٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، وظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة، قال الكلبـي: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى، وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوى وقال محمد بن إسحق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث وقارون بن يصهر بن قاهث. وعن ابن عباس أنه كان ابن خالته، ثم قيل إنه كان يسمى المنور لحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري. أما قوله: {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } ففيه وجوه أحدها: أنه بغى بسبب ماله، وبغيه أنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله والثاني: أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم الثالث: قال القفال: بغى عليهم، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع: قال الضحاك: طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس: قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس: قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر السابع: قال الكلبـي: بغيه عليهم أنه حسد هرون على الحبورة، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح، وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال يا موسى لك الرسالة، ولهرون الحبورة، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا، فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن الله جعله له، فقال والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجىء كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له، وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهرون! فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير، وولى هرون الحبورة والمذبح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هرون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى ». تفسير : أما قوله: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ أُوْلِى ٱلْقُوَّةِ } ففيه أبحاث: الأول: قال الكعبـي: ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف الله مال قارون إلى نفسه بقوله: {وَءاتَيْنَاهُ } وأجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراماً، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك، وكان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملاً. البحث الثاني: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: { أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } تفسير : [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم. إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: ههنا قولان أحدهما: أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع، وكان لكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلاً، ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين الأول: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني: أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب: عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملاً، ليس مذكوراً في القرآن فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني: وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد. قال ابن عباس: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث: وهو اختيار أبـي مسلم: أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله: { أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنعام: 59] والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها: قوله: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً، وقال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبـي: شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى: { أية : لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } تفسير : [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى وثانيها: قوله: {وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ } والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع وثالثها: قوله: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } وفيه وجوه أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك وثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة وثالثها: المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام: « حديث : فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار » تفسير : ورابعها: قوله: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر، وإنما قال: {كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تنبيهاً على قوله: { أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] وخامسها: قوله: {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأَرْضِ } والمراد ما كان عليه من الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام، وقال آخرون بل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبـى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: إنما أوتيته على علم عندي وفيه وجوه: أحدها: قال قتادة ومقاتل والكلبـي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك وثانيها: قال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة والنحاس فيجعله ذهباً وثالثها: أراد به علمه بوجوه المكاسب والتجارات ورابعها: أن يكون قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } أي الله أعطاني ذلك مع كونه عالماً بـي وبأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل وقوله: {عِندِى } أي عندي أن الأمر كذلك، كما يقول المفتى عندي أن الأمر كذلك أي مذهبـي واعتقادي ذلك، ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: {أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } وفيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة وأخبر به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته الثاني: يجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به، قيل أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟. أما قوله: {وَأَكْثَرُ جَمْعاً } فالمعنى أكثر جمعاً للمال أو أكثر جماعة وعدداً، وحاصل الجواب أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً. فأما قوله: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } فالمراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بينه وبين قوله: { أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] قلنا يحمل ذلك على وقتين على ما قررناه، وذكر أبو مسلم وجهاً آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقرير والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله: { أية : ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } تفسير : [النحل: 84] { أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : (المرسلات 35، 36).
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} لما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} تفسير : [القصص: 60] بيّن أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عدداً ومالاً من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه. قال النّخعيّ وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى لَحًّا؛ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان عمّ موسى لأب وأمّ. وقيل: كان ابن خالته. ولم ينصرف للعجمة والتعريف. وما كان على وزن فاعول أعجمياً لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسماً لمذكر نحو طاوس وراقود. قال الزجاج: ولو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبراً؛ قاله شهر ابن حوشب. وفي الحديث: «حديث : لا ينظر الله إلى من جرّ إزاره بطراً» تفسير : وقيل: بغيه كفره بالله عز وجل؛ قاله الضحاك. وقيل: بغيه استخفافه بهم بكثرة ماله وولده؛ قاله قتادة. وقيل: بغيه نسبته ما أتاه لله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته؛ قاله ابن بحر. وقيل: بغيه قوله إذا كانت النبوّة لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي! فروي أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون؛ يقرب القربان ويكون رأساً فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجد قارون في نفسه وحسدهما. فقال لموسى: الأمر لكما وليس لي شيء إلى متى أصبر. قال موسى؛ هذا صنع الله. قال: والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية؛ فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيّهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر ـ وكانت من شجر اللوز ـ فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر. {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} من البغي وهو الظلم. وقال يحيـى بن سلاّم وابن المسيّب: كان قارون غنياً عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم وكان منهم. وقال سابع: روي عن ابن عباس قال: لما أمر الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغيّ وأعطاها مالاً، وحملها على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها؛ فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. فتداركها الله فقالت: أشهد أنك بريء، وأن قارون أعطاني مالاً، وحملني على أن قلت ما قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب. فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه. فجاءه وهو يقول للأرض: يا أرض خذيه؛ وهي تأخذه شيئاً فشيئاً وهو يستغيث يا موسى! إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى: استغاث بك عبادي فلم ترحمهم، أما أنهم لو دعوني لوجدوني قريباً مجيباً. ابن جريج: بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج: حدّثني إبراهيم بن راشد قال: حدّثني داود بن مهران، عن الوليد بن مسلم، عن مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس قال: لقي قارون يونس في ظلمات البحر، فنادى قارون يونس، فقال: يا يونس تب إلى الله فإنك تجده عند أول قدم ترجع بها إليه. فقال يونس: ما منعك من التوبة. فقال: إن توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن يقبل مني. وفي الخبر: إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور. والله أعلم. قال السّدي: وكان اسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفي درهم. قتادة: وكان قطع البحر مع موسى وكان يسمى المنوّر من حسن صورته في التوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري. قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ} قال عطاء: أصاب كثيراً من كنوز يوسف عليه السلام. وقال الوليد بن مروان: إنه كان يعمل الكيمياء. {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} {إنّ} واسمها وخبرها في صلة {ما} و{ما} مفعولة {آتَيْنَا}. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات؛ إنه لا يجوز أن تكون صلة الذي وأخواته {إن} وما عملت فيه، وفي القرآن {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ}. وهو جمع مِفتح بالكسر وهو ما يفتح به. ومن قال مفتاح قال مفاتيح. ومن قال هي الخزائن فواحدها مَفتح بالفتح. {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ} أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم بثقلها، فلما انفتحت التاء دخلت الباء. كما قالوا هو يذهب بالبؤس ويُذهِب البؤس. فصار {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة؛ كقولك قم بنا أي اجعلنا نقوم. يقال: ناء ينوء نوءاً إذا نهض بثقل. قال الشاعر:شعر : تنوء بأُخراها فَلأْياً قِيامُها وتَمشِي الهُوَيني عن قريبٍ فَتَبْهَرُ تفسير : وقال آخر:شعر : أخذتُ فلم أملك ونُؤْتُ فلم أَقُمْ كأنِّيَ من طول الزمان مقيَّدُ تفسير : وأناءني إذا أثقلني؛ عن أبي زيد. وقال أبو عبيدة: قوله {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} مقلوب، والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها. أبو زيد: نؤت بالحمل إذا نهضت. قال الشاعر:شعر : إنا وجدنا خَلَفا بئس الخَلف عبداً إذا ما ناء بالحمل وقف تفسير : والأوّل معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسدي. وهو قول الفرّاء واختاره النحاس. كما يقال: ذهبت به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأَنَأتُهُ؛ فأما قولهم: له عندي ما ساءه وناءه فهو إتباع كان يجب أن يقال وأناءه. ومثله هنأني الطعام ومرأني، وأخذه ما قدُم وما حدُث. وقيل: هو مأخوذ من النأي وهو البعد. ومنه قول الشاعر:شعر : يَنْأَوْنَ عنا وما تَنْأَى مودّتُهم فالقلبُ فيهم رهينٌ حيثما كانوا تفسير : وقرأ بديل بن ميسرة: {لَيَنُوءُ} بالياء؛ أي لينوء الواحد منها أو المذكور فحمل على المعنى. وقال أبو عبيدة: قلت لرؤبة بن العجاج في قوله:شعر : فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ كَأنّه في الجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ تفسير : إن كنت أردت الخطوط فقل كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما. فقال: أردت كل ذلك. واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض على أحد عشر قولاً: الأوّل: ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس. وعنه أيضاً من الثلاثة إلى العشرة. وقال مجاهد: العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر. وعنه أيضاً: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر. وعنه أيضاً: من عشرة إلى خمسة. ذكر الأوّل الثعلبي، والثاني القشيري والماوردي، والثالث المهدوي. وقال أبو صالح والحكم بن عُتَيبة وقتادة والضحاك: أربعون رجلاً. السدّي ما بين العشرة إلى الأربعين. وقاله قتادة أيضاً. وقال عكرمة: منهم من يقول أربعون، ومنهم من يقول سبعون. وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون رجلاً؛ ذكره الماوردي. والأوّل ذكره عنه الثعلبي. وقيل: ستون رجلاً. وقال سعيد ابن جبير: ست أو سبع. وقال عبد الرحمن بن زيد: ما بين الثلاثة والتسعة وهو النفر. وقال الكلبي: عشرة لقول إخوة يوسف {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} تفسير : [يوسف: 8] وقاله مقاتل. وقال خيثمة: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقْر ستين بغلاً غراء محجلة، وأنها لتنوء بها من ثقلها، ما يزيد مفتح منها على إصبع، لكل مفتح منها كنز مال، لو قسم ذلك الكنز على أهل البصرة لكفاهم. قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. وقيل: من جلود البقر لتخف عليه، وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلاً فيما ذكره القشيري. وقيل: على أربعين بغلاً. وهو قول الضحاك. وعنه أيضاً: إن مفاتحه أوعيته. وكذا قال أبو صالح: إن المراد بالمفاتح الخزائن؛ فالله أعلم. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} أي المؤمنون من بني إسرائيل؛ قاله السديّ. وقال يحيـى بن سلاّم: القوم هنا موسى. وقال الفراء: وهو جمع أريد به واحد كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [آل عمران: 173] وإنما هو نعيم بن مسعود على ما تقدّم. {لاَ تَفْرَحْ} أي لا تأشر ولا تبطر. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} أي البطرين؛ قاله مجاهد والسديّ. قال الشاعر:شعر : ولستُ بِمِفْرَاحٍ إذا الدهرُ سَرَّنِي ولا ضارعٌ في صرفه المتقلب تفسير : وقال الزجاج: المعنى لا تفرح بالمال فإنّ الفَرِح بالمال لا يؤدّي حقَّه. وقال مبشر بن عبد الله: لا تفرح لا تفسد. قال الشاعر:شعر : إذا أنتَ لم تبرح تؤدّي أمانةً وتحملُ أخرى أفرحتك الودائعُ تفسير : أي أفسدتك. وقال أبو عمرو: أفرحه الدين أثقله. وأنشده: إذا أنت... البيت. وأفرحه سره فهو مشترك. قال الزجاج: والفرحين والفارحين سواء. وفرّق بينهما الفراء فقال: معنى الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل. وزعم أن مثله طمع وطامِع وميّت ومائت. ويدلّ على خلاف ما قال قول الله عز وجل: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] ولم يقل مائت. وقال مجاهد أيضاً: معنى {لاَ تَفْرَحْ} لا تبغ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ} أي الباغين. وقال ابن بحر: لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين. قوله تعالى: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي. قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملاً صالحاً في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شدّة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه. وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدّة؛ قاله ابن عطية. قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وعن الحسن: قدّم الفضل، وأمسك ما يبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف. وقيل: أراد بنصيبه الكفن. فهذا وعظ متصل؛ كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن. ونحو هذا قول الشاعر:شعر : نَصيبُك مما تجمعُ الدهرَ كلَّه رداءان تُلْوَى فيهما وحَنُوط تفسير : وقال آخر:شعر : وهي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن تفسير : قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا وياما أحسن هذا. {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك. ومنه الحديث: ما الإحسان؟ قال: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه» تفسير : وقيل: هو أمر بصلة المساكين. قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نِعم الله في طاعة الله. وقال مالك: الأكل والشرب من غير سرف. قال ابن العربي: أرى مالكاً أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} أي لا تعمل بالمعاصي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}.
ابن كثير
تفسير : قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} قال: كان ابن عمه، وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك ابن دينار وابن جريج وغيرهم: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر ابن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام، قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور؛ لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي؛ لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه. وقوله: {وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ} أي: الأموال {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِى ٱلْقُوَّةِ} أي: ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب، حملت على ستين بغلاً أغر محجلاً، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} أي: وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون: لا تبطر بما أنت فيه من المال، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} قال ابن عباس: يعني: المرحين. وقال مجاهد: يعني: الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. وقوله: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه، {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أي: أحسن إلى خلقه؛ كما أحسن هو إليك، {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض، وتسيء إلى خلق الله، { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } ابن عمه وابن خالته وآمن به {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } بالكبر والعلوّ وكثرة المال {وَءَاتَيْنَٰهُ مِنَ ٱكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحُهُ لَتَنُوَأُ } تثقل {بِٱلْعُصْبَةِ } الجماعة {أُوْلِى } أصحاب {ٱلْقُوَّةِ } أي تثقلهم فالباء للتعدية. وعددهم: قيل سبعون وقيل أربعون وقيل عشرة وقيل غير ذلك، واذكر {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } المؤمنون من بني إسرائيل {لاَ تَفْرَحْ } بكثرة المال فَرَحَ بَطَرٍ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } بذلك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى} قال ابن عباس: كان ابن عمه، قاله قتادة: ابن عم موسى أخي أبيه وكان قطع البحر مع بني إسرائيل وكان يسمى: المنور، من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري. {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} فيه ستة أقاويل: أحدها: بغيه عليهم أنه كفر بالله، قاله الضحاك. الثاني: أنه زاد في طول ثيابه شبراً، قاله شهر بن حوشب. الثالث: أنه علا عليهم بكثرة ماله وولده، قاله قتادة. الرابع: أنه صنع بغياً، حين أمر الله موسى برجم الزاني فعمد قارون إلى امرأة بغي فأعطاها مالاً وحملها على أن ادعت عليه أنه زنى بها وقال: فأنت قد زنيت. وحضرت البغي فادّعت ذلك عليه فعظم على موسى ما قالت وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلاّ صدقت فقالت: أشهد أنك بريء وأن قارون أعطاني مالاً وحملني على أن قلت وأنت الصادق وقارون الكاذب فكان هذا بغيه، قاله ابن عباس، قال السدي: وكان اسم البغي شجرتا وبذلك لها قارون ألفي درهم. الخامس: أنه كان غلاماً لفرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم، قاله يحيى بن سلام. السادس: أنه نسب ما آتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته، قاله ابن بحر. {وَءَآتَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ} فيه قولان: أحدهما: أنه أصاب كنزاً من كنوز يوسف عليه السلام، قاله عطاء. الثاني: أنه كان يعمل الكيمياء، قاله الوليد. {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: خزائنه، قاله السدي وأبو رزين. الثاني: أوعيته، قاله الضحاك. الثالث: مفاتيح خزائنه وكانت من جلود يحملها أربعون بغلاً. الرابع: أن مفاتيح الكنوز إحاطة علمه بها، حكاه ابن بحر لقول الله {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ} تفسير : [الأنعام: 59]. {لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لتثقل العصبة، قاله ابن عباس وأبو صالح والسدي. الثاني: لتميل بالعصبة، قاله الربيع بن أنس مأخوذ من النأي وهو البعد قال الشاعر: شعر : ينأوْن عنا وما تنأى مودتهم والقلب فيهم رهين حيثما كانوا تفسير : الثالث: لتنوء به العصبة كما قال الشاعر: شعر : إنّا وجدنا خلفَاً بئس الخلف عبداً إذا ما ناء بالحمل خضف تفسير : والعصبة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض واختلف في عددهم على سبعة أقاويل: أحدها: سبعون رجلاً، قاله أبو صالح. الثاني: أربعون رجلاً، قاله الحكم وقتادة والضحاك. الثالث: ما بين العشرة إلى الأربعين، قاله السدي. الرابع: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر، قاله مجاهد. الخامس: ستة أو سبعة. قاله ابن جبير. السادس: ما بين الثلاثة والتسعة وهم النفر، قاله عبد الرحمن بن زيد. السابع: عشرة لقول إخوة يوسف {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} تفسير : [يوسف: 8] قاله الكلبي ومقاتل. وزعم أبو عبيدة أن هذا من المقلوب تأويله: إن العصبة لتنوء بالمفاتح. {أوْلِي الْقُوَّةِ} قال السدي أولي الشدة. {إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قول المؤمنين منهم، قاله السدي. الثاني: قول موسى، قاله يحيى بن سلام. {لاَ تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تبغ إن الله لا يحب الباغين، قاله مجاهد. الثاني: لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين، قاله ابن بحر. الثالث: لا تبطر إن الله لا يحب البطرين، قاله السدي، وقال الشاعر: شعر : ولست بمفراحٍ إذا الدهر سَرَّني ولا جازعٍ من صرفه المتغلب تفسير : قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} فيه وجهان: أحدهما: طلب الحلال في كسبه، قاله الحسن. الثاني: أنه الصدقة وصلة الرحم، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: وهو أعم أن يتقرب بنعم الله إليه، والمراد بالدار الآخرة الجنة. {وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} فيه ثلاثة تأويلات. أحدها: لا تنس حظك من الدنيا أن تعمل فيها لآخرتك، قاله ابن عباس. الثاني: لا تنس استغناك بما أحل الله لك عما حرمه عليك، قاله قتادة. الثالث:لا تنس ما أنعم الله عليك أن تشكره عليه بالطاعة وهذا معنى قول ابن زيد. الثاني: وأحسن فيما افترض الله عليك كما أحسن في إنعامه عليك، وهذا معنى قول يحيى بن سلام. الثالث: أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال. {وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا عمل فيها بالمعاصي. الثاني: لا تقطع. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يحب أعمال المفسدين، قاله ابن عباس. الثاني: لا يقرب المفسدين، قاله ابن قتيبة.
ابن عطية
تفسير : {قارون} اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف واختلف الناس في قرابة {قارون} من {موسى} عليه السلام فقال ابن إسحاق هو عمه، وقال ابن جريج وإبراهيم النخعي هو ابن عمه لحّاً، وهذا أشهر، وقيل هو ابن خالته، وهو بإجماع رجل من بني إسرائيل كان ممن أمن بموسى وحفظ التوراة وكان من أقرأ الناس لها، وكان عند موسى من عباد المؤمنين ثم إنه لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع من البغي من ذلك كفره بموسى واستخفافه به ومطالبته له فيما قال ابن عباس بأنه عمد إلى امرأة مومسة ذات جمال وقال لها أنا أحسن إليك وأخلطك بأهلي على أن تجيئي في ملإ بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون اكفني أمر موسى فإنه يعترضني في نفسي، فجاءت المرأة فلما وقفت على الملإ أحدث الله تعالى لها توبة، فقالت يا بني إسرائيل إن قارون قال لي كذا وكذا، ففضحته في جميع القصة، وبرأ الله تعالى موسى من مطالبته، وقيل بل قالت المرأة ذلك عن موسى فلما بلغه الخبر وقف المرأة بمحضر ملإ من بني إسرائيل فقالت يا نبي الله كذبت عليك وإنما دعاني قارون إلى هذه المقالة وكان من بغيه أنه زاد في ثيابه شبراً على ثياب الناس، قاله شهر بن حوشب، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده، وكان من أعظم الناس مالاً وسميت أمواله "كنوزاً" إذ كان ممتنعاً من أداء الزكاة وبسبب ذلك عادى موسى عليه السلام أول عداوته، و"المفاتح" ظاهرها أنها التي يفتح بها ويحتمل أن يريد بها الخزائن والأوعية الكبار، قاله الضحاك لأن المفتح في كلام العرب الخزانة. قال القاضي أبو محمد: وأكثر المفسرون في شأن {قارون} فروي عن خيثمة أنه قال: نجد في الإنجيل مكتوباً أن مفاتيح قارون كانت من جلود الإبل وكان المفتاح من نصف شبر وكانت وقر ستين بعيراً أو بغلاً لكل مفتاح كنز. قال الفقيه الإمام القاضي: وروي غير هذا مما يقرب منه ذلك كله ضعيف والنظر يشهد بفساد هذا ومن كان الذي يميز بعضها عن بعض وما الداعي إلى هذا وفي الممكن أن ترجع كلها إلى ما يحصى ويقدر وعلى حصره بسهولة وكان يلزم على هذا المعنى أن تكون "مفاتيح" بياء وهي قراءة الأعمش والذي يشبه إنما هو أن تكون "المفاتيح" من الحديد ونحوه وعلى هذا {تنوء بالعصبة} إذا كانت كثيرة لكثرة مخازنه وافتراقها من المواضع أو تكون "المفاتيح" الخزائن، قال أبو صالح كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً وأما قوله {تنوء} فمعناه تنهض بتحامل واشتداد ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : ينؤن ولم يكسبن إلا قنازعاً من الريش تنواء النعاج الهزائل تفسير : ومنه قول الآخر يصف رامياً: [الرجز] شعر : حتى إذا ما اعتدلت مفاصله وناء في شق الشمال كاهله تفسير : والوجه أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح المثقلة لها وكذلك قال كثير من المتأولين المراد هذا لكنه قلب كما تفعل العرب كثيراً، فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر] شعر : فديت بنفسه نفسي ومالي وما آلوك إلا ما أطيق تفسير : ومن ذلك قول الآخر [خداش بن زهير]: [الطويل] شعر : وتركب خيل لا هوادة بينها وتشفي الرماح بالضياطرة الحمر تفسير : وهذا البيت لا حجة فيه إذ يتجه على وجهه فتأمله، ومن ذلك قول الآخر: شعر : فما كنت في الحرب العوان مغمزاً إذا شب حر وقودها أجدالها تفسير : وقال سيبويه والخليل التقدير "لتنيء العصبة" فجعل بدل ذلك تعدية الفعل بحرف الجر كما تقول ناء الحمل وأنأته ونؤت به، بمعنى جعلته ينوء والعرب تقول ناء الحمل بالبعير إذا أثقله. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يسند {تنوء} إلى المفاتح مجازاً لأنها تنهض بتحامل إذا فعل ذلك الذي ينهض بها وهذا مطرد في قولهم ناء الحمل بالعير ونحوه فتأمله، واختلف الناس في {العصبة} كم هي فقال ابن عباس ثلاثة، وقال قتادة من العشرة إلى الأربعين، وقال مجاهد خمسة عشر حملاً، وقيل أحد عشر حملاً على إخوة يوسف وقيل أربعون، وقرأ بديل بن ميسرة "لينوء" بالياء وجهها أبو الفتح على أنه يقرأ "مفاتحه" جمعاً وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ "ما إن مفتاحه" على الإفراد فيستغنى على هذا عن توجيه أبي الفتح، وقوله تعالى: {إذ قال له قومه}، متعلق بقوله {فبغى}، ونهوه عن الفرح المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس وأشر وإعجاب، و"الفرح" هو الذي تخلق دائماً بالفرح، ولا يجب في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع فمحال أن يرجع إلى الإرادة وإنما هو لا يظهر عليهم بركته ولا يبهم رحمته، ثم وصوه أن يطلب بماله رضى الله تعالى ويقدم لآخرته، وقوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا}، اختلف المتأولون فيه فقال ابن عباس والجمهور: معناه لا تضيع عمرك في أن لا تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا فنصيب الإنسان وعمله الصالح فيها فينبغي أن لا يهمله. قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه ولا تضيع أيضاً حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك. قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة، وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف. وحكى الثعلبي أنه قيل أرادوا بنصيبه الكفن. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا وعظ متصل كأنهم قالوا لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط تفسير : وقوله {وأحسن كما أحسن الله إليك} أمر بصلة المساكين وذوي الحاجة وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَارُونَ} كان ابن عم موسى أخي أبيه وقطع البحر مع بني إسرائيل ونافق كما نافق السامري. {فَبَغَى} كفر بالله، أو زاد في طول ثيابه شبراً، أو علا بكثرة ماله وولده، أو كان غلاماً لفرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم، أو نسب ما أتاه الله تعالى من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته، أو لما أمر موسى برجم الزاني دفع قارون إلى بَغِيٍّ مالاً قيل ألفي درهم وأمرها أن تدعي على موسى أنه زنا بها ففعلت فعظم ذلك على موسى فأحلفها بالله تعالى الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. فقالت: أشهد أنك برىء وأن قارون أعطاني مالاً وحملني على ذلك "ع". {مِنَ الْكُنُوزِ} أصاب كنزاً، أو كان يعمل الكيمياء. {مَفَاتِحَهُ} خزائنه، أو أوعيته، أو مفاتيح خزائنه وكانت من جلود يحملها أربعون بغلاً، أو مفاتيحها: إحاطة علمه بها. {لَتَنواْ} لتثقل العصبة "ع"، أو لتمر بالعصبة من النأي وهو البعد، أو ينهض بها العُصبة {بِالْعُصْبَةِ} الجماعة يتعصب بعضهم لبعض وهم سبعون رجلاً، أو ما بين العشرة إلى الأربعين، أو ما بين العشرة إلى الخمسة عشر، أو ستة أو سبعة، أو ما بين الثلاثة والتسعة وهم النفر، أو عشرة قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب تأويله أن العصبة لتنوء بالمفاتيح {الْقُوَّةِ} الشدة {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} مؤمنو قومه، أو موسى. {لا تَفْرَحْ} لا تبغ، أو لا تبخل، أو لا تبطر.
النسفي
تفسير : {إِنَّ قَـٰرُونَ } لا ينصرف للعجمة والتعريف ولو كان فاعولاً من قرنت الشيء لانصرف {كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } كان إسرائيلياً ابن عم لموسى فهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث، وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } من البغي وهو الظلم. قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، أو من البغي الكبر تكبر عليهم بكثرة ماله وولده، أو زاد عليهم في الثياب شبراً {وَءَاتيناه من الكنوز ما إِنْ مَفَاتِحَهُ} «ما» بمعنى الذي في موضع نصب بـــــ {اتينا} و «إن» واسمها وخبرها صلة الذي ولهذا كسرت «إن». والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به أو مفتح بالفتح وهو الخزانة والأصوب أنها المقاليد {لَتَنُوأُ بٱلْعُصْبَةِ} لتثقل العصبة فالباء للتعدية يقال: ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة وكانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على أصبع وكانت من جلود {أُوْلِى ٱلْقُوَّةِ } الشدة {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } أي المؤمنون وقيل: القائل موسى عليه السلام ومحل {إذ} نصب بـــــ {تنوء} {لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر بكثرة المال كقوله {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ }تفسير : [الحديد: 23] ولا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } البطرين بالمال {وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ } من الغنى والثروة {ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ } بأن تتصدق على الفقراء وتصل الرحم وتصرف إلى أبواب الخير {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل: معناه واطلب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها {وَأَحْسَنُ } إلى عباد الله {كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } أو أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأَرْضِ } بالظلم والبغي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن قارون كان من قوم موسى} قيل كان ابن عم موسى لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل كان عم موسى ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ منه للتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري {فبغى عليهم} قيل كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فظلمهم وبغى عليهم وقيل بغى عليهم بكثرة ماله وقيل زاد في طول ثيابه شبراً (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثيابه خيلاء"تفسير : . أخرجاه في الصحيحين وقيل بغى عليهم بالكبر والعلو {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه} جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب وقيل مفاتحه يعني خزائنه {لتنوء بالعصبة أولي القوة} معناه لثقلهم وتميل بهم إذا حملوها لتثقلها. قيل العصبة ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وقال ابن عباس: ما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى الأربعين. وقيل إلى السبعين قال ابن عباس: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال وقيل كان قارون أينما ذهب تحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما كثرت وثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر كل مفتاح على قدر الأصبع وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلاً {إذ قال له قومه لا تفرح} يعني لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح {إن الله لا يحب الفرحين} يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم قيل إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح ولقد أحسن من قال: شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} يعني اطلب فيما أعطاك الله من الأموال الجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل فيها للآخرة بالصدقة وصلة الرحم وقيل لا تنسى صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: "حديث : اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك"تفسير : هذا حديث مرسل وعمرو بن ميمون لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته وقيل أحسن إلى الناس {ولا تبغ} أي ولا تطلب {الفساد في الأرض} وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض {إن الله لا يحب المفسدين قال} يعني قارون {إنما أوتيته على علم عندي} أي على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. وقيل هو علم الكيمياء وكان موسى يعلمه فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يصنع من الرصاص فضة ومن النحاس ذهباً وكان ذلك سبب كثرة أمواله وقيل كان علمه حسن التصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب قال الله عز وجل {ألم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} أي للأموال {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} قيل معناه أن الله تعالى إذا أراد عقاب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم لأنه عالم بحالهم وقيل لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع وقيل لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم. قوله عز وجل {فخرج على قومه في زينته} قيل: خرج هو وقومه وهم سبعون ألفاً عليهم الثياب الحمر والصفر والمعصفرات وقيل خرج على براذين بيض عليها سرج الأرجوان. وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب وعليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلاثمائة جارية بيضاء عليهن الحلي والثياب الحمر وهن على البغال الشهب {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي من المال.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ...} الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى عليه السلام مِنْ عُبَّادِ الْمُؤمِنين، ثم إنَّ اللّه أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ؛ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى. وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلاً لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل؛ ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم. قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه، انتهى. * ت *: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآيةِ، ولَوْلاَ الإطَالَةُ لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ؛ قاله الضحاك؛ لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخِزَانَةُ، وأمَّا قَوله: {لَتَنُوءُ} فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ. * قلت *: وقال: عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء» له نَوْءُ كذا؛ معناه: مُثلُه ومنه: {لتنوأُ بالعصبة}، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ. وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ: {لتنوأُ بالعصبة أولى القوة} يقولُ تَثْقُلُ؛ وكذا قال الواحديُّ، انتهى. واخْتُلِفَ في العصبة: كمْ هُمْ؟ فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ - رضي اللّه عنه -: ثَلاثَةُ، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين، قال البخاريُّ: يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ. قال الغَزَالِيُّ: في «الإحْيَاءِ»: الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ؛ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة؛ وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللّهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ؛ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها؛ حَلالِها وحَرَامِهَا وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة؛ بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللّهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى. قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ»: قال يَمَنُ بن رزق ـــ رحمه اللّه تعالى ـــ: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ؛ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلبِ؛ يَنْفِي عنكَ جميعَ حُزن الآخِرَة. والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ؛ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه؛ وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ. وقال ـــ رحمه اللّه ـــ: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئاً أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى. وقولهم له: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا}. قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملاً صالحاً في دنياك؛ إذ الآخرةُ يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها؛ فينبغي أن لا يُهْمِلَه. وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ. قال: * ع *: وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ؛ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه رِدَاءَانِ تُلْوَىٰ فِيهِمَا وَحَنُوطِ تفسير : وقال ابن العربي في «أحكامه»: وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ؛ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللّهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى. وقولهُم: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ. * ص *: {كَمَا أَحْسَنَ}: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل -، انتهى. وقول قارون: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علماً استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء. وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا. وقوله تعالى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ}. قال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في {ذُنُوبِهِمُ} عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عَنْ ذنوبهم، أي: كل أحد إنما يُكَلَّمُ ويُعَاتَبُ بِحَسْبِ ما يَخْصُّه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنَفٌ عَنْ حالِ يومِ القيامةِ، وجَاءتْ آيات أُخَرُ تَقْتَضِي السؤالَ، فقالَ الناسُ في هذا: إنها مواطنُ وطوائفُ. وقِيل غيرُ هذا، ويوم القيامة هو مواطنُ. ثم أخبرَ تعالى عن خُروج قارونَ على قومهِ في زينتِه من الملابِسِ والمَراكِبِ وزينةِ الدنيا وأَكثَرَ النَّاسُ في تحديدِ زينةِ قارونَ وتَعْيِينِها بِمَا لاَ صِحَّةَ لَه؛ فَتَرَكْتُه، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ فِي اغترارِ الجَهَلَةِ والإغْمَارِ مِن النَّاسِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} الآية، قال المفسرون كان ابن عمه، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى ابنُ عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى كان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السَّامري وكان يسمى المنوَّر لحسن صورته. وقال ابن عباس: إنه كان ابن خالته، فبغى عليهم، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: "بَغَى عَلَيْهِمْ" بكثرة المال (ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء). وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس: تكبّر عليهم وتجبر، وقال الكلبي: حسد هارون على الحبورة، وروي أن موسى عليه السلام لما قطع الله له البحر، وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والمذبح وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون لذلك في نفسه، وقال يا موسى لك الرسالة لهارون الحبورة، ولست في شيء، لا أصبر أنا على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله فقال قارون له: فوالله لا أصدِّقك أبداً حتى تأتيني بآية يعرف بها أن جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل ان يجيء كلُّ رجل منهم بعصاه فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصحبت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى لقارون: ألا ترى ما صنع الله لهارون، فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير وولي هارون الحبورة والمذبح والقربان، وكانت بنو إسرائيل يأتون بهَدَايَاهُمْ إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتَّبَع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى ولا يجالسه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إنَّ قارُونَ كانَ من السَّبْعِينَ المُخْتَارَة الَّذِينَ سَمِعُوا كلامَ اللَّه " تفسير : قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} ما موصولة بمعنى الذي صلتها (إنَّ) وما في حيّزها ولهذا كسرت ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع الوصل بإنَّ وكان يستقبح ذلك عنهم، يعني لوجوده في القرآن، والمفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الذي يفتح به الباب قاله قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه خزائنه كقوله {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ}تفسير : [الأنعام: 59] أي: خزائنه. قوله: "لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ" فيها وجهان: أحدهما: بأن الباء للتعدية، كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى: لتُنيء المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول: أَجَأْتُهُ وَجئْتُ به، وأَذْهَبْتُه وَذَهَبْتُ به، ومعنى ناء بكذا: نهض به بثقل، قال: شعر : 4017 - تَنُوءُ بِأُخْرَاهَا فَلأْياً قِيَامُهَا وَتَمْشي الهَوَيْنَا عن قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ تفسير : وقال أبو زيد: نُؤْتُ بالعمل أي: نهضت به، قال: شعر : 4018 - إذَا وَجَدْنَا خَلْفاً بِئْسَ الخَلَفْ عَبْداً إذَا مَا نَاءَ بالحِمْلِ وَقَفْ تفسير : وفسره الزمخشري بالأثقال، قال: يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله، وعليه ينطبق المعنى أي: لتثقل المفاتح العصبة. والثاني: قال أبو عبيدة إنَّ في الكلام قلباً، والأصل: لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها لقولهم: عرضت لناقة على الحوض، وتقدم الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب، وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء من تحت والتذكير، لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثقلها، وقيل الضمير في "مَفَاتِحَه" لـ "قَارُونَ" فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، قاله الزمخشري؛ يعني كما اكتسب "أَهْل" التأنيث اكتسب هذا التذكير، و "العُصْبَةُ": الجماعة الكثيرة، والعصابة مثلها، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى الأربعين؛ لقول إخوة يوسف {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}تفسير : [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم وقيل: أربعون رجلاً وقيل سبعون روي عن ابن عباس: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال، وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز، وطعن بعضهم في هذا القول من وجهين الأول: انَّ مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكان لها أعداد قليل من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح؟ الثاني: أن المكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتح. وأجيب عن الأول أن المال إذا كان من جنس (العروض لا من جسن النقد) جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً أن قولهم تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القرآن، فلا تقبل هذه الرواية، وعن الثاني أن الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق وحمل ابن عباس والحسن المفاتح على نفس المال وهذا أبين، قال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وقال أبو مسلم المراد من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأنعام: 59] والمراد: آتيناه من الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها ما يتعب القائمين أن يحفظوها. قوله: "إذْ قَالَ" فيه أوجه: أن يكون معمولاً لـ "تَنُوءُ" قاله الزمخشري، أو لـ "بَغَى" قاله ابن عطية، وردَّه أبو حيان بأن المعنى ليس على التقييد بهذا الوقت أو لـ "آتَيْنَاهُ" قاله أبو البقاء وردَّه أبو حيان بأن الإيتاء لم يكن ذلك الوقت. أو لمحذوف، فقدَّره، أبو البقاء: بغى عليهم وهذا ينبغي أن يردّ بما ردَّ به قول ابن عطية. وقدَّره الطبري: اذكر وقدره أبو حيان أظهر الفرح وهو مناسب، واعلم أنه كان في قومه من وعظه بأمور: أحدها: قوله: لاَ تَفْرَح إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ، وقرى الفارحين - حكاها عيسى الحجازي - والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة، قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، وأمَّا من يعلم أنَّه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح. وما أحسن قول المتنبي: شعر : 4019 - أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ تفسير : (وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى) {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}تفسير : [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى. وثانيها: قوله: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ} يجوز أن يتعلق "فِيمَا آتَاكَ" بـ "ابْتَغِ"، وإن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أَي: متقلباً "فِيمَا آتاكَ". و "مَا" مصدرية أو بمعنى الذي. والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة، والظاهر أنه كان مقرّاً بالآخرة. وثالثها: قوله: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} قال مجاهد وابن زيد لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة وقال السُّدِّي: بالصدقة وصلة الرحم وقال علي ألاَّ تنسى صحتك وقوة شبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، قال عليه السلام لرجل وهو يعظه: "حديث : اغْتَنِمْ خَمْساً قبلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغك قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَيَاتكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ". تفسير : قوله: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}: أي: إحساناً كإحسانه إليك، أي: أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته، وقيل: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك، وقيل إنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء. قوله: {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} ولا تطلب الفساد في الأرض، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، وقيل المراد ماكان عليه من الظلم والبغي، و "في الأَرْض" يجوز أن يتعلق بـ "تَبْغ" أو بـ "الفَسَادِ" أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ}، قيل: إن هذا القائل هو موسى عليه السلام؛ وقيل: بل مؤمنو قومه. وقوله: "عِنْدي" إما ظرف لـ "أُوتِيته"، وإما صفة للعلم. فصل قال قارون: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} أي: على فضلٍ وخير علمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام يعلم عليم الكيمياء (أنزل الله عليه علمه من السماء) فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه. وكان ذلك سبب أمواله. وقيل: {عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب ثم أجاب الله عن كلامه بقوله: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ} الكافرة {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} للأموال أو أكثر جماعة وعدداً. فقوله {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قرأه في التوراة وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ؛ كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك لأنه لما قال: {أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} فتصلف بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه. والمعنى أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً. قوله: {مَنْ هُوَ أَشَدُّ} من موصولة أو نكرة موصوفة وهو في موضع المفعول بـ "أهلك"، و "مِنْ قَبْلِهِ" متعلق به، و "مِنَ القُرُونِ" يجوز فيه ذلك ويجوز أن يكون حالاً من {مَنْ هُوَ أَشَدُّ}. قوله: "وَلاَ يُسْأَلُ" هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت، ورفع الفعل، وقرأ ابو جعفر "وَلاَ تُسْأَل" بالتاء من فوق والجزم وابن سيرين وأبو العالية كذلك إلا أنه مبني للفاعل وهو المخاطب، قال ابن أبي إسحاق: لا يجوز ذلك حتى ينصب "المُجْرِمِين"، قال صاحب اللوامح: هذا هو الظاهر إلاَّ أنَّه لم يبلغني فيه شيء، فإن تركاه مرفوعاً فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون "المُجْرِمُونَ" خبر مبتدأ محذوف أي هم المجرمون. الثاني: أن يكون بدلاً من أصل الهاء والميم في "ذُنُوبِهِمْ" لأنهما مرفوعاً المحل، يعني أن "ذُنُوباً" مصدر مضاف لفاعله، قال فحمل المجرمون على الأصل كما تقدم في قراءة {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةٍ} بجر بعوضة، وكان قد خرجها على أن الأصل: يضرب مثل بعوضةٍ، وهذا تعسف كثير فلا ينبغي أن يقرأ ابن سيرين وأبو العالية إلا "المُجْرِمِينَ" بالياء فقط وإنما ترك نقلها لظهوره. قوله: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد يعني لا تسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقيل: إن المراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكنيتها، لأن الله تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الحجر: 92، 93] فالجواب: يحمل ذلك على وقتين كما قررناه. وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقريع والتوبيخ، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله {أية : ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}تفسير : [النحل: 84] {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات: 35، 36]. قوله: "فِي زينَتِهِ" إما متعلق بـ "خَرَج"، وإما بمحذوف على أنه حال من فاعل خرج.
البقاعي
تفسير : ولما دل على عجزهم في تلك الدار، وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار، إنما هو الواحد القهار، دل على أن ذلك له أيضاً في هذه الدار وقوع العلم به بإهلاك أولي البطر، والمرح والأثر، من غير أن يغنوا عمن أضلوا، أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت، تطبيقاً لعموم {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} على بعض الجزئيات، تخويفاً لمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما من نسبه إلى السحر، وإعلاماً بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء، لأنه سبحانه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحد، وهم من بني إسرائيل ومن أقرب بني إسرائيل إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فعلم كان من كان اغتر بما أوتيه أن الحق لله في كل ما دعت إليه رسله، ونطقت به كتبه، وضل عنهم ما كانوا يفتقرون، ولم يغن عنهم شيئاً ما اعتمدوا عليه، فكان معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من حطام الدنيا فاعتدوا أنهم نالوا به السعادة الدائمة والعز الباقي، فكان مثله - كما يأتي في التي بعده - كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وكل ذلك بمرأى من موسى عليه الصلاة والسلام حين كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه، فلم يسأل الله تعالى فيه لخروجه باستكباره من الوعد بالمنة على الذين استضعفوا في الأرض، وكان ذلك العذاب الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون في الصورة من حيث إنه تغييب وإن كان ذلك في مائع، وهذا صلب جامد، ليعلم أنه قادر على ما يريد، ليدوم منه الحذر، فيما سبق منه القضاء والقدر، ونزع موسى عليه الصلاة والسلام من كل سبط من أسباط بني إسرائيل شهيداً من عصبهم وقال لهم: هاتوا برهانكم فيها، فعلموا بإبراق عصا هاورن عليه الصلاة والسلام دون عصيهم أن الحق لله في أمر الحبورة وفي جميع أمره فقال: {إن قارون} ويسمى في التوراة قورح، ثم بين سبب التأكيد بقوله: {كان} أي كوناً متمكناً {من قوم موسى} تنبيهاً على أنه جدير بأن ينكر كونه كذلك لأنه فعله معهم لا يكاد يفعله أحد مع قومه، وذلك أنه كان من الذين آمنوا به وقلنا فيهم {ونريد أن نمن على الذين} إلى آخره، لأنه ابن عم موسى عليه الصلاة والسلام على ما حكاه أبو حيان وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما {فبغى عليهم} أي تجاوز الحد في احتقارهم بما خولناه فيه من هذا الحطام المتلاشي، والعرض الفاني، فقطع ما بينه وبينهم من الوصلة، ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه، من الفرقة، فأخرجه ذلك من حوزة المنة والأمانة والوراثة إلى دائرة الهلاك والحقارة والخيانة، كما بغى عليهم فرعون؛ وكان أصل "بغى" هذه: أراد، لكن لما كان العبد لا ينبغي أن يكون له إرادة، بل الإرادة لسيده كما نبه عليه {ما كان لهم الخيرة}، جعلت إرادته تجاوز الحد، وعديت بـ "على" المقتضية للاستعلاء تنبيهاً على خروجها عن أصلها. ولما ذكر بغيه، ذكر سببه الحقيقي، فقال: {وآتيناه} أي ومع كوننا أنعمنا عليه بجعله من حزب أصفيائنا آتيناه بعظمتنا {من الكنوز} أي الأموال المدفونة المدخرة، فضلاً عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منه لما عساه يعرض من المهمات {ما} أي الذي أو شيئاً كثيراً لا يدخل تحت حصر حتى {إن مفاتحه} أي مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيما وراء أبوابها {لتنوء} أي تميل بجهد ومشقة لثقلها {بالعصبة} أي الجماعة الكثيرة التي يعصب - أي يقوي - بعضهم بعضاً، وفي المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده، وكل ذلك مما تستبعده العقول، فلذلك وقع التأكيد {أولي القوة} أي تميلهم من أثقالها إياهم، والنوء: الميل، قال الرازي: والنوء: الكوكب مال عن العين عند الغروب، يقال: ناء بالحمل - إذا نهض به مثقلاً، وناء به الحمل - إذا أماله لثقله. ولما ذكر بغيه، ذكر وقته، والوقت قد يكون واسعاً كما نقول: جرى كذا عام كذا، وفيه التعرض للسبب فقال: {إذ قال له} وقال: {قومه} إشارة إلى تناهي بغيه بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب كلامهم ولا يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة، وساغت نسبة القول للكل وإن كان القائل البعض، بدليل ما يأتي، إما عداً للساكت قائلاً لرضاه به لأنه مما لا يأباه أحد، وإما لأن أهل الخير هم الناس، ومن عداهم عدم: {لا تفرح} أي لا تسر سروراً يحفر في قلبك فيتغلغل فيه فيحرفك إلى الأشر والمرح، فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه، وذلك يدل على نسيان الآخرة، وذلك على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل للعواقب، فيجر إلى المرح فيجر إلى الهلاك، قال الرزاي: ومن فرح بغير مفروح به استجلب حزناً لا انقضاء له، وعللوا نهيهم له بما يفهم أشد الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين لاستبعاد من يرى تواصل النعم السارة على أحد أن يكون غير محبوب: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال فلا شيء أجل منه، فبه ينبغي أن يفرح {لا يحب} أي لا يعامل معاملة المحبوب {الفرحين*} أي الراسخين في الفرح بما يفنى، فإن فرحهم يدل على سفول الهمم. ولما كان ترك الفرح سبباً للزهد، وهو سبب القرب إلى الله، كان كأن قيل: وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين {وابتغ} أي اطلب طلباً تجهد نفسك فيه {فيما آتاك الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله من هذه الأموال حال تمكنك {الدار الآخرة} بإنفاقه فيما يحبه الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك مظروفاً له فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون حياً بذلك الابتغاء، فلا يكون منه شيء بغير حياة، فإن فعلك لذلك يذكرك أن هذه الدار دار قلعة وارتحال، وكل ما فيها إلى زوال، وذلك يوجب الزهد في جميع ما فيها من الأموال. ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما فيه من شائبة الاتهام قالوا: {ولا تنس} أي تترك ترك الناسي {نصيبك من الدنيا} ترك المنسي، بل استعمل المباحات من المآكل والملابس والمناكح والمساكن وما يلائمها، وليكن استعمالك لذلك - كما دل عليه السياق - من غير إسراف ولا مخيلة توجب ترك الاتصاف بالإنصاف؛ وعن علي رضي الله عنه: ولا تنس صحتك وقوتك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة. ولما أطلق له الاقتصاد في التمتع بالزاد، وكانت النفس مجبولة على الشره، فإذا أذن لها من الدنيا في نقير جعلته أكبر كبير، أتبعوا ذلك ما لعله يكف من شرهها فقالوا: {وأحسن} أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج، والإنفاق في جميع الطاعات {كما أحسن الله} أي الجامع لصفات الكمال، المتردي برداء العظمة والجلال {إليك} بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع عليك. ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف، قالوا: {ولا تبغ} أي لا ترد إرادة ما {الفساد في الأرض} بتقتير ولا تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكداً لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، فقيل: {إن الله} أي العالم بكل شيء، القدير على كل شيء {لا يحب المفسدين*} أي لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم. ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله، وكان قد أبطرته النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في أسلوب التأكيد لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله بقوته: {قال إنما أوتيته} أي هذا المال {على علم} حاصل {عندي} فأنا مستحق لذلك، وذلك العلم هو السبب في حصوله، لا فضل لأحد عليّ فيه - بما يفيده التعبير بإنما، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من هو، وقد قيل: إن ذلك العلم هو الكيمياء. ولما كان التقدير: ألا يخاف أن يسلبه الله - عقوبة له على هذا - علمه وماله ونفسه؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله؟ لا صنع له في الحقيقة في ذلك أصلاً، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علماً، وأعطى أكثر منه من لا علم له ولا قدرة، فهو قادر على إهلاكه، وسلب ما معه وإفنائه، كما قدر على إيتائه، عطف عليه قوله منكراً عليه: {أولم يعلم أن الله} أي بما به من صفات الجلال والعظمة والكمال {قد أهلك} ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في قوله: {من قبله} ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما تقدمه من الزمان {من القرون} أي الذين هم في الصلابة كالقرون {من هو أشد منه} أي قرون {قوة} أي في البدن، والمعاني من العلم وغيره، والأنصار والخدم {وأكثر جمعاً} في المال والرجال، آخرهم فرعون الذي شاوره في ملكه، وحقق أمره يوم مهم هلكه، وكان يستعبده أمثالة ويسومهم سوء العذاب، ولم يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد منهم ولا جمع، بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم. ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه عاتبوه، فتارة يحلف على نفي الذنب فيقبل منه وإن كان كاذباً، وتارة يكشف الحال عن أن باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره، فيكون له عذر خفي، أشار سبحانه إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من العقوبة، وأمل المطلع على بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني عن ذلك، فقال تعالى ذاكراً لحال المفعول وهو {من}: {ولا} أي أهلكهم والحال أنهم لا يسألون - هذا الأصل، ولكنه قال: {يسأل} أي من سائل ما {عن ذنوبهم المجرمون*} فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام، وهو قطع ما ينبغي وصله بوصل ما ينبغي قطعه، ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه الخشن قوله سبحانه دليلاً على إجرامه، وطغيانه في آثامه: {فخرج على قومه} أي الذين نصحوه في الإقتصاد في شأنه، والإكثار في الجود على إخوانه، ثم ذكر حاله معظماً لها بقوله: {في زينته} أي التي تناسب ما ذكرنا من أمواله، وتعاظمه في كماله من أفعاله وأقوله. ولما كان كأنه قيل: ما قال قومه؟ قيل: {قال الذين يريدون} أي هم بحيث يتجدد منهم أن يريدوا {الحياة الدنيا} منهم لسفول الهمم وقصور النظر على الفاني، لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة المحسود: {يا ليت لنا} أي نتمنى تمنياً عظيماً أن نؤت من أيّ مؤت كان وعلى أيّ وجه كان {مثل ما أوتي قارون} من هذه الزينة وما تسببت عنه من العلم، حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من يريد الآخرة ينكر عليهم: {إنه لذو حظ} أي نصيب وبخت في الدنيا {عظيم*} بما أوتيه من العلم الذي كان سبباً له إلى جميع هذا المال، ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه باتباعه قوله: {وقال الذين} وعظم الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه نافع بكل اعتبار وباعتبار الزهد، وبالتعبير عن أهل الزهد به فقال: {أوتوا العلم} أي من قومه، فشرفت أنفسُهم عن إرادة الدنيا علماً بفنائها، زجراً لمن تمنى مثل حاله، وشمراً إلى الآخرة لبقائها: {ويلكم} أي عجباً لكم، أو حل بكم الشر حلولاً، وأصل ويل، "وي" قال الفراء: جيء بلام الجر بعدها مفتوحة ما المضمر نحو وي لك، ووي له، أي عجباً لك وله، ثم خلط اللام بوي لكثرة الاستعمال حتى صارت كلام الكلمة فصار معرباً بإتمامه ثلاثياً، فجاز أن يدخل بعدها لام أخرى في نحو ويلاً لك، لصيرورة الأول لام الكلمة، ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل: ويل لك، وهو باق على ما كان عليه في حال النصب إذ الأصل في ويل لك: هلكت ويلاً، أي هلاكاً فرفعوه بعد حذف الفعل نفضاً لغبار الحدوث، وقيل: أصل ويل الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى كما استعمل لا أبا لك - وأصله الدعاء على الرجل - في الحث على الفعل، فكأنهم قالوا: ما لنا يحل بنا الويل؟ فأخبروهم بما ينبغي معرضين عما استحقوا به الويل من التمني، تحقيراً لما استفزهم حتى قالوه فقالوا: {ثواب الله} أي الجليل العظيم {خير} أي من هذا الحطام، ومن فاته الخير حل به الويل؛ ثم بينوا مستحقه تعظيماً له وترغيباً للسامع في حاله فقالوا: {لمن آمن وعمل} أي تصديقاً لإيمانه {صالحاً} ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكداً لأن أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين: {ولا يلقاها} أي لا يجعل لاقياً لهذا الكلمات أوالنصيحة التي قالها أهل العلم، أي عاملاً بها {إلا الصابرون*} أي على قضاء ربهم في السراء والضراء، والحاملون أنفسهم على الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقاً، وعبر بالجمع ترغيباً في التعاون إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده. فقال له موسى عليه السلام: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم. جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل فما ترى فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها. فارسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك. قالت: نعم. فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم. فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت قال: نعم. قالوا: فإنك قد زنيت قال: أنا. فأرسلوا إلى المرأة، فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت: أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك. فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى... يا موسى... فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى... يا موسى... فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى {فخسفنا به وبداره الأرض} وخسف به إلى الأرض السفلى. وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان قارون ابن عم موسى. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث، وعرمرم بالعربية عمران. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه الله ببغيه. وإنما بغى لكثرة ماله وولده. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {فبغى عليهم} قال: فعلا عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم} قال: زاد عليهم في طول ثيابه شبراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله {وآتيناه من الكنوز} قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف. وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله {وآتيناه من الكنوز} قال: كان قارون يعلم الكيمياء. وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : كانت أرض دار قارون من فضة، وأساسها من ذهب ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال: وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانت المفاتيح من جلود الإِبل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لتنوء بالعصبة} يقول: لا يرفعها العصبة من الرجال {أولي القوّة} . وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {لتنوء بالعصبة} قال: لتثقل قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول امرىء القيس إذ يقول: شعر : تمشي فتثقلها عجيزتها مشي الضعيف ينوء بالوسق تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال {العصبة} ما بين العشرة إلى الخمسة عشر {أولوا القوّة} خمسة عشر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال {العصبة} ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {العصبة} أربعون رجلاً. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أن {العصبة} ما فوق العشرة إلى الأربعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانىء قال {العصبة} سبعون رجلاً. قال: وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {إذ قال له قومه لا تفرح} قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الله لا يحب الفرحين} قال: المرحين، الأشرين، البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الله يحب كل قلب حزين ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال: هذا متن منكر، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الله لا يحب الفرحين} قال: الفرح هنا البغي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {إن الله لا يحب الفرحين} قال: إن الله لا يحب الفرح بطراً {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} قال: تصدق، وقرب الله تعالى، وصل الرحم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن الله لا يحب الفرحين} قال: المرحين. وفي قوله {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {و لا تنس نصيبك من الدنيا} قال: أن تعمل فيها لآخرتك. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ولا تنس نصيبك} قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك - وفي لفظ - قال: امسك قوت سنة، وتصدق بما بقي. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال: أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك، فإن لك فيه غنى وكفاية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قال إنما أوتيته على علم عندي} يقول على خير عندي، وعلم عندي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {إنما أوتيته على علم عندي} يقول: علم الله أني أهل لذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} قال: المشركون. لا يسألون عن ذنوبهم، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} قال: كقوله {أية : يعرف المجرمون بسيماهم} تفسير : [الرحمن: 41] سود الوجوه، زرق العيون، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: خرج على براذين بيض، عليها سرج من أرجوان، وعليها ثياب معصفرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: في ثوبين أحمرين. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال: خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: في ثياب صفر وحمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: في حشمه. وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها ثلاثمائة جارية، على بغال شهب عليهن ثياب حمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فخرج على قومه في زينته} قال: خرج في جوار بيض، على سروج من ذهب، على قطف أرجوان، وهن على بغال بيض، عليهن ثياب حمر، وحلى ذهب. وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {فخرج على قومه في زينته} قال "في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال: أول من صبغ بالسواد قارون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} قال: أناس من أهل التوحيد قالوا: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون} وفي قوله {ولا يلقاها إلا الصابرون} يعني لا يلقى ثواب الله، والصواب من القول. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {إنه لذو حظ عظيم} قال: ذو جد. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال: بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني؟ فقالت: بلى. فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده، دعا بها فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرىء رسول الله عليه السلام فقالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك. وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب. فلما بلغه توضأ، ثم صلى وسجد وبكى وقال: يا رب... عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي. يا رب سلطني عليه. فأوحى الله إليه: أن مر الأرض بما شئت تطعك. فجاء موسى إلى قارون، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون: يا موسى ارحمني فقال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وبأصحابه، فلما خسف به قيل له: "يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته" وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أعبد في الأرض بعدك أحداً. وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فخسفنا به وبداره الأرض} قال: خسف به إلى الأرض السفلى. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة. وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه: أن قارون يخسف به كل يوم قامة. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال: يا موسى ادع ربك يرحمني. فلم يجبه موسى حتى ذهب. فأوحى الله إليه "استغاث بك فلم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا رب لرحمته". وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه: أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون، فلما لقيه موسى قال للأرض: أطيعيني فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعيني فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه "يا موسى ما أشد قلبك، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته" قال: رب غضباً لك فعلت. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} قال: ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {ويكأن الله} يقول: أو لا يعلم {أن الله يبسط الرزق} وفي قوله {ويكأنه لا يفلح الكافرون} يقول: أو لا يعلم {أنه لا يفلح الكافرون} والله أعلم.
التستري
تفسير : قوله: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}[76] قال: من فرح بغير مفروح استجلب حزناً لا انقطاع له، وليس للمؤمن راحة دون لقاء الحق جل وعز. وحكي عن الأعمش قال: كنا نشهد جنازة فلا ندري من نعزي من حزن القوم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} [الآية: 76]. قال القاسم: فى جميع الأحوال: بغى وطغيان والمفروح به محل الحزن ألا ترى الله يقول: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ}. قوله تعالى: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} [الآية: 76]. قال سهل: من فرح بغير مفروح به استجلب حزنًا لا انقضاء له.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ}. جاء في القصص أنه كان ابن عمِّ موسى، وكان من أعبد بني إسرائيل، وكان قد اعتزل الناسَ، وانفرد في صومعته يتعبَّد، فتصوَّر له إبليسُ في صورة بَشَرٍ، وأخذ في الظاهر يتعبَّدُ معه في صومعته حتى تعجَّب قارونُ من كثرة عبادته، فقال له يوماً: لسنا في شيء؛ عيونُنا على أيدي الناسِ حتى يدفعوا إلينا شيئاً هو ضرورتنا، ولا بُدَّ لنا من أَخْذِه، فقال له قارون: وكيف يجب أن نفعلَه؟ فقال له: أن ندخل في الأسبوع يوماً السوق، ونكتسب، وننفق ذلك القَدْرَ في الأسبوع، فأجابه إليه. فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوماً، ثم قال له: لستُ أنا وأنت في شيء، فقال: وما الذي يجب أن نعمله؟ فقال له: نكتسب في الأسبوع يوماً لأنفسنا، ويوماً نكتسب ونتصدَّق به، فأجابه إليه. ثم قال له يوماً آخر: لسنا في شيء، فقال: وما ذاك؟ قال: إِنْ مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوتَ يومٍ، فقال: وما نفعل؟ قال: نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام؛ يوماً للنفقة ويوماً للصدقة ويوماً للإدخار، فأجابه إليه.. فلمَّا عَلِمَ أن حُبَّ الدنيا استمكن من قلبه وَدَّعَه، وقال: إِنِّي مُفارِقُكَ... فَدُمْ على ما أنت عليه، فصار من أمره ومالِه ما صار، وحَمَلَه حُبُّ الدنيا على جَمْعِها، وَحَمَلَه جَمْعُها على حُبِّها، وحَمَلَه حُبَّها على البغي عليهم، وصارت كثرةُ مالِه سَبَبَ هلاكِه، وكم وُعِظَ بِتَرْكِ الفَرَجِ بوجود الدنيا، وبِتَرْكِ الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إِلاَّ ضلالاً. ويقال خَسَفَ اللَّهُ به الأرضَ بدعاءِ موسى عليه السلام، فقد كان موسى يقول: يا أرضُ خُذِيه.. وبينما كانت الأرض تُخْسَفُ به كان يستعين بموسى بحقِّ القرابة، ولكن موسى كان يقول: يا أرضُ خُذِيه. وفيما أوحى اللَّهُ إلى موسى: لقد ناداك بحقِّ القرابة وأنت تقول: يا أرض خذيه! وأنا أقول: يا عبدُ، نادِني فأنا أقرب منه إليك، ولكنه لم يَقُلْ. وفي القصة أنه كان يُخْسَفُ به كل يوم بزيادة معلومة، فلمَّا حَبَسَ اللَّهُ يونسَ في بطن الحوتِ أَمَرَ الحوتَ أن يطوفَ به في البحار لئلا يضيقَ قلبُ يونس، حتى انتهى إلى قارون، فسأله قارونُ عن موسى وحاله، فأوحى الله إلى المَلَك: لا تَزِدْ في خَسْفِه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه، ووَصَلَ بَه رَحِمَه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان قارون} اسم اعجمى كهارون فلذلك لم ينصرف {كان من قوم موسى} كان ابن عمه يصهر بن قاهش بن لاوى بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهش كان ممن آمن به واقرأ بنى اسرائيل للتوراة وكان يسمى المنور لحسن صورته ثم تغير حاله بسبب الغنى فنافق كما نافق السامرى {فبغى عليهم}. قال الراغب البغى طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه او لم يتجاوزه وبغى تكبر وذلك لتجاوزه منزلته الى ماليس له. والمعنى فطلب الفضل عليهم وان يكونوا تحت امره وليس ببعيد فان كثرة المال المشار اليها بقوله {وآتيناه من الكنوز} الآية سبب للبغى وامارة بغيه الاباء والاستكبار والعجب والتمرد عن قبول النصيحة وكان يجر ثوبه كبرا وخيلاء وفى الحديث "حديث : لاينظر الله يوم القيامة الى من جر ثوبه خيلاء"تفسير : كان يستخف بالفقراء ويمنع عنهم الحقوق وفى الحديث "حديث : اتخذوا الايادى عند الفقراء قبل ان تجيىء دولتهم"تفسير : اى فان لهم دولة عظيمة يوم القيامة يصل اثرها الى من اطعمهم لقمة او سقاهم شربة او كساهم خرقة او نحو ذلك فيأخذون بايديهم ويدخلون الجنة بامر الله تعالى. قال اهل العلم بالاخبار كان او طغيانه وعصيانه ان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام انه يأمر بنى اسرائيل ان يعلقوا فى ارديتهم خيوطا اربعة خضرا فىكل طرف خيط على لون السماء قال موسى يارب ماالحكمة فيه قال يذكرون اذا رأوها ان كلامى نزل من السماء ولا يغفلون عنى وعن كلامى والعمل به قال موسى أفلا تأمرهم ان يجعلوا ارديتهم كلها خضرا فانهم يحقرون هذه الخيوط فقال ياموسى ان الصغير من امرى ليس بصغير فانهم ان لم يطيعونى فى الصغير لم يطيعونى فى الكبير فامرهم ففعلوا وامتنع قارون وقال انما يفعل هذا الارباب بعبيدهم لكى يتميزوا من غيرهم فكان هذا ابتداء بغيه ولما عبروا البحر جعلت حبورة القربان وهى رياسة المذبح فى هارون. قال فى كشف الاسرار [در رياست مذبح آن بودكه بنى اسرائيل قربان كه مى كردند بر طريق تعبد بيش هارون مى بردند وهارون بر مذبح مى نهاد تاآتش ازاسمان فرود آمدى وبر كرفتى] فحسده قارون وقال ياموسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست فى شىء وانا اقرأ بنى اسرائيل للتوراة ليس لى على هذا صبر فقال موسى ما انا جعلتها فى هارون بل الله جعلها من فضله قال قارون والله لا اصدقك فى ذلك حتى ترينى آية تدل عليه فامر موسى رؤساء بنى اسرائيل بوضع عصيهم فى القبة التى الله فيها وينزل الوحى عليه ففعلوا وباتوا يحرسونها واصبحوا فاذا بعصا هارون مورقة خضراء اى صارت بحيث لها ورق اخضر وكانت من شجرة اللوز فلما رأها قارون على تلك الحالة العجيبة قال والله ماهذا باعجب مما تصنع من السحر واعتزل موسى وتبعه طائفة من بنى اسرائيل وجعل موسى يداريه لما بينهما من القرابه وهو لايلتفت اليه بل يؤذيه ولا يزيد الا تجبرا وبغيا {وآتيناه} أى قارون {من الكنوز} اى الاموال المدخرة. قال الراغب الكنز جمع المال بعضه فوق بعض وحفظه من كنزت التمر فى الوعاء انتهى. والفرق بين الركاز والمعدن والكنز ان الركاز هو المال المركوز فى الارض مخلوقا كان او موضوعا والمعدن ما كان مخلوقا والكنز ما كان موضوعا {ما} موصولة اى الذى {ان مفاتحه} جمع مفتح بالكسر مايفتح به اى مفاتح صناديقه {لتنوء بالعصبة اولى القوة} خبر ان والجملة صلة ماوهو ثانى مفعولى آتينا. وناء به الحمل اذا اثقله حتى اماله فالباء للتعدية والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة. وفى المفردات جماعة معصبة اى متعاضدة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما العصبة فى هذا الموضع اربعون رجلا وخزائنه كانت اربعمائة الف يحمل كل رجل منهم عشرة آلاف مفتاح. والمعنى لتثقلهم وتميل بهم اذا حملوها لثقلها: وبالفارسية [برداشتن آن مفاتح كران ميكند مردمان بانيروى را يعنى مردمان از كران بارى بجانبى ميل ميكنند] وقال بعضهم وجدت فى الانجيل ان مفاتح خزائن قارون وقرستين بغلا مايزيد منها مفتح على اسبع لكل مفتح كنز ويقال كان قارون اينما ذهب يحمل معه مفاتح كنوزه وكانت من حديد فلما ثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الاصابع {اذ قال له قومه} منصوب بتنوء يعنى موسى وبنى اسرائيل وقيل قاله موسى وحده بطريق النصحية {لاتفرح} [شادى مكن بمال دنيا] والفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة واكثر مايكون ذلك فى اللذات البدنية الدنيوية والفرح فى الدنيا مذموم مطلقا لانه نتيجة حبها والرضى بها والذهول عن ذهابها فان العلم بان مافيها من اللذة مفارقة لامحالة يوجب الترح حتما ولذا قال تعالى {أية : لكيلا تأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}تفسير : ولم يرخص فى الفرح الا فى قوله {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}تفسير : وقوله {أية : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله}تفسير : وعلل النهى ههنا بكونه مانعا من محبة الله تعالى كما قال {ان الله لايحب الفرحين} اى بزخارف الدنيا فان الدنيا مبغوضة عند الله تعالى شعر : دنياى دنى جيست سراى ستمى افكنده هزار كشته درهر قدمى كردست دهد كداى شادى نكند ورفوت شود نيز نيرزد بغمى تفسير : وانما يحب من يفرح باقامة العبودية وطلب السعادة الاخروية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "قارون": غير مصروف؛ للعجمة والتعريف، ولو كان "فاعولاً"؛ من قرنت الشيء، لا نصرف لخروجه عن العجمة. {إذ قال}: ظرف لبَغَى أي: طغى حين وُعِظ، ولم يقبل ما وُعظ به، أو: يتعلق بمقدر، أي: أظهر التفاخر بالمال حين قال له قومه: لا تفرح. و"ما": موصولة، و "إنَّ مفاتحه": صلته، ولذلك كسرت. يقول الحق جل جلاله: {إنَّ قارون كان من قوم موسى} كان إسرائيلياً، ابن عم لموسى وابن خالته، فهو قارون بن يصهر بن قَاهَث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهَث. وكان يسمى "المنور"؛ لحُسن صورته وكان آمن بموسى، وكان أحفظ الناس للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري. {فَبَغَى عليهم}، من البغي، أي: الظلم: قيل: ملَّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. أو: من البغي، أي: الكبر، أي: تكبر عليهم بكثرة ماله وولده، وزاد عليهم في الثياب شبراً، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. {وآتيناه من الكنوز ما} الذي {إنَّ مفاتِحَه}؛ جمع مِفتح، بمعنى المقَلد، أي: إن مقاليده {لَتَنُوءُ} أي: تثقل {بالعُصْبَةِ}، الباء للتعدية، يقال: ناء به الحمل: أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة، وكانت مفاتح خزائنه وقرَ ستين بغلاً، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على إصبع. وكانت من جلود، أي: مغاليقها. وقيل: معنى تنوء: تنهض بِتَكَلُّفِ، ويكون حينئذٍ في الكلام قلب؛ إذ العصبة هي التي تنوء بالمفاتيح، لا العكس، قيل: وسميت أمواله كنوزاً؛ لأنه كان لايؤدي زكاتها، وبسبب ذلك عادى موسى أول عداوته. {إذْ قال له قومُه لا تفرح}؛ لا تبطر بكثرة المال؛ فرَح إعجاب؛ لأنه يقود إلى الطغيان. أو: لا تفرح بالدنيا؛ إذ لا يفرح بها إلا من لا عقل له، {إن الله لا يُحب الفَرِحِين:} البطرين المفتخرين بالمال، أو: الفرحين بزخارف الدنيا، من حيث حصول حظوظهم وشهواتهم فيها. قال البيضاوي: الفرح بالدنيا مذموم مطلقاً؛ لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، قإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارق لا محالة، يوجب التوخي لا محالة، كما قيل: شعر : أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرورٍ تَيَقّن عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ تفسير : {وابتغِ فيما آتاك الله} من المال والثروة {الدارَ الآخرة}؛ بأن تتصدق على الفقراء تصل الرحم، وتصرفه في أنواع الخير، {ولا تنس نصيبَكَ من الدنيا}، وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل: معناه: واطلب بدنياك آخرتك؛ فإن ذلك حظ المؤمن منها لأنها مزرعة الآخرة، فيها تكتسب الحسنات وترفع الدرجات، أي: لا تنس نصيبك منها أن تقدمه للآخرة، {وأحسنْ} إلى عباد الله {كما أحسن الله إليك} فيما أنعم به عليك: أو: أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام, كما أحسن إليك بسوابغ الإنعام. {ولا تبغِ الفسادَ في الأرض} بالظلم والبغي وإنفاق المال في المعاصي؛ {إن الله لا يحب المفسدين}؛ لا يرضى فعلهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية زجر عن الفرح بالدنيا والافتخار بها, بل الفرح بكل ما يَفنِي: كُلُّهُ مذموم. قال في الإحياء: الفرح بالدنيا والتنعم بها سُمٌّ قاتل, يسري في العروق, فَيُخرجُ من القلب الخوفَ والحزنَ, وذكرَ الموت وأهوالَ يوم القيامة, وهذا هو موت القلب, والعياذ بالله, فأولو العزم من أرباب القلوب حزنوا لِمُوَاتَاةِ الدنيا، وَعَلِموا أن النجاة في الحزن الدائم, والتباعُدِ من أسباب الفرح والبطر، فقطعوا النفس عن ملاذها, وعودوا الصبر عن شهواتها, حلالها وحرامها, وعلموا أن حلالها حساب, وهو نوع عذاب, ومن نوقش الحساب عُذّب, فخلَصوا أنفسهم من عذابها, وتوصلوا إلى الحرية والملك في الدنيا والآخرة, بالخلاص من أسر الشهوات ورقها, والأنس بذكر الله تعالى والاشتغال بطاعته. هـ. وقال يُمْن بن رزق: اعلم أني لم أجد شيئاً أبلغ في الزهد في الدنيا من ثبات حزن الآخرة في القلب, وعلامة ثبات حزن الآخرة في القلب: أنْسُ القلب بالوحدة. هـ. قلت: وهذا مذهب العباد والزهاد, وأما العارفون فقد دخلوا جنة المعارف, فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون, جعلنا الله من خواصهم, بمنِّه وكرمه. ثم ذكر جواب قارون، فقال: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ...}br>
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى {إن قارون كان من قوم موسى} قال ابن اسحاق: كان موسى ابن أخيه، وقارون عمه. وقال ابن جريج: كان ابن عمه لأبيه وأمه {فبغى عليهم} قال قتادة: إنما بغى عليهم بكثرة ماله. والبغي طلب العلو بغير حق. ومنه قيل لولاة الجور: بغاة، يقال: بغى يبغي بغياً، فهو باغ وابتغى كذا ابتغاء إذا طلبه، ويبتغي فعل الحسن أي يطلب فعله بدعائه إلى نفسه. و {قارون} اسم أعجمي لا ينصرف. وروي أنه كان عالماً بالتوراة فبغى على موسى وقصد إلى تكذيبه، والافساد عليه. وقوله {وآتيناه من الكنوز} أي اعطيناه كنوز الأموال والكنز جمع المال بعضه على بعض، وبالعرف عبارة عما يخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم الكنوز في الشرع الا على مال لا يخرج زكاته، لقوله تعالى {أية : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : فوجه الوعيد عليه منه تعالى على فعلهم يدلك على صحة ما قلناه. وقوله {ما إن مفاتحه} المفتاح عبارة عما يفتح به الاغلاق، وجمعه مفاتيح ومفاتيح جمع مفتح، ومعناهما واحد، وقال قوم: كانت مفاتيحه من جلود وقال آخرون: مفاتحه خزائنه. قال الزجاج: وهو الأشبه. وقوله {لتنوء بالعصبة} أي ليثقل في حمله، يقال: ناء بحمله ينوء نوءاً إذا نهض به مع ثقله عليه، ومنه أخذت الانواء، لأنها تنهض من المشرق على ثقل نهوضها. وقال ابو زيد: ناءني الحمل إذا اثقلني. والعصبة الجماعة الملتفة بعضها ببعض. وقال قتادة: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. وقال ابن عباس: قد يكون العصبة ثلاث. وانما قال لتنوء بالعصبة والمعني العصبة تنوء بها، لان المعنى تميل بها مثقلة. وقيل: هو يجري مجرى التقديم والتأخير كما قال الشاعر: شعر : ونركب خيلا لا هوادة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر تفسير : وانما تشقى الضياطرة بالرماح، وقال آخر: شعر : فديت بنفسه نفسي ومالي وما آلوه إلا ما يطيق تفسير : والمعنى بنفسي ومالي نفسه، وقال الفراء: كان الاصل ان يقول لتنؤ العصبة أي يثقلهم، بحذف الياء ومثله قوله، وهو مقلوب: شعر : إن سراجاً لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تجهره تفسير : فالوجه ان الرجل يعجب العين وكان ينبغي ان يقول يحلى بالعين، كقوله: شعر : حليت بعينك ريطة مطويه تفسير : قال الرماني - التأويل الأول هو الصحيح، لانه ليس من باب التقديم والتأخير لما في ذلك من قلب المعنى وليس كالذي تبنيه الاعراب. وقوله {إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين} حكاية عما قال قوم قارون لقارون حين خوفوه بالله ونهوه عن الفرح بما آتاه الله من المال، وأمروه بالشكر عليه. والفرح المرح الذي يخرج إلى الانس، وهو البطر. ولذلك قال تعالى {إن الله لا يحب الفرحين} لانه إذا اطلقت صفة فرح فهو الخارج بالمرح إلى البطر، فأما قوله {أية : فرحين بما آتاهم الله من فضله} تفسير : فحسن جميل بهذا التقييد، وقال مجاهد: الفرحين هو فرح البطر.وقال الشاعر: شعر : ولست بمفراح إذا الدهر سرني ولا جازع من صرفه المتقلب تفسير : وقال آخر: شعر : ولا ينسيني الحدثان عرضي ولا أرخي من الفرح الازارا تفسير : وقوله {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} حكاية عما قال لقارون قومه المؤمنون بموسى وبتوحيد الله. وقال قوم: إن المخاطب له كان موسى وإن ذكر بلفظ الجمع ومعناه اطلب فيما أعطاك الله من الأموال {الدار الآخرة} بأن ينفقها في وجوه البر وسبيل الخير {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال ابن عباس: منعاه أن يعمل فيها بطاعة الله، وقال الحسن معناه: أن يطلب الحلال {وأحسن} اي افعل الجميل إلى الخلق. وتفضل عليهم، كما تفضل الله عليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تطلب الفساد بمنع ما يجب عليك من الحقوق، وانفاق الأموال في المعاصي {إن الله لا يحب المفسدين} أي لا يريد منافع من يفسد في الأرض، ولا يريد أن يفعل بهم ثواب الجنة. وقوله {قال إنما أوتيته على علم عندي} حكاية عما قال قارون في جواب قومه، فانه قال لهم: أوتيت هذه الأموال على علم بأني مستحق لذلك، لعلمي بالتوراة، وقال قوم: لاني أعمل الكيمياء، وقال قوم لعلمي بوجوه المكاسب، وبما لا يتهيأ لأحد أن يسلبني إياه، فقال الله تعالى موبخاً على هذا القول {أولم يعلم} قارون {أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط وغيرهم، فما اغنى عنهم جمعهم ولا قوتهم حين أراد الله إهلاكهم، فكيف ينفع قارون ماله وجمعه. وقوله {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} قال الفراء تقديره: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، فالهاء والميم للمجرمين، كما قال تعالى {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : وقال الحسن لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون لنعلم ذلك من قبلهم، وإن سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ. ثم حكى تعالى أن قارون {خرج على قومه في زينته} التي كان يتزين بها. وقيل: إنه كان خرج مع قومه عليهم في الديباج الأحمر على الخيل، فلما رآه الذين يريدون الحياة الدنيا من الكفار والمنافقين والضعيفي الايمان بما للمؤمنين عند الله من ثواب الجنة قالوا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون} تمنوا مثل منزلته، ومثل ماله وإنهم قالوا ان قارون {لذو حظ} من الدنيا ونعيمها {عظيم}. ثم حكى ما قال المؤمنون بثواب الله المصدقون بوعده في جوابهم {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} مما أوتي قارون، وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله {ولا يلقاها إلا الصابرون} أي ما يلقى مثل هذه الكلمة إلا الصابرون على أمر الله. وقيل: وما يلقى نعمة الله من الثواب إلا الصابرون. فان قيل: أليس عندكم أن الله لا يؤتي الحرام أحداً؟ وقد قال - ها هنا - {وابتغ فيما آتاك الله} فأخبر انه آتاه. قيل: لا يعلم أن ذلك المال كان حراماً، ويجوز أن يكون حلالا ورثه أو كسبه بالمكاسب والمتاجر، ثم لم يخرج حق الله منه وطغى فسخط الله عليه وعاقبه لطغيانه وعصيانه لا على كسب المال.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} استيناف جواب لسؤالٍ ناش من سابقه من حيث تعريضه كأنه قيل: الا ينفعهم ايمانهم بمحمّد (ص) بعد انكارهم لعلىٍّ (ع)؟- فقال تعالى: بغيهم على علىٍّ(ع) ذهب بايمانهم وبما عملوا فى ايمانهم لانّ قارون كان من قوم موسى (ع) {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} ولم ينفعه كونه من قوم موسى (ع) وخسف به الارض ببغيه {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} جمع المفتح بالكسر بمعنى المفتاح او جمع المفتح كمخزن بمعنى الخزانة والكنز {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ} ناء بالحمل نهض به مثقلاً وناء به الحمل اثقله والعصبة بالضّمّ من الرّجال والخيل والطّير ما بين العشرة الى الاربعين، وقيل: ما بين العشرة الى خمسة عشر، وقيل: اربعون رجلاً، وقيل: ما بين ثلاثة الى العشرة، وقيل: الجماعة المطلقة عن تعيين العدد {أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} وهذا ايضاً تعريض بالامّة ومترفيها ومن يفرح بما آتاه الله ويتأنّف عن خلفائه (ع) يظنّ انّ النّعمة له باستحقاقه من دون ظنّ الاستدراج بها {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} متعلّق بقوله بغى عليهم او بأتيناه {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} بانفاقها على مستحقّيها وفى سائر مصارف البرّ {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ} الاخروىّ {مِنَ ٱلدُّنْيَا} اى ممّا آتاك الله فى الدّنيا او من امتعة الدّنيا من الاموال والقوى والمدارك والصّحّة والفراغ والشّباب وغير ذلك بان تأخذ من جميع ذلك ما ينبغى ان يؤخذ للآخرة او المعنى لا تنس نصيبك الّذى انت محتاج اليه فى دنياك بان تنفق كلّ ما آتاك الله من الدّنيا فيكون على المعنى الاوّل تأكيداً لقوله: {وَٱبْتَغِ} (الآية) وعلى الثّانى يكون تأسيساً وامراً بالتّوسّط بين التّبذير والتّقتير {وَأَحْسِن} الى العباد او فى اعمالك او احسن النّعمة بالشّكر لها وصرفها فيما خلقت لها اوصر حسناً {كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} بتوفير نعمه {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} عن الصّادق (ع): فساد الظّاهر من فساد الباطن، ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته، ومن خان الله فى السّرّ هتك الله ستره فى العلانية، واعظم الفساد ان يرضى العبد بالغفلة عن الله تعالى، وهذا الفساد يتولّد من طول الامل والحرص والكبر كما أخبر الله تعالى فى قصّة قارون فى قوله: {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده، واصلها من حبّ الدّنيا وجمعها ومتابعة النّفس وهواها، واقامة شهواتها وحبّ المحمدة وموافقة الشّيطان واتّباع خطواته، وكلّ ذلك مجتمع تحت الغفلة عن الله ونسيان منّته، والمقصود من نقل هذا الخبر تنبيه نفسى وجميع اخوانى، فانّا قلّما ننفكّ عن الغفلة الّتى هى اصل كلّ فسادٍ ومنبع كلّ شرٍّ، وفّقنا الله وجميع المؤمنين لذكره وعدم الغفلة عنه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى} فهم بنوا اسرائيل ابن عمه وابن خالته وكان قد آمن به وقد قال بعضهم معنى كونه من قوم موسى انه ممن آمن وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهث وقيل كان موسى بن اخيه وكان يسمى المنور لحسن صورته وكان صورته حسنا وكان أقرأ بني اسرائيل للتوراة بعد موسى وهارون ولكن نافق كالسامري وقيل هو قارون بن عابر بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وفي عرائس القرآن انه قول الأكثر لأن ابن اسحاق قال تزوج يصهر بن قاهث سميت بنت ماري بنت بركيا بن يغشيان فولدت هارون وموسى فموسى على قول ابن اسحاق ابن اخي قارون عمه لأبيه لا ابن عمه. {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} تجبر عليهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ملكه فرعون على بني اسرائيل فكان يبغي عليهم ويظلمهم وقيل: أراد ان يكونوا تحت يده فاستطال عليهم فذلك بغيه وروى شيبان عن قتادة ان بغيه تكبره بالمال والولد لكثرتهما وعلى الأول سعيد وروى شيبان عن قتادة أن بغيه تكبره بالمال والولد لكثرتهما وعلى الأول سعيد بن المسيب وعن قتادة بغى عليهم بالكبر وعن سعيد بن المسيب بغى بكثرة ماله وكان أغوى أهل زمانه وعن عطاء وشهر بن حوشب بغيه زيادة في ثابه عليهم شبرا وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينظر الله الى من جر ثوبه خيلاء "تفسير : رواه ابن عمر وقيل بغيه حسده اياهم روي انه قال لموسى لك الرسالة ولهارون الحبورة وهي الامامة وانا في غير شيء لي متى اصبر وهذا بناء على انه ليس من بني اسرائيل. كما قال بعض انه ليس منهم وان معنى كونه من قوم موسى انه آمن به وقارون ممنوع الصرف للعلم والعجمة ولو كان فعولا من فرن لانصرف. {وَآَتَيْنَاهُ من الكُنُوزِ} من للابتداء متعلقة بآتينا أو تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من ما ويجوز كونها بيانية على هذا والكنز المال المدخر. {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء على القياس وهو آلة لفتح والمراد مفاتح صناديقه وقيل مفاتح بيوت امواله وهو ضعيف وقيل المفاتح خزائن امواله فالمفرد مفتح بفتح الميم والتاء وفي القاموس المفتح كمسكن الخزانة والكنز والمخزن. {لَتَنُوء بِالعُصْبَةِ} تثقل عليهم حتى تميل بهم اذا حملوها والعصبة الجماعة الكثيرة وقيل المراد هذا اربعون رجلا وقبل سبعون وقال ابن عباس العصبة ثلاثة وقال قتادة العصبة من عشرة الى اربعين وقال الضحاك ما بين الثلاثة الى العشرين وقال مجاهد من العشرين الى الخمسة وقيل المراد عشرة وقيل العصبة ما بين العشرة الى الخمسة عشر وفي رواية عن ابن عباس من العشرة الى الثلاثة وقيل من الأربعين الى الثلاثة وقيل من السعبين اليها وفي رواية عن ابن عباس محمل مفاتحه اربعون رجلا اقوى ما يكون من الرجال، كما قال الله سبحانه {أُوْلِي القُوَّةِ} وعن خيثمة وجدت في الانجيل ان مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا لا يزيد مفتاح على اصبع لكل مفتاح كنز ويقال أن قارون كان اين ذهب حمل معه المفاتح وكانت من حديد ولما ثقلت جعلها من خشب وثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصبع وكانت تحمل معه اذا ركب على اربعين بغلا قال ابو رزين يكفي الكوفة مفتاح يعني يكفيهم ما يفتح عنه المفتاح الواحد من الأموال وما مفعول ثاني لأتى على تضمنه معنى اعطى واما على مراعاة معناه الأصلي وهو جعل الشيء تيا فمفعول اول مؤخر وجملة تنوء خبر ان مكسورة الهمزة وجوبا لوقوعها صدر الصلة والصفة لما وقرأ الذيل بن ميسرة (لينوء) بالتحتية تذكير للمفاتح مع انها جماعة لاضافتها لمذكر لصحة ان تقول ثقل قارون عليهم وتريد ثقل بمفاتحه او يقدر مضاف مذكر اي ان حمل مفاتحه والباء بمعنى على او معاقبة لهمزة التعدية. {إِذْ} متعلق بتنوء او مفعول مذكر لادكر. {قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ} المؤمنون من بني اسرائيل والضميران لقارون وفسر بعضهم قومه بموسى والمؤمنين لا تفرح فرح بطر وحب للدنيا. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} بزخارف الدنيا فرح بطر وحب للدنيا فان الفرح بها مانع من محبة الله ونتيجة للذهول عن ذهابها والرضى بها والسكون اليها ومن استشعر قبله انه مفارق ما فيها عن قريب فلا تحدثه نفسه بالفرح ومن أحبها اشتد عليه ذهابها كما قال: اشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا وكن كما قال: شعر : ولست بمفراح اذا الدهر سرني ولا جازع من صرفه المتقلب تفسير : وفي البخاري يقال: الفرحين المرحين وفي الاحياء للغزالي: الفرح بالدنيا والتنعم بها سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال القيامة وذلك موت القلب والعياذ بالله فأولو الحزم من ارباب القلوب علموا ان النجاة في الحزن الدائم والتباعد من اسباب الفرح فقطعوا النفس عن ملاذها وعلموا ان حلالها حساب وهو نوع عذاب فخلصوا انفسهم من عذابها وتوصلوا الى الحرية والملك في الدنيا والخلاص من اسر الشهوات. قال بعض: لا تفرحن بكثرة العمل مع قلة الحزن واغتنم قليل العمل مع الحزن فان حزن الآخرة الدائم في القلب ينفي كل سرور الفته من سرور الدنيا وقليل سرور الدنيا في القلب ينفي عنك جميع حزن الآخرة ولم اجد شيئا أبلغ في الزهد من ثبات حزن الآخرة في القلب وعلامة حزن الآخرة في القلب انس العبد بالوحدة.
اطفيش
تفسير : {إنَّ قاروُون كانَ من قَوْم مُوسى} من بنى إسرائيل ابن عم موسى عند ابن عباس، فموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب، وقارون هو ابن بصهر بن قاهث، وعن ابن عباس هو ابن خالة موسى، وعن محمد بن إسحاق أنه عم موسى، فهو ابن يصهر بن قاهث، ويسمى المنور لحسن صورته، وكان أحفظ للتوراة من بنى إسرائيل، ونافق كالسامرى، لما جاوز موسى البحر صارت الرسالة والحبورة لهارون، والقربان والمذبح، وكانا لموسى فأعطاهما هارون فحسدهما فقال: الأمر لكما، فمالى الى متى أصبر؟ فقال: هذا صنع الله، فقال: لا أصدقك إلا بآية فجمع عصى رؤساء بنى إسرائيل فى قبة الوحى التى ينزل عليه فيها الوحى، وحرقوها فاذا عصا هارون عليه السلام مورقة خضراء وهى من شجر اللوز، فقال: ما هذا بأعجب من سائر سحرى. {فبغَى عَليْهم} الفاء للترتيب الذكرى لا الرتبى ولا الزمانى، كأنه قيل: أذكر لكم بعد ذكرى أنه من قوم موسى، أنه بغى عليهم، أو للسببية إذ لو لم يكونوا من قومه، بل أجانب لم يتيسر له البغى عليهم، أو يقدر ضل فبغى، والضلال سبب البغى، وهذا البغى ظلم وتكبر وطلب أن يكونوا تحته، وما ليس له، أو بغى عليهم بطلب ما مر آنفاً مما لموسى وهارون، أو ظلمهم حين ولاه فرعون عليهم، ومن كبره أنه زاد فى ثيابه شبرا جعله فرعون واليا على بنى إسرائيل، فكان يظلمهم، ويجوز عود الهاء الى القوم وموسى لذكرهما معا، أو على طريق ذكر بنى آدم، وإرادة ما شمل آدم، كما روى أنه طلب من موسى أن يعظ الناس، فلما وعظهم بالنهى عن الزنى والجلد عليه أو الرجم، قال له قارون: ولو أنت؟ قال: نعم، فقال: إن فلانة البغى تقول زنيت بها، وقد جعل لها مالا على أن ترميه فسلها بالله والتوراة، هل كان ذلك؟ قالت: لا، لكن جعل لى مالا على ذلك، فقال: يا رب إن كنت نبيا فاهلكه، فسلط له عليه الأرض، فنادى ان الله تعالى أرسلنى الى قارون، كما أرسلنى الى فرعون، فليعزل عنه من كان معى، فما بقى معه إلا رجلان فأمر الأرض فأخذت أسرتهم فغيبتها، وقال: خذيهم يا أرض، فأخذتهم الى أوساطهم، وقال: خذيهم، فأخذتهم الى أعناقهم، وقال: خذيهم، فغيبتهم، وفى كل هم يستغثون بموسى وبالرحم، فقال الله جل وعلا: ما أقساك يا موسى لو استغاثوا بى مرة لنجيتهم. {وآتيناه من الكنوز} من الأموال المدخرة مجاز مطلق لعلاقة الإطلاق والتقييد، إذا قلنا الكنز هو المدخر بقيد كونه مدفونا، وقيل: الكنز المدخر مطلقا فلا مجاز، وذكر بعض المحققين أنها سميت كنوزا لأنه طالبه موسى بزكاتها، فلم يؤدها، وذلك من أسباب عداوته، ويبحث بأن المعنى حينئذ آتيناه من الأمال التى لم تزك، ويجاب بأنه لا بأس بهذا المعنى، لأن المعنى أكسبناه أموالا ادخرها بلا زكاة، فهى من حقيقة أموال لم تزك، وأل للحقيقة، وعن عطاء: المعنى أطلعناه على أموال مدفونة من عهد يوسف عليه السلام، والكنز مطلق المدفون مع أنه لم يزك بعد يوسف، وإذا صحت هذه الزكاة فى شرعهم، فليست كما هى فى شرعنا، ويبحث بأن قوله: "أية : على علم عندى"تفسير : [القصص: 78] يدل على أنها بالصنع، إلا أن يقال اطلعت على ذلك الدفين باستعمال ما اطلع به عليه، وقيل: كان يستعمل كل ما وجد من حديد أو نحاس أو رصاص ذهبا أو فضة، ولما أخذته الأرض، وكان يتلجلج فيها الى يوم القيامة، أذهب الله تعالى تلك الأموال كلها، وبيعته الله تعالى يوم القيامة من حيث هو. {ما إنَّ مفاتحه} جمع مفتح بفتح الميم اسم مكان بمعنى خزانة، وهى نفس المال المخزون، أو صندوقه وما يخزن فيه، قيل: أو جمع مفتح بكسرها اسم آلة الفتح، ويناسبه قراءة الأعمش: مفاتيحه بالياء بعد التاء جمع مفتاح بالألف، وهو آلة الفتح، وقراءة بديل بن ميسرة ما إن مفاتحه إلا أنه لا يناسبه قوله تعالى: {لتنُوءُ بالمعُصْبة أولى القُوَّة} فان هذه العصبة إنما تثقل عليهم الأموال وظروفها، ولا يتصور أن يوجد من آلات الفتح ما يثقل عليهم، كما كذبوا بأنها وقر سبعين بغلا، وأنها من جلود، وأن كل مفتاح كالأصبع، وأنها تجمع وتحمل، ومن يعرف كل مفتاح وبابه وبيته، والعصبة سبعون رجلا عن أبى صالح، وأربعون عند ابن عباس، وعشرة الى أربعين عند قتادة، وخمسة عشر الى أربعين عند الكلبى، وقيل: من الثلاثة الى العشرة، وعن مجاهد من عشرة الى خمسة عشر، وانما الذى تقبله الآية الكريمة ما روى عن ابن عباس: أن المفاتح الخزائن، وأنه يحملها أربعون رجلا أقوياء، وكانت أربعمائة ألف يحمل، كل رجل عشرة آلاف، يقال ناء به الحمل أثقله، والباء للتعدية كذهب به بمعنى أذهبه. {إذْ قال} متعلق بمحذوف أى أحسس به إذ قال {له قَوْمه لا تَفْرح} فرح بطرور كون للدنيا {إِنَّ الله لا يحُبُّ الفَرحين} إلخ فلم يتعظ لا بافتخر، لأنه افتخر قبل قولهم، وزاد فى ثيابه شبرا، إلا أن يراد باذ الوقت الشامل لذلك، وقد أمرهم الله تعالى بخيوط خضر فى أطراف ثيابهم علامة للعبودية، يتذكرون بها الله تعالى، وما أنزل من الوحى، فأبى هو فقال: إنما يفعل هذا بالعبيد ليمتازوا لساداتهم، وهذا أول بغيه، وبعد ذلك طلبه موسى عليه السلام للزكاة، فصالحه بواحد من كل جنس بعير من ألف بعير، وبقرة من ألف بقرة، وشاة من الف شاة، ودينار من ألف دينار، ودرهم من ألف درهم، وهكذا فامتنع فاتفق مع قوم أن يرشوا بغيا بألف دينار وألف درهم، وقيل: بطسة من ذهب، وقيل: بأن يخلطها بنسائه على أن تقذف موسى فتابت وأخبرت موسى عليه السلام بذلك كما مر، والفرحون الذين لا يحبهم الله من يفرحون بالدنيا فرحا يلهيهم عن حقوق الله فى أبدانهم وأموالهم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ قَـٰرُونَ } اسم أعجمي منع الصرف للعلمية والعجمة / {كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ } أي من بني إسرائيل كما هو الظاهر، وحكى ابن عطية الإجماع عليه، واختلف في جهة قرابته من موسى عليه السلام فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جريج وقتادة وإبراهيم أنه ابن عم موسى عليه السلام فموسى بن عمران بن قاهث بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة ابن لاوى بالقصر ابن يعقوب عليه السلام وهو ابن يصهر بياء تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة ابن قاهث الخ. وفي «مجمع البيان» عن عطاء عن ابن عباس أنه ابن خالة موسى عليه السلام، وروي ذلك عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه. وحكي عن محمد بن إسحاق أنه عم موسى عليه السلام وهو ظاهر على قول من قال: إن موسى عليه السلام ابن عمران بن يصهر بن قاهث وهو ابن يصهر بن قاهث وكان يسمى المنور لحسن صورته وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم لكنه نافق كما نافق السامري؛ وقال: إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان لهارون فمالي؟ وروي أنه لما جاوز بهم موسى عليه السلام البحر وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأساً فيهم وكان القربان إلى موسى عليه السلام فجعله لأخيه هارون وجد قارون في نفسه فحسدهما فقال لموسى الأمر لكما ولست على شيء إلى متى أصبر قال موسى عليه السلام هذا صنع الله تعالى قال والله تعالى لا أصدقك حتى تأتي بآية فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجىء كل واحد بعصاه فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ } فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره أو تكبر عليهم وعد من تكبره أنه زاد في ثيابه شبراً أو ظلمهم وطلب ما ليس حقه قيل: وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل. وقيل: حسدهم وطلب زوال نعمهم، وذلك ما ذكر منه في حق موسى وهارون عليهما السلام، والفاء فصيحة أي ضل فبغى، وجوز أن تكون على ظاهرها لأن القرابة كثيراً ما تدعو إلى البغي. {وَءاتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ } أي الأموال المدخرة فهو مجاز بجعل المدخر كالمدفون إن كان الكنز مخصوصاً به، وحكى في «البحر» أنه سميت أمواله كنوزاً لأنها لم تؤد منها الزكاة وقد أمره موسى عليه السلام بأدائها فأبـى وهو من أسباب عداوته إياه، وقيل: الكنوز هنا الأموال المدفونة وكان كما روي عن عطاء قد أظفره الله تعالى بكنز عظيم من كنوز يوسف عليه السلام {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } أي مفاتح صناديقه فهو على تقدير مضاف أو الإضافة لأدنى ملابسة وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به. وقال السدي: أي خزائنه وفي معناه قول الضحاك أي ظروفه وأوعيته، وروي نحو ذلك عن ابن عباس والحسن، وقياس واحده على هذا المفتح بالفتح لأنه اسم مكان، ويؤيد ما تقدم قراءة الأعمش (مفاتيحه) بياء جمع مفتاح و {مَا } موصولة ثاني مفعولي آتي ومفاتحه اسم إن وقوله تعالى: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} خبرها والجملة صلة (ما) والعائد الضمير المجرور، ومنع الكوفيون جواز كون الجملة المصدرة بإن صلة للموصول، قال النحاس: سمعت علي بن سليمان - يعني الأخفش الصغير - يقول ما أقبح ما يقوله الكوفيون في الصلات أنه لا يجوز أن تكون صلة / الذي إن وما عملت فيه وفي القرآن ما إن مفاتحه انتهى، ولا يخفى أن المانع من ذلك إن كان عدم السماع فالرد عليهم لا يتم إلا بشاهد لا يحتمل غير ذلك و {مَا } في الآية تحتمل أن تكون نكرة موصوفة وإن كان المانع كون إن تقع في ابتداء الكلام فلا ترتبط الجملة المصدرة بها بما قبلها فالرد بالآية المذكورة عليهم تام لأن المانع المذكور كما يمنع كون الجملة صلة يمنع كونها صفة فتدبر. و {تنوء} من ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله فالباء للتعدية كما في ذهبت به، والعصبة الجماعة الكثيرة من غير تعيين لعدد خاص على ما ذكره الراغب، ومن أهل اللغة من عين لها مقداراً واختلفوا فيه فقيل من عشرة إلى خمسة عشر وهو مروي هنا عن مجاهد، وقيل: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين وروي ذلك عن الكلبـي، وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة إلى أربعين وروي هذا عن قتادة وقيل: أربعون، وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل: سبعون، وروي ذلك عن أبـي صالح مولى أم هانىء وقال الخفاجي: قد يقال إن أصل معناها الجماعة مطلقاً كما هو مقتضى الاشتقاق ثم إن العرف خصها بعدد واختلف فيه أو اختلف بحسب موارده، وقال أبو زيد: تنوء من نؤت بالحمل إذا نهضت به قال الشاعر:شعر : تنوء بأخراها فلأيا قيامها وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر تفسير : وفي الآية على هذا قلب عند أبـي عبيدة ومن تبعه والأصل تنوء العصبة بها أي تنهض، وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة إذا نهضت العصبة بها، والأولى ما قدمناه أولاً وهو منقول عن الخليل وسيبويه والفراء واختاره النحاس، وروي معناه عن ابن عباس وأبـي صالح والسدي. وقرأ بديل بن ميسرة {لينوء} بالباء التحتية، وخرج ذلك أبو حيان على تقدير مضاف مذكر يرجع إليه الضمير أي ما إن حمل مفاتحه أو مقدارها أو نحو ذلك، وقال ابن جني: ذهب بالتذكير إلى ذلك القدر والمبلغ فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه ونحوه، قول الراجز:شعر : مثل الفراخ نتفت حواصله تفسير : أي حواصل ذلك أو حواصل ما ذكرنا، وقال الزمخشري: وجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال كقولك ذهبت أهل اليمامة انتهى، وإنما فسر المفاتح بالخزائن دون ما يفتح به ليتم الاتصال فإن اتصال الخزائن بالمخزون فوق اتصال المفاتيح به بل لا اتصال للثاني وحينئذٍ يكتسي التذكير من المضاف إليه كما اكتسى التأنيث من عكسه كالمثال الذي ذكره، وما تقدم عن غيره أولى. قال في «الكشف» لأن تفسير المفاتح بالخزائن ضعيف جداً لفوات المبالغة، وقيل: إن المفاتح بذلك المعنى غير معروف وقد سمعت أنه تفسير مأثور فإذا صح ذلك فلا يلتفت إلى ما ذكر من هذا وكلام «الكشف»، وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ {ما إن مفتاحه} على الإفراد فلا تحتاج قراءته {لينوء} بالياء إلى تأويل، وقد بولغ في كثرة مفاتيحه فروي عن خيثمة أنها كانت وقر ستين بغلاً أغر محجلاً ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز، وفي رواية أخرى عنه كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً. وفي «البحر» ذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذب أو يقارب الكذب فلم أكتبه، ومما لا مبالغة فيه ما روي عن ابن عباس من أن المفاتح الخزائن وكانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء وكانت أربعمائة ألف يحمل كل رجل عشرة آلاف وعليه فأمثال قارون في الناس أكثر من خزائنه، ولعل الآية تشير إلى ما أوتيه فوق ذلك، ولا أظن الأمر كما روي عن خيثمة، وأبعد أبو مسلم في تفسير الآية فقال: المراد من المفاتح العلم والإحاطة / كما في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }تفسير : [الأنعام: 59] والمراد وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها القائمين على حفظها. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ }. قال الزمخشري: هو متعلق بتنوء وضعف بأن أثقال المفاتح العصبة ليس مقيداً بوقت قول قومه، وقال ابن عطية: ببغى، وضعف بنحو ذلك، وقال أبو البقاء: بآتينا، ويجوز أن يكون ظرفاً لمحذوف دل عليه الكلام أي بغى عليهم إذ قال، وفي كل منهما ما سبق، وقال الحوفي منصوب باذكر محذوفاً، وجوز كونه متعلقاً بما بعده من قوله تعالى: {أية : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ }تفسير : [القصص: 78] والجملة مقررة لبغيه ورجح تعلقه بمحذوف والتقدير أظهر التفاخر والفرح بما أوتي إذ قال له قومه {لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر والفرح بالدنيا لذاتها مذموم لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتماً كما قال أبو الطيب:شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : وقال ابن شمس الخلافة:شعر : وإذا نظرت فإن بؤساً زائلاً للمرء خير من نعيم زائل تفسير : ولذلك قال عز وجل: {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } تفسير : [الحديد: 23] والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير قال الشاعر:شعر : ولست بمفراح إذا الدهر سرني ولا جازع من صرفه المتقلب تفسير : وقال آخر:شعر : إن تلاق منفساً لا تلقنا فرح الخير ولانكبو لضر تفسير : وعلل سبحانه النهي هٰهنا بكون الفرح مانعاً من محبته عز وجل فقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } فهو دليل إنيِّ على كون الفرح بالدنيا مذموماً شرعاً، وإنما قلنا: إن الفرح بها لذاتها مذموم لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم، ومحبة الله تعالى عنه كثير صفة فعل أي إنه تعالى لا يكرم الفرحين بزخارف الدنيا ولا ينعم جل شأنه عليهم ولا يقربهم عز وجل، والمراد أنه تعالى يبغضهم ويهينهم ويبعدهم عن حضرته سبحانه، وقال بعضهم: إن في نفي محبته تعالى إياهم تنبيهاً على أن عدم محبته تعالى كاف في الزجر عما نهى عنه فما بالك بالبغض والعقاب وهو حسن، وحكى عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرىء {الفارحين}.
سيد قطب
تفسير : مضت مطالع السورة بقصة موسى وفرعون، وقد عرضت فيها قوة السلطان والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم، والكفران بالله، والبعد عن هداه. والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر، والاستكبار على الخلق وجحود نعمة الخالق. وتقرر حقيقة القيم، فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح؛ مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد. ولا يحدد القرآن زمان القصة ولا مكانها؛ إنما يكتفي بأن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم. فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج؟ أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟ هناك روايات تقول: إنه كان ابن عم لموسى ـ عليه السلام ـ وأن الحادث وقع في زمان موسى. ويزيد بعضها فيذكر أن قارون آذى موسى، ودبر له مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة بامرأة معينة في مقابل رشوة من المال، فبرأ الله موسى وأذن له في قارون، فخسفت به الأرض.. ولسنا في حاجة إلى كل هذه الروايات، ولا إلى تحديد الزمان والمكان. فالقصة كما وردت في القرآن كافية لأداء الغرض منها في سياق السورة، ولتقرير القيم والقواعد التي جاءت لتقريرها. ولو كان تحديد زمانها ومكانها وملابساتها يزيد في دلالتها شيئاً ما ترك تحديدها. فلنستعرضها إذن في صورتها القرآنية، بعيدة عن تلك الروايات التي لا طائل وراءها.. {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم؛ وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة. إذ قال له قومه: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين. قال: إنما أوتيته على علم عندي}.. هكذا تبدأ القصة فتعين اسم بطلها {قارون} وتحدد قومه {قوم موسى} وتقرر مسلكه مع قومه، وهو مسلك البغي {فبغى عليهم} وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة}.. ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس. لقد كان قارون من قوم موسى، فآتاه الله مالاً كثيراً، يصور كثرته بأنه كنوز ـ والكنز هو المخبوء المدخر من المال الفائض عن الاستعمال والتداول ـ وبأن مفاتح هذه الكنوز تعيي المجموعة من أقوياء الرجال.. من أجل هذا بغى قارون على قومه. ولا يذكر فيم كان البغي، ليدعه مجهلاً يشمل شتى الصور. فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم ـ كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان ـ وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال. حق الفقراء في أموال الأغنياء، كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه، فتفسد القلوب، وتفسد الحياة. وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب. وعلى أية حال فقد وجد من قومه من يحاول رده عن هذا البغي، ورجعه إلى النهج القويم، الذي يرضاه الله في التصرف بهذا الثراء؛ وهو نهج لا يحرم الأثرياء ثراءهم؛ ولا يحرمهم المتاع المعتدل بما وهبهم الله من مال؛ ولكنه يفرض عليهم القصد والاعتدال؛ وقبل ذلك يفرض عليهم مراقبة الله الذي أنعم عليهم، ومراعاة الآخرة وما فيها من حساب: {إذ قال له قومه: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين}. وفي هذا القول جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة. {لا تفرح}.. فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ.. لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال؛ وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران. لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه؛ ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد.. {إن الله لا يحب الفرحين}.. فهم يردونه بذلك إلى الله، الذي لا يحب الفرحين المأخوذين بالمال، المتباهين، المتطاولين بسلطانه على الناس. {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا}.. وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم. المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة. ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة. بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفاً، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها. لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس؛ وليعلموا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض. ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها. والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها. فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى. وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة. {وأحسن كما أحسن الله إليك}.. فهذا المال هبة من الله وإحسان. فليقابل بالإحسان فيه. إحسان التقبل وإحسان التصرف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكران. {ولا تبغ الفساد في الأرض}.. الفساد بالبغي والظلم. والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة. والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء. والفساد بإنفاق المال في غير وجهه أو إمساكه عن وجهه على كل حال. {إن الله لا يحب المفسدين}.. كما أنه لا يحب الفرحين. كذلك قال له قومه: فكان رده جملة واحدة، تحمل شتى معاني الفساد والإفساد: {قال: إنما أوتيته على علم عندي}! إنما أوتيت هذا المال استحقاقاً على علمي الذي طوع لي جمعه وتحصيله. فما لكم تملون عليَّ طريقة خاصة في التصرف فيه، وتتحكمون في ملكيتي الخاصة، وأنا إنما حصلت هذا المال بجهدي الخاص، واستحققته بعلمي الخاص؟ إنها قولة المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها، ويفتنه المال ويعميه الثراء. وهو نموذج مكرر في البشرية. فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه. ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حساباً، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه! والإسلام يعترف بالملكية الفردية، ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها؛ ولا يهون من شأن الجهد الفردي أو يلغيه. ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجاً معيناً للتصرف في الملكية الفردية ـ كما يفرض منهجاً لتحصيلها وتنميتها ـ وهو منهج متوازن متعادل، لا يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف ولا في إمساكه حتى التقتير؛ ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال، ورقابتها على طرق تحصيله، وطرق تنميته. وطرق إنفاقه والاستمتاع به. وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات. ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم. وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم. ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية، رداً على قولته الفاجرة المغرورة: {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً؟ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون}. فإن كان ذا قوة وذا مال، فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشد منه قوة وأكثر مالاً. وكان عليه أن يعلم هذا. فهذا هو العلم المنجي. فليعلم. وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم. فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد! {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون}! ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة، يتجلى فيه البغي والتطاول، والإعراض عن النصح، والتعالي على العظة، والإصرار على الفساد، والاغترار بالمال، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران. ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه، فتطير لها قلوب فريق منهم، وتتهاوى لها نفوسهم، ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون، ويحسون أنه أوتي حظاً عظيماً يتشهاه المحرومون. ذلك على حين يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون، ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين، في ثقة وفي يقين: {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثلما أوتي قارون. إنه لذو حظ عظيم. وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم! ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون}. وهكذا وقفت طائفة منهم أمام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهاوي المتهافت، ووقفت طائفة أخرى تستعلي على هذا كله بقيمة الإيمان، والرجاء فيما عند الله، والاعتزاز بثواب الله. والتقت قيمة المال وقيمة الإيمان في الميزان: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون. إنه لذو حظ عظيم}.. وفي كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب، وتبهر الذين يريدون الحياة الدينا، ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها؛ فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته؟ ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة؟ من مال أو منصب أو جاه. ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى، كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع، غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه، ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه، ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها. فأما المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيم الحياة، وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع. وهم أعلى نفساً، وأكبر قلباً من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعاً. ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد. وهؤلاء هم {الذين أوتوا العلم}. العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم: {وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون}. ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون. والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقاها إلا الصابرون.. الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم. الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها. الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون. وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة. درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض، والتطلع إلى ثواب الله في رضى وثقة واطمئنان. وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل يد القدرة لتضع حداً للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطماً. ويجيء المشهد الثالث حاسماً فاصلاً: {فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين}.. هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة: {فخسفنا به وبداره الأرض} فابتلعته وابتلعت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقاً. وذهب ضعيفاً عاجزاً، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال. وهوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس؛ وردتهم الضربة القاضية إلى الله؛ وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال. وكان هذا المشهد الأخير: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: وي! كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر. لولا أن منَّ الله علينا لخسف بنا. وي! كأنه لا يفلح الكافرون}.. وقفوا يحمدون الله أن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما آتى قارون. وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة. وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله. فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب. ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف. إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء. وعلموا أن الكافرين لا يفلحون. وقارون لم يجهر بكلمة الكفر ولكن اغتراره بالمال، ونسبته إلى ما عنده من العلم جعلهم يسلكونه في عداد الكافرين، ويرون في نوع هلاكه أنه هلاك للكافرين. ويسدل الستار على هذا المشهد. وقد انتصرت القلوب المؤمنة بتدخل القدرة السافرة، وقد رجحت قيمة الإيمان في كفة الميزان.. ثم يأخذ في التعقيب في أنسب أوان: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً. والعاقبة للمتقين}.. تلك الآخرة التي تحدث عنها الذين أوتوا العلم. العلم الحق الذي يقوم الأشياء قيمتها الحقيقية. تلك الدار الآخرة العالية الرتبة البعيدة الآفاق. تلك الدار الآخرة {نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً}.. فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم لأنفسهم؛ ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بها. إنما يتوارى شعورهم بأنفسهم ليملأها الشعور بالله، ومنهجه في الحياة. أولئك الذين لا يقيمون لهذه الأرض وأشيائها وأعراضها وقيمتها وموازينها حساباً. ولا يبغون فيها كذلك فساداً. أولئك هم الذين جعل الله لهم الدار الآخرة. تلك الدار العالية السامية. {والعاقبة للمتقين} الذين يخشون الله ويراقبونه ويتحرجون من غضبه ويبتغون رضاه. وفي تلك الدار الآخرة يقع الجزاء كما كتب الله على نفسه. الحسنة بأضعافها وبما هو خير منها. والسيئة بمثلها رحمةً بضعف الخلق وتيسيراً: {من جاء بالحسنة فله خير منها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون}..
ابن عاشور
تفسير : {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِى القُوَّةِ} كان من صنوف أذى أيمة الكفر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ومن دواعي تصلبهم في إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم وقالوا {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [ الزخرف: 31] أي على رجل من أهل الثروة فهي عندهم سبب العظمة ونبزهم المسلمين بأنهم ضعفاء القوم، وقد تكرر في القرآن توبيخهم على ذلك كقوله {أية : وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً}تفسير : [ سبأ: 35] وقوله {أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة}تفسير : [المزمل: 11] الآية. روى الواحدي عن ابن مسعود وغيره بأسانيد: إن الملأ من قريش وسادتهم منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والمطعم بن عدي والحارث بن نوفل. قالوا: «أيريد محمد أن نكون تبعاً لهؤلاء (يعنون خباباً، وبلالاً، وعماراً، وصهيباً) فلو طرد محمد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم له في صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأنزل الله تعالى {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم}تفسير : إلى قوله {أية : بالشاكرين}تفسير : [الأنعام: 52 - 53]. وكان فيما تقدم من الآيات قريباً قوله تعالى {أية : وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها}تفسير : إلى قوله {أية : من المحضرين}تفسير : [القصص: 60 - 61] كما تقدم. وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم السالفة فضرب في هذه السورة لحال تعاظمهم بأموالهم مثلاً بحال قارون مع موسى وأن مثل قارون صالح لأن يكون مثلاً لأبي لهب ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه في قرابتهما من النبي صلى الله عليه وسلم وأذاهما إياه، وللعاصي بن وائل السهمي في أذاه لخباب بن الأرتّ وغيره، وللوليد بن المغيرة من التعاظم بماله وذويه. قال تعالى {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالا ممدوداً}تفسير : [ المدثر: 11 - 12] فإن المراد به الوليد بن المغيرة. فقوله {إن قارون كان من قوم موسى} اسئناف ابتدائي لذكر قصة ضربت مثلاً لحال بعض كفار مكة وهم سادتهم مثل الوليد بن المغيرة وأبي جهل بن هشام ولها مزيد تعلق بجملة {أية : وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} تفسير : [القصص: 60] إلى قوله {أية : ثم هو يوم القيامة من المحضرين}تفسير : [القصص: 61]. ولهذه القصة اتصال بانتهاء قصة جند فرعون المنتهية عند قوله تعالى {أية : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا }تفسير : [القصص: 46] الآية. و {قارون} اسم معرب أصله في العبرانية (قورح) بضم القاف مشبعة وفتح الراء، وقع في تعريبه تغيير بعض حروفه للتخفيف، وأجري وزنه على متعارف الأوزان العربية مثل طالوت، وجالوت، فليست حروفه حروف اشتقاق من مادة قرن. و (قورح هذا ابن عم موسى عليه السلام دنيا)، فهو قورح بن يصهار بن قهات بن لاوى بن يعقوب. وموسى هو ابن عمرم المسمى عمران في العربية ابن قاهت فيكون يصاهر أخا عمرم، وورد في الإصحاح السادس عشر من سفر العدد أن (قُورَح) هذا تألب مع بعض زعماء بني إسرائيل مائتين وخمسين رجلاً منهم على موسى وهارون عليهما السلام حين جعل الله الكهانة في بني هارون من سبط (لاوى) فحسدهم قورح إذ كان ابن عمهم وقال لموسى وهارون: ما بالكما ترتفعان على جماعة الرب إن الجماعة مقدسة والرب معها فغضب الله على قورح وأتباعه وخسف بهم الأرض وذهبت أموال (قورح) كلها، وكان ذلك حـين كان بنو إسرائيل على أبواب (أريحا) قبل فتحها. وذكر المفسرون أن فرعون كان جعل (قورح) رئيساً على بني إسرائيل في مصر وأنه جمع ثروة عظيمة. وما حكاه القرآن يبين سبب نُشُوء الحسد في نفسه لموسى لأن موسى لما جاء بالرسالة وخرج ببني إسرائيل زال تأمّر {قارون} على قومه فحقد على موسى. وقد أكثر القصاص من وصف بذخة قارون وعظمته ما ليس في القرآن. وما لهم به من برهان. وتلقفه المفسرون حاشا ابن عطية. وافتتاح الجملة بحرف التوكيد يجوز أن يكون لإفادة تأكيد خبر {إن} وما عطف عليه وتعلق به مما اشتملت عليه القصة وهو سوء عاقبة الذين تغرهم أموالهم وتزدهيهم فلا يكترثون بشكر النعمة ويستخفون بالدين، ويكفرون بشرائع الله لظهور أن الإخبار عن قارون بأنه من قوم موسى ليس من شأنه أن يتردد فيه السامع حتى يؤكد له، فمصب التأكيد هو ما بعد قوله {إذ قال له قومه لا تفرح} إلى آخر القصة المنتهية بالخسف. ويجوز أن تكون {إن} لمجرد الاهتمام بالخبر ومناط الاهتمام هو مجموع ما تضمنته القصة من العبر التي منها أنه من قوم موسى فصار عدواً له ولأتباعه، فأمره أغرب من أمر فرعون. وعدل عن أن يقال: كان من بني إسرائيل، لما في إضافة {قوم} إلى {موسى} من الإيماء إلى أن لقارون اتصالاً خاصاً بموسى فهو اتصال القرابة. وجملة {فبغى عليهم} معترضة بين جملة {إن قارون كان من قوم موسى} وجملة {وءاتيناه من الكنوز}، والفاء فيها للترتيب والتعقيب، أي لم يلبث أن بطر النعمة واجترأ على ذوي قرابته، للتعجيب من بغي أحد على قومه كما قال طرفة: شعر : وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد تفسير : والبغي: الاعتداء، والاعتداء على الأمة الاستخفاف بحقوقها، وأول ذلك خرق شريعتها. وفي الإخبار عنه بأنه {من قوم موسى} تمهيد للكناية بهذا الخبر عن إرادة التنظير بما عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي بعض قرابته من المشركين عليه. وفي قوله {إن قارون كان من قوم موسى} محسّن بديعي وهو ما يسمى النثر المتزن، أي النثر الذي يجيء بميزان بعض بحور الشعر، فإن هذه الجملة جاءت على ميزان مصراع من بحر الخفيف، ووجه وقوع ذلك في القرآن أن الحال البلاغي يقتضي التعبير بألفاظ وتركيب يكون مجموعه في ميزان مصراع من أحد بحور الشعر. وجملة {إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} صلة {ما} الموصولة عند نحاة البصرة الذين لا يمنعون أن تقع {إن} في افتتاح صلة الموصول. ومنع الكوفيون من ذلك واعتُذر عنهم بأن ذلك غير مسموع في كلام العرب ولذلك تأولوا {ما} هنا بأنها نكرة موصوفة وأن الجملة بعدها في محل الصفة. والمفاتح: جمع مفتح بكسر الميم وفتح المثناة الفوقيية وهو آلة الفتح، ويسمى المفتاح أيضاً. وجمعه مفاتيح وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : في سورة [الأنعام: 59]. و{الكنوز}: جمع كنز وهو مختزن المال من صندوق أو خزانة، وتقدم في قوله تعالى {أية : لولا أنزل عليه كنز}تفسير : في سورة [هود: 12]، وأنه كان يقدر بمقدار من المال مثل ما يقولون: بدرة مال، وأنه كان يجعل لذلك المقدار خزانة أو صندوق يسعه ولكل صندوق أو خزانة مفتاحه. وعن أبي رزين لقيط بن عامر العُقيلي أحد الصحابة أنه قال «يكفي الكوفة مفتاح» أي مفتاح واحد، أي كنز واحد من المال له مفتاح، فتكون كثرة المفاتيح كناية عن كثرة الخزائن وتلك كناية عن وفرة المال فهو كناية بمرتبتين مثل: شعر : جبان الكلب مهزول الفصيل تفسير : {وتنوء): تثقل. ويظهر أن الباء في قوله {بالعصبة} باء الملابسة أن تثقل مع العصبة الذين يحملونها فهي لشدة ثقلها تثقل مع أن حملتها عصبة أولو قوة وليست هذه الباء باء السببية كالتي في قول امرىء القيس:شعر : وأردف إعجازاً وناء بكلكل تفسير : ولا كمثال صاحب «الكشاف»: ناء به الحمل، إذا أثقله الحمل حتى أماله. وأما قول أبي عبيدة بأن تركيب الآية فيه قلب، فلا يقبله من كان له قلب. والعُصبة: الجماعة، وتقدم في سورة يوسف. وأقرب الأقوال في مقدارها قول مجاهد أنه من عشرة إلى خمسة عشر. وكان اكتسب الأموال في مصر وخرج بها. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ * وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلاَْخِرَةَ} {إذ} ظرف منصوب بفعل (بغى عليهم) والمقصود من هذا الظرف القصة وليس القصد به توقيت البغي ولذلك قدره بعض المفسرين متعلقاً بــــ (أذكر) محذوفاً وهو المعني في نظائره من القصص. والمراد بالقوم بعضهم إما جماعة منهم وهم أهل الموعظة وإما موسى عليه السلام أطلق عليه اسم القوم لأن أقواله قدوة للقوم فكأنهم قالوا قوله. والفرح يطلق على السرور كما في قوله تعالى {أية : وفرحوا بها}تفسير : في [يونس: 22]. ويطلق على البطر والازدهاء، وهو الفرح المفرط المذموم، وتقدم في قوله تعالى {أية : وفرحوا بالحياة الدنيا}تفسير : في سورة [الرعد: 26] وهو التمحض للفرح. والفرح المنهيّ عنه هو المفرط منه، أي الذي تمحض للتعلق بمتاع الدنيا ولذات النفس به لأن الانكباب على ذلك يميت من النفس الاهتمام بالأعمال الصالحة والمنافسة لاكتسابها فينحدر به التوغل في الإقبال على اللذات إلى حضيض الإعراض عن الكمال النفساني والاهتمام بالآداب الدينية، فحذف المتعلق بالفعل لدلالة المقام على أن المعنى لا تفرح بلذات الدنيا معرضاً عن الدين والعمل للآخرة كما أفصح عنه قوله {وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة}. وأحسب أن الفرح إذا لم يعلق به شيء دل على أنه صار سجية الموصوف فصار مراداً به العجب والبطر. وقد أشير إلى بيان المقصود تعضيداً لدلالة المقام بقوله {إن الله لا يحب الفرحين}، أي المفرطين في الفرح فإن صيغة (فعل) صيغة مبالغة مع الإشارة إلى تعليل النهي، فالجملة علة للتي قبلها، والمبالغة في الفرح تقتضي شدة الإقبال على ما يفرح به وهي تستلزم الإعراض عن غيره فصار النهي عن شدة الفرح رمزاً إلى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك. وابتغاء الدار الآخرة طلبها، أي طلب نعيمها وثوابها. وعلق بفعل الابتغاء قوله {فيما ءاتاك الله} بحرف الظرفية، أي اطلب بمعظمه وأكثره. والظرفية مجازية للدلالة على تغلغل ابتغاء الدار الآخرة في ما آتاه الله وما آتاه هو كنوز المال، فالظرفية هنا كالتي في قوله تعالى {أية : وارزقوهم فيها واكسوهم}تفسير : [النساء: 5] أي منها ومعظمها، وقول سبرة بن عمرو الفقعسي:شعر : نحابي بها أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونقامر تفسير : أي اطلب بكنوزك أسباب حصول الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما أوجبه ورغب فيه من القربان ووجوه البر. {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدنيا}. جملة معترضة بين الجملتين الحافتين بها، والواو اعتراضية. والنهي في {ولا تنس نصيبك} مستعمل في الإباحة. والنسيان كناية عن الترك كقوله في حديث الخيل «حديث : ولم ينس حق الله في رقابها»تفسير : ، أي لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة. وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ لأنهم لما قالوا لقارون {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات، فأفيد أن له استعمال بعضه في ما هو متمحض لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله. فقيل: أرادوا أن لك أن تأخذ ما أحلّ الله لك. والنصيب: الحظ والقسط، وهو فعيل من النصب لأن ما يعطى لأحد ينصب له ويميز، وإضافة النصيب إلى ضميره دالة على أنه حقه وأن للمرء الانتفاع بماله في ما يلائمه في الدنيا خاصة مما ليس من القربات ولم يكن حراماً. قال مالك: في رأيي معنى {ولا تنس نصيبك من الدنيا} تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك. وقال قتادة: نصيب الدنيا هو الحلال كلّه. وبذلك تكون هذه الآية مثالاً لاستعمال صيغة النهي لمعنى الإباحة. و {من} للتبعيض. والمراد بالدنيا نعيمها. فالمعنى: نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا. {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلاَْرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفسدين}. الإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة ولكنه ذكر هنا ليبنى عليه الاحتجاج بقوله {كما أحسن الله إليك}. والكاف للتشبيه، و (ما) مصدرية، أي كإحسان الله إليك، والمشبه هو الإحسان المأخوذ من {أحسن} أي إحساناً شبيهاً بإحسان الله إليك. ومعنى الشبه: أن يكون الشكر على كل نعمة من جنسها. وقد شاع بين النحاة تسمية هذه الكاف كاف التعليل، ومثلها قوله تعالى {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198]. والتحقيق أن التعليل حاصل من معنى التشبيه وليس معنى مستقلاً من معاني الكاف. وحذف متعلق الإحسان لتعميم ما يُحسن إليه فيشمل نفسه وقومه ودوابه ومخلوقات الله الداخلة في دائرة التمكن من الإحسان إليها. وفي الحديث: «حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء»تفسير : فالإحسان في كل شيء بحسبه، والإحسان لكل شيء بما يناسبه حتى الأذى المأذون فيه فبقدره ويكون بحسن القول وطلاقة الوجه وحسن اللقاء. وعطف {لا تبغ الفساد في الأرض} للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن الفساد ضد الإحسان، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد وإنما نص عليه لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان. والمراد بالأرض أرضهم التي هم حالّون بها، وإذ قد كانت جزءاً من الكرة الأرضية فالإفساد فيها إفساد مظروف في عموم الأرض. وقد تقدمت نظائره منها في قوله تعالى {أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها}تفسير : في سورة [البقرة: 205]. وجملة {إن الله لا يحب المفسدين} علة للنهي عن الإفساد، لأن العمل الذي لا يحبه الله لا يجوز لعباده عمله، وقد كان {قارون} موحّداً على دين إسرائيل ولكنه كان شاكّاً في صدق مواعيد موسى وفي تشريعاته.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن قارون كان من قوم موسى: أي ابن عم موسى عليه السلام. فبغى عليهم: أي ظلمهم واستطال عليهم. ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة: أي أعطاه الله من المال ما يثقل عن الجماعة حمل مفاتح خزائنه. لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين: أي لا تفرح فرح البطر والأشر. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة: أي اطلب في المال الذي أوتيته الدار الآخرة بفعل الخيرات. على علم عندي: أي لعلم الله تعالى بأني أهل لذلك. وأكثر جمعاً: أي للمال. ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون: أي لعلم الله تعالى بهم فيدخلون النار بدون حساب. معنى الآيات: هذا بداية قصص قارون الباغي، وهو قارون ابن يصهر بن قاهَثْ بن لاوى بن يعقوب ابن اسحاق بن إبراهيم عليه السلام. فهو ابن عم موسى بن عمران وابن خالته أيضاً وكان يلقب المنور لحسن صورته، ونافق كما نافق السامري المطرود. قال تعالى في ذكر خبره {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} أي إسرائيلي ابن عم موسى بن عمران الرسول. {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} أي على بني إسرائيل أي ظلمهم وطغى عليهم، ولعل فرعون كان قد أسند إليه إمارة على بني إسرائيل فأطغته وملك أموالاً كثيرة ففرته وألهته. وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ}. وهذا الخبر الإِلهي دليل على ما كان للطاغية قارون من أموال بحيث أن المفاتح تثقل كاهل العصبة أي الجماعة من الرجال لو حملوها كلها وذلك لثقلها. وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} أي من بني إسرائيل واعظين له مذكرين {لاَ تَفْرَحْ} أي بأموالك فرح الأشر البطر، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} اي الأشرين البطرين الذين يختالون ويتفاخرون ويتكبرون. {وَٱبْتَغِ} أي اطلب {فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ} من أموال {ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} بأن تصدَّقْ منها وأنفقْ في سبيل الله كبناء مسجد أو مدرسة أو ميتم أو ملجأ إلى غير ذلك من أوجه البر والإِحسان. {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} فكل واشرب والبس واركب واسكن ولكن في غير إسراف ولا مخيله، {وَأَحْسِن} عبادة الله تعالى وطاعته وأحسن إلى عباده بالقول والعمل {كَمَآ أَحْسَنَ} أي الله تعالى إليك {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} بترك الفرائض وارتكاب المحرمات. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} ومن لم يحبه الله أبغضه ومن أبغضه عذبه في الدنيا والآخرة فبعد هذه الموعظة من قومه الصالحين أهل العلم والبصيرة رَدَّ هذا الطاغية قارون بما أخبر به تعالى عنه في قوله في الآية [78] {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} أي لا تهددوني ولا تخوفوني بسلب مالي عني إن أنا لم أُحْسن فإن هذا المال {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ} أي آتانيه الله على علم منه بأني أهل له ولذا أعطاني وزاد عطائي وأكثره قال تعالى في الرد عليه في زعمه هذا {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} أي أيقول ما يقول من الزعم الكاذب ولم {يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً}، كعاد وثمود وقوم إبراهيم فلو كان كثرة المال دليلاً على حب الله ورضاه عن أهله، ما أهلك عاداً وثموداً وقوم نوح من قبل وكانوا أشد قوة وأكثر مالاً ورجالاً وقوله تعالى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي إذا أكثر العبد من الإِجرام بالشرك والمعاصي حق عليه كلمة العذاب وآن أوان عذابه لا يسأل عن ذنوبه بل يؤخذ فجأة كما أن هؤلاء المجرمين سيدخلون النار بغير حساب فلا يسألون ولا يحاسبون. قال تعالى: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} تفسير : [الرحمن: 41] أي ويُرْمَون في جهنم ويقال لهم: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [الرحمن: 43]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- المال والمنصب العالي عرضة لإفساد المرء إلا من رحم الله عز وجل وقليل ما هم. 2- حرمة الفرح بالمال والإِمارة إذا كان الفرح فرح بطر وفخر واعتزاز وكبر وخيلاء. 3- من فضل الله على الأمة أن يوجد فيها عالمون ينصحون ويرشدون ويوجهون. 4- من الحزم للمرء أن يطلب من المال والجاه والمنصب أعلى الدرجات في الجنة. 5- حلّية الأكل من الطيب والشرب من الطيب واللبس والركوب والسكن من غير إسراف ولا خيلاء ولا كبر. 6- العافية والمال وعز السلطان يصاب صاحبها بالاغترار إلا من رحم الله.
القطان
تفسير : فبغى عليهم: تكبر وتجبر. الكنوز: جمع كنز: وهو المال المدفون في باطن الأرض، والمراد به هنا المال المدخَر. مفاتحه: جمع مفتح: ومفاتيح جمع مفتاح والمعنى واحد، وهو المفتاح المعروف لفتح الابواب. لَتنوء بالعصبة أولي القوة: يعني ان مفاتيح خزائنه من الكثرة بحيث يثقل حملها على الجماعة الاقوياء. لا تفرح: لا تبطَر، وتتمسك بالدنيا. على علم عندي: على حسن تصرفٍ في التجارة واكتساب المال. ويلكم: كلمة تستعمل للزجر. وي: كلمة يراد بها التندم والتعجب. ويقدر: يضيّق، يقلل. كان قارون من قوم موسى، ويقول بعض المفسرين انه تكبّر على قومه غروراً بنفسه وماله، حيث أعطاه الله من الأموال قدراً كبيرا، بلغت مفاتيحُ خزائنها من الكثرة بحيث يثقل حملُها على الجماعة الأقوياء من الرجال. وحين اغترّ وكفر بنعمة الله عليه نصحه قومه قائلين: لا تغترّ بمالك ولا يفتنك الفرح به عن شكر الله، ان الله لا يرضى عن المغرورين المفتونين. وقد أورد القرآن هذه القصة حتى يعتبر قومُ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، إذ أنهم اغترّوا باموالهم، فبيّن لهم ان أموالهم بجانب مال قارون ليست شيئاً مذكورا. ثم نصحوه بعدة نصائح فقالوا: 1 - {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} اجعلْ نصيباً منه في سبيل الله والعملِ للدار الآخرة. 2 - {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} لا تمنع نفسك نصيبها من التمتع بالحلال في الدنيا. كما في الحديث الشريف: "حديث : ان لربك عليك حقاً، ولنفسِك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا " تفسير : 3 - {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} أحسنْ الى عباد الله كما احسن الله اليك بنعمته، فأيمنْ خلْقه بمالك وجهك، وطلاقة وجهك، وحسن لقائهم. 4 - {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} لا تفسد في الأرض متجاوزا حدود الله، ان الله سبحانه لا يرضى عن ذلك. قال قارون وقد نسي فضلَ الله عليه: انما أوتيتُ هذا المالَ بعلمٍ خُصصت به. ألم يعلم هذا المغرور ان الله قد أهلكَ من أهلِ القرون الأولى من هم أشدّ منه قوة واكثر جمعا؟ إنه عليم بالمجرمين، في غير حاجة لأن يسألهم ماذا يعملون. وتجاهل قارون كل هذه النصائح وخرج على قومه في زينته، فتمنّى الذين يطلبون الحياة الدنيا مثلَ ما عند قارون، وقال الذين رزقَهم اللهُ العلم النفع: ويلكم، ثوابُ الله خيرٌ من هذا لمن آمن وعمل الاعمال الصالحة. ثم ذكر الله ما آل اليه بطره من وبال ونكال فقال: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ.... } فخسفنا به الأرض فابتلعته هو وداره بما فيها من أموال وزينة، فلم يكن له أنصار يمنعونه من عذاب الله، وما أغنى عنه مالُه ولا خدَمه، ولا استطاع ان ينصر نفسه. ولما شاهد قوم قارون ما نزل به من العذاب، صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا وداعيا الى الرضا بقضاء الله وبما قسمه لهم. وصاروا يرددون عباراتِ التحسّر والندم، ويقولون: ان الله يوسع الرزقَ على من يشاء من عباده المؤمنين وغير المؤمنين، ويقتر ويضيّق على من يشاء منهم. {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا}. لولا لَطَفَ الله بنا لخسَف بنا الأرض. ثم زادوا ما سبق توكيدا بقولهم: "وَي، كأنه لا يفلِح الكافرون" ان الكافرين بنعمة الله لا يفلحون. قراءات: قرأ يعقوب وحفص: لخسف بنا بفتح الخاء والسين، والباقون: لخسف بنا، بضم الخاء وكسر السين.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَارُونَ} {وَآتَيْنَاهُ} {لَتَنُوءُ} (76) - ويَلْفِتُ اللهُ تَعَالى نَظَرَ كُبَراءِ قُريشٍ، الذِين اغتَرُّوا بأَمَوالِهِمْ، واسْتَطَالُوا بِهَا عَلَى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى المُؤمنينَ، إِلى أنَّ المَالَ عَرَضٌ زَائِلٌ، وَأَنَّ المَالَ لاَ قِيمَةَ لهُ في مِيزَانِ اللهِ تَعَالى، يَوْمَ الحِسَابِ في الآخِرَةِ، وأَنَّ أمْوالَ هؤلاءِ الكُفَّارِ مِنْ قُريشٍ لا تُعَدُّ شيئاً مذكُوراً بالنِّسبةِ لِلمَالِ الذي آتاهُ اللهُ قَارُونَ، ثُمَّ خَسَفَ اللهُ بهِ وبدَارِهِ الأَرْضَ لأَنَّهُ بَطِرَ وَأَشِرَ، واسْتَكْبَرَ ولم يَبْتَغِ بهذا المَالِ ثَوابَ اللهِ، وجَزَاءَهُ في الدَّارِ الآخِرَةِ. وَيَقُولُ تَعَالى إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ بَني إِسرائيلَ (وَقَالَ بعضُ المُفَسِّرينَ إِنَّهُ كَانَ مِنْ أقرِباءِ مُوسَى عَليهِ السَّلامُ)، وَقَدْ آتاهُ اللهُ كثيراً منَ المَالِ، حَتَّى إِنَّ مَفَاتَيِحَ خَزَائِنِ أمْوَالِهِ لَيَصْعُبُ عَلَى الجَمَاعَةِ حَمْلُها لِكَثْرَتِهَا، وَثِقلِ وَزْنِها، فَطَغَى وَبَغَى، وَبَطِرَ، وَتَكَّبرَ، فَقَالَ لهُ قَومُهُ ناصِحِينَ: لا تَبْطَرْ، ولا تَفْرَحْ بمَا أَنتَ فيهِ منَ النَّعمَةِ والمَالِ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالى لاَ يُحِبُّ البَطرِينَ الأَشِرِينَ، الذين لا يَشكُرونَ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وآلائِهِ، وَتُنْسِيهمُ الدُّنيا والآخِرَةَ. فَبَغَى عَلَيهِمْ - ظَلَمَهُمْ وَتَكَبَّرَ عَلَيهِمْ. لَتَنُوء بالعُصْبَةِ - لَتُثْقِلُ الجَمَاعَةَ الكَثَيرَةَ وتَمِيلُ بِهِمْ. لاَ تفرحْ - لاَ تَبْطَرْ ولاَ تَأْشَر بِكَثْرةِ المَالِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} كان ابن عمه لأنّه قارون بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن فاهث، هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن إسحاق: تزوّج يصهر ابن فاهث شميت بنت تباويت بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون ابن يصهر، فنكح (عمران) نجيب بنت سمويا بن بركيا بن رمنان بن بركيا فولدت له هارون ابن عمران وموسى بن عمران (عليهم السلام)، فموسى على قول ابن إسحاق: ابن اخي قارون وقارون عمه لأبيه وأُمه، قال قتادة: وكان يسمّى المنوّر لحسن صورته ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري. {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، عن المسيّب أنّ قارون كان من قوم موسى {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} قال: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ويظلمهم، قال ابن عباس: كان فرعون قد ملّكه على بني إسرائيل حين كان بمصر، سعيد، عن قتادة: {َبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} بكثرة ماله وولده، سفيان عنه: بالكبر والبذخ، عطاء الخراساني وشهر بن حوشب: زاد عليهم في الثياب شبراً {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} وهي جمع المفتح، وهو الذي يفتح به الباب {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} أي لتثقل بهم إذا حملوها لثقلها، يقال: ناء ينوء نوْءاً إذا نهض بثقل، قال الشاعر: شعر : تنوء بأخراها فلأيا قيامها وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر تفسير : واختلفوا في مبلغ عدد العصبة في هذا الموضع، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، أبو صالح: أربعون رجلا، عكرمة منهم من يقول: أربعون، ومنهم من يقول: سبعون، الضحّاك عن ابن عباس: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ستون. روى جرير، عن منصور، عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أنّ مفاتيح خزائن قارون توقر ستين بغلا غرّاء محجّلة، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح منها كنز، مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل، ويقال: كان قارون (أينما) ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلمّا ثقلت عليه جعلت من خشب، فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا. وقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الحرَّاس وإليه ذهب أبو صالح. وروى حصين، عن أبي زرين قال: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافياً إنّما يعني كنوزه، فإن قيل: فما وجه قوله: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ} وإنّما العصبة هي التي تنوء بها، قيل فيه قولان: أحدهما يميل بهم ويثقلهم حملها، والآخر قال أهل البصرة: قد يفعل العرب هذا، تقول للمرأة: إنّها لتنوء بها عجيزتها، وإنّما هي تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، وقال الشاعر: شعر : فديت بنفسه نفسي ومالي وما آلوك إلاّ ما أطيق تفسير : والمعنى فديت بنفسي ومالي نفسه، وقال آخر: شعر : وتركب خيلا لا هوادة بينها وتشقي الرماح بالضياطرة الحمر تفسير : وإنّما يشقي الضياطرة بالرماح، والخيل هاهنا: الرجال. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} من بني إسرائيل {لاَ تَفْرَحْ} لا تأشر ولا تمرح، ومنه قول الله سبحانه: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، وقال الشاعر: شعر : ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ولا جازع من صرفه المتحول تفسير : أراد: لست بأشر؛ لأن السرور غير مكروه ولا مذموم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}الأشِرين البطِرين المتكبِرين الذين لا يشكرون الله سبحانه على ما أعطاهم. أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا منصور بن جعفر النهاوندي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى النهاوندي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن الجارود، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن حيان عن نفته قال: حدّثنا مبشر بن عبد الله في قول الله سبحانه وتعالى:{لاَ تَفْرَحْ} قال: لا تفسد إنّ الله لا يحب الفرحين المفسدين، وقال الشاعر: شعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أُخرى أفرحتك الودائع تفسير : يعني أفسدتك. {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} قال مجاهد وابن زيد: لا تترك أن تعمل في دنياك لآخرتك حتى تنجو من عذاب الله، وهي رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقال علي "رضي الله عنه": لا تنس صحتك وقوتك وشبابك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة، وقال الحسن: ولا تنس أن تطلب فيها كفايتك وغناك مما أحل الله لك منها. وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن علي الحران، قال: حدّثنا سعيد بن سلمة، قال: حدّثنا خلف بن خليفة، عن منصور بن زادان في قوله: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} قال: قوتك وقوة أهلك. وقيل: هو الكفن لأنّه حظه من الدنيا عند خروجه منها. {وَأَحْسِن} إلى الناس {كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ} ولا تطلب {ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ * قَالَ} قارون {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} على فضل علم {عِندِيۤ} علمنيه الله، ورآني لذلك أهلا، ففضلني بهذا المال عليكم لفضلي عليكم بالعلم وغيره، وقيل: هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان موسى (عليه السلام) يعلم الكيمياء، فعلّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم، وعلّم كالب بن نوفيا ثلثه، وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وفي خبر آخر أنّ الله سبحانه وتعالى علّم موسى علم الكيمياء، فعلّم موسى أُخته، فعلّمت أخته قارون، فكان ذلك سبب أقواله، وقيل: على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب، وقيل: في سبب جمعه تلك الأموال، ما أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن موسى الحلواني قال: حدّثنا خزيمة بن أحمد، قال: حدّثنا أحمد بن أبي الجواري، قال: سمعت أبا سلمان الداراني يقول: يبدي إبليس قارون وكان قارون قد أقام في جبل أربعين سنة يتعبد حتى إذا غلب بني إسرائيل في العبادة بعث إليه إبليس شياطينه، فلم يقدروا عليه، فتبدى هو له وجعل يتعبد، وجعل قارون وجعل إبليس يقهره بالعبادة ويفوقه، فخضع له قارون، فقال له إبليس: يا قارون قد رضينا بهذا الذي نحن فيه، لا تشهد لبني إسرائيل جماعة، ولا تعود مريضاً، ولا تشهد جنازة، قال: فحذره من الجبل إلى البيعة، فكانوا يؤتون بالطعام، فقال إبليس: يا قارون قد رضينا الآن أن يكون هكذا كلا على بني إسرائيل، فقال له قارون: فأي شيء الرأي عندك؟ قال: نكسب يوم الجمعة ونتعبد بقية الجمعة، قال: فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا بقية الجمعة. فقال: إبليس لقارون: قد رضينا أن يكون هكذي. فقال له قارون: فأي شيء الرأي عندك، قال: نكسب يوماً ونتعبد يوماً ونتصدق ونعطي، قال: فلمّا كسبوا يوماً وتعبدوا يوماً خنس إبليس وتركه، ففتحت على قارون الدنيا، فبلغ ماله، ما أخبرنا ابن فنجويه، قال: أخبرنا موسى، قال: حدّثنا الحسن ابن علويه، قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى، عن المسيب بن شريك {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} قال: أوعيته وكانت أربعمائة ألف ألف في أربعين جراباً. قال الله سبحانه: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ} الكافرة {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب، مجاهد: يعني: إنّ الملائكة لا تسأل عنهم لأنّهم يعرفونهم بسيمائهم، الحسن: لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ليعلم ذلك من قبلهم فأن سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} قال جابر بن عبد الله: في القرمز، النخعي والحسن: في ثياب حمراء، مجاهد: على براذين بيض عليها سروج الأُرجوان، عليهم المعصفرات، قتادة: على أربعة ألف دابة عليهم وعلى دوابهم (الأُرجوان)، ابن زيد: في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، قال: وكان ذلك أول يوم رؤيتْ المعصفرات فيما كان يذكر لنا، مقاتل: على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأُرجوان ومعه أربعة آلاف فارس وعلى دوابهم الأُرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحليّ والثياب الحمر على البغال الشهب. {قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} من المال {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ} ولا يلقن ويوفق لهذه الكلمة {إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ} على طاعة الله وعن زينة الدنيا. {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} قال العلماء بأخبار القدماء: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم ولكنه نافق كما نافق السامري فبغى على قومه، واختلف في معنى هذا البغي، فقال ابن عباس: كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل حين كان بمصر،وعن المسيب بن شريك: أنه كان عاملاً على بني إسرائيل وكان يظلمهم، وقيل: زاد عليهم في الثياب شبرا، وقيل: بغى عليهم بالكبر، وقيل: بكثرة ماله، وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم. واختلف في مبلغ عدة العصبة في هذا الموضع فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، وقال عكرمة: منهم من يقول أربعون ومنهم من يقول سبعون، وقال الضحاك: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: هم ستون. وروي عن خثيمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً غراء محجلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز، ويقال: كان أينما يذهب تحمل معه وكانت من حديد، فلمّا ثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، فكانت تحمل معه على أربعين بغلا، وكان أول طغيانه أنه تكبر واستطال على الناس بكثرة الأموال فكان يخرج في زينته ويختال كما قال تعالى {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}. قال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليهم المعصفرات. وقال عبد الرحمن: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات، وقال مقاتل: على بغلة شهباء عليها سرج من الذهب عليها الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلاثة آلاف جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب، فتمنى أهل الجهالة مثل الذي أوتيه كما حكى الله فوعظهم أهل العلم بالله أن اتقوا الله فإن ثواب الله (خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً). قال: ثم إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطاً أخضر لونه لون السماء، فدعا موسى بني إسرائيل وقال لهم: إن الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطاً خضراً كَلَون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، وإنه تعالى ينزل من السماء كلامه عليكم، فاستكبر قارون وقال: إنما تفعل هذه الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم. ولما قطع موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة وهي رئاسة المذبح وبيت القربان لهارون فكان بنو إسرائيل يأتون بهديتهم ويدفعونه إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون في نفسه من ذلك وأتى موسى وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك، وأنا أقرأ للتوراة منكما لا صبر لي على هذا، فقال موسى: والله ما أنا جعلتها في هارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون: والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني بيانه، قال: فجمع موسى (عليه السلام) رؤساء بني إسرائيل وقال: هاتوا عصيكم، فجاءوا بها فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله تعالى فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون (عليه السلام) قد اهتز لها ورقٌ أخضر، وكانت من ورق شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال قارون: والله ما هذا أعجب مما تصنع من السحر. فذهب قارون مغاضباً واعتزل موسى بأتباعه وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد كل يوم إلا كبراً ومخالفة ومعاداة لموسى (عليه السلام) حتى بنى داراً وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس: ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل الزكاة على موسى (عليه السلام) فلمّا أوجب الله سبحانه الزكاة عليهم أبى قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شيء شيئاً، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن يجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً على أن تقذفه بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه، فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم وقيل: ألف دينار، وقيل: طستا من ذهب، وقيل: حكمها، وقال لها: إني أُموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلمّا أن كان الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال له: إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكام شريعتهم فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض فقام فيهم خطيباً ووعظهم (فكان) فيما قال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلدناه مائة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال قارون: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: أنا، قال: نعم، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلمّا أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة إنما أنا فعلت لك ما يقول هؤلاء، وعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت، فلمّا ناشدها تداركها الله بالتوفيق وقالت في نفسها: لئن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله، قالت: لا كذبوا، ولكن جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فلمّا تكلمت بهذا الكلام سقط في يده قارون ونكس رأسه وسكت الملأ وعرف أنه وقع في مهلكة وخرّ) موسى ساجداً يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك، فاغضب لي، فأوحى الله سبحانه إليه: مُر الأرض بما شئت، فإنها مطيعة لك، فقال موسى: يا بني إسرائيل إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزل قارون ولم يبق معه إلاّ رجلان، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركَب، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدّة غضبه عليه. ثم قال: يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم الإرض، وأوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى ماأفظك. استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتي لو إياي دعوا لوجدوني قريباً مجيباً. قال قتادة: وذكر [لنا] أنّه يخسف به كلّ يوم قامة وأنّه يتخلخل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة، قالوا: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أنّ (موسى) إنّما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا اللهَ موسى حتى يخسف بداره وأمواله الأرض. وأوحى الله سبحانه إلى موسى: إنّي لا أعبّد الأرض لأحد بعدك أبداً، فذلك قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} ، {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} الممتنعين {وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} العرب تعبّر بأضحى وأمسى وأصبح عن الصيرورة والفعل، فتقول: أصبح فلان عاملا وأمسى حزيناً وأضحى معدماً، إذا صاروا بهذه الأحوال وليس ثَمَّ من الصبح والمساء والضحى شيء. {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ} اختلف العلماء في هذه اللفظة، فقال مجاهد: معناه: ألم تعلم؟ قتادة: ألم تر؟ ، الفرّاء: هي كلمة تقرير كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه؟ وذكر أنّه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنّه وراء البيت، يعني أما ترينه وراء البيت؟ ابن عباس والحسن: هي كلمة ابتداء وتحقيق، تقديره إنّ الله {يَبْسُطُ الرِّزْقَ} المؤرّخ: هو تعجّب، قطرب: إنّما هو ويلك فأسقط منه اللام، قال عنترة: شعر : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم تفسير : وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا وأما. قال بعض الشعراء: شعر : ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعشْ عيش ضرّ تفسير : وقال القتيبى: معناه رحمة بلغة حمير، وقال سيبويه: سألت الخليل عنه، فقال: وي كلمة تنبيه منفصلة من كأن فكأنْ في معنى الطب والعلم. {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} يقتَّر {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} قرأ يعقوب وبعض أهل الشام والكوفة بفتح الخاء والسين، وقراءة العامة بضم الخاء وكسر السين، {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ * تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ} تكبراً وتجبراً فيها، {وَلاَ فَسَاداً} عملا بالمعاصي عن ابن جريج ومقاتل وعكرمة ومسلم البطين: الفساد: أخذ المال بغير حق، الكلبي: الدعاء إلى غير عبادة الله. {وَٱلْعَاقِبَةُ} المحمودة {لِلْمُتَّقِينَ} قال قتادة: الجنة {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} أي أنزله عن أكثر المفسرين، وقال عطاء بن أبي رباح: فرض عليك العمل بالقرآن {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال (الضحاك و) مجاهد: إلى مكة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، قال (ابن قتيبة): معاد الرجل: بلده لأنّه ينصرف ثم يعود إلى بلده. قال مقاتل: خرج النبي (عليه السلام) من الغار ليلا ثم هاجر من وجهه إلى المدينة، فسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلمّا أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها وذكر مولده ومولد آبائه، فأتاه جبريل (عليهما السلام)، فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: «نعم»، قال: فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} إلى مكة ظاهراً عليها. قال مقاتل: قال الضحاك: قال ابن عباس: إنّما نزلت بالجحفة ليس بمكة ولا المدينة، وروي جابر عن أبي جعفر،قال: انطلقت أنا وأبي إلى أبي سعيد الخدري، فسأله عن هذه الآية: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} ، قال: إلى الموت. وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال الحسن والزهري وعكرمة: إلى يوم القيامة، وقال أبو مالك وأبو صالح: إلى الجنة. أخبرنا عبد الخالق بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا عمار بن كثير، قال: أخبرنا فضيلة،عن ليث، عن مجاهد في قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} قال: إلى الجنة. {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} قال بعض أهل المعاني: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: إنّ الذي فرض عليك القرآن وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب لرادك إلى معاد. {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} وهذا حين دعا إلى دين آبائه {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه} يعني إلاّ هو، عن مجاهد، الصادق: دينه، أبو العالية: إلاّ ما أريد به وجهه. أخبرنا ابن شاذان، قال: أخبرنا جيعويه، قال: حدّثنا صالح بن محمد، عن جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت، قال: يُجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان لله منها، قال: فيماز ما كان لله منها، ثم يؤمر بسائرها فيلقى في النار. وبه عن صالح، عن سليمان بن عمرو، عن سالم الأفطس، عن الحسن وسعيد بن جبير، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رجلا سأله، فلم يعطه شيئاً، فقال: أسألك بوجه الله،فقال له علي: كذبت، ليس بوجه الله سألتني، إنّما وجه الله الحق، ألا ترى قوله سبحانه وتعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه} يعني الحق؟ ولكن سألتني بوجهك الخالق كلّ شيء هالك إلاّ الله والجنة والنار والعرش. ابن كيسان: إلاّ ملكه. {لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فلم يتكلم عن قارون وجزائه في الآخرة، إنما يجعله مثَلاً وعِبرة واضحة في الدنيا لكل مَنْ لم يؤمن بيوم القيامة لعلَّه يرتدع. والنبي صلى الله عليه وسلم اضطهده كفار قريش، ووقفوا في وجه دعوته، وآذوْا صحابته، حتى أصبحوا غير قادرين على حماية أنفسهم، ومع ذلك ينزل القرآن على رسول الله يقول: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. فيتعجب عمر رضي الله عنه: أيُّ جمع هذا؟ فنحن غير قادرين على حماية أنفسنا، فلما وقعتْ بدر وانهزم الكفار وقُتِلوا. قال عمر: نعم صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. لذلك يقولون: لا يموت ظالم في الدنيا حتى ينتقم الله منه، ويرى فيه المظلوم يوماً يشفي غليله، ولما مات ظلوم في الشام ولم يَرَ الناس فيه ما يدل على انتقام الله منه تعجّبوا وقال أحدهم: لا بُدَّ أن الله انتقم منه دون أن نشعر، فإنْ أفلتَ من عذاب الدنيا، فوراء هذه الدار دار أخرى يعاقب فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وعَدْل الله - عز وجل - يقتضي هذه المحاسبة. والحق - تبارك وتعالى - يجعل من قارون عبرةً لكل مَنْ لا يؤمن بالآخرة ليخاف من عذاب الله، ويحذر عقابه، والعبرة هنا بمَنْ؟ بقارون رأس من رؤوس القوم، وأغنى أغنيائهم، والفتوة فيهم، فحين يأخذه الله يكون في أَخَذه عبرة لمن دونه. وحدَّثونا أن صديقاً لنا كان يعمل بجمرك الأسكندرية، فتجمّع عليه بعض زملائه من الفتوات الذين يريدون فَرْضَ سيطرتهم على الآخرين، فما كان منه إلا أنْ أخذ كبيرهم، فألقاه في الأرض، وعندها تفرَّق الآخرون وانصرفوا عنه. ومن هذا المنطلق أخذ الله تعالى قارون، وهو الفتوة، ورمز الغِنى والجاه بين قومه، فقال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ ..} [القصص: 76] إذن: حينما نتأمل حياة موسى عليه السلام نجده قد مُنِي بصناديد الكفر، فقد واجه فرعون الذي ادَّعى الألوهية، وواجه هامان، ثم موسى السامري الذي خانه في قومه في غيبته، فدعاهم إلى عبادة العجل. ومُني من قومه بقارون، ومعنى: من قومه، إما لأنه كان من رحمه من بني إسرائيل، أو من قومه يعني: الذين يعيشون معه. والقرآن لم يتعرض لهذه المسألة بأكثر من هذا، لكن المفسرين يقولون: إنه ابن عمه. فهو: قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وللمؤرخين كلام في العداوة بين موسى وقارون، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أنْ يشدَّ عضده بأخيه هارون، أجابه سبحانه {أية : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وليست هذه أول مرة بل {أية : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون؛ لأنه أفصح من موسى لساناً، وجعلهما شريكين في الرسالة، وخاطبهما معاً {أية : ٱذْهَبَآ ..} تفسير : [طه: 43] ليؤكد أنَّ الرسالة ليست من باطن موسى. وإنْ رأيت الخطاب في القرآن لموسى بمفرده، فاعلم أن هارون مُلاحَظ فيه، ومن ذلك لما دعا موسى على قوم فرعون، فقال: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. فالذي دعا موسى، ومع ذلك لما أجابه ربه قال: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..} تفسير : [يونس: 89] وهذا دليل على أن هارون لم يكن رسولاً من باطن موسى، إنما من الحق سبحانه، وأيضاً دليل على أن المؤمِّن على الدعاء كالداعي، فكان موسى يدعو وهارون يقول: آمين. ولما ذهب موسى لميقات ربه قال لأخيه {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ..} تفسير : [الأعراف: 142] وفي غيبة موسى حدثتْ مسألة العجل، وغضب موسى من أخيه هارون، فلما هدأتْ بينهما الأمور حدث تخصيص في رسالة كل منهما، فأعطى هارون (الحبورة) والحَبْر: هو العالم الذي يُعَد مرجعاً، كما أُعطِي (القربان) أي: التقرب إلى الله. وعندها غضب قارون؛ لأنه خرج من هذه المسألة صُفْر اليدين، وامتاز عنه أولاد عمومته بالرسالة والمنزلة، رغم ما كان عنده من أموال كثيرة. ثم إن موسى - عليه السلام - طلب من قارون زكاة ماله، دينار في كل ألف دينار، ودرهم في كل ألف درهم، فرفض قارون وامتنع، بل وألَّبَ الناس ضد موسى - عليه السلام. ثم دبَّر له فضيحة؛ ليصرف الناس عنه، حيث أغرى امرأة بغياً فأعطاها طِسْتاً مليئاً بالذهب، على أن تدَّعي على موسى وتتهمه، فجاء موسى عليه السلام ليخطب في الناس، ويُبيِّن لهم الأحكام فقال: مَنْ يسرق نقطع يده، ومَنْ يزني نجلده إن كان غير محصن، ونرجمه إنْ كان محصناً، فقام له قارون وقال: فإن كنتَ أنت يا موسى؟ فقال: وإنْ كنتُ أنا. وهنا قامت المرأة البغيُّ وقالت: هو راودني عن نفسي، فقال لها: والذي فلق البحر لَتقُولِنّ الصدق فارتعدتْ المرأة، واعترفت بما دبَّره قارون، فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام. وبدأ قارون في البَغْي والطغيان حتى أخذه الله، وقال في حقه هذه الآيات: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ..} [القصص: 76]. والبغي: تجاوز الحدّ في الظلم، خاصة وقد كان عنده من المال ما يُعينه على الظلم، وما يُسخِّر به الناس لخدمة أهدافه، وكأنه يمثل مركز قوة بين قومه، والبغي إما بالاستيلاء على حقوق الغير، أو باحتقارهم وازدرائهم، وإما بالبطر. ثم يذكر حيثية هذا البغي: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ..} [القصص: 76]. كلمة (مفاتح) كما في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [الأنعام: 59]. ولو قلنا: مفاتح جمع، فما مفردها؟ لا تقُلْ مفتاح؛ لأن مفتاح جمعها مفاتيح، أما مفاتح، فمفردها (مَفْتح) وهي آلة الفتح كالمفتاح، وهي على وزن (مبرد) فالمعنى: أن مفاتيح خزائنه لو حملتْها عصبة تنوء بها، وهذه كناية عن كثرة أمواله، نقول: ناء به الحِمْل، أو ناء بالحمل، إذا ثقُل عليه، ونحن لا نميز الخفيف من الثقيل بالعين أو اللمس أو الشم إنما لا بُدَّ من حمله للإحساس بوزنه. وقلنا: إن هذه الحاسة هي حاسة العَضَل، فالحملْ الثقيل يُجهد العضلة، فتشعر بالثقل، على خلاف لو حملتَ شيئاً خفيفاً لا تكاد تشعر بوزنه لخفْته، ولو حاولتَ أنْ تجمع أوزاناً في حيز ضيق كحقيبة (هاندباج) فإن الثقل يفضحك؛ لأنك تنوء به. والعُصْبة: هم القوم الذين يتعصَّبون لمبدأ من المبادئ بدون هَوىً بينهم، ومنه قول إخوة يوسف: {أية : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ..} تفسير : [يوسف: 8]. إنها كلمة حق خرجت من أفواههم دون قصد منهم؛ لأنهم فعلاً كانوا قوةً متعصبين بعضهم لبعض في مواجهة يوسف وأخيه، وكانا صغيرين لا قوةَ لهما ولا شوكة، وكانوا جميعاً من أم واحدة، ويوسف وأخوه من أم أخرى، فطبيعي أن يميل قلب يعقوب عليه السلام مع الضعيف. وقالوا: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقد حددهم القرآن بقوله: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ..} تفسير : [يوسف: 4] وهم إخوته ومنهم بنيامين {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ..} تفسير : [يوسف: 4] أي: أباه وأمه. فمن هاتين الآيتين نستطيع تحديد العصبة. وبهذا التفكير الذي يقوم على ضم الآيات بعضها إلى بعض حَلَّ الإمام علي - رضي الله عنه - مسألة تُعدُّ معضلة عند البعض، حيث جاءه مَنْ يقول له: تزوجتُ امرأة وولدتْ بعد ستة أشهر، ومعلوم أن المرأة تلد لتسعة أشهر، فلا بُدَّ أنها حملت قبل أنْ تتزوج. فقال الإمام علي: أقل الحمل ستة أشهر، فقال السائل: ومن أين تأخذها يا أبا الحسن؟ قال: نأخذها من قوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15] وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ..} تفسير : [البقرة: 233]. يعني: أربعة وعشرين شهراً، وبطرح الأربعة والعشرين شهراً من الثلاثين يكون الناتج ستة أشهر، هي أقل مدة للحمل. وهكذا تتكاتف آيات القرآن، ويكمل بعضها بعضاً، ومن الخطأ أن نأخذ كل آية على حدة، ونفصلها عن غيرها في ذات الموضوع. ثم يقول سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} [القصص: 76] والنهي هنا عن الفرح المحظور، فالفرح: انبساط النفس لأمر يسرُّ الإنسان، وفَرْق بين أمر يسرُّك؛ لأنه يُمتعك، وأمر يسرُّك لأنه ينفعك، فالمتعة غير المنفعة. فمثلاً، مريض السكر قد يأكل المواد السكرية لأنها تُحدِث له متعة، مع أنها مضرة بالنسبة له، إذن: فالفرح ينبغي أن يكون بالشيء النافع، لأن الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في النافع. فحينما يقولون له {لاَ تَفْرَحْ ..} [القصص: 76] أي: فرح المتعة، وإنما الفرح بالشيء النافع، ولو لم تكن فيه متعة كالذي يتناول الدواء المر الذي يعود عليه بالشفاء، لذلك يقول تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..} تفسير : [يونس: 58]. ويقول تعالى: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الروم: 4-5] فسماه الله فرحاً؛ لأنه فرح بشيء نافع؛ لأن انتصار الدعوة يعني أن مبدءك الذي آمنتَ به، وحاربت من أجله سيسيطر وسيعود عليك وعلى العالم بالنفع. ومن فرح المتعة المحظور ما حكاه القرآن: {أية : فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 81] هذا هو فرح المتعة؛ لأنهم كارهون لرسول الله، رافضون للخروج معه، ويسرُّهم قعودهم، وتركه يخرج للقتال وحده. فقوله تعالى: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} [القصص: 76] أي: فرح المتعة الذي لا ينظر إلى مَغبّة الأشياء وعواقبها، فشارب الخمر يشربها لما لها من متعة مؤقتة، لكن يتبعها ضرر بالغ، ونسمع الآن مَنْ يقول عن الرقص مثلاً؛ إنه فن جميل وفن رَاقٍ؛ لأنه يجد فيه متعة ما، لكن شرط الفن الجميل الراقي أن يظل جميلاً، لكن أنْ ينقلب بعد ذلك إلى قُبْح ويُورِث قبحاً، كما يحدث في الرقص، فلا يُعَدُّ جميلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} قالَ الإِمامُ زين بن علي عليهما السلام: كَان ابن عَمه رَحمَهُ الله {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} أي زادَ عَلَيهِم في الثِياب شِبراً. تفسير : وقوله تعالى: {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} معناه تَنْهَضُ والعَصبَةُ: الجَماعةُ. وقال: أربعون رَجلاً. وقال: كانت مَفاتيحُ كنوزِهِ من جِلودٍ، كُلُّ مَفتاحٍ مَقدارُ أربعِ أصابعٍ. كُلُّ مِفتاحٍ منها عَلَى خُزانَةٍ. فكانت تُحملُ عَلَى سِتينَ بَغلاً مُحجلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر أن قارون كان نسيب موسى كهارون فأدركت العناية هارون وأدرك الخذلان قارون بقوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} [القصص: 76] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} [القصص: 76] يشير إلى أن قارون النفس من قوم موسى القلب تحقيقه أن الله تعالى جعل النفس تبعاً للقلب وسعادتها في متابعته، وشقاوتها في بغيها عليه وترك متابعته وسبب بغيها قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} [القصص: 76] وكنوزها ما يودع في خزائن صفاتها فإن في خزائن كل صفة من صفاتها كنزاً من خواصها المودعة فيها فبإيتاء الكنوز يشير إلى تهيج دواعيها وغلبات خواصها من البطر والنشاط والغرور، وأما بغيها الإباء والاستكبار والعجب والتمرد عن قبول النصح. {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} [القصص: 76] بنو إسرائيل صفات القلب {لاَ تَفْرَحْ} [القصص: 76] بشهوات الدنيا وزينتها {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ} [القصص: 76] بها، وإنما يحب من يفرح بإقامة العبودية وطلب السعادة الأخروية، كما قال تعالى: {أية : فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} تفسير : [يونس: 58]. ومن جملة النصيحة قوله: {وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ} [القصص: 77] أي: من الاستعداد الإنساني {ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} باستعماله في العبودية المأمور بها لنيل السعادة الأخروية الباقية {وَأَحْسِن} يعني: في العبادة بأن تعبد الله كأنك تراه شوقاً إلى لقائه ومن الإحسان أن تطلب الله بجميع مساعيك {كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} بأن طلبك من العدم ودعاك إلى الوجود بجميع صفاته {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ} تفسير : [الرحمن: 60] طلبه إياك {أية : إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] إحسان طلبك إياه ليحسن إليك في جزاء إحسانك إليه بوجود الوصال والوصول كقوله: "إلا من طلبني وجدني" {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ} [القصص: 77] أرض الروحانية بما آتاك الله من استعداد الروحاني والإنساني {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] من الصفات النفسانية التي تفسد استعداد الروحانية الإنسانية القابلة لفيض الصفات الربانية. وبقوله: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} [القصص: 78] يشير إلى أن نظر قارون النفس لقصوره ومناسبة طبعها لا يقع إلا على نفسه وكسبه بمحجوب نظره عن القدرة الإلهية والمواهب الربانية {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} [القصص: 78] قارون النفس {أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ} [القصص: 78] أي: من قبل إهلاكه {مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} [القصص: 78] في الفساد والإفساد كنمرود {وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78] للطاعة والعلم مثل إبليس وأتباعه {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] عند إهلاكهم كيلا يشتغلوا بالاعتذار، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } . إلى آخر القصة. يخبر تعالى عن حالة قارون وما [فعل] وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ، فقال: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى } أي: من بني إسرائيل، الذين فُضِّلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتن اللّه عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، ولكن قارون هذا، بغى على قومه وطغى، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ } أي: كنوز الأموال شيئا كثيرا، { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ [أُولِي الْقُوَّةِ } والعصبة]، من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك. أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها، هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } ناصحين له محذرين له عن الطغيان: { لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة، فإن اللّه لا يحب الفرحين بها، المنكبين على محبتها. { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ } أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، { وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، { وَأَحْسِنْ } إلى عباد اللّه { كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } بهذه الأموال، { وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ } بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة. فـ { قَالَ } قارون -رادا لنصيحتهم، كافرا بنعمة ربه-: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }. أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من اللّه بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحوني على ما أعطاني اللّه تعالى؟ قال تعالى مبينا أن عطاءه، ليس دليلا على حسن حالة المعطي: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } فما المانع من إهلاك قارون، مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم، إذ فعل ما يوجب الهلاك؟. { وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } بل يعاقبهم اللّه، ويعذبهم على ما يعلمه منهم، فهم، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، وشهدوا لها بالنجاة، فليس قولهم مقبولا وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب شيئا، لأن ذنوبهم غير خفية، فإنكارهم لا محل له، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه، وعدم قبول نصيحة قومه، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه، وغره ما أوتيه من الأموال. { فَخَرَجَ } ذات يوم { فِي زِينَتِهِ } أي: بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقته في تلك الحالة العيون، وملأت بِزَّتُهُ القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة. فـ { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: الذين تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } من الدنيا ومتاعها وزهرتها { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } وصدقوا إنه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر منتهيا إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا، دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم، بحسب همتهم، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها، لَمِنْ أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية. { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر أولئك إلى ظاهرها: { وَيْلَكُمْ } متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم: { ثَوَابُ اللَّهِ } العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه. والآجل من الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { خَيْرٌ } من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفق له { إِلا الصَّابِرُونَ } الذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له، فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية. فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازَّيَّنَت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ } جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد اللّه، أنزله اللّه أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه. { فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ } أي: جماعة، وعصبة، وخدم، وجنود { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } أي: جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر. { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ } أي: الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } { يَقُولُونَ } متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا: { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } و { لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومنته { لَخَسَفَ بِنَا } فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير فكرهم الأول. { وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة.
همام الصنعاني
تفسير : 2225- معمر، عن الكلبي، في قوله: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ}: [الآية: 76]، قال: العصبة ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين. 2226- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ}: [الآية: 76]، قال: كانت من جلود الإِبل. 2227- حدُنا عبد الرزاق، عن معمر و(ابن علية)، عن حميد الأَعْرج، عن مجاهد، في قوله تعالى: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ}: [الآية: 76]، قال: كانت مفاتحه من جلود الإِبل. 2228- عبد الرزاق، عن معمر، ويحيى عن أيوب، عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب أراد أن يضرب من جلود الإِبل دراهم. فقالوا: إذاً تفنى الإِبل، فتركها. 2229- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن مجاهِد، في قوله: {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ}: [الآية: 76]، قال: العصبة خمسة عشر رجلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):