Verse. 3326 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَيَوْمَ يُنَادِيْہِمْ فَيَقُوْلُ اَيْنَ شُرَكَاۗءِيَ الَّذِيْنَ كُنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ۝۷۴
Wayawma yunadeehim fayaqoolu ayna shurakaiya allatheena kuntum tazAAumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «يوم يناديهم فيقول أين شركائيَ الذين كنتم تزعمون» ذكر ثانياً ليبنى عليه.

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما هجن طريقة المشركين، أولاً ثم ذكر التوحيد ودلائله، ثانياً عاد إلى تهجين طريقتهم مرة أخرى وشرح حالهم في الآخرة فقال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي القيامة {فيقول أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } والمعنى أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم، أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله فيكون ذلك زائداً في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول. أما قوله: {وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } فالمراد ميزنا واحداً ليشهد عليهم، ثم قال بعضهم هم الأنبياء يشهدون بأنهم بلغوا القوم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زائداً في غمهم، وقال آخرون بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب لأنه تعالى عم كل أمة وكل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه الأحوال التي لم يوجد فيها النبـي وهي أزمنة الفترات والأزمنة التي حصلت بعد محمد صلى الله عليه وسلم فعلموا حينئذٍ أن الحق لله ولرسله {وَضَلَّ عَنْهُم } غاب عنهم غيبة الشىء الضائع {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الباطل والكذب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أعاد هذا الضمير لاختلاف الحالين، ينادون مرة فيقال لهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} فيدعون الأصنام فلا يستجيبون، فتظهر حيرتهم، ثم ينادون مرة أخرى فيسكتون. وهو توبيخ وزيادة خزي. والمناداة هنا ليست من الله؟ لأن الله تعالى لا يكلم الكفار لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [البقرة: 174] لكنه تعالى يأمر مَن يوبخهم ويبكتهم، ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب. وقيل: يحتمل أن يكون من الله وقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} حين يقال لهم {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] وقال: {شُرَكَائِيَ} لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم. قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي نبياً؛ عن مجاهد. وقيل: هم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا. والأوّل أظهر؛ لقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41] وشهيد كل أمة رسولها الذي يشهد عليها. والشهيد الحاضر. أي أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم. {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي حجتكم. {فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ} أي علموا صدق ما جاءت به الأنبياء. {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي ذهب عنهم وبطل. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة تعبد.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد، فيقول: {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: في دار الدنيا، {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} قال مجاهد: يعني: رسولاً، {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، {فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ} أي: لا إله غيره، فلم ينطقوا ولم يحيروا جواباً، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: ذهبوا فلم ينفعوهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ يُنَٰدِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ذكر ثانياً ليبنى عليه.

ابن عطية

تفسير : التقدير "واذكر يوم يناديهم" وكرر هذا المعنى إبلاغاً وتحذيراً وهذا النداء هو عند ظهور كل ما وعد الرحمن على ألسنة المرسلين من وجوب الرحمة لقوم والعذاب لآخرين من خضوع كل جبار وذلة الكل لعزة رب العالمين. فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار {فيقول} الله تعالى لهم: {أين شركائي} على معنى التقريع، ثم أخبر تعالى أنه يخرج في ذلك اليوم {من كل أمة شهيداً} يميز بينه وبين الناس وهذا هو النزع أن يميز بين شيئين فينتزع أحدهما من الآخرة، وقال مجاهد: أراد بـ "الشهيد" النبي الذي يشهد على أمته وقال الرماني: وقيل أراد عدولاً من الأمم وخياراً. قال الفقيه الإمام القاضي: وهم حملة الحجة الذين لا يخلو منهم زمان، و"الشهيد" على هذا التأويل، اسم الجنس وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر تقديره يشهد على الأمة بخيرها وشرها فيحق العذاب على من شهد عليه بالكفر ويقال لهم على جهة استبراء الحجة والاعذار في المحاورة {هاتوا برهانكم} على حق بأيديكم إن كان لكم، فيسقط حينئذ في أيديهم ويعلمون {أن الحق} متوجه {لله} عليهم في تعذيبهم، وينتلف لهم ما كانوا بسبيله في الدنيا من كذب مختلق وزور في قولهم هذه آلهتنا للأصنام وفي تكذيبهم للرسل وغير ذلك، ومن هذه الآية انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم أبقيت لك حجة.

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} منصوبٌ باذكُر {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تقريعٌ إثرَ تقريعٍ للإشعارِ بأنَّه لا شيء أجلبُ لغضبِ الله عزَّ وجلَّ من الإشراكِ كما لا شيءَ أدخلُ في مرضاتِه من توحيدِه سبحانَه. وقولُه تعالى: {وَنَزَعْنَا} عطفٌ على يُناديهم. وصيغةُ الماضي للدِّلالةِ على التَّحققِ أو حالٌ من فاعله بإضمارِ قد. والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بشأنِ النَّزعِ وتهويلِه أي أخرجنَا {مِن كُلّ أمَّةٍ} من الأممِ {شَهِيداً} نبـياً يشهدُ عليهم بما كانُوا عليه كقولِه تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [سورة النساء: الآية 41]{فَقُلْنَا} لكلِّ أمَّةٍ من تلك الأُمم {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} على صحَّة ما كنتُم تدينون به {فَعَلِمُواْ} يومئذٍ {أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ} في الإلٰهيةِ لا يشاركه فيها أحدٌ {وَضَلَّ عَنْهُم} أي غابَ عنهم غيبةَ الضَّائعِ {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} في الدُّنيا من الباطلِ. {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} كان ابنَ عمِّه يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه السَّلام وموسى عليه السَّلام ابن عمران بن قاهث وقيل: كان موسى عليه السلام ابنَ أخيهِ وكان يسمَّى المنوَّر لحسنِ صورتِه وقيل: كان أقرأَ بني إسرائيلَ للتَّوراة ولكنَّه نافق كما نافقَ السَّامريُّ وقال: إذا كانت النُّبوة لموسى والمذبحُ والقربانُ لهارونَ فما لي. ورُوي أنَّه لما جاوز بهم مُوسى عليه السَّلام البحرَ وصارتِ الرِّسالةُ والحُبورةُ والقُربان لهارونَ وجد قارونُ في نفسِه وحسدَهُما فقال لموسى: الأمرُ لكما ولستُ على شيءٍ إلى متى أصبرُ؟ قال موسى عليه السَّلام: هذا صُنعُ الله تعالى. قال: لا أُصدِّقك حتَّى تأتيَ بآيةٍ، فأمر رؤساءَ بني إسرائيلَ أنْ يجيءَ كلُّ واحدٍ بعصاةٍ فحزمها وألقاها في القبَّة التي كان الوحيُ ينزلُ إليه فيها فكانوا يحرسون عصيَّهم بالليل فأصبحُوا فإذا بعصا هارونَ تهتزُّ ولها ورقٌ أخضرُ فقال قارون: ما هو بأعجبَ ممَّا تصنعُ من السِّحرِ وذلك قولُه تعالى: {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} فطلبَ الفضلَ عليهم وأنْ يكونُوا تحتَ أمرِه أو ظلمَهم، قيل: وذلكَ حينَ ملَّكه فرعونُ على بني إسرائيلَ وقيل: حسدَهم وذلك ما ذُكر منه في حقِّ موسى وهارونَ عليهما السَّلامُ {وآتيناه من الكنوز} أي الأموالِ المُدَّخرةِ {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} أي مفاتحَ صناديقِه وهو جمعُ مِفتح بالكسر وهو ما يُفتح به وقيل: خزانته وقياسُ واحدِها المَفتح بالفتحِ {لتنوء بالعصبة أولي القوة} خبر إن والجملةُ صلةُ ما وهُو ثاني مفعُولَيْ آتَى. وناءَ به الحملُ إذا أثقلَه حتَّى أمالَه والعُصبة والعُصابةُ الجماعةُ الكثيرةُ. وقُرىء لينوءُ بالياءِ على إعطاءِ المضافِ حكمَ المضافِ إليهِ كما مرَّ في قولِه تعالى: {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : [سورة الأعراف: الآية 56] {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} منصوبٌ بتنوءُ وقيل: ببغى ورُدَّ بأنَّ البغيَ ليس مقيَّداً بذلك الوقتِ وقيل: بآتيناهُ ورُدَّ بأنَّ الإيتاءَ أيضاً غيرُ مقيَّدٍ به وقيل: بمضمرٍ فقيل: هو اذكُر وقيل: هو أظهرَ الفرحَ ويجوزُ أنْ يكونَ منصُوباً بما بعدَهُ من قولِه تعالى: {أية : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ} تفسير : وتكون الجملةُ مقررةً لبغيه {لاَ تَفْرَحْ} أي لا تبطرْ والفرحُ في الدُّنيا مذمومٌ مُطلقاً لأنَّه نتيجةُ حبِّها والرِّضا بها والذهولِ عن ذهابِها فإنَّ العلمَ بأن ما فيها من اللذةِ مفارقةٌ لا محالةَ يوجبُ التَّرحَ حتماً ولذلكَ قالَ تعالى: {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ }تفسير : [سورة الحديد: الآية 23] وعُلِّل النهيُ هٰهنا بكونِه مانعاً من محبَّتِه عزَّ وعلاَ فقيلَ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} أي بزخارفِ الدُّنيا.

القشيري

تفسير : كلا... لا حُجَّة لهم، ولا جوابَ يعذرهم، ولا شفيعَ يرحمهم، ولا ناصِرَ يُعِينهم. اشتهرت ضلالتهُم، واتضحت للكافة جهالتهُم؛ فدامَ عذابُ الأبد، وحاقَ بهم وبالُ السَّرْمَد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم يناديهم} منصوب باذكر اى واذكر يامحمد يوم ينادى الله المشركين {فيقول} توبيخا لهم {اين} [كجا اند] {شركائى الذين كنتم تزعمون} انهم لى شركاء وهو تقريع بعد تقريع للاشعار بانه لاشىء اجلب لغضب الله من الاشراك كما لاشىء ادخل فى مرضاة الله من توحيده

الجنابذي

تفسير : لمّا كان المقصود من هذه الآية التّعريض بالامّة واشراكهم بالولاية وكان اصل الدّين والتّوحيد توحيد الولاية واصل الالحاد والكفر والاشراك الكفر والاشراك بالولاية كرّرها بالفاظها وبغير الفاظها.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} كرره اشعار بأنه لا شيء اجلب لغضب الله من الاشراك به كما لا شيء أجلب في مرضات الله من توحيده اللهم كما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك. وقوله {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الخ. أولا: لتقرير فساد رأيهم. وثانيا: لبيان انه لم يكن عن سند وانما كان عن هؤلاء.

اطفيش

تفسير : {ويَوْم يُنادِيهم} مثل ما مر {فيقول أين شركائى الذين كُنتُم تزعُمُون} تكرير للأول لزيادة التذكر، ولا شىء أجلب لغضب الله من الاشراك، كما لا شىء أدخل فى رحمته من توحيده عز وجل أو الأول لبيان فساد رأيهم لقوله: "أية : حق عليهم القول"تفسير : [القصص: 63] والثانى لبيان أن إشراكهم لا سند له، بل مجرد الهوى لقوله: "أية : قل هاتوا برهانكم"تفسير : [البقرة: 111] أو الأول إحضار لشركائهم بعدم الصلوح لقوله تعالى: "أية : ادعوا شركاءكم فدعوهم"تفسير : [القصص: 64] الخ، وهذا تحسير بأنه لا فائدة لهم لقوله عز وجل: "أية : وضل عنهم ما كانوا يفترون" تفسير : [القصص: 75].

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب باذكر. {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تقريع إثر تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده عز وجل، أو أن الأول لبيان فساد رأيهم كما يشير إليه قوله تعالى هناك: {أية : حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ }تفسير : [القصص: 63]، وهذا لبيان أن إشراكهم لم يكن عن سند بل عن محض هوى كما يشير إليه قوله تعالى بعد: {أية : هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ }تفسير : [القصص: 75] أو الأول إحضار للشركاء بعدم الصلوح لقوله سبحانه بعده: {أية : ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ } تفسير : [القصص: 64] وهذا تحسير بأنهم لم يكونوا في شيء من اتخاذهم ألا ترى قوله تعالى: {أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }تفسير : [القصص: 75].

ابن عاشور

تفسير : كررت جملة {يوم يناديهم} مرة ثانية لأن التكرير من مقتضيات مقام التوبيخ فلذلك لم يقل: ويوم ننزع من كل أمة شهيداً، فأعيد ذكر أن الله يناديهم بهذا الاستفهام التقريعي وينزع من كل أمة شهيداً، فظاهر الآية أن ذلك النداء يكرر يوم القيامة. ويحتمل أنه إنما كررت حكايته وأنه نداء واحد يقع عقبه جواب الذين حق عليهم القول من مشركي العرب ويقع نزع شهيد من كل أمة عليهم فهو شامل لمشركي العرب وغيرهم من الأمم. وجيء بفعل المضي في {نزعنا}: إما للدلالة على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع، وإما لأن الواو للحال وهي يعقبها الماضي بــــ (قد) وبدون (قد) أي يوم يكون ذلك النداء وقد أخرجنا من كل أمة شهيداً عليهم وأخرجنا من هؤلاء شهيداً وهو محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {أية : ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء}تفسير : [ النحل:89]. وشهيد كل أمة رسولها. والنزع: جذب شيء من بين ما هو مختلط به واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة كما في قوله تعالى {أية : ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً}تفسير : في سورة مريم (69). وذلك أن الأمم تأتي إلى المحشر تتبع أنبياءها، وهذا المجيء الأول، ثم تأتي الأنبياء مع كل واحد منهم من آمنوا به كما ورد في الحديث «حديث : يأتي النبي معه الرهط والنبي وحده ما معه أحد». تفسير : والتُفت من الغيبة إلى التكلم في {ونزعنا} لإظهار عظمة التكلم، وعطف {فقلنا} على {ونزعنا} لأنه المقصود. والمخاطب بــــ {هاتوا} هم المشركون، أي هاتوا برهانكم على إلهية أصنامكم. و {هاتوا} اسم فعل معناه ناولوا، وهات مبني على الكسر. وقد تقدم في قوله تعالى {أية : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}تفسير : في سورة البقرة (111)، واستعيرت المناولة للإظهار. والأمر مستعمل في التعجيز فهو يقتضي أنهم على الباطل فيما زعموه من الشركاء، ولما علموا عجزهم من إظهار برهان لهم في جعل الشركاء لله أيقنوا أن الحق مستحق لله تعالى، أي علموا علم اليقين أنهم لا حق لهم في إثبات الشركاء وأن الحق لله إذ كان ينهاهم عن الشرك على لسان الرسول في الدنيا، وأن الحق لله إذ ناداهم بأمر التعجيز في قوله {هاتوا برهانكم}. و{ما كانوا يفترون} يشمل ما كانوا يكذبونه من المزاعم في إلهية الأصنام وما كانوا يفترون له الإلهية من الأصنام، كل ذلك كانوا يفترونه. والضلال: أصله عدم الاهتداء إلى الطريق. واستعير هنا لعدم خطور الشيء في البال ولعدم حضوره في المحضر من استعمال اللفظ في مجازيه. و {عنهم} متعلق بفعل {ضل}. والمراد: ضل عن عقولهم وعن مقامهم؛ مثلوا بالمقصود للسائر في طريق حين يخطىء الطريق فلا يبلغ المكان المقصود. وعلق بالضلال ضمير ذواتهم ليشمل ضلال الأمرين فيفيد أنهم لم يجدوا حجة يروجون بها زعمهم إلهية الأصنام، ولم يجدوا الأصنام حاضرة للشفاعة فيهم فوجموا عن الجواب وأيقنوا بالمؤاخذة.

د. أسعد حومد

تفسير : {شُرَكَآئِيَ} (74) - وَيَومَ القِيَامَةِ يُنَادي الرَّبُ تَعَالى المُشرِكينَ عَلَى رُؤوسِ الأشْهَادِ مُوَبِّخاً ومُقَرِّعاً، فَيَقُولُ لَهم: أَينَ الذِين كُنتُم تَزْعُمُونَ في الدَّارِ الدُّنيا أَنَّهُمْ شُرَكَائي، هَلاَّ دَعَوْتُمُوهُمْ لِيُخَلِّصُوكُمْ مِمّا أنتُمْ فيهِ اليَوْمَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تقدمت المناداة قبل ذلك مرتين ومع ذلك لا يوجد تكرار لهذا المعنى؛ لأن كلَّ نداء منها له مقصوده الخاص، فالنداء في الأولى خاص بمَنْ أشركوهم مع الله وما قالوه أمام الله تعالى: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ..} تفسير : [القصص: 63]. أما الثانية، فالنداء فيها للمشركين {أية : مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 65]. أما هنا، فيهتم النداء بمسألة الشهادة عليهم. إذن: فكلمة (أين) و (شركائي) و (الذين كنتم تزعمون) قَدْر مشترك بين الآيات الثلاثة، لكن المطلوب في كل قَدْر غير المطلوب في القَدْر الآخر، فليس في الأمر تكرار، إنما توكيد في الكل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر للمشركين أيضاً يا أكمل الرسل {يَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الحق {فَيَقُولُ} مغاضباً عليهم، مسفهماً على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 74] أيها الحمقى شركاء معي، أحضروهم حتى يظهر الحق، ويقمع الباطل الزاهق الزائل. {وَ} بعدما بهتوا وسكتوا من الجواب {نَزَعْنَا} وأخرجنا {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يشهد عليهم جميع ما صدر عنهم وجرى عليهم في دار الاختبار، والشهيد هو النبي المبعوث إليهم حين انحرافهم عن سبيل الاستقامة {فَقُلْنَا} للأمم بعد نزع شهدائهم: {هَاتُواْ} أيها الضالون {بُرْهَانَكُمْ} أي: مستندكم ودليلكم الذي أنتم تضلون لأجله وتشركون بسببه، وتنحرفون عن جادة العدالة وسبيل السلامة بمتابعة {فَعَلِمُوۤاْ} حنيئذٍ {أَنَّ ٱلْحَقَّ} أي: اللياقة والاستحقاق على العبادة {لِلَّهِ} الحقيق بالحقية، الجدير بالألوهية اللائق بالربوبية، ليس كمثله شيء يُعبد له ويُرجع إليه {وَ} بعدما جاء الحق وزهق الباطل {ضَلَّ} أي: غاب وخفي حنيئذٍ {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [القصص: 75] المعبودية إليه وينسبون الألوهية والربوبية نحوه جهلاً وعناداً، ويدعون اشتراكه مع الله في استحقاق العبادة والرجوع إليه لدى الحاجة. ثمَّ قال سبحانه تذكيراً للمؤمنين وعبرةً لهم عن تفظيع حال من تكبر على الله، وعتا على كليمه، وخرج عن ربقة الإيمان وقلادة الإخلاص معه؛ بسبب ما بسط الله عليه من حطام الدنيا ومن زخرفاها ابتلاءً وفتنةً: {إِنَّ قَارُونَ} المتجبر المتكبر الذي ظهر على الله و على رسوله متفخراً بماله وجاهه {كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} أي: من جملة من آمن له وصدقه، قيل: هو ابن عمته، وقيل: ابن خالته، وكان أميراً بين بين إسرائيل قد أمَّره عليهم فرعون، وبعدما ظهر موسى وهارون فآمن له وحفظ التوراة وأحسن حفظه إلى حيث يقرؤه عن ظهر القلب، ثمَّ لمَّا استولى موسى وأخوه على مملكة العمالقة، وانقرض الفراعنة رأساً حسدهما قارون، وأنكر جاههما إتكاءً بما عنده من الكنوز، فقال يوماً لموسى: لك الرسالة ولأخيك الحبور، وأنا في غير شيءٍ إلى متى أصبر؟! {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} وقصدهم مغالبتهم. {وَ} ما ذلك إلا أن {آتَيْنَاهُ} وأعطينا له مكراً له، وافتناناً عليه {مِنَ ٱلْكُنُوزِ} أي: الأموال التي عهد ادخارها من الذهب والفضة وغيرهما، وبلغت من الكثرة إلى {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} أي: إلى حد مفاتح أقفال مخازنه، وأقفال الصناديق الموضوعة فيها المختومة المقفولة {لَتَنُوءُ} وتثقل من كثرتها {بِٱلْعُصْبَةِ} أي: الجماعة الكثيرة من الحفظة، مع أنهم من {أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} أقوياء على حمل الثقيل جداً، وكان مفتخراً بها بطراً، فرحاناً يمشي على وجه الأرض خيلاء {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} أي: بعض منهم من أقربائه وقرنائه بعدما أبصروا بطره المفرط نهياً له، وتشنيعاً عليه، وحثاً له على الإنفاق والصرف في سبيل الخيرات: {لاَ تَفْرَحْ} بما عندك من الزخرفة الفانية فإنها عن قريب ستفوت، وأخرجها من قلبك {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} [القصص: 76] منهم، سيما بحطام الدنيا ومزخرفاتها الملهية عن اللذات الروحانية. {وَٱبْتَغِ} واطلب {فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ} المنعم المفضل من الرزق الصوري الزائل الغير القار {ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي: الرزق المعنوي القار، المسمى في دار القرار، وذلك لا يحصل لك إلا بإنفاق ما في يدك من الرزق الصوري في سبيل الله للفقراء؛ طلباً لمرضاته بلا شوب المنِّ والأذى، وسدِّ الثغور وبناء القناطير والخانات، والمساجد وبقاع الخيرات، وغير ذلك من الأمور المتعلقة لعموم مصالح العباد والتسهيل عليهم ورفع العسرة عنهم {وَ} إن أردت أن تكون من أهل الثروة والجاه المخلد في النشأتين {لاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} وهو الاجتهاد في مرتبة الاستخلاف والنيابة على مقتضى كريمة: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ...}تفسير : [الحديد: 7]. إذ العبد وما في يده لمولاه والتصرفات الحادثة في عالم الكون والفساد إنما هي مستندة إلى الله أولاً بالذات {وَ} بعدما علمت ما هو نصيبك وحظك من دنياك، وما معك منه في أخراك إلا الإحسان والإنفاق {أَحْسِن} مما جعلك الحق خليفةً عليه {كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ} أي: لا تطلب {ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} اتكالاً على ما في يدك من أسبابه التي هي الأموال المؤدية إلى أصناف الفسادات، وارتكاب أنواع المحذورات والمنهيات {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع حالات عباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] منهم، سيما بمظاهرة حطام الدنيا الدنيَّة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ويوم ينادي اللّه المشركين به، العادلين به غيره، الذين يزعمون أن له شركاء، يستحقون أن يعبدوا، وينفعون ويضرون، فإذا كان يوم القيامة، أراد اللّه أن يظهر جراءتهم وكذبهم في زعمهم وتكذيبهم لأنفسهم فـ { يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أي: بزعمهم، لا بنفس الأمر، كما قال: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون }. تفسير : فإذا حضروا وإياهم، نزع { مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ } من الأمم المكذبة { شَهِيدًا } يشهد على ما جرى في الدنيا، من شركهم واعتقادهم، وهؤلاء بمنزلة المنتخبين. أي: انتخبنا من رؤساء المكذبين من يتصدى للخصومة عنهم، والمجادلة عن إخوانهم، ومن هم وإياهم على طريق واحد، فإذا برزوا للمحاكمة { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } حجتكم ودليلكم على صحة شرككم، هل أمرناكم بذلك؟ هل أمرتكم رسلي؟ هل وجدتم ذلك في شيء من كتبي؟ هل فيهم أحد يستحق شيئا من الإلهية؟ هل ينفعونكم، أو يدفعون عنكم من عذاب اللّه أو يغنون عنكم؟ فليفعلوا إذا [إن] كان فيهم أهلية وليروكم إن كان لهم قدرة، { فَعَلِمُوا } حينئذ بطلان قولهم وفساده، و { أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ } تعالى، قد توجهت عليهم الخصومة، وانقطعت حجتهم، وأفلجت حجة اللّه، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الكذب والإفك، واضمحل وتلاشى وعدم، وعلموا أن اللّه قد عدل فيهم، حيث لم يضع العقوبة إلا بمن استحقها واستأهلها.