معاصيه {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } وفيه تعريض بغيره كما تقدّم، لأنه لا يكون من المشركين بحال من الأحوال، وكذلك قوله: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ } فإنه تعريض لغيره. ثم وحد سبحانه نفسه، ووصفها بالبقاء والدوام، فقال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْء } من الأشياء كائناً ما كان {هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } أي إلاّ ذاته. قال الزجاج: وجهه منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان مرفوعاً بمعنى كلّ شيء غير وجهه هالك، كما قال الشاعر:شعر : وكلّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان تفسير : والمعنى كلّ أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. {لَهُ ٱلْحُكْمُ } أي القضاء النافذ يقضي بما شاء، ويحكم بما أراد {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } عند البعث؛ ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، لا إلٰه غيره سبحانه وتعالى. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {سَرْمَداً } قال: دائماً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {وَضَلَّ عَنْهُم } يوم القيامة {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } قال: يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } قال: كان ابن عمه، وكان يتبع العلم حتى جمع علماً فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى، وحسده، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ فقالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها، فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك، قالت: نعم، فجاء قارون إلى موسى فقال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم فقالوا له: ما أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا، وأمرني إذا زنا، وقد أحصن أن يرجم، قالوا: وإن كنت أنت. قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت. قال: أنا؟ فأرسلوا للمرأة، فجاءت، فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى: أنشدك بالله إلاّ ما صدقت. قالت: أما إذا نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرّ موسى ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك، فرفع رأسه، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم فغشيتهم، فأوحى الله: يا موسى سألك عبادي وتضرّعوا إليك فلم تجبهم، وعزّتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } خسف به إلى الأرض السفلى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغرّ محجل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه قال: وجدت في الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن قارون غر محجلة لا يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح كنز. قلت: لم أجد في الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَتَنُوأُ بِٱلْعُصْبَةِ } قال: تثقل. وأخرج ابن المنذر عنه قال: لا يرفعها العصبة من الرجال أولو القوّة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: العصبة: أربعون رجلاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } قال: المرحين، وفي قوله: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } قال: أن تعمل فيها لآخرتك. وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ } في أربعة آلاف بغل. وقد روي عن جماعة من التابعين أقوال في بيان ما خرج به على قومه من الزينة، ولا يصحّ منها شيء مرفوعاً، بل هي من أخبار أهل الكتاب كما عرفناك غير مرّة، ولا أدري كيف إسناد هذا الحديث الذي رفعه ابن مردويه، فمن ظفر بكتابه، فلينظر فيه. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } قال: خسف به إلى الأرض السفلى. وأخرج المحاملي، والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً } قال: «حديث : التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق»تفسير : . وروي نحوه عن مسلم البطين، وابن جريج، وعكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: {لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ } قال: بغياً في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: هو الشرف والعلوّ عند ذوي سلطانهم. وأقول: إن كان ذلك للتقوّي به على الحق، فهو من خصال الخير لا من خصال الشرّ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب قال: إن الرجل ليحبّ أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية: {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً } قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذه الرواية عن عليّ رضي الله عنه: وهذا محمول على من أحبّ ذلك لا لمجرّد التجمل، فهذا لا بأس به. فقد ثبت: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحبّ أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسنة. أفمن الكبر ذلك؟ قال: « حديث : لا، إن الله جميل يحبّ الجمال»تفسير : . وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ بن أبي طالب: أنه قال: نزلت هذه الآية، يعني {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ } إلخ في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: لما دخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادة، فجلس على الأرض، فقال: أشهد أنك لا تبغي علوًّا في الأرض، ولا فساداً فأسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. وأخرج أيضاً ابن مردويه عن عليّ بن الحسين بن واقد: أن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ } الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة حين خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس في قوله: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } قال: إلى مكة. زاد ابن مردويه كما أخرجك منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } قال: الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } قال: معاده: الجنة، وفي لفظ: معاده آخرته. وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن عليّ بن أبي طالب قال: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ }: الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: لما نزلت: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 26] قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزلت: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [آل عمران: 185] قالت الملائكة: هلك كلّ نفس، فلما نزلت: {كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } قالت الملائكة: هلك أهل السماء والأرض. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } قال: إلاّ ما أريد به وجهه.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَنَزَعْنَا مِن كُلَّ أُمَّةٍ شَهِيداً} فيه وجهان: أحدهما: أخرجنا من كل أمة رسولاً مبعوثاً إليها. الثاني: أحضرنا من كل أمة رسولاً يشهد عليها أن قد بلغ رسالة ربه إليها، قاله قتادة. {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: حجتكم، قاله أبو العالية. الثاني: بينتكم، قاله قتادة. {فَعَلِمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العدل لله،قاله ابن جبير. الثاني: التوحيد لله، قاله السدي. الثالث: الحجة لله. {وَضَلَّ عَنْهُم} يعني في القيامة. {مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} في الدنيا من الكذب.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {عندي أولم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل. الباقون بالإسكان {ويكأن} {ويكأنه} الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب {ويك} الوقف على الكاف و {ويكأنه} موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة. الباقون كلاهما موصلان {لخسف} على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص {ربي أعلم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. الوقوف: {بضياء} ط {تسمعون} ه {فيه} ط {تبصرون} ه {تشكرون} ه {تزعمون} ه {يفترون} ه {عليهم} ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام {القوّة} ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ {تنوء} فلا وقف {الفرحين} ه {في الأرض} ط {المفسدين} ه {عندي} ط {جمعاً} ط {المجرمون} ه {في زينته} ط لعدم العاطف واختلاف القائل. {قارون} لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ {عظيم} ه {صالحاً} ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم {الصابرون} ه {من دون الله} ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار {المنتصرون} ه {ويقدر} ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول {لخسف بنا} ط {الكافرون} ه {ولا فساداً} ط {للمتقين} ه {منها} ج لعطف جملة الشرط {يعملون} ه {معاد} ط {مبين} ه {للكافرين} ه ز للآية مع العطف {المشركين} ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة {آخر} ه {لا إله إلا هو} ط {وجهه} ط {ترجعون} ه. التفسير: لما بين سبحانه حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس. والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ {سرمداً}، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً. قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: {بليل تسكنون فيه} لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء {أفلا تسمعون} لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل {أفلا تبصرون} لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. قال الكلبي: {أفلا تسمعون} معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك. وقوله {أفلا تبصرون} معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال. وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل. وإنما ختم الاية الأولى بقوله {أفلا تسمعون} بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله {أفلا تبصرون} بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة. ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً. وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به. وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته. وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟ فيكون ذلك زيادة في غمهم. ومعنى {ونزعنا} وأخرجنا {من كل أمة شهيداً} قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً. وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه تعالى عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. {فقلنا} للأمة {هاتوا برهانكم} فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول {فعلموا} حينئذ {أن الحق لله} ورسوله وغاب {عنهم ما كانوا يفترون} من الباطل والزور. ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون. وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف. والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة. قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى. وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري. وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟ وفي قوله {فبغى عليهم} وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء. وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر. ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر. الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟ قال موسى: هكذا حكم الله. قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر. واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله {وآتيناه من الكنوز} سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟ فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها. والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة. فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد. وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح. أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد. وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن. فالصواب أن يفسر قوله {لتنوء} أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : [الأنعام: 59] والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي. وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق. وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه. و{لا تفرح} كقوله {أية : ولا تفرحوا بما آتاكم} تفسير : [الحديد: 23] وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها. قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله} من المال والثروة {الدار الآخرة} يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله {ولا تنسَ نصيبك من الدنيا} ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة. وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور. وفي قوله {كما أحسن الله إليك} إشارة إلى قوله تعالى {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم}تفسير : [إبراهيم: 7] وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة. و{الفساد في الأرض} المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي. وهذا القائل موسى عليه السلام أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ. وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً {إنما آوتيته على علم عندي} قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك. وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً. وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات. وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له تعالى بحالي وباستئهالي لذلك. وقوله {عندي} الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله تعالى بقوله {أولم يعلم} الآية. قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟ ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال {على علم عندي} وبخه الله تعالى أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى. ووجه اتصال قوله {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات. وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة {فخرج على قومه في زينته} عن الحسن: في الحمرة والصفرة. وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة. وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر. قال الراغبون في الحياة العاجلة {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم} والحظ الجد والبخت. عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير. وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 22] {وقال الذين أوتوا العلم} بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء {ويلكم} وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله {ولا يلقاها} عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} أو إلى الصواب بمعنى المثوبة. أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة {إلا الصابرون} على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ. فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب. فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه. فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك. فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين. ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط. ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه. ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم. فأوحى الله إلى موسى ما أفظك! استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً. قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد. ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله. ومعنى {من المنتصرين} من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله {وأصبح الذين تمنوا مكانه} أي منزلته من الدنيا وأسبابها {بالأمس} أي بالزمان المتقدم {يقولون} راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته {ويكأن الله} من قرأ {وي} مفصولة عن {كأن} وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا {كأنه لا يفلح الكافرون} أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: شعر : ويكأن من يكن له نشب يحـ ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر تفسير : وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون. حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى {وي} واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف. قال في الكشاف قوله {تلك} تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها. قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة. وفي قوله {لا يريدون} دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله {أية : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}تفسير : [هود: 113] حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته. ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله تعالى {أية : إن فرعون علا في الأرض} تفسير : [القصص: 4] وقال في قصة قارون {ولا تبغ الفساد في الأرض} وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية {والعاقبة للمتقين} قوله {من جاء بالحسنة} الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل". وقوله {فلا يجزى الذين عملوا السيئات} من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم. ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال {إن الذي فرض عليك القرآن} أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه {لرادّك إلى معاد} وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف. وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية. فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة. وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه. وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته. وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال {قل} لأهل الشرك {ربي أعلم} يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته. ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة} قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك. ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته. ثم إن مرجع الكل إليه فقال {كل شيء هالك إلا وجهه} فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً. استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله {أية : أكلها دائم}تفسير : [الرعد: 35] وعورض بقوله {أية : اعدّت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133] و{أية : أعدت للكافرين}تفسير : [آل عمران: 131] ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار. وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق. ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم. التأويل: {أرايتم إن جعل الله عليكم} ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية {سرمداً} {من إله غير الله يأتيكم بضياء} نهار الوصل والتجلي {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم} نهار الوصل بطلوع شمس التجلي {سرمداً} {من إله غير الله يأتيكم بليل} سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي {ومن رحمته جعل لكم} ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : إنه ليغان على قلبي" تفسير : وقال لعائشة: كلميني يا حميراء. وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب. وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان {ونزعنا من كل أمة} من أرباب النفوس {شهيداً} هو القلب الحاضر {فقلنا هاتوا برهانكم} وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله {إن قارون} النفس {كان من قوم موسى} القلب لأن الله تعالى جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة {وآتيناه من الكنوز} المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة {في زينته} هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} وهم صفات النفس. {وقال الذين أوتوا العلم} وهو صفات الروح {فخسفنا به} الأرض دركات السفل {وبداره} وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد {نجعلها للذين لا يريدون} كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً. عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" تفسير : {إن الذي فرض} أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن {لرادّك إلى معاد} هو مقام الفناء في الله والبقاء به {قل ربي أعلم من جاء بالهدى} وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي {إلا رحمة من ربك} أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} الآية، لما بيَّن بقوله {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً}، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ" أخبروني يا أهل مكة {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} دائماً {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} لا نهار معه {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} بنهار تطلبون فيه المعيشة "أَفَلاَ تَسْمَعُون" سماع فهم وقبول؟ قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في "اللَّيْل" وأعمل الثاني ومفعول "أَرَأَيْتُمْ" هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة: شعر : 4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ تفسير : والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِص، وزُرْقُم، من الدلاص والزُّرقة. قوله: "إلَى يَوْمِ" متعلق بـ "يَجْعَلَ" أو بـ "سَرْمَداً" أو بمحذوف على أنه صفة لـ "سَرْمَداً" وإنما قال: "أَفَلاَ تَسْمَعُونَ"، "أَفَلاَ تُبْصِرُونَ"، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: "أَفَلاَ تَسْمَعُونَ" سماع فهم "أَفَلاَ تُبْصِرُونَ" ما أنتم عليه من الخطأ والضلال. وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّفون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء "أَفَلاَ تَسْمَعُونَ" لأنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل "أَفَلاَ تُبْصِرُونَ" لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. قوله: "لِتَسْكُنُوا فِيهِ" أي في الليل {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه: شعر : 4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي تفسير : قوله: "لَعَلَّكُمْ تَشْكرون" أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: "وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ" كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ. قوله: "وَنَزَعْنَا" أخرجنا {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ}تفسير : [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} حجتكم بأن معي شريكاً "فَعَلِمُوا" حينئذ "أَنَّ الحَقَّ" التوحيد "لِلَّهِ"، "وَضَلَّ عَنْهُمْ" غاب عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الباطل والكذب.

البقاعي

تفسير : ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام وأنه الإله وحده إن وحدوا أو الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام، أقام دليلاً دالاًّ على ذلك كله بما اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة، منبهاً على وجوب حمده مفصلاً لبعض ما يحمد عليه، فقال مقدماً الليل لأن آيته عدمية، وهي أسبق: {قل} لمن ربما عاندوا في ذلك، منكراً عليهم ملزماً لهم، وعبر بالجمع لأنه أدل على الإلزام، أعظم في الإفحام، فقال: {أرءيتم} أي أخبروني {إن جعل الله} أي الملك الأعلى نظراً إلى مقام العظمة والجلال {عليكم الليل} الذي به اعتدال حر النهار {سرمداً} أي دائماً، وقال: {إلى يوم القيامة} تنبيهاً على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار {من إله غير الله} العظيم الشأن الذي لا كفوء له. ولما كان النور نعمة في نفسه، ويعرف به خالقه، صرح به وطوى أثره فقال: {يأتيكم بضياء} أي يولد نهاراً تنتشرون فيه، ولقوة إعلامه بالقدرة وتعريفه بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء، ولما كان الليل محل السكون ومجمع الحواس، فهو أمكن للسمع وأنفذ للفكر، قال تعالى: {أفلا تسمعون*} أي ما يقال لكم إصغاء وتدبر، كما يكون لمن هو في الليل فينتفع بسمعه من أولي العقل {قل أرءيتم إن جعل الله} أي الذي له الأمر كله بجلاله وباهر كماله {عليكم النهار} الذي توازن حرارته رطوبة الليل فيتم بهما صلاح النبات، وغير ذلك من جميع المقدرات {سرمداً} أي دائماً، من السرد، وهو المتابعة بزيادة الميم مبالغة فيه {إلى يوم القيامة} أي الذي لا يسمع عاقلاً إنكاره {من إله غير الله} الجليل الذي ليس له مثيل، وهو على كل شيء وكيل. ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه، وكان بعد الضياء في غاية التعريف بموحده، عدل عن اسمه فقال معبراً لمثل ما مضى: {يأتيكم بليل} أي ينشأ من ظلام؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال: {تسكنون فيه} فالآية من الاحتباك: ذكر الضياء أولاً دليلاً على حذف الظلام ثانياً، والليل والسكون ثانياً دليلاً على حذف النهار والانتشار أولاً. ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال: {أفلا تبصرون*} أي بالبصر والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام، عن وجوه الضياء الغر الكرام، ثم تتقنع بسواد أردية الحياء، وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة: قال المبرد: سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار. ولما كان التقدير: فمن حكمته جعل لكم السمع والأبصار، لتتدبروا آياته، وتتبصروا في مصنوعاته، عطف عليه {ومن رحمته} أي التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض {جعل لكم الليل والنهار} آيتين عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم، وادخر معظم رحمته إلى الآخرة، ومحا آية الليل {لتسكنوا فيه} أي فلا تسعوا في معاشكم {و} جعل آية النهار مبصرة {لتبتغوا من فضله} بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً السكون دليلاً على حذف السعي في المعاش ثانياً، والابتغاء ثانياً دليلاً على حذف عدم السعي في المعاش أولاً. ولما ذكر هذه النعمة التي أسبغها من هذه الرحمة، وذكر علة جعله لها على الصفة المذكورة، ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لأنها نتيجة السمع والبصر اللذين، قدم الحث على استعمالهما فقال: {ولعلكم تشكرون*} أي وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلهما من النعم المتوالية المذكورة بالمنعم، وبما دبر لكم رفقاً بكم فيما كفلكم به في دار الأسباب من أمر المعاش والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من الأرباح والمنح بالانتشار والتقلب، وأما الآخرة فلما كانت غير مبينة على الأسباب، وكان الجنة لا تعب فيها بوجه من الوجوه، كان لا حاجة فيها إلى الليل. ولما ذكر ما للمفلح من الرجاء في يوم الجزاء، وأتبعه الإعلام بأن الهداية إلى الفلاح إنما هي به، ودل على ذلك إلى أن ذكر ايام الدنيا المشتملة على الليل والنهار على وجه دال على وحدانيته، معلم بالقدرة على البعث بعد الموت بتكرير إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه وتكرير إماتة الناس بالنوم، ثم نشرهم باليقظة، وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب الفلاح، عاد إلى يوم الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ذلك كله، مقرعاً على الإشراك مع ظهور هذه الدلائل على التوحيد، وعدم شبهة قائمة على الشرك غير محض التقليد، فقال منبهاً على عجزهم عن البرهان عند استحقاق البرهان في يوم التناد، لمحضر من الأشهاد، مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير، والتاطيد للتهليل والتقرير: {ويوم يناديهم} أي هؤلاء الذي يظنون أنهم معجزون {فيقول} بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعاً: {أين شركاءي} وكرر الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلاً فقال: {الذين كنتم} أي بغاية جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة {تزعمون*} بلا شبهة لكم في ذلك عند التحقق أصلاً. ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة أن الشركاء لم يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم، وكان ربما قيل: إن ذلك الشيء عبر العجز، دل هنا على الإشراك لا شبهة دليل فقال صارفاً بقول إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعال {ونزعنا} أي أفردنا بقوة وسطوة {من كل أمة شهيداً} أي وهو رسولهم، فشهد عليهم بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك الإشراك. ولما تسبب عن ذلك سؤالهم عن سندهم في إشراكهم قال: {فقلنا} أي للأمم: {هاتوا برهانكم} أي دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه، وعولتم في شرككم عليه، كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئاً على غير أساس {فعلموا} بسبب هذا السؤال لما اضطروا ففتشوا واجتهدوا فلم يجدوا لهم سنداً أصلاً {أن الحق} أي في الإلهية {لله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا مكافىء له، لا شركة لشيء معه {وضل} أي غاب وبطل غيبة الشيء الضائع {عنهم ما كانوا} أي كوناً هو كالجبلة لهم {يفترون*} أي يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة موجبة للغلط فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إن جعل الله عليكم الليل سرمداً‏} ‏ قال‏:‏ دائماً‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سرمدا‏ً}‏ قال‏:‏ دائماً لا ينقطع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سرمداً إلى يوم القيامة‏} ‏ قال‏:‏ دائماً ‏{‏من إله غير الله يأتيكم بضياء‏} ‏ قال‏. بنهار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه‏}‏ قال‏:‏ في الليل ‏{‏ولتبتغوا من فضله‏} ‏ قال‏:‏ في النهار‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ونزعنا من كل أمة شهيداً‏} ‏ قال‏:‏ رسولاً ‏{‏فقلنا هاتوا برهانكم‏} ‏ قال‏:‏ هاتوا حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ونزعنا من كل أمة شهيداً‏} ‏ قال‏:‏ شهيدها‏:‏ نبيها‏.‏ ليشهد عليها أنه قد بلغ رسالات ربه ‏{‏فقلنا هاتوا برهانكم‏}‏ قال‏:‏ بَيّنَتَكُمْ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وضلّ عنهم‏} ‏ في القيامة ‏{‏ما كانوا يفترون‏}‏ يكذبون في الدنيا‏.‏

القشيري

تفسير : إن دامت ليالي الفترة فَمَنْ الذي يأتي بنهار التوبة غيرُ اللَّهِ؟ وإِنْ دامت ليالي الطَّلَبِ فَمَنْ الذي يأتي بصُبْحِ الوجودِ غيرُ اللَّهِ؟ وإِن دامت ليالي القبض فمن الذي يأتي بصبح البسط غيرُ اللَّهِ؟ وإِن دام ليل الفراق فمن الذي يأتي بصبح الوصالِ غيرُ الله؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} ---- الهجران بظلمة النفس والشيطان والفترة والعصيان من ياتى بنها والوصال وضياء الجمال الا الله سبحانه اذ انوار تحكم الوصلة واستقام شمس المشاهدة فى وسط فلك العناية على قلب العارف الصادق من ياتي بليل الفقدان وظلمة الغفلة والنسيان.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يامحمد لاهل مكة {أرأيتم} اى اخبرونى فان الرؤية سبب للاخبار {ان جعل عليكم سرمدا} دائما لا نهار معه من السرد وهو المتابعة والاطراد والميم مزيدة وقدم ذكر الليل على ذكر النهار لان ذهاب الليل بطلوع الشمس اكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل كذا فى برهان القرآن {الى يوم القيامة} باسكان الشمس تحت الارض او تحريكها حول الافق الغائر {من اله غير الله} صفة لاله: يعنى [كيست خداى بجز خداى بحق كه از روى كما قدرت] {يأتيكم بضياء} صفة له اخرى عليها يدور أمر التبكيت والالزام قصد انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة ولم يقل هل اله لايراد الالزام على زعمهم ان غيره آلهة والباء للتعدية: والمعنى بالفارسية [بيارد براى شما روشنى يعنى روز روشن كه درآن بطلب معاش اشتغال كنيد] {أفلا تسمعون} هذا الكلام الحق سماع تدبر واستبصار حتى تنقادوا له وتعلموا بموجبه فتوحدوا الله تعالى وختم الآية به بناء على الليل لا على الضياء. وقال بعضهم قرن بالضياء السمع لان السمع يدرك مالا يدركه البصر يعنى استفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (سرمداً): مفعول ثان لجعل، وهو من السرد، أي: التتابع، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سرد وواحد فرد، والميم زائدة، فوزنه: فعْمَل. يقول الحق جل جلاله: {قل أرأيتم}؛ أخبروني {إن جعل الله عليكم الليلَ سرمداً}؛ دائماً؛ بإسكان الشمس تحت الأرض، أو بتحريكها حول الأفق الخارج عن كورة الأرض، أو بإخفاء نورها، {مَنْ إلهٌ غيرُ اللهِ يأتيكم بضياءٍ}، وحقه: هل إله غير الله، وعبّر بـ "مَن" على زعمهم أن غيره آلهة، أي: هل يقدر أحد على هذا؟ {أفلا تسمعون} سماع تدبر واستبصار؟. {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهارَ سرمداً إلي يوم القيامة} بإسكانها في وسط السماء، أو: بتحريكها فوق الأفق فقط، {مَنْ إِلهٌ غير الله يأتيكم بليلٍ تسكنون فيه}؛ استراحة من متاعب الأشغال؟ ولم يقل: بنهارتتصرفون فيه، كما قال: {بليل تسكنون فيه}، بل ذكر الضياء، وهو ضوء الشمس؛ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، وليس هو التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس هو بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء. {أفلا تسمعون}؛ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر، من ذكر منافعه، ووصف فوائده، وقرن بالليل {أفلا تُبصرون}؛ لأن غيرك يُبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. {ومن رحمته} تعالى {جَعَلَ لكم الليلَ والنهارَ لتسْكُنُوا فيه}؛ في الليل {ولِتَبْتَغوا من فضله} بالنهار بأنواع المكاسب. وهو من باب اللف والنشر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون معناه: لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من الله فيهما، ويكون المعنى: جعل لكم الزمان ليلاً ونهاراً؛ لتسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله، {ولعلكم تشكرون} أي: ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها. ثم قَرَّعهم على الإشراك، بعد هذا البيان التام، بقوله: {ويومَ يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} وكرر التوبيخ على الشرك، ليؤذن ألاَّ شيء أجلبُ لغضب الله تعالى من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. وقال القرطبي: أعاد هذا؛ لاختلاف الحالين، ينادون مرة، فيدعون الأصنام فلا تستجيب لهم، فيظهر كذبهم. ثم ينادون مرة أخرى فيسكنون، وهو توبيخ وزيادة خزي. ثم طرق كون المناداة من الله، أو ممن يأمره بذلك، لقوله: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 174]، ويحتمل: ولا يكلمهم بعد قوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108] أو: ولا يكلمهم كلام رضا. هـ. {ونزعنا}؛ وأخرجنا {من كل أُمةٍ شهيداً}، وهو نبيهم، يشهد عليهم بما كانوا عليه؛ لأن الأنبياء شهداء على أممهم، {فقلنا} للأمم: {هاتوا برهانكم} على صحة ما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول، {فعلموا} حينئذٍ {إن الحق لله} في الألوهية، لا يشاركه فيها غيره، {وضل عنهم}؛ غاب غيبة الشيء الضائع {ما كانوا يَفترون} من ألوهية غير الله وشفاعة أصنامهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: دوام ليل القبض يمحق البشرية، ودوام نهار البسط يُطغي النفس، وتخالفهما على المريد رحمة، وإخراجه عنهما عناية، وفي الحكم: "بسطِك كي لا يتركك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه". وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولاُ، ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط، لأن القبض والبسط يقعان في الوجود وأما مع الفناء والبقاء فلا. هـ. ولما قال الله تعالى: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا}؛ ذكر من متَّعه بها وغرته، فقال: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار الذين عبدوا معي آلهة تنبيهاً لهم على خطئهم {أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً} أي دائماً {إلى يوم القيامة} بلا نهار ولا ضياء {من إله غير الله يأتيكم بضياء} كضياء النهار تبصرون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بأنه لا يقدر على ذلك سوى الله تعالى، فحينئذ يلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة غير الله وهذا تنبيه منه لنبيه صلى الله عليه وآله ولخلقه على وجه الاستدلال على توحيده ويبطل ذلك قول من قال: المعارف ضرورية. لأنه لو كان تعالى معلوماً ضرورة لما احتاج الأمر إلى ذلك، لان كونه معلوماً ضرورة يغني عن الاستدلال عليه، وما لا يعلم ضرورة من أمر الدين، فلا يصح معرفته إلا ببرهان يدل عليه. وقوله {أفلا تسمعون} معناه أفلا تقبلونه وتتفكرون فيه؟ وفى ذلك تبكيت لهم على ترك الفكر فيه، لانهم إذا لم يفكروا فيما يسمعونه من حجج الله فكأنهم ما سمعوه. وقيل في قوله {أفلا تسمعون} قولان: احدهما - افلا تسمعون هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذ كانت بمنزلة الناطقة بأن ما انتم عليه خطأ وضلال يؤدي إلى الهلاك. والثاني - ان معناه أفلا تقبلون. ثم نبههم ايضاً فقال {أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً} أي دائماً {إلى يوم القيامة} بلا ليل تسكنون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بما يدل على فساد معتقدهم، وهو انه لا يقدر على ذلك غير الله، فحينئذ تلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة سواه. وقوله {أفلا تبصرون} معناه أفلا تتفكرون فيما ترونه، لأن من لا يتدبر بما يراه من الحجج والبراهين فكانه لم يرها. وقيل معناه ألا تعلمون ثم قال {ومن رحمته} أي من نعمه عليكم أن {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا} في الليل {ولتبتغوا من فضله} بالنهار بالسعي فيه، ولكي تشكروا هذه النعم التي أنعم بها عليكم، والهاء في قوله {لتسكنوا فيه} يحتمل وجهين: احدهما - ان يعود إلى الليل خاصة، ويضمر مع الابتغاء هاء أخرى، الثاني - ان يعود الضمير اليهما إلا انه وحد، لأنه يجري مجرى المصدر في قولهم: اقبالك وادبارك يؤذيني، والاول أصح، لان الليل للسكون فيه، والنهار للتصرف والحركة، ولكنه يحتمل ليكونوا في هذا على التصرف وفي ذاك على الهدوء وقطع التصرف، وانما كان الفساد في ادامة النهار في دار التكليف، ولم يكن في دار النعيم، لأن دار التكليف لا بد فيها من التعب والنصب الذي يحتاج معه إلى الاستجمام والراحة، وليس كذلك دار النعيم، لانه انما يتصرف فيها بالملاذ. وقوله {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} قد مضى تفسيره، وانما كرر النداء بـ {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} لان النداء الأول للتقرير بالاقرار على اليقين بالغي الذي كانوا عليه ودعوا اليه. والثاني - للتعجيز عن اقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الاشهاد مع تقريع حاصل به بالاشراك بعد تقريع. ثم اخبر تعالى انه نزع {من كل أمة} من الأمم {شهيداً} يشهد على تلك الامة بما كان فيها، ومعنى {نزعنا} أخرجنا وأحضرنا يقال: فلان ينزع إلى وطنه بأن يحن اليه حنيناً يطالبه بالخروج اليه. قال قتادة ومجاهد: شهيدها نبيها الذي يشهد عليها بما فعلوه، وقيل هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة الذين لا يخلو زمان منهم يشهدون على الناس بما عملوا من عصيانهم. وقوله {هاتوا برهانكم} حكاية عما يقول الله تعالى للكفار في الآخرة فانه يقول لهم هاتوا حجتكم على ما ذهبتم اليه {إن كنتم صادقين} ثم اخبر تعالى انهم عند ذلك يعلمون {أن الحق لله} أي ان التوحيد لله والاخلاص في العبادة له دون غيره لان معارفهم. ضرورة {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي بطل ما عبدوه من دون الله، وافتراءهم هو ادعاءهم الالهية مع الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} قد مضى فى سورة الانعام بيان لهذه الكلمة عند قوله تعالى: قل ارأيتكم ان اتاكم عذاب الله {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} دائماً طويلاً {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} لمّا كان المقصود من النّهار الضّياء الّذى به يبصرون ويتعيّشون اتى موضع النّهار بالضّياء {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} ولمّا كان الضّياء بنفسه مطلوباً ونافعاً ويكون طلب المكاسب والمعايش بسبب الانتفاع به لم يأت بوصفٍ للضّياء مثل قرينه.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لأهل مكة. {أَرَأيْتُم} أخبروني. {إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً} دائما من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل وانما زيدت للتأكيد وبزيادتها كان ملحقا بجعفر ومن زيادتها درع دلامص الأصل دلاص اي براق وسرمدا مفعول ثان وعليكم متعلق بجعل او بسرمدا. {إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} لا نهار له بأن يفيء الشمس او يسكنها تحت الارض او يحركها حول الأفق القائم. {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ} من الهتكم التي تعبدون. {يَأْتِيكُم بِضٍيَاءٍ} ضوء الشمس وقرأ ابن كثير في رواية قنبل بضياء بهمزة قبل الالف واخرى بعده وانما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال بليل تسكنون فيه لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل ولان منافع الضوء اكثر من منافع الظلام وليست منفعته تصرف فقط ولذلك قرن بقوله عز وجل. {أَفَلا تَسْمَعُونَ} فان السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده واستفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر والمراد فلا تسمعون ذلك سماع تفهم فترجعون الى التوحيد.

اطفيش

تفسير : {قُل أرأيتم} أصله استفهام ضمن معنى أخبرونى، وجملة {من إله غير الله} مفعوله مغن عن مفعولين، وذلك من باب التعليق بالاستفهام {إن جَعَل اللهُ عليكم} متعلق بجعل {اللَّيل سرمداً} مفعولان لجعل، وميم سرمدا زائدة فى الوسط بوزن فَعمل شاذا قياسا فصيحا استعمالا من السرد، وهو التتابع، كدرع دلامص أى دلاص، أى ملساء، وقياس زيادتها أو كاسم المفعول مطلقا، واسم الفاعل مما فوق الثلاثى، واسم الآلة والمصدر الميمى، واسم المكان واسم الزمان الميمين، ومصدر فاعل بفتح العين، وقيل: أصل فوزنه فعلل، وجوب أن أغنى عنه {أرأيتم من إله غير الله} {إلى يَوْم القيامة} متعلق بسرمدا، أى متتابعا الى يوم القيامة، لا يعقبة نهار بأن يحبس الشمس، ولا يردها إليكم، مع أنها فى الدنيا فى إقليم بعيد عنكم، وليست فى الليل تحت الأرض، إلا إن أريد بتحت الأرض أن ظاهر الأرض أخفاها، وهى أبدا على الأرض، وفى كل وقت ليل ونهار، وضحى ومساء، وسائر الأوقات، والله أعلم. {من إلهٌ غير} نعت إله {الله يأتيكُم بضياءٍ} الجملة نعت ثان، والمعنى لوقضى الله أن يدوم الليل لم بقدر أحد على قطع قضائه بنهار يأتى به، إلا أنه قضى أن لا يكون سرمدا فلا يكون، وكذا فيما بعد، وقال: {من الله} ولم يقل هل يأتيكم إله، لأن المقام لمن يفعل لا لهل يفعل إذ عينوا أشخاصا وادعوها آلهة، واختار الضياء على النهار لأن المقصود من النهار ضوؤه، وبه الانتفاع {أفلا تَسْمعُون} سماع قبول لهذه الدلائل الواضحة.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } تقريراً لما ذكر {أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني، وقرأ الكسائي {أريتم} بحذف الهمزة {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} أي دائماً وهو عند البعض من السرد وهو المتابعة والاطراد والميم مزيدة لدلالة الاشتقاق عليه فوزنه فعمل ونظيره دلامص من الدلاص، يقال: درع دلاص أي ملساء لينة. واختار بعض النحاة أن الميم أصلية فوزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط، ونصبه إما على أنه مفعول ثان لجعل أو على أنه حال من (الليل)، وقوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } إما متعلق بسرمداً أو بجعل؛ وجوز أبو البقاء أيضاً تعلقه بمحذوف وقع صفة لسرمداً وجعله تعالى كذلك بإسكان الشمس تحت الأرض مثلاً. وقوله تعالى: {مَنْ إِلَـهٍ } مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: {غَيْرُ ٱللَّهِ } صفة لإله، وقوله تعالى: {يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء } صفة أخرى له عليها يدور أمر التبكيت والإلزام كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 31] وقوله سبحانه: {أية : فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30] ونظائرهما خلا إنه قصد بيان انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة، ولم / يؤت بهل التي هي لطلب التصديق المناسب بحسب الظاهر للمقام، وأتى بمن التي هي لطلب التعيين المقتضي لأصل الوجود لإيراد التبكيت والإلزام على زعمهم فإنه أبلغ كما لا يخفى، وجملة {مِنْ إِلَـهٍ } الخ قال أبو حيان: في موضع المفعول الثاني لأرأيتم وجعل (الليل) مما تنازع فيه (أرأيتم) و(جعل) وقال: إنه أعمل فيه الثاني فيكون المفعول الأول للأول محذوفاً، وحيث جعلت تلك الجملة في موضع مفعوله الثاني لا بد من تقدير العائد فيها أي من إله غيره يأتيكم بضياء بدله مثلاً، وجواب (إن) محذوف دل عليه ما قبله، وكذا يقال في الآية بعد، وعن ابن كثير أنه قرأ {بضآء} بهمزتين {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } سماع فهم وقبول الدلائل الباهرة والنصوص المتظاهرة لتعرفوا أن غير الله تعالى لا يقدر على ذلك.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال على انفراده تعالى بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه. ومن أبدع الاستدلال أن اختير للاستدلال على وحدانية الله هذا الصنع العجيب المتكرر كل يوم مرتين، والذي يستوي في إدراكه كل مميز، والذي هو أجلى مظاهر التغير في هذا العالم فهو دليل الحدوث وهو مما يدخل في التكيف به جميع الموجودات في هذا العالم حتى الأصنام فهي تظلم وتسود أجسامها بظلام الليل وتشرق وتضيء بضياء النهار، وكان الاستدلال بتعاقب الضياء والظلمة على الناس أقوى وأوضح من الاستدلال بتكوين أحدهما لو كان دائماً، لأن قدرة خالق الضدين وجاعل أحدهما ينسخ الآخر كل يوم أظهر منها لو لم يخلق إلا أقواهما وأنفعهما، ولأن النعمة بتعاقبهما دوماً أشد من الأنعام بأفضلهما وأنفعهما لأنه لو كان دائماً لكان مسؤوماً ولحصلت منه طائفة من المنافع، وفقدت منافع ضده. فالتنقل في النعم مرغوب فيه ولو كان تنقلاً إلى ما هو دون. وسيق إليهم هذا الاستدلال بأسلوب تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم اهتماماً بهذا التذكير لهذا الاستدلال ولاشتماله على ضدين متعاقبين، حتى لو كانت عقولهم قاصرة عن إدراك دلالة أحد الضدين لكان في الضد الآخر تنبيه لهم، ولو قصروا عن حكمة كل واحد منهما كان في تعاقبهما ما يكفي للاستدلال. وجيء في الشرطين بحرف {إن} لأن الشرط مفروض فرضاً مخالفاً للواقع. وعلم أنه قصد الاستدلال بعبرة خلق النور، فلذلك فرض استمرار الليل، والمقصود ما بعده وهو قوله {من إله غير الله يأتيكم بضياء}. والسرمد: الدائم الذي لا ينقطع. قال في «الكشاف»: من السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحُرم: ثلاثة سرد وواحد فرد. والميم مزيدة ووزنه فعمل، ونظيره دُلامص من الدلاص اهــــ. دُلامص (بضم الدال وكسر الميم) من صفات الدرع وأصلها دِلاص (بدال مكسورة) أي براقة. ونسب إلى صاحب «القاموس» وبعض النحاة أن ميم سرمد أصلية وأن وزنه فعلل. والمراد بجعل الليل سرمداً أن لا يكون الله خلق الشمس ويكون خلق الأرض فكانت الأرض مظلمة. والرؤية قلبية. والاستفهام في {أرأيتم} تقريري، والاستفهام في {من إله غير الله يأتيكم بضياء} إنكاري وهم معترفون بهذا الانتفاء وأن خالق الليل والنهار هو الله تعالى لا غيره. والمراد بالغاية في قوله {إلى يوم القيامة} إحاطة أزمنة الدنيا وليس المراد انتهاء جعله سرمداً. والإتيان بالضياء وبالليل مستعار للإيجاد؛ شبه إيجاد الشيء الذي لم يكن موجوداً بالإجاءة بشيء من مكان إلى مكان، ووجه الشبه المثول والظهور. والضياء: النور. وهو في هذا العالم من شعاع الشمس قال تعالى {أية : هو الذي جعل الشمس ضياء}تفسير : . وتقدم في سورة يونس (5). وعُبر بالضياء دون النهار لأن ظلمة الليل قد تخف قليلاً بنور القمر فكان ذكر الضياء إيماء إلى ذلك. وفي تعدية فعل {يأتيكم} في الموضعين إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى أن إيجاد الضياء وإيجاد الليل نعمة على الناس. وهذا إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال على الانفراد بالإلهية. وإذ قد استمر المشركون على عبادة الأصنام بعد سطوع هذا الدليل وقد علموا أن الأصنام لا تقدر على إيجاد الضياء جعلوا كأنهم لا يسمعون هذه الآيات التي أقامت الحجة الواضحة على فساد معتقدهم، ففرع على تلك الحجة الاستفهام الإنكاري عن انتفاء سماعهم بقوله {أفلا تسمعون} أي أفلا تسمعون الكلام المشتمل على التذكير بأن الله هو خالق الليل والضياء ومنه هذه الآية. وليس قوله {أفلا تسمعون} تذييلاً. وكرر الأمر بالقول في مقام التقرير لأن التقرير يناسبه التكرير مثل مقام التوبيخ ومقام التهويل. وعُكس الاستدلال الثاني بفرض أن يكون النهار وهو انتشار نور الشمس، سرمداً بأن خلق الله الأرض غير كروية الشكل بحيث يكون شعاع الشمس منتشراً على جميع سطح الأرض دوماً. ووصف الليل بــــ {تسكنون فيه} إدماج للمنة في أثناء الاستدلال للتذكير بالنعمة المشتملة على نعم كثيرة وتلك هي نعمة السكون فيه فإنها تشمل لذة الراحة، ولذة الخلاص من الحر، ولذة استعادة نشاط المجموع العصبي الذي به التفكير والعمل، ولذة الأمن من العدوّ. ولم يوصف الضياء بشيء لكثرة منافعه واختلاف أنواعها. وتفرع على هذا الاستدلال أيضاً تنزيلهم منزلة من لا يبصرون الأشياء الدالة على عظيم صنع الله وتفرده بصنعها وهي منهم بمرأى الأعين. وناسب السمع دليل فرض سرمدة الليل لأن الليل لو كان دائماً لم تكن للناس رؤية فإن رؤية الأشياء مشروطة بانتشار شيء من النور على سطح الجسم المرئي، فالظلمة الخالصة لا تُرى فيها المرئيات. ولذلك جيء في جانب فرض دوام الليل بالإنكار على عدم سماعهم، وجيء في جانب فرض دوام النهار بالإنكار على عدم إبصارهم. وليس قوله {أفلا تبصرون} تذييلاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 71- قل - أيها الرسول -: أخبرونى أيها الناس، إن جعل الله عليكم الليل متتابعاً دون نهار إلى يوم القيامة، فهل لكم إله سوى الله يأتيكم بنهار مضئ تقومون فيه بمعاشكم وشئون دنياكم؟ 72- قل - أيها الرسول -: للناس: إن جعل الله عليكم النهار متتابعاً دون ليل إلى يوم القيامة، فهل لكم إله سوى الله يأتيكم بليل تستريحون فيه من عمل النهار؟ ليس لكم ذلك، فلماذا لا تبصرون آيات الله فتؤمنوا وتهتدوا؟ 73- ومن رحمة الله بخلقه أن خلق لهم الليل والنهار وجعلهما متعاقبين، ليستريحوا فى الليل، وليسعوا على رزقهم ومنافعهم فى النهار، وليُدركوا فضل الله عليهم فيشكروه. 74- واذكر كذلك - أيها الرسول - يوم ينادَى المشركون من جانب الله تعالى نداء توبيخ، فيقال لهم: أين الشركاء الذين زعمتموهم آلهة ينصرونكم أو شفعاء يشفعون لكم؟!

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أرأيتم: أي أخبروني. سرمداً: أي دائماً، ليلاً واحداً متصلاً لا يعقبه نهار. بضياء: أي ضوء كضوء النهار. بليل تسكنون فيه: أي تنامون فتسكن جوارحكم فتستريح من تعب الحياة. لتسكنوا فيه: أي في الليل. ولتبتغوا من فضله: أي تطلبوا الرزق من فضل الله في النهار. ولعلكم تشكرون: أي كي تشكروا ربكم بطاعته كالصلاة والصيام والصدقة. ونزعنا من كل أمة شهيداً: أي أحضرنا من كل أمة من يشهد عليها وهو نبيها عليه السلام. فقلنا هاتوا برهانكم: أي حججكم على صحة الشرك الذي أنذرتكم رسلنا عواقبه فما قبلتم النذارة ولا البشارة. فعلموا أن الحق لله: أي تبين لهم أن العبادة والدين الحق لله لا لسواه. وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي وغاب عنهم ما كانوا يكذبونه من الأقوال الباطلة التي كانوا يردون بها على الرسل عليهم السلام. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد وهو حول أنداد لله تعالى من مخلوقاته فقال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قل لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وهو خالقهم ورازقهم ومدبر أمر حياتهم {أَرَأَيْتُمْ} أي أخبروني {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} أي دائماً ليلاً واحداً متصلاً لا يعقبه نهار {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أخبروني هل هناك {إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} كضياء النهار، والجواب لا أحد وإذاً فكيف تشركون به اصناماً. {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} ما يقال لكم. وقل لهم أيضاً {أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً} أي دائماً متصلاً لا يخلفه ليل أبداً {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} إلى إنقراض هذا الكون وانتهاء هذه الحياة وقيام الناس لربهم من قبورهم يوم القيامة {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} أي أيُّ إله غير الله {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} فتخلدون إلى الراحة بالنوم والسكون وعدم الحركة فيه، وإذا قلتم لا أحد يأتينا بليل نسكن فيه إذاً فما لكم لا تبصرون هذه الآيات ولا تسمعون ما تحمله من الأدلة والحجج القواطع القاضية بأنه لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه. وقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} إذ ليس واجباً عليه ذلك وإنما هو فضل منه ورحمة فالليل تسكنون فيه والنهار تتحركون فتبتغون رزقكم من فضل الله، وبذلك تهيؤون للشكر إذا أكلتم أو شربتم أو ركبتم أو نزلتم قلتم الحمد لله، والحمد لله رأس الشكر، كما أن الليل والنهار ظرف للعبادة التي هي الشكر، فالعبادات لا تقع إلا في الليل والنهار، فالصيام في النهار والقيام بالليل والصلاة والصدقات فيهما. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي اذكر يا رسولنا لهم تنبيهاً وتعليماً يوم يناديهم الرب تبارك وتعالى فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنهم شركاء لي فعبدتموهم، وهل يرجى أن يجيبوا لا، لا، وإنما هذا السؤال ونظائره هو سؤال تبكيت وتأنيب وتوبيخ وهو نوع من العذاب النفسي الذي هو أشد من العذاب الجسمي. وقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي وأذكر لهم هذا الموقف من مواقف القيامة الصعبة {وَنَزَعْنَا} أي أحضرنا {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يشهد عليها وهو نبيها، ويشهد الرسول أنه بلغ ونصح وأنذر، ويقال لهم: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} على صحة ما كنتم تعبدون وتدعون. قال تعالى: {فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ} أي تبين لهم أن الحق لله أي أن الدين الحق لله فهو المستحق لتأليه المؤلهين وطاعة المطيعين وقربات المتقربين لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إشارة علمية إلى أن السماع يكون مع السكون وقلة الضجيج، وأن الإِبصار يكون مع الضوء، ولا يتم مع الظلام بحال من الأحوال. 2- البرهنة القوية على وجوب توحيد الله إذ لا رب يدبر الكون سواه. 3- كون النهار والليل ظرفان للسكون وطلب العيش هما من رحمة الله تعالى أمر يقتضي شكر الله تعالى بحمده والاعتراف بنعمته وطاعته بصرف النعمة فيما يرضيه ولا يسخطه. 4- بيان أهوال القيامة، بذكر بعض المواقف الصعبة فيها. 5- إذا كان يوم القيامة بطل كل كذب وقول ولم يبق إلا قول الحق والصدق.

القطان

تفسير : أرأيتم: أخبرِوني. سرمدا: دائما. تسكنون فيه: تستقرون فيه من متاعب الأعمال. ونزعنا: أخرجنا. شهيدا: شاهدا. وضلّ: غاب. في هذه الآيات الكريمة تنبيهٌ للناس الى حقيقةٍ يجب ان يعوها، وهي ان الله تعالى لو خلق الأرضَ بحيث يكون ليلُها دائماً او نهارُها دائما لكان في ذلك حَرَجٌ على الخلق ولتَعَذّرت الحياة عليها. وليس غير الله تعالى مَن يستطيع ان ينعم علينا بالنهار والليل، لنسكنَ ونستريح بالليل من عناء العمل، وننشط في النهار لنبتغي فيه الرزق. وما أقسى الحياةَ لو كانت عملاً بلا راحة.... لذلك يجب ان نشكره تعالى على هذه النعم الجزيلة. فاذكر ايها الرسول يوم ينادي اللهُ المشركين ويقول لهم: أين الشركاء الذين عبدتموهم من دوني؟ فلا يجيبون. ويوم القيامة يُحضر الله من كل أمةٍ شاهداً هو نبيُّها يشهد عليهم بالحق، ثم يطلب الله منهم بعد ذلك حجتهم {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} فيعجزون عن الجواب {فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ويكذبون على ربهم في الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} {ٱلْلَّيْلَ} {ٱلْقِيَامَةِ} (71) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالى عَلَى خَلْقِهِ بِمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ اللَّيلِ والنَّهَارِ، لِيَكْسبوا مَعايِشَهُمْ في النَّهارِ، ولِيسْكُنُوا في اللّيلِ، ويَرتَاحُوا. ولوْ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ اللَّيْلَ دَائِماً عَلَيهِمْ مُتَتَابِعاً (سَرْمَداً) إِلى يَومِ القِيَامَةِ، لأَضَرَّ ذَلكَ بِهِمْ، ولَسَئِمَتْهُ النُّفُوسُ، وَلاَ يَستَطيعُ أَحَدٌ مِنَ الأَندَادِ والأَصْنَامِ، الذِينَ يَدْعُوهم المُشرِكُونَ، أنْ يأتِيَهُمْ بِضياءٍ يُبصِرُونَ فيهِ، وَيَسْتأَنِسُونَ بمَا يَرَوْنَهُ، أفلا يَسمعُونَ هذا الذِي يُقَالُ لَهُمْ وَيَتَدَبَّرُونَهُ؟ أَرَأيْتُمْ - أَخْبِرُوني. سَرْمَداً - دَائِماً مُطَّرِداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يُعدِّد الحق - تبارك وتعالى - نعمه على عبيده في شيئين يتعلقان بحركة الحياة وسكونها، فالحركة تأتي بالخير للناس، والسكون يأتي بالراحة للمتعَب من الحركة، والإنسان بطبيعته لا يستطيع أنْ يعطي ويتعب إلا بعد راحة، والذي يتحدَّى هذه الطبيعة فيسهر الليل ويعمل بالنهار لا بُدَّ أنْ ينقطع، وأن تُنهَك قواه فلا يستمر. لذلك يقول تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4]. فكلٌّ من الليل والنهار له مهمة، وكذلك الرجل والمرأة، فإياكم أنْ تخلطوا هذه المهام، وإلا فسدت الحياة وأتعبتكم الأحداث، فقبل الكهرباء ودخول (التليفزيون والفيديو) المنازل كان يومنا يبدأ في نشاط مع صلاة الفجر، لأننا كنا ننام بعد صلاة العشاء، أما الآن فالحال كما ترى، كنا نستقبل يومنا بحركة سليمة نشطة؛ لأننا نستقبل الليل بسكون سليم وهدوء تام. والحق سبحانه في معرض تعداد نعمه علينا يقول {أَرَأَيْتُمْ ..} [القصص: 71] يعني: أخبروني ماذا تفعلون {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ..} [القصص: 71] يعني: طوال حياتكم {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ..} [القصص: 71] والسرمد: الدائم المستمر. وقال {بِضِيَآءٍ ..} [القصص: 71] ولم يقل بنور؛ لأن النور قد يأتي من النجوم، وقد يأتي من القمر، أمّا الضياء وهو نور وأشعة وحرارة، فلا يأتي إلا من الشمس. لذلك يقول سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ..} تفسير : [يونس: 5]. وقال: {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ..} [القصص: 71] ولم يقُلْ: مَنْ يأتيكم بضياء ليلفت نظرنا إلى أن هذه المسألة لا يقدر عليها إلا إله، ولا إله إلا الله، وفي الضياء تبصرون الأشياء، وتسيرون على هُدىً، فتؤدون حركات حياتكم دون اصطدام أو اضطراب، وبالضياء أعايش الأشياء في سلامة لي ولها، وإلاَّ لو سرْنا في الظلام لتحطمنا أو حطّمنا ما حولنا؛ لأنك حين تسير في الظلام إمّا أنْ تحطم ما هو أقل منك، أو يحطمك ما هو أقوى منك. وكما يكون الضياء في الماديات يكون كذلك له دور في المعنويات، وضياء المعنويات القيم التي تحكم حركة الحياة وتعدلها، وتحميك أنْ تُحطِّم مَنْ هو أضعف منك، أو أنْ يُحطمك الأقوى منك؛ لذلك كان منطقياً أن يقول تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..} تفسير : [الأحزاب: 43]. والمراد: من ظلمات المعاني إلى نور القيم، لا ظلمات المادة لأنني لا أستغني عنه لراحتي، فله مهمة عندي لا تقلّ عن مهمة النور لذلك يقول تعالى في وصفه لنوره عز وجل {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} تفسير : [النور: 35]. نور مادي تُبصرون به الأشياء من حولكم، فلا تتخبطون بها، فتسلَم حركتكم، وهذا النور المادي يشترك فيه المؤمن والكافر، وينتفع به المطيع والعاصي، فلم يضِنّ به على أحد من خَلْقه، أما النور المعنوي نور الهداية ونور اليقين والقيم، فهذا يرسله الله على يدَيْ رسُله، فإذا أخذ المؤمن النورين انتفع بهما في الدنيا، وامتد نفعه بهما إلى يوم القيامة؛ لذلك قال بعدها: {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [النور: 35]. ولأن الآية الكريمة بدأت بقُلْ، فمن المناسب أنْ تختم بقوله تعالى: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] يعني: اسمعوا ما أقول لكم وتدبروه. ثم يمتنُّ الله تعالى بالآية المقابلة لليل، وهي آية النهار: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ..} [القصص: 72] يعني: دائم لا نهاية له {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72]. تلحظ أن هاتين الآيتين على نَسَق واحد، لكن تذييلهما مختلف، مما يدلُّ على بلاغة وإعجاز القرآن، فلكلِّ معنىً ما يناسبه، ففي آية الليل قال {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] وفي آية النهار قال: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] ذلك لأن العين لا عملَ لها في الليل إنما للأذن، فأنت تسمع دون أنْ ترى، وبالأذن يتمُّ الاستدعاء. أما في النهار وفي وجود الضوء، فالعمل للعين حيث تبصر، فهو إذن ختام حكيم للآيات يضع المعنى فيما يناسبه. ثم يُجمل الله تعالى هاتين الآيتين في قوله سبحانه: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أنه هو الخالق المختار، وسفَّه المشركين في عبادتهم لغير الله، عقَّبه بذكر بعض الأدلة والبراهين الدالة على عظمته وسلطانه، تذكيراً للعباد بوجوب شكر المنعم، ثم ذكر قصة "قارون" وهي قصة الطغيان بالمال، وما كان من نهايته المشئومة حيث خسف الله به وبكنوزه الأرض، وهذه هي نتيجة الاستعلاء والغرور والطغيان. اللغَة: {سَرْمَداً} السرمد: الدائم الذي لا ينقطع ومنه قول طرفه: شعر : لعمرك ما أمري عليَّ بغمةٍ نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمد تفسير : {مَفَاتِحَهُ} جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وأما المفتاح فجمعه مفاتيح. {تَنُوءُ} ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله قال ذو الرمَّة: شعر : تنوء بأُخراها فلأْياً قيامها وتمشي الهُوينى عن قريبٍ فتبهر تفسير : {ٱلْعُصْبَةِ} الجماعة الكثيرة ومثلها العصابة ومنه قوله تعالى {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} تفسير : [يوسف: 8] سميت الجماعة عُصبة لأن بعضهم يتعصب لبعض ويتقوى به {وَيْكَأَنَّ} قال الجوهري: "ويْ" كلمةُ تعجب وقد تدخل على "كأن" فتقول: ويكأنَّ، وقيل إنها كلمة تستعمل عند التنبه للخطأ وإظهار الندم قال الخليل، إن القوم تنبهوا وقالوا نادمين على ما سلف منهم وَيْ {ظَهيراً} معيناً ومساعداً. التفسِير: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من كفار مكة: أخبروني لو جعل الله عليكم الليل دائماً مستمراً بلا انقطاع إلى يوم القيامة {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ}؟ أي من هو الإِله الذي يقدر على أن يأتيكم بالنور الذي تستضيئون به في حياتكم غيرُ الله تعالى؟ {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} أي أفلا تسمعون سماع فهمٍ وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى؟ {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي أخبروني لو جعل الله عليكم النهار دائماً مستمراً بلا انقطاع {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} أي من هو الإِله القادر على أن يأتيكم بليلٍ تستريحون فيه من الحركة والنصب غير الله تعالى؟ {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} أي أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال؟ ثم نبه تعالى إلى كمال رحمته بالعباد فقال {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} أي ومن آثار قدرته، ومظاهر رحمته أن خلق لكم الليل والنهار يتعاقبان بدقةٍ وإحكام {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي لتستريحوا بالليل من نصب الحياة وهمومها وأكدارها، ولتلتمسوا من رزقه بالمعاش والكسب في النهار {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولتشكروا ربكم على نعمه الجليلة التي لا تُحصى، ومنها نعمةُ الليل والنهار قال الإِمام الفخر: نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولولا الراحة والسكون بالليل، فلا بدَّ منهما في الدنيا، وأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} قال ابن كثير: هذا نداءٌ ثانٍ على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب على رءوس الأشهاد: أين شركائي الذين زعمتموهم في الدنيا؟ {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي أخرجنا من كل أمةٍ شهيداً منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيُّهم {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، هذا إعذار لهم وتوبيخٌ وتعجيز {فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ} أي فعلموا حينئذٍ أن الحقَّ لله ولرسله، وأنه لا إله إلا هو {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ما كانوا يتخرصونه في الدنيا من الشركاء والأنداد، ثم ذكر تعالى قصة "قارون" ونتيجة الغرور والطغيان فقال {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} أي من عشيرته وجماعته قال ابن عباس: كان ابن عم موسى {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} أي تجبر وتكبر على قومه، واستعلى عليهم بسبب ما منحه الله من الكنوز والأموال قال الطبري: أي تجاوز حدَّه في الكبر والتجبر عليهم {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} أي أعطيناه من الأموال الوفيرة، والكنوز الكثيرة ما يثقل على الجماعة أصحاب القوة حمل مفاتيح خزائنه لكثرتها وثقلها فضلاً عن حمل الخزائن والأموال والآية تصويرٌ لما كان عليه قارون من كثرة المال والغنى والثراء {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ} أي لا تأشر ولا تبطر {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} أي لا يحب البطرين الذين لا يشكرون الله على إنعامه، ويتكبرون بأموالهم على عباد الله {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي اطلب فيما أعطاك الله من الأموال رضى الله، وذلك بفعل الحسنات والصدقات والإِنفاق من الطاعات {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} قال الحسن: أي لا تضيّع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إيّاه {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي أحسن إلى عبادِ الله كما أحسن الله إليك {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} أي لا تطلب بهذا المال البغي والتطاول على الناس، والإِفساد في الأرض بالمعاصي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لا يحب من كان مجرماً باغياً مفسداً في الأرض {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} لمَّا وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم والتكبر عن قبول الموعظة والمعنى: إنما أُعطيت هذا المال على علمٍ عندي بوجوه المكاسب، ولولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي واستحقاقي له ما أعطاني هذا المال! قال تعالى رداً عليه {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} أي أولم يعلم هذا الأحمق المغرور أنَّ الله قد أهلك من قبله من الأمم الخالية من هو أقوى منه بدناً وأكثر مالاً؟! قال البيضاوي: والآية تعجبٌ وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة، وسمعه من حفاظ التواريخ {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالمٌ بكل شيء، ولا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤالهم بل متى حقَّ عليهم العذاب أهلكهم بغتة، ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بنصيحة قومه، بل تمادى في غطرسته وغيِّه فقال تعالى {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} أي فخرج قارون على قومه في أظهر زينةٍ وأكملها قال المفسرون: خرج ذات يوم في زينةٍ عظيمة بأتباعه الكثيرين، ركباناً متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيولٍ موشحةٍ بالذهب، ومعها الجواري والغلمان في موكبٍ حافلٍ باهر {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} أي فلما رآه ضعفاء الإِيمان ممن تخدعهم الدنيا ببريقها وزخرفها وزينتها قالوا: يا ليت لنا مثل هذا الثراء والغنى الذي أُعطيه قارون {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي ذو نصيب وافرٍ من الدنيا {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي وقال لهم العقلاء من أهل العلم والفهم والاستقامة {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي ارتدعوا وانزجروا عن مثل هذا الكلام فإن جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين خيرٌ مما ترون وتتمنَّون من حال قارون قال الزمخشري: أصل {وَيْلَكُ} الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع، والبعث على ترك ما لا يرتضى {وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} أي ولا يُعطى هذه المرتبة والمنزلة في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله قال تعالى تنبيهاً لنهايته المشئومة {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} أي جعلنا الأرض تغور به وبكنوزه، جزاءً على عتوه وبطره {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ما كان له أحد من الأنصار والأعوان يدفعون عنه عذاب الله {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي وما كان المنتصرين بنفسه بل كان من الهالكين {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} أي وصار الذين تمنوا منزلتُه وغناه بالأمس القريب بعد أن شاهدوا ما نزل به من الخسف {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} أي يقولون ندماً وأسفاً على ما صدر منهم من التمني: اعجبوا أيها القوم من صنع الله، كيف أن الله يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده - بحسب مشيئته وحكمته - لا لكرامته عليه، ويضيّق الرزق على من يشاء - لحكمته وقضائه ابتلاءً - لا لهوانه عليه!! قال الزمخشري: {وَيْكَأَنَّ} كلمتان "وَيْ" مفصولة عن "كأنَّ" وهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم، ومعناه أن القوم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم منزلة قارون وتندموا وقالوا {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} أل لولا أنَّ الله لطف بنا، وتفضَّل علينا بالإِيمان والرحمة، ولم يعطنا ما تمنيناه {لَخَسَفَ بِنَا} أي لكان مصيرنا مصير قارون، وخسف بنا الأرض كما خسفها به {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ} أي أعجبُ من فعل الله حيث لا ينجح ولا يفوز بالسعادة الكافرون لا في ادنيا، ولا في الآخرة.. وإلى هنا تنتهي "قصة قارون" وهي قصة الطغيان بالمال، بعد أن ذكر تعالى قصة الطغيان بالجاه والسلطان في قصة فرعون وموسى، ثم يأتي التعقيب المباشر في قوله تعالى {تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} الإِشارة للتفخيم والتعظيم أي تلك الدار العالية الرفيعة التي سمعت خبرها، وبلغك وصفها هي دار النعيم الخالد السرمدي، التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نجعلها للمتقين الذين لا يريدون التكبر والطغيان، ولا الظلم والعدوان في هذه الحياة الدنيا {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي العاقبة المحمودة للذين يخشون الله ويراقبونه، ويبتغون رضوانه ويحذرون عقابه {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ من الحسنات فإن الله يضاعفها له أضعافاً كثيرة {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ومن جاء يوم القيامة بالسيئات فلا يجزى إلا بمثلها، وهذا من فضل الله على عباده أنه يضاعف لهم الحسنات ولا يضاعف لهم السيئات {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} أي إن الذي أنزل عليك يا محمد القرآن وفرض عليك العمل به {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي لرادُّك إلى مكة كما أخرجك منها، وهذا وعدٌ من الله بفتح مكة ورجوعه عليه السلام إليها بعد أن هاجر منها قال ابن عباس: معناه لرادك إلى مكة، وقال الضحال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجُحْفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه هذه الآية {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ربي أعلم بالمهتدي والضال هل أنا أو أنتم؟ فهو جلَّ وعلا الذي يعلم المحسن من المسيء، ويجازي كلاً بعمله، وهو جواب لقول كفار مكة: إنك يا محمد في ضلالٍ مبين {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي وما كنت تطمع أن تنال النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتابُ ولكن رحمك الله بذلك ورحم العباد ببعثتك قال الفراء: وهذا استثناء منقطع والمعنىإلا أنّ ربك رحمك فأنزله عليك {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي لا تكن عوناً لهم على دينهم، ومساعداً لهم على ضلالهم، بالمداراة والمجاملة ولكن نابذهم وخالفهم قال المفسرون: دعا المشركون الرسول إلى دين آبائه، فأُمر بالتحرز منهم وأن يصدع بالحق، والخطابُ بهذا وأمثاله له عليه السلام، والمراد أمته لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} أي ولا تلتفت إلى هؤلاء المشركين، ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع ما أنزل الله إليك من الآيات البينات {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي وادع الناس إلى توحيد ربك وعبادته {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي بمسايرتهم على أهوائهم، فإن من رضي بطريقتهم كان منهم {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تعبد إلهاً سوى الله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحقٍ إلا الله تعالى قال البيضاوي: وهذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} أي كل شيء يفنى وتبقى ذاتُه المقدسة، أطلق الوجه وأراد ذات الله جلَّ وعلا قال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي، الحيُّ القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبَّر بالوجه عن الذات كقوله {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26-27] {لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي له القضاء النافذ في الخلق، وإليه مرجعهم جميعاً يوم المعاد لا إلى أحدٍ سواه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التبكيت والتوبيخ {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ}؟ ومثله {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ}؟. 2- اللَّف والنشر المرتب {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} جمع الليل والنهار ثم قال {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} فأعاد السكن إلى الليل، والابتغاء لطلب الرزق إلى النهار، ويسمى هذا عند علماء البديع اللف والنشر المرتب، لأن الأول عاد على الأول، والثاني عاد على الثاني وهو من المحسنات البديعية. 3- جناس الاشتقاق {لاَ تَفْرَحْ.. ٱلْفَرِحِينَ} ومثله {ٱلْفَسَادَ.. ٱلْمُفْسِدِينَ}. 4- تأكيد الجملة بـ {إِنَّ} و (اللام) {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} لأن السامع شاك ومتردّد. 5- الكناية {تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} كنَّى عن الزمن الماضي القريب بلفظ الأمس. 6- الطباق {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ.. وَيَقْدِرُ}. 7- المقابلة اللطيفة {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى..} الآية. 8- المجاز المرسل {إِلاَّ وَجْهَهُ} أطلق الجزء وأراد الكل أي ذاته المقدسة ففيه مجاز مرسل. لطيفَة: قال بعض العلماء: من لم تشبعه القناعة لم يكفه ملك قارون وأنشدوا: شعر : هي القناعة لا تبغي بها بدلاً فيها النعيم وفيها راحةُ البدن انظر لم ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن؟

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً} معناه دائمٌ لاَنهَارَ فيهِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى معظم ما أنعم على عباده من تجدد الملوين، وتعاقب الجديدين امتناناً لهم، وحثاً على مواظبة شكره ومداومة ذكره، والتذكر بإحسانه وإنعامه، وتعريضاً للمشركين، فقال آمراً لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} أي أكمل الرسل للناس الناسين توالي نعمنا المترادفة مستفهماً إياهم، مسخبراً منهم على سبيل التنبيه والتذكير: {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني أيها المغمورون بنعمي {إِن جَعَلَ ٱللَّهُ} المحول للأحوال، المدبر لجميع التدابير {عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ} المظلم {سَرْمَداً} ممتداً مستمراً بلا تخلل ضوء بينه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ} قادر على إيجاد الضوء في خلال الظلمة {غَيْرُ ٱللَّهِ} على زعمكم الفاسد {يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} تفوزون إلى أمور معاشكم بسببها {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] أمثال هذه التذكيرات ولا تفهمون معناها، ولا تستكشفون عن الحكم والمصالح المدرجة فيها أيها المجبولون على الفهم والاستكشاف؟!. ثمَّ قال سبحانه: {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ} المصلح لجميع حالاتكم {عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ} المضيء {سَرْمَداً} مستمراً دائماً بلا لحوق ما يضاده {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والربوبية {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} وتستريحون من تعبكم اللاحق من أشغالكم {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] آلاء الله الفائضة عليكم على التعاقب التوالي؛ لإصلاح أحوالكم ليلاً ونهاراً؛ حتى تواظبوا على شكرها، وتداوموا لأداء حقها سراً وجهاراً؟!. {وَمِن} كمال {رَّحْمَتِهِ} ووفور مرحمته {جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} متجددين متعاقبين {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي: في الليل، وتستريحوا عما عرض عليكم في النهار من المتاعب والمشاق {وَلِتَبتَغُواْ} وتطلبوا {مِن فَضْلِهِ} وسعة جوده في النهار {وَ} إنما أفاض علكيم كل ذلك {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73] نعمه سبحانه؛ كي تفوزوا إلى ما أعد لكم من موائد كرمه، ولا تشركوا معه شيئاً من مظاهره ومصنوعاته، ولا تنظروا إلى الوسائل والأسباب العادية، ولا تنسبوا الأفعال الحادثة في الآفاق على غيره سبحانه، بل نزهوه عن مطلق المشاركة والمماثلة، وقدسوه عن جميع ما لا يليق بشأنه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الليل والنهار أنهما من نعمته وآثار رحمته بقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ} والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [القصص: 71] يُشير إلى ليل الفراق عند استعلاء ظلمة البشرية أن جعله عليكم سرمداً ولا نهاراً للوصال له إلى يوم القيامة {مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} [القصص: 71] يخرجكم من ليل الفراق إلى نهار الوصال، وفيه إشارة أخرى وهي أن تعلم أن ليل الفراق ونهار الوصال بإيتاء الحق ليس لغيره تصرف فيهما هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} بسمع الحقيقة لتشكروا الله الذي ينعم عليكم بذهاب ليل الفراق وإيتاء نهار الوصال. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ} [القصص: 72] نهار الوصال بطلوع شمس التجلي {سَرْمَداً} لا ليل له {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ} [القصص: 72] ستر {تَسْكُنُونَ فِيهِ} من وعثاء سطوة التجلي وتستريحون فيه من نصب تحمل أعباء الوحي لما غلب كان يقول لعائشة رضي الله عنها: "حديث : كلميني يا حميراء" تفسير : وذلك لتخرجه من سطوات الشمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب وليس هذا الستر من قبيل الحجاب، فإن الستر يكون عقيب التجلي وهو محاب الرحمة والمحبة لا حجاب الرحمة والمحبة، وذلك من جملة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم محمياً به إذ كان يقول: "حديث : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة" تفسير : به يخبر عن الستر والتجلي وذلك من غاية اللطف والرحمة والحجاب ما يكون العبد محجوباً عن الحق تعالى وذلك من غاية القهر والعزة. كما قال تعالى في المقهورين: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15] وبقوله تعالى: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} يشير إلى أنكم لا تنظرون ببصر البصيرة أن الجبل لم يستقر مكانه عند سطوة صفة الربوبية وجعله دكاً وخر موسى مع قوة نبوته صعقاً، وذلك التجلي في أقل مقدار طرفة عين، فلم دام كيف يعيش الإنسان الضعيف، وهذا كما أن فلك الشمس تدور في بعض المواضع وجوباً لا غروب للشمس فيه فنهاره من شدته فلا يعيش الحيوان فيه، ولا ينبت النبات فيه من قوة حرارة الشمس فيه، وكذلك يدور فلك الشمس في بعض المواقع بعكس هذا تحت الأرض ليس للشمس طلوع فليله سرمدي لا يعيش الحيوان أيضاً فيه ولا ينبت النبات، فلهذا المعنى قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} [القصص: 73] أي: ليل الستر ونهار التجلي {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} في ليل الستر لتستريحوا وتسكنوا بسكون حاشتكم {وَلِتَبتَغُواْ} في نهار التجلي {مِن فَضْلِهِ} أي: فضل وصاله وفيه معنى آخر أن تسكنوا إلى الوصال في نهار التجلي نظيره قوله: {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189] ولتبتغوا من فضله فضل وصاله في ليل الستر متطلعين لطلوع شمس التجلي في نهار الوصال {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعمة فإن الشكر موجب الزيادة في النعمة كما قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7] وحقيقة الزيادة وهي الرؤية لقوله {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحسنى هي الجنة والزيادة هي الرؤية" تفسير : فمعنى الآية ولعلكم تشكرون لكي يكون نعيم الدنيا موصلاً بنعيم الآخرة، وذلك تحقيقه قوله: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} تفسير : [البقرة: 201] أي: حسنة الوصال {أية : وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 201] نار الفراق وفائدة تكرار قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 74] أنهم لعلهم تذكرون بخطاب ويوم يناديهم نداء كل ليلة يناديهم هل من داع هل من تائب فيجيبونه ويرجعون إليه. وبقوله: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} [القصص: 75] يشير إلى مقتضى نظر العناية ينزع من كل أمة من أرباب النفوس شهيداً وهو القلب الحاضر في بهض أهل النفوس المتمردة الذين لهم قلوب حاضرة بلا شعور نفوسهم فنظر الله، وبقوله: {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [القصص: 75] يشير إلى أن لتلك القلوب براهين التوحيد بالقوة لا يحصل فيها بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق وتأييد أمره وهو قوله: {هَاتُواْ} عند حصول البراهين القاطعة أن الحق هو حقيقة الإلهية لله تعالى وتعالى له وليس له في ذلك شريك {وَضَلَّ عَنْهُمْ} [القصص: 75] أي زال وبطل عن القلوب {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [القصص: 75] النفوس المتمردة من الشبهات في إثبات الشركاء لله تعالى، ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} تفسير : [الأعراف: 43].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا امتنان من اللّه على عباده، يدعوهم به إلى شكره، والقيام بعبوديته وحقه، أنه جعل لهم من رحمته النهار ليبتغوا من فضل اللّه، وينتشروا لطلب أرزاقهم ومعايشهم في ضيائه، والليل ليهدأوا فيه ويسكنوا، وتستريح أبدانهم وأنفسهم من تعب التصرف في النهار، فهذا من فضله ورحمته بعباده. فهل أحد يقدر على شيء من ذلك؟ فلو جعل { عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ } مواعظ اللّه وآياته سماع فهم وقبول وانقياد، ولو جعل { عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ } مواقع العبر، ومواضع الآيات، فتستنير بصائركم، وتسلكوا الطريق المستقيم. وقال في الليل { أَفَلا تَسْمَعُونَ } وفي النهار { أَفَلا تُبْصِرُونَ } لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر، وعكسه النهار. وفي هذه الآيات، تنبيه إلى أن العبد ينبغي له أن يتدبر نعم اللّه عليه، ويستبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها، فإنه إذا وازن بين حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة، بخلاف من جرى مع العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرا، ولا يزال. وعمي قلبه عن الثناء على اللّه، بنعمه، ورؤية افتقاره إليها في كل وقت، فإن هذا لا يحدث له فكرة شكر ولا ذكر.