٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : المسألة الأولى: في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه الأول: لما قال الله تعالى قبل هذه السورة: { أية : إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } تفسير : [القصص: 85] وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهراً غالباً على الكفار ظافراً طالباً للثأر، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى: {آلم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } ولا يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني: هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة { أية : وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } تفسير : [القصص: 87] وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب، لأن النبـي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } الوجه الثالث: هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة {كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه} ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال: { أية : لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [القصص:88] يعني ليس كل شيء هالكاً من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله. إذا تبين هذا، فاعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال، فلا فائدة فيها. فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل حسن التكليف ليثيب الشكور ويعذب الكفور فقال: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم. المسألة الثانية: في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي، ولنقدم عليه كلاماً كلياً في افتتاح السور بالحروف فنقول: الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم، كقول القائل اسمع، واجعل بالك إلي، وكن لي، وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد ويازيد وألا يازيد، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر. ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد، والغافل ينبه أولاً فيقال ألا يا زيد. إذا ثبت هذا فنقول إن النبـي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولا مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فنقول عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: { أية : الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1، 2] { أية : الم * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [آل عمران: 1 ـ 3]، { أية : المص * كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 1، 2]، { أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [يۤس: 1، 2]، { أية : ص وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [صۤ: 1] { أية : ق وَٱلْقُرْءانِ } تفسير : [قۤ: 1]، { أية : الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [السجدة: 1، 2]، { أية : حـم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الجاثية: 1، 2] إلا ثلاث سور { أية : كهعيصۤ } تفسير : [مريم: 1]، {الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ}، { أية : الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } تفسير : [الروم: 1، 2] والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: { أية : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } تفسير : [المزمل: 5] وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظاً أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضاً فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: { أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الكهف: 1] وقوله: { أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا } تفسير : [النور: 1] وقوله: { أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ }تفسير : [الفرقان: 1] وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] لأنا نقول جواباً عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: { أية : طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [طه: 1، 2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتباً إليك كتباً فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثاني أن قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ، وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى } تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا } قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل. وأما قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } فنقول هذا ليس وارداً على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } الهاء راجع إلى معلوم عند النبـي صلى الله عليه وسلم فكان متنبهاً له فلم ينبه، واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ } تفسير : [الحج: 1] وقوله { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1] { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } تفسير : [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهاً، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي فإن قيل مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: { أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } تفسير : [التوبة: 16] ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال {أَحَسِبَ } وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه، وأما { أية : الم * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } تفسير : [الروم: 1، 2] فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الحروف. المسألة الثالثة: في إعراب {ألم } وقد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع الوجوه المنقولة في تفسيره ونزيد ههنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة. المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال: الأول: أنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبـي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة الثاني: أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون الثالث: أنها نزلت في مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر. المسألة الخامسة: في التفسير قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } يعني أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا وهم لا يفتنون لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية، واختلف أئمة النحو في قوله: {أَن يَقُولُواْ } فقال بعضهم: أن يتركوا بأن يقولوا، وقال بعضهم: أن يتركوا يقولون آمنا، ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيد أي تمنع من ذلك، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحداً من أن يقول آمنت، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم. المسألة السادسة: في الفوائد المعنوية وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر « حديث : لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله، تفسير : لكن للقلب ترجمان وهو اللسان، وللسان مصدقات هي الأعضاء، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان، فلا بد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله، وزكى بترك ما سواه أعماله، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فيحرر في جرائد المحبين اسمه، ويقرر في أقسام المقربين قسمه، وإليه الإشارة بقوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين. فائدة ثانية: وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلماً فإن ما دونه دركات الكفر، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضاً في شغله ماضياً في فعله، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة، ومنهم من يكون كسلاناً متخلفاً فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابداً مقبلاً على العبادة مقبولاً للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلاً بالخلاعة، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروماً ويلحق بأهل العناد مرجوماً، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله، فقال الله بشارة للمطيع الناهض {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } تفسير : [المجادلة: 11] { أية : فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ... عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً } تفسير : [النساء: 95]. وقال بضده للكسلان {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } يعني إذا قال آمنت ويتخلف بالعصيان يترك ويرضى منه، لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } تقدّم القول في أوائل السور. وقال ابن عباس: المعنى أنا الله أعلم. وقيل: هو اسم للسورة. وقيل اسم للقرآن. {أَحَسِبَ} استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن. {أَنْ يُتْرَكُوا} في موضع نصب بـ{ـحَسِبَ} وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه. و{أن} الثانية من {أَنْ يَقُولُوا} في موضع نصب على إحدى جهتين، بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا. والجهة الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} أَحَسِبُوا {أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمّار بن ياسر وياسر أبوه وسُميّة أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكِر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلِّية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين وفتنة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا اعتبر أيضاً كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدوّ في كل ثغر. قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه. وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بَدْر؛ رماه عامر بن الحضرميّ بسهم فقتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: «حديث : سيد الشهداء مِهْجَع وهو أوّل من يُدْعى إلى باب الجنة من هذه الأمة»تفسير : . فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ}. وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم. فنزلت فيهم هذه الآية: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا؛ فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} تفسير : [النحل: 110]. {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} يمتحنون؛ أي أَظنَّ الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنَع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم. قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه. وروى البخاريّ عن خَبّاب بن الأَرَتّ: قالوا حديث : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا. فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمِنْشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمَشط بأمشاط الحديد لحمُه وعظمُه فما يصرفه ذلك عن دينه واللَّهِ ليتِمنّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّهَ والذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون»تفسير : . وخرّج ابن ماجهحديث : عن أبي سعيد الخدريّ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف. فقلت: يا رسول الله ما أشدّها عليك. قال: «إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء ويُضعّف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» وقلت: ثم من. قال: «ثم الصالحون أَنْ كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يَحُوبها وأَنْ كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرحُ أحدكم بالرخاء».حديث : وروى سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلْباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة»تفسير : . وروى عبد الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير، فركب يوماً فأخذه السبع فأكله، فقال عيسى: يا رب وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي فيهم، سلطت عليه كلباً فأكله. قال: «نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة». وقال وهب: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك سبيل البلاء فقرّ عيناً، فإنه سلِك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فٱبك على نفسك، فقد خولف بك عن سبيلهم. قوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي فليُرِيَنَّ الله الذين صدقوا في إيمانهم. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. قال الزجاج: ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه. وإنما يعلم صدق الصادق واقعاً كائناً وقوعه، وقد علم أنه سيقع. وقال النحاس: فيه قولان: أحدهما: أن يكون {صَدَقُوا} مشتقاً من الصِّدْق و{الْكَاذِبِينَ} مشتقاً من الكَذِب الذي هو ضد الصِّدق، ويكون المعنى؛ فليبينن الله الذي صدقوا فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك. والقول الآخر: أن يكون صدَقوا مشتقاً من الصَّدق وهو الصُّلْب، والكاذبين مشتقاً من كَذَّب إذا انهزم، فيكون المعنى؛ فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب، والذين انهزموا؛ كما قال الشاعر:شعر : لَيثٌ بِعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أقرانه صَدَقَا تفسير : فجعل {لَيَعْلَمَنَّ} في موضع فليبينن مجازاً. وقراءة الجماعة: {فَلَيَعْلَمَنَّ} بفتح الياء واللام. وقرأ علي ابن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله النحاس. ويحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا؛ بمعنى يوقفهم على ما كان منهم. الثاني: أن يكون المفعول الأوّل محذوفاً تقديره؛ فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم؛ هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. الثالث: أن يكون ذلك من العلامة؛ أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أسر سريرة ألبسه الله رداءها".
البيضاوي
تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم} {الم} سبق القول فيه، ووقوع الاستفهام بعده دليل استقلاله بنفسه أو بما يضمر معه. {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} الحسبان مما يتعلق بمضامين الجمل للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين أو ما يسد مسدهما كقوله: {أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} فإن معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم {آمنا}، فالترك أول مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم {آمنا} هو الثاني كقولك: حسبت ضربه للتأديب، أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم {مِنَ} بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف، كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات، فإن مجرد الإِيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب. روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين، وقيل في عمار وقد عذب في الله تعالى، وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته. {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} متصل بـ {أَحَسِبَ} أو بـ {لاَ يُفْتَنُونَ}، والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه. {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فليتعلقن علمه بالامتحان تعلقاً حالياً يتميز به الذين صدقوا في الإِيمان والذين كذبوا فيه، وينوط به ثوابهم وعقابهم ولذلك قيل المعنى وليميزن أو ليجازين، وقرىء «وليعلمن» من الإِعلام أي وليعرفنهم الله الناس أو لَيَسِمَنَّهُمْ بِسِمَةٍ يَعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } الكفر والمعاصي فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. {أَن يَسْبِقُونَا} أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وهو ساد مسد مفعولي {حَسِبَ} لاشتماله على مسند ومسند إليه ويجوز أن يضمن {حَسِبَ} معنى قدر أو أم منقطعة والإِضراب فيها لأن هذا الحسبان أبطل من الأول ولهذا عقبه بقوله: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي بئس الذي يحكمونه، أو حكماً يحكمونه حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم. {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ } في الجنة، وقيل المراد بلقاء الله الوصول إلى ثوابه، أو إلى العاقبة من الموت والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله، فأما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخط منها. {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ } فإن الوقت المضروب للقائه. {لأَتٍ} لجاء وإذا كان وقت اللقاء آتياً كان اللقاء كائناً لا محالة، فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوال العباد. {ٱلْعَلِيمُ} بعقائدهم وأفعالهم. {وَمَن جَاهَدَ} نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن الشهوات. {فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ} لأن منفعته لها. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} فلا حاجة به إلى طاعتهم، وإنما كلف عباده رحمة عليهم ومراعاة لصلاحهم. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } الكفر بالإِيمان والمعاصي بما يتبعها من الطاعات. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي أحسن جزاء أعمالهم. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} بإيتائهما فعلاً ذا حسن، أو كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه ووصى يجري مجرى أمر معنى وتصرفاً. وقيل هو بمعنى قال أي وقلنا له أحسن بوالديك {حَسَنًا}، وقيل {حَسَنًا} منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية أي قلنا أولهما أو افعل بهما {حَسَنًا} وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف على {بِوٰلِدَيْهِ }، وقرىء {حَسَنًا} و «إحساناً». {وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } بإلهيته عبر عن نفيها بنفي العلم بها إشعاراً بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فضلاً عما علم بطلانه. {فَلاَ تُطِعْهُمَا} في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل. {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر بوالديه ومن عق. {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالجزاء عليه، والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة، فإنها لما سمعت بإسلامه حلفت أنها لا تنتقل من الضح ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد ولبثت ثلاثة أيام كذلك وكذا التي في «لقمان» و «الأحقاف». {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ } في جملتهم والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين ومتمنى أنبياء الله المرسلين، أو في مدخلهم وهو الجنة. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ} بأن عذبهم الكفرة على الإِيمان. {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} ما يصيبه من أذيتهم في الصرف عن الإِيمان. {كَعَذَابِ ٱللَّهِ } في الصرف عن الكفر. {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مّن رَّبِّكَ} فتح وغنيمة. {لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} في الدين فأشركونا فيه، والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين ويؤيد الأول. {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} من الإِخلاص والنفاق.
ابن كثير
تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين، بحسب ما عندهم من الإيمان؛ كما جاء في الحديث الصحيح «حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد له في البلاء» تفسير : وهذه الآية كقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142] ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214] ولهذا قال ههنا: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي: الذين صدقوا في دعوى الإيمان، ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة، وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ} تفسير : [البقرة: 143] إلا لنرى، وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود. وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم، ولهذا قال: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} أي: يفوتونا {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: بئس ما يظنون
المحلي و السيوطي
تفسير : {الم } الله أعلم بمراده بذلك.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم الكلام على فاتحة هذه السورة مستوفى في سورة البقرة والاستفهام في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ } للتقريع، والتوبيخ و{أَن يُتْرَكُواْ } في موضع نصب بحسب، وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قول سيبويه، والجمهور، و{أَن يَقُولُواْ } في موضع نصب على تقدير: لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن يقولوا وقيل: هو بدل من أن يتركوا، ومعنى الآية: أن الناس لا يتركون بغير اختبار ولا ابتلاء {أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي وهم لا يبتلون في أموالهم، وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لابد أن يختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان، واستبعاده، وبيان أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها. قال الزجاج: المعنى: أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما تتبين به حقيقة إيمانهم؟ وهو قوله: {أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}. قال السدّي وقتادة ومجاهد: أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرناه، وظاهرها شمول كلّ الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ كما قررناه غير مرّة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر، ونكاية العدوّ وغير ذلك. {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي هذه سنة الله في عباده، وأنه يختبر مؤمني هذه الأمة كما اختبر من قبلهم من الأمم كما جاء به القرآن في غير موضع من قصص الأنبياء وما وقع مع قومهم من المحن وما اختبر الله به أتباعهم، ومن آمن بهم من تلك الأمور التي نزلت بهم {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } في قولهم: آمنا {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } منهم في ذلك، قرأ الجمهور: {فليعلمنّ} بفتح الياء، واللام في الموضعين، أي ليظهرنّ الله الصادق والكاذب في قولهم ويميز بينهم، وقرأ عليّ بن أبي طالب في الموضعين بضم الياء وكسر اللام. والمعنى: أي يعلم الطائفتين في الآخرة بمنازلهم، أو يعلم الناس بصدق من صدق، ويفضح الكاذبين بكذبهم، أو يضع لكلّ طائفة علامة تشتهر بها وتتميز عن غيرها. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا } أي يفوتونا، ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون، وهو سادّ مسدّ مفعولي حسب، وأم هي المنقطعة {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك: وقال الزجاج: {ما} في موضع نصب بمعنى: ساء شيئاً أو حكماً يحكمون. قال: ويجوز: أن تكون {ما} في موضع رفع بمعنى: ساء الشيء، أو الحكم حكمهم، وجعلها ابن كيسان مصدرية، أي ساء حكمهم {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ } أي من كان يطمع، والرجاء بمعنى: الطمع. قاله سعيد بن جبير. وقيل: الرجاء هنا بمعنى: الخوف. قال القرطبي: أجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت، ومنه قول الهذلي:شعر : إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها تفسير : قال الزجاج: معنى من كان يرجو لقاء الله: من كان يرجو ثواب لقاء الله، أي: ثواب المصير إليه، فالرجاء على هذا معناه: الأمل {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ } أي: الأجل المضروب للبعث آت لا محالة. قال مقاتل: يعني يوم القيامة، والمعنى: فليعمل لذلك اليوم كما في قوله: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } تفسير : [الكهف: 110] "ومن" في الآية التي هنا يجوز أن تكون شرطية. والجزاء {فإن أجل الله لآت}، ويجوز: أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في جوابها تشبيهاً لها بالشرطية. وفي الآية من الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ما لا يخفى {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوال عباده {ٱلْعَلِيمُ } بما يسرّونه وما يعلنونه. {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ } أي من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه، أي ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فلا يحتاج إلى طاعاتهم كما لا تضرّه معاصيهم. وقيل: المعنى: ومن جاهد عدوّه لنفسه لا يريد بذلك وجه الله، فليس لله حاجة بجهاده، والأوّل أولى {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} أي: لنغطينها عنهم بالمغفرة بسبب ما عملوا من الصالحات {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بأحسن جزاء أعمالهم. وقيل: بجزاء أحسن أعمالهم، والمراد بأحسن: مجرّد الوصف لا التفضيل لئلا يكون جزاؤهم بالحسن مسكوتاً عنه. وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن منه كما في قوله: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160] {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } انتصاب {حسناً} على أنه نعت مصدر محذوف، أي إيصاء حسناً على المبالغة، أو على حذف المضاف، أي ذا حسن. هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: تقديره: ووصينا الإنسان أن يفعل حسناً، فهو مفعول لفعل مقدّر، ومنه قول الشاعر:شعر : عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبى دهماء إذ يوصينا خيراً بها كأنما خافونا تفسير : أي يوصينا أن نفعل بها خيراً، ومثله قول الحطيئة:شعر : وصيت من برّة قلباً حرًّا بالكلب خيراً والحمأة شرًّا تفسير : قال الزجاج: معناه: ووصينا الإنسان: أن يفعل بوالديه ما يحسن وقيل: هو صفة لموصوف محذوف، أي ووصيناه أمراً ذا حسن، وقيل: هو منتصب على أنه مفعول به على التضمين، أي ألزمناه حسناً. وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي ووصيناه بحسن. وقيل: هو مصدر لفعل محذوف، أي يحسن حسناً، ومعنى الآية: التوصية للإنسان بوالديه بالبرّ بهما، والعطف عليهما. قرأ الجمهور: {حَسَنًا } بضم الحاء، وإسكان السين، وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك بفتحهما، وقرأ الجحدري: "إِحْسَـٰناً" وكذا في مصحف أبيّ {وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } أي طلباً منك وألزماك أن تشرك بي إِلَـٰها ليس لك به علم بكونه إِلَـٰها، فلا تطعهما، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعبر بنفي العلم عن نفي الإلٰه؛ لأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه، فكيف بما علم بطلانه؟ وإذا لم تجز طاعة الأبوين في هذا المطلب مع المجاهدة منهما له، فعدم جوازها مع مجرّد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه، فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله كما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي أخبركم بصالح أعمالكم وطالحها، فأجازي كلاً منكم بما يستحقه، والموصول في قوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } في محل رفع على الابتداء وخبره {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي في زمرة الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال، ويجوز أن يكون المعنى: لندخلنهم في مدخل الصالحين، وهو الجنة كذا قيل، والأوّل أولى. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ } أي في شأن الله ولأجله كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات من إيقاع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ } التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى {كَعَذَابِ ٱللَّهِ } أي جزع من أذاهم. فلم يصبر عليه، وجعله في الشدّة والعظم كعذاب الله، فأطاع الناس كما يطيع الله. وقيل: هو المنافق إذا أُوذي في الله رجع عن الدين فكفر. قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ } أي نصر من الله للمؤمنين وفتح وغلبة للأعداء وغنيمة يغنمونها منهم {لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي داخلون معكم في دينكم، ومعاونون لكم على عدوّكم، فكذبهم الله وقال: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي هو سبحانه أعلم بما في صدورهم منهم من خير وشرّ، فكيف يدّعون هذه الدعوى الكاذبة؟ وهؤلاء هم قوم ممن كان في إيمانهم ضعف، كانوا إذا مسهم الأذى من الكفار وافقوهم. وإذا ظهرت قوّة الإسلام ونصر الله المؤمنين في موطن من المواطن: {إِنَّا كُنَّا مَّعَكُمْ } وقيل: المراد بهذا وما قبله المنافقون. قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بالله بألسنتهم. فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون. فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، والظاهر أن هذا النظم من قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } إلى قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } نازل في المنافقين لما يظهر من السياق، ولقوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} فإنها لتقرير ما قبلها وتأكيده، أي ليميزنّ الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى ويصبر في الله حق الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله. والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم وكفر بالله عزّ وجلّ، وإن خفقت ريح الإسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإسلام، وزعم أنه من المسلمين. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا } اللام في {للذين آمنوا} هي لام التبليغ، أي قالوا مخاطبين لهم كما سبق بيانه في غير موضع، أي قالوا لهم اسلكوا طريقتنا، وادخلوا في ديننا {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث، والنشور كما تقولون، فلنحمل ذلك عنكم؛ فنؤاخذ به دونكم. واللام في {لنحمل} لام الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك. وقال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء، أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، ثم ردّ الله عليهم بقوله: {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَيْء } من الأولى بيانية. والثانية مزيدة للاستغراق، أي وما هم بحاملين شيئاً من خطيئاتهم التي التزموا بها، وضمنوا لهم حملها، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال: {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم. قال المهدوي: هذا التكذيب لهم من الله عزّ وجلّ حمل على المعنى؛ لأن المعنى: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر. {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أي أوزارهم التي عملوها، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان بأنها ذنوب عظيمة {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } أي أوزاراً مع أوزارهم. وهي: أوزار من أضلوهم، وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة، ومثله قوله سبحانه: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [النحل: 25] ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» تفسير : . كما في حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَة} تقريعاً وتوبيخاً {عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يختلقونه من الأكاذيب التي كانوا يأتون بها في الدنيا. وقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } الآية قال: أنزلت في ناس كانوا بمكة قد أقرّوا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما أنزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردّوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم: أنه قد أنزل فيكم كذا وكذا، فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَـٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 110]. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله: {الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } الآية. وأخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن مسعود قال: أوّل من أظهر الله إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلاّ وقد أتاهم على ما أرادوا إلاّ بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أَن يَسْبِقُونَا } قال: أن يعجزونا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت أمي لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بمحمد، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يشجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } وأخرجه أيضاً الترمذي من حديثه، وقال: نزلت فيّ أربع آيات، وذكر نحو هذه القصة، وقال: حسن صحيح. وقد أخرج هذا الحديث أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه وأبو يعلى، وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلاّ ما وارى إبط بلال»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ } قال: يرتدّ عن دين الله إذا أوذي في الله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الم. أَحِسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوآ...} هذا لفظ استفهام أريد به التقرير والتوبيخ وفيه خمسة أقاويل: أحدها: معناه أظن الذين قالوا لا إله إلا الله أن يتركوا فلا يختبروا أصدقوا أم كذبوا. قاله الحسن. الثاني: أظن المؤمنون ألا يؤمروا ولا ينهوا، قاله ابن بحر. الثالث: أظن المؤمنون ألا يؤذوا ويقتلوا. قاله الربيع بن أنس. وقال قتادة: نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا للهجرة فعرض لهم المشركون فرجعوا فنزلت فيهم فلما سمعها خرجوا فقتل منهم من قتل وخلص من خلص فنزل فيهم {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} الآية. الرابع: أنها نزلت في عمار بن ياسر ومن كان يعذب في الله بمكة، قاله عبيد بن عمير. قال الضحاك: نزلت في عباس بن أبي ربيعة أسلم وكان أخا أبي جهل لأمه أخذه وعذبه على إسلامه حتى تلفظ بكلمة الشرك مكرهاً. الخامس: نزلت في قوم أسلموا قبل فرض الجهاد والزكاة فلما فرضا شق عليهم فنزل ذلك فيهم، حكاه ابن أبي حاتم. وفي قوله: {... وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وجهان: أحدهما: لا يسألون، قاله مجاهد. الثاني: لا يختبرون في أموالهم وأنفسهم بالصبر على أوامر الله وعن نواهيه. قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: بما افترضه عليهم. الثاني: بما ابتلاهم به. {فََيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ} فيه وجهان: أحدهما: فليظهرن الله لرسوله صدق الصادق، قاله ابن شجرة. الثاني: فليميزن الله الذين صدقوا من الكاذبين، قاله النقاش وذكر أن هذه الآية نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أول قتيل من المسلمين يوم بدر قتله عامر ابن الحضرمي، ويقال إنه أول من يدعى إلى الجنة من شهداء المسلمين وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر "حديث : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مهجع ". تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} قال قتادة: الشرك وزعم أنهم اليهود. {أَن يَسْبِقُونَا} فيه وجهان: أحدهما: أن يسبقوا ما كتبنا عليهم في محتوم القضاء. الثاني: أن يعجزونا حتى لا نقدر عليهم، وهو معنى قول مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن يفوتونا حتى لا ندركهم. {سَآءَ مَا يَحْكُُمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: ساء ما يظنون، قاله ابن شجرة. الثاني: ساء ما يقضون لأنفسهم على أعدائهم، قاله النقاش.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وقرأ ورش "ألمَ احسب" بفتح الميم من غير همز بعدها وذلك على تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الميم، وهذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله تعالى في عباده اختباراً للمؤمنين وفتنة ليعلم الصادق ويري ثواب الله له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر،. وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضاً كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر، وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر إذا كان يعذب في الله تعالى ونظرائه، وقال الشعبي: سبب الآية ما كلفه المؤمنون من الهجرة، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها، لا سيما وقد لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم، فقتل من قتل ونجا من نجا، وقال السدي: نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، و"حسب"، معناه ظن، و {أن} نصب بـ"حسب" وهي والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي "حسب" و {أن} الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره "بأن يقولوا" ويحتمل أن يقدر "لأن يقولوا" والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيداً بحاله، وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك، و {الذين من قبلهم}، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر، وقرأ الجمهور "فليَعلمن" بفتح الياء واللام الثانية، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ما علمه أزلاً، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة التي تضمنها العلم القديم، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ومن كذبه ونظير هذا قول زهير: [البسيط] شعر : ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا تفسير : قال النقاش، قيل إن الإشارة بـ {صدقوا} هي إلى مهجع مولى عمر بن الخطاب لأنه أول قتيل قتل من المؤمنين يوم بدر، وقالت فرقة: إنما هي استعارة وإنما أراد بها الصلابة في الدين أو الاضطراب فيه وفي جهاد العدو ونحو هذا، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه "فليُعلِمن" بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان أحدها أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى يوقفهم على ما كان منهم، والثاني أن يكون المفعول الأول محذوفاً تقديره ليعلمن الناس أو العالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم، هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة، والثالث أي يكون ذلك من العلامة أي لكل طائفة علماً تشهر به، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من أسر سريرة ألبسه الله رداءها" تفسير : وعلى كل معنى منها ففيها وعد للمؤمنين الصادقين ووعيد للكافرين، وقرأ الزهري الأولى كقراءة الجمهور والثانية كقراءة عليّ رضي الله عنه.
النسفي
تفسير : مكية وهي تسع وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم {الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} الحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن بخلاف الشك فهو الوقوف بينهما، والعلم فهو القطع على أحدهما، ولا يصح تعليقهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل. فلو قلت «حسبت زيداً وظننت الفرس» لم يكن شيئاً حتى تقول «حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً» لأن قولك «زيد عالم والفرس جواد» كلام دال على مضمون، فإذا أردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين أدخلت على شطري الجملة فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك والكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا {أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يفتنون} وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا؟ فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم {آمنا} هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقول عنترة:شعر : فتركنه جزر السباع ينشنه تفسير : ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول «تركهم غير مفتونين» لقولهم «آمناً» على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام وهو استفهام توبيخ. والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم. وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من أذى المشركين، أو في عمار بن يا سر وكان يعذب في الله.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {الم أحسب الناس} أي أظن الناس {أن يتركوا} أي بغير اختبار وابتلاء {أن} أي بأن {يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم كلا لنختبرنهم لنبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب. قيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة فأتبعهم المشركون فقاتلهم الكفار، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل الله هاتين الآيتين. وقال ابن عباس: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم. وقيل في عمار كان يعذب في الله تعالى وقيل في مهجع بن عبد الله مولى عمر وكان أول من قتل من المسلمين يوم بدر فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة"تفسير : فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله هذه الآية ثم عزاهم فقال تعالى {ولقد فتنا الذين من قبلهم} يعني الأنبياء فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب {فليعلمن الله الذين صدقوا} أي في قولهم {وليعلمن الكاذبين} والله تعالى عالم بهم قبل الاختبار ومعنى الآية فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه. وقيل إن آثار أفعال الحق صفة يظهر فيها كل ما يقع وما هو واقع. قوله تعالى {أم حسب الذين يعملون السيئات} يعني الشرك {أن يسبقونا} أي يعجزونا فلا نقدر على الانتقام منهم {ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله} قال ابن عباس من كان يخشى البعث والحساب وقيل من كان يطمع في ثواب الله {فإن أجل الله لآت} يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقيل يوم القيامة لكائن والمعنى أن من يخشى الله ويؤمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم {وهو السميع العليم} أي يعلم ما يعمل العباد من الطاعة والمعصية فيثيبهم أو يعاقبهم أو يعفو. قوله تعالى {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} أي له ثوابه وهذا بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق فإن الكريم إذا وعد وفى والجهاد هو الصبر على الأعداء والشدة وقد يكون في الحرب وقد يكون على مخالفة النفس {إن الله لغني عن العالمين} أي عن أعمالهم وعبادتهم وفيه بشارة وتخويف أما البشارة فلأنه إذا كان غنياً عن الأشياء فلو أعطي جميع ما خلقه لعبد من عبيده لا شيء عليه لاستغنائه عنه. وهذا يوجب الرجاء التام وأما التخويف فلأن الله إذا كان غنياً عن العالمين فلو أهلكهم بعذابه فلا شيء عليه لاستغنائه عنهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} أي لنطلبنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة وقيل يعطيهم أكثر مما عملوا. قوله عز وجل {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً} معناه براً بهما وعطفاً عليهم والمعنى ووصينا الإنسان بوالديه أن يفعل بهما ما يحسن نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص. وقال ابن إسحاق: سعد بن مالك الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأبيه. قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت والله ما آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر ويقال يا قاتل أمه ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل فأصبحت وقد جهدت ثم مكثت كذلك يوماً آخر وليلة فجاءها فقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني فكلي إن شئت وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك فذلك قوله تعالى {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} وفي الحديث "حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الله"تفسير : ثم أوعد بالمصير إليه فقال {إلي مرجعكم فأنبئكم} أي فأخبركم {بما كنتم تعملون} أي بصالح أعمالكم وسيئاتها أي فأجازيكم عليها.
القمي النيسابوري
تفسير : الوقوف: {الم} كوفي. {لا يفتنون} ه {الكاذبين} ه {يسبقونا} ط {يحكمون} ه ج {لآت} ط {العليم} ه {لنفسه} ط {العالمين} ه {يعملون} ه {حسناً} ط {فلا تطعهما} ط {تعملون} ه {الصالحين} ه {كعذاب الله} ط {معكم} ط {العالمين} ه {المنافقين} ه {خطاياكم} ط {شيء} ط {لكاذبون} ه {مع أثقالهم} ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين. {يفترون} ه {عاماً} ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم {الطوفان} ط {ظالمون} ه {للعالمين} ه. التفسير: إنه سبحانه لما قال في خواتيم السور المتقدمة {أية : إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد}تفسير : [القصص: 85] أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده {ألم أحسب الناس} إلى قوله {وهم لا يفتنون} بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله {أية : وادع إلى ربك}تفسير : [القصص: 87] وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك. وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب. قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور. وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي. ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله {أية : الم ذلك الكتاب} تفسير : [البقرة: 1] {أية : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب} تفسير : [آل عمران: 1 ـ 2] {أية : المص كتاب أنزل إليك} تفسير : [الأعراف: 1 ـ 3] {أية : يس والقرآن} تفسير : [يس: 1 ـ 2] {أية : ص والقرآن} تفسير : [ص: 1] {أية : الم تنزيل الكتاب}تفسير : [السجدة: 1 - 2] إلا ثلاث سور: {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] {أية : الم أحسب الناس} {أية : الم غلبت الروم} تفسير : [الروم: 1 ـ 2] ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز. وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها. ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف. واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة. وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون. وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة. قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا. قال: والترك بمعنى التصيير. فقوله {وهم لا يفتنون} حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه. وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن {قالوا آمنا} وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله سبحانه في موضع آخر {أية : أم حسبتم أن تتركوا} تفسير : [التوبة: 16] والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس. والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله. فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن. فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟ أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟ ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً {ولقد فتنا الذين من قبلهم} أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات. وقوله {فليعلمن الله} كقوله {أية : وليعلم الله} تفسير : [الآية: 140] وقد مر تحقيقه في "آل عمران". والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين. وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله. وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين. قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين {الذين صدقوا} بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين {وليعلمن الكاذبين} بالصيغة المنبئة عن الثبات. وإنما قال {أية : يوم ينفع الصادقين صدقهم} تفسير : [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام. ثم بين بقوله {أم حسب الذين} الخ. أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله {أية : ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} تفسير : [الأنفال: 59] والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال. ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله {ساء ما يحكمون} والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا. وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب. واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله {آمنا}، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل. وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله {وهم لا يفتنون ولقد فتنا} ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله {الم أحسب} الآية وإما للسعداء وهو قوله {من كان يرجو} أي يأمل {لقاء} جزاء {الله فإن أجل الله لآت} فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل. فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله. ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب. إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة. ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر. وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: شعر : إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها تفسير : {وهو السميع} لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا {العليم} بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر. ثم بين بقوله {ومن جاهد} الآية. أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك. قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره. ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال. وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد. وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه. وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته. وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه. وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح. ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف. يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع. ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله. ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله تعالى. وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر. ثم إنه تعالى ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن. فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها. وههنا بحث وهو أن قوله {لنكفرن} يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله. أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم. وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن. أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين. وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله {ووصينا الإنسان} الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟ ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومعنى {وصينا} أمرنا كما مر في قوله {أية : ووصى بها إبراهيم}تفسير : [البقرة: 132] وقوله {بوالديه} أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب {حسناً} بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له {وإن جاهداك} إلى آخره فلو وقف على قوله {بوالديه} حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له {وإن جاهداك} وقوله {ما ليس لك به علم} كقوله {أية : ما لم ينزل به عليكم سلطاناً}تفسير : [الأنعام: 81] أي لا معلوم ليتعلق العلم به. وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر. وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل. فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات. وفي قوله {إليّ مرجعكم} ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك. وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما. وفي قوله {فأنبئكم} دليل على أنه سبحانه عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء. يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد. وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان. ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} اي في زمرتهم {أية : وحسن أولئك رفيقاً} تفسير : [النساء: 69] قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم. ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال {ومن الناس من يقول آمنا بالله} يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله {فإذا أوذي في الله} اي في سبيله ودينه {جعل فتنة الناس كعذاب الله} قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع. وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله. وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا. وإنما قال {فتنة الناس} ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله. وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها. ومما يؤكد تذبذبهم قوله {ولئن جاء نصر من ربك} ويلزمه الغنيمة غالباً {ليقولن إنا كنا معكم} يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية. وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر. ثم أخبر أنه سبحانه أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله {وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين} وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين. اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد. وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد. وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش. كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم. وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان. ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون. ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف. ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف. أما الجمع بين قوله {وما هم بحاملين} وبين قوله {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" تفسير : قال {وليسئلن} سؤال تقريع {يوم القيمة عما كانوا يفترون} من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين. ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة {ولقد فتنا الذين من قبلهم} وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟ سؤال: ما الفائدة في قوله {ألف سنة إلا خمسين عاماً} دون أن يقول: تسعمائة وخمسين. الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب. فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً. فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم. وأيضاً المقصود تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض. وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام. قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة. فاعترضوا عليهم بعمر نوح عليه السلام وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة. ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم. ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" تفسير : والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل. وفي قوله {وهم ظالمون} دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم. والضمير في قوله {وجعلناها} إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة. وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها. التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله {أحسب الناس} أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه. فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك {أم حسب الذين} فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا {أن يسبقونا} بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام. {ساء ما يحكمون} بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات. {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا {وهو السميع} لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين. ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا {وعملوا الصالحات} ببذل الوجود في طلب جودنا {لنكفرن عنهم} سيئات وجودهم المجازي {ولنجزينهم} وجوداً حقيقياً أحسن منه {وإن جاهداك لتشرك بي} فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى عليه السلام: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. فهو احق برعاية الحقوق منهما. {جعل فتنة الناس كعذاب الله} فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح. والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله. {وقال الذين كفروا} فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم {اتبعوا سبيلنا} في طلب الشهوات الحيوانية {ولنحمل خطاياكم} أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها {وما هم بحاملين} شيئاً {من خطاياهم} وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ} تقدم الكلام على هذه الحروف. وقوله تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ؛ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك؛ وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللّهُ الكفرةَ من المؤمنين. قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة اللّه في عباده اختباراً للمؤمنين. ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ، و«حِسبَ» بمعنى: ظَنَّ. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يريد بهم: المؤْمنين مع الأَنبياءِ في سالفِ الدَّهرِ.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف، فإنها مشاق في الحال، ولا فائدةَ لها في المآل؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوالِ، فلما بين الله تعالى أنهم إليه يرجعون في آخر السورة قبلها بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل (حسن التكليف)، لأنه يهذب الشكور ويعذب الكفور، فقال: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم. فصل في حكمة افتتاح هذه السُّوَرِ بحروف التَّهَجِّي ولنذكرْ كلاماً كُلِّيّاً في افتتاح السور بالحروف. اعلم أن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال بشغل يشغله يقدم على الكلام المقصود سبباً غيره ليلتفت المخاطب (إليه) بسببه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. واعلم أن ذلك المتقدم على الكلام (المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوماً، كقول القائل: "زَيْدٌ، ويَا زَيْدُ" و "أَلاَ زَيْدُ". وقد يكون المقدم صوتاً) غير مفهوم، كمن يُصَفِّرُ خلف إنسان ليلتفتَ وقد يكون الصوت بغير الفم، كتصفيق الإنسان بيده، ليقبل السامع عليه. ثم إن توقع الغفلة (كلما كان أتم، والكلام المقصود كان أهم)، كان المقدم على الكلام المقصود أكثر ولهذا ينادى القريب "بالهمزة" فيقال: "أَزَيْدُ"، والبعيد بـ "يَا"، فيقال: "يَا زَيْدُ"، والغافل ينبه أولاً، فيقال: "أَلاَ يَا زَيْدُ". إذا تقرر هذا فنقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان يَقْظَانَ الجَنانِ لكنه إنسان يَشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات. وتلك الحروف إذا لم يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف المفهومة، لأن الحروف إذا كانت مفهومة المعنى، وذكرت لإقبال السامع على المتكلم لكي يسمع ما بعد ذلك فربما يظن السامع أنه كل المقصود و "لا" كلام بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود. فإذن تقديم الحروف التي لا يفهم معناها على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة. فإن قيلَ: فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فالجواب: قال ابن الخطيب: عقل البشر يعجز عن إدراك الأشياء الكُلِّيَّة على تفاصيلها، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها (حروف التهجي فإن في أوائلها) ذكر الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله تعالى: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} تفسير : [البقرة: 1-2] {أية : الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّوم}تفسير : [آل عمران: 1-3] {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ}تفسير : [الأعراف: 1-2] {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [يس: 1-2] {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [السجدة: 1-2] {أية : حـمۤ تَنزِيلُ}تفسير : [غافر: 1-2] {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}تفسير : [ق: 1-2] {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}تفسير : [ص: 1-2] (إلا ثلاثَ سُوَرٍ){أية : كۤهيعۤصۤ}تفسير : [مريم: 1] {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} [العنكبوت: 1-2] {أية : الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}تفسير : [الروم: 1-2]. والحكمة في افتتاح السور التي فيها الكتاب والتنزيل والكتاب بالحروف (و) هي أن القرآن عظيم، والإنزال له أثقل، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5]، فكذلك قدم عليها تنبيه يُوجِبُ ثبات المخاطب لاستماعه. لا يُقالُ: كل سورة قرآن، واستماعها استماع للقرآن، سواء كان فيها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن أو لم يكن فيجب أن يكون في أول كل سورة (منبه)، وأيضاً فقد وردت سور فيها ذكر الإنزال، والكتاب، وليس فيها حروف، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}تفسير : [الكهف: 1] {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}تفسير : [النور: 1] {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1]{أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] لأنا نقول جواباً عن الأول: (لا ريب) في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب - مع أنهما من القرآن - فيها تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: {أية : طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 1-2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله كتاب يَردُ من مَلِكٍ على مملوكه فيه شُغْلٌ ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: "إنَّا كَتبنا إليك كتاباً فيه أمرُنا فامتثلْه" فلا شك أن هذا الكتاب الآخر أكثر ثقلاً من الأول. وعن الثاني: أن قوله: "الحمد لله، وتبارك الذي" تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يَغْفَلُ عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه، بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمةِ مَنْ له التسبيح، و "سورة أنزلناها" قد بينا أنها بعض من القرآن فيها ذكر إنزالها، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم وأثقل. وأما قوله تعالى: "إنا أنزلناه" فهذا ليس وُرُوداً على مشغول القلب بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكتاب فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان منبهاً له فلم يُنَبَّهْ. واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها، كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الحج: 1]، وقوله: {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}تفسير : [الأحزاب: 1] {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ}تفسير : [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها. وأما هذه السور افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن ثِقَلَ القرآن هو ما فيه من التكاليف والمعاد، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} يعني لا يتركون بمجرد ذلك، بل لا بدّ وأن يؤمنوا بأنواع التكاليف، ففيها المعنى الذي في السورة التي ذكر فيها القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي. فإن قيل: فهذا المعنى ورد في سورة التوبة وهو قوله: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 1] ولم يقدم عليه حروف التهجي!. فالجواب: أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة، فقال: "أَحَسِبَ"، وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تاماً، والتنبيه (يكون) في أول الكلام، لا في أثنائه. وأما {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا}. قوله: "أن يتركوا" سد مسد مفعولي "حسب" عند الجمهور، ومسد أحدهما عند الأخفش. قوله: "أن يقولوا" فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من "أن يتركوا"، أبدل مصدراً مؤولاً من مثله. الثاني: أنها على إسقاط الخافض، وهو الباء واللام، أي: بأن يقولوا، أو لأنْ يَقُولُوا. قال ابن عطية وأبو البقاء: إذا قدرت الباء كان حالاً. قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء، كما تقول: تركت زيداً بحاله وهي في اللام بمعنى من أجل، أي: أحسبوا أنَّ إيمانهم علةٌ للترك انتهى. وهذا تفسير معنى، ولو فسر الإعراب لقال: أحسبانهم الترك لأجل تلفظهم بالإيمان. وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان (في الآية)؟ قلت: هو في قوله: {أأَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}، وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مَفْتُونِينَ لقولهم: آمنا، فالترك أولى مفعولي "حسب"، وقولهم آمنا هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله: شعر : 2024 - فَتَركْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ........................... تفسير : ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: (تركهم) غير مفتونين لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام. فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول: خُرُوجُه لمخافة الشر، وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت (مخافة) الشر وضربته تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً: حسبت خروجه لِمَخَافَةِ الشَّرِّ، وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً. قال أبو حيان: وهذا كلام فيه اضطراب، ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة يعني أنه حال، لأنه سَبَك ذلك من قوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وهي جملة حالية، ثم ذكر "أن يتركوا" هنا من الترك الذي هو تصيير، وهذا لا يصح، لأن مفعول "صير" الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذا يصير التقدير: أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصحّ. وأما ما مثله به من البيت فإنه يصح أن يكون "جزر السباع" مفعولاً ثانياً لترك - بمعنى صير - بخلاف ما قدر في الآية. وأما تقديره: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم كان غير مفتونين حالاً، إذ لا ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم بمعنى تصييرهم إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لا مفعول ثان. وأما قوله: فإن قلت: أن يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فضله (فهم)، وذلك أن قوله: أن يقولوا هو علة تركهم، فليس كذلك، لأنه لو كان علة لكان به متعلِّقاً كما يتعلق بالفِعْل، ولكنه علة الخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن، والخبر غير المبتدأ، ولو كان "لقولهم" علة للترك لكان من تمامه فكان يحتاج إلى خبر. وأما قوله: كما تقول: خروجه لمخافة الشرِّ، فلِمَخَافَةِ ليس علةً للخروج، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن انتهى. قال شهاب الدين: "ويجاب الشيخ بأن الزمخشري إنما نظر إلى جانب المعنى، وكلامه عليه صحيح. وأما قوله: ليس علة للخروج ونحو ذلك، يعني في اللفظ، فأما في المعنى فهو علة قطعاً، ولولا خوف الخروج فات المقصود" فصل معنى الآية: أحسب الناس أن يتركوا بغير اختبار ولا ابتلاء أن يقولوا آمنا {وَهُم لاَ يُفْتَنُونَ} وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أموالهم وأنفسهم، كلا لنختبرنهم، ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في ناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل منكم إقرار باللسان حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأنزل الله هاتين الآيتين. وقال ابن عباس: نزلت في الذين آمنوا بمكة، وكانوا يعذبون سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم. وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مهْجَع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة"تفسير : فجزع أبواه وامرأته، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقيل: وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله هذه الآية. ثم عزاهم فقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نُشِرَ بِمنْشَارٍ، ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون، فكان يسومُهُمْ سوء العذاب. قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} العامة على فتح الياء مضارع "عَلِمَ" المتعدية لواحد كذا قالوا وفيه إشكال تقدم وهو أنها إذا تعدت لمفعول كانت بمعنى عرف، وهذا المعنى لا يجوز إسناده إلى الباري تعالى، لأنه يستدعي سبق حصل ولأنه يتعلق بالذات فقط، دون ما عليه من الأحوال. وقرأ عليٌّ وجَعْفَرُ بنُ مُحمّد بضم الياء مضارع "أعلم"، (ويحتمل أن يكون من علم بمعنى عرف، فلما جيء بهمزة النقل أكسبتها مفعولاً آخر، فحذف. ثم هذا المفعول) يحتمل أن يكون هو الأول، أي ليعلمن اللَّهُ النَّاسَ الصَّادِقِينَ وليعلمهم الكاذبين أي بشهرة يعرف لها هؤلاء من هؤلاء، وأن يكون الثاني، أي ليعلمن هؤلاء منازلهم، وهؤلاء منازلهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون من العلامة، وهي السِّيمَا، فلا يتعدى إلا لواحد أي ليجعلن لهم علامة يعرفون بها. وقرأ الزُّهْرِيُّ الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة. فصل المعنى: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: آمَنَّا، وليعلمن الكاذبين. قال المفسرون: ظاهر الآية يدل على تجدد العلم، والله تعالى عالم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوحد معلومه. وقال مقاتل: فليُرِيَنَّ الله. وقيل: ليميز الله، كقوله: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}تفسير : [الأنفال: 37]. وقال ابن الخطيب: الية محمولة على ظاهرها، وذلك أن علم الله صِفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فَقَبْلَ التكليف كان الله تعالى يعلم أنَّ زَيْداً مثلاً سيُطِيعُ وعَمْراً سيعصي ثم وقت التكليف بالإتيان يعلم أنه أطاع، والآخر عصى، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما المتغير المعلوم. ومثال ذلك في الحِسِّيَّاتِ أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت في موضع، وقوبل بوجهها جهة (ولم تحرك) ثم عبر عليها زيد لابساً ثوباً أبيض يظهر فيها زيد في ثوب أبيض، وإذا عبر عليها "عمرو" في ثوب أصفر يظهر فيها كذلك. فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديداً تغيرت، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت أو أنها في صقالتها اختلفت، أو يخطر بباله أنها عن مكانها انتقلت؟ لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير إنما هو الخارجات. فعلم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة التغيير، وعلم الله غير ممكن التغيير، فقوله: "فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ" من هذا المثال يعني يعلم من علم الله أنه يأتي بالطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم. وليعلمن الكاذبين، يعني من قال: أنا مؤمن، وكان كذاباً فبفرض العبادات عليه يظهر منه ذلك ويعلم. وفي قوله: {ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} بصيغة الفعل، وفي قوله: "الكَاذِبِينَ" فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يَدُلُّ عليه، كما يقال: فُلاَن شَرِبَ الخَمْرَ، وفلانٌ شَارِبٌ الخَمْرَ، وفلان نفذ أَمْرُهُ، وفلان نافذ أمره، لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ويفهم من اسم الفاعل ذلك إذا ثبت هذا فنقول: وقت نزول الآية كانت الحكاية في قومٍ قرباءِ العهد بالإسلام في أوائل إيجاب التكاليف، وعن قوم قديمين في الكفر، مستمرين فيه. فقال في حق المؤمنين: "الذين صدقوا" بصيغة الفعل أي وُجِدَ منهم الصدق وقال في حق الذين كفروا: "الكاذبين" بالصيغة المفهمة للثبات والدوام، فلهذا قال: {أية : يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}تفسير : [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل، لأن في اليوم المذكور يكون الصدق قد رسخ في المؤمن وهو اليوم الآخر.
البقاعي
تفسير : {الۤـمۤ} إشارة بالألف الدال على القائم الأعلى المحيط ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه سبحانه أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلى الله، لتعرف بالدعوة سرائرهم ويتميز بالتكليف محقهم ومماكرهم {أية : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}تفسير : [محمد: 31]. ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر، قال منكراً على من ظن أن مدعي الإيمان لا يكلف البيان، ومفصلاً لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني، بانياً على ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان: {أحسب الناس} أي كافة، فإن كلاًًّ منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول: إنه على الحق، ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج. ولما كان الحسبان، لا يصح تعليقه بالمفردات، وإنما يعلق بمضمون الجملة، وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك، كانت "أن" مصدرية عند جميع القراء، فعبر عن مضمون نحو: تركهم غير مفتونين لقولهم آمناً، بقوله: {أن يتركوا} أي في وقت ما بوجه من الوجوه، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك المؤكد، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا {أن} أي في أن {يقولوا} ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار: {آمنا وهم} أي والحال أنهم {لا يفتنون*} أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في السماوات والأرض، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولاً بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام، وثانياً بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلىالله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال، التي يعرف بها مرتبة الأقوال، في الصحة والاختلال. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجرّ مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ابتلاء موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفاً يترقب وحن عاقبته وعظيم رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيراً، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب محنة وأورث شراً وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به، فخسفنا به وبداره الأرض، فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عبادة ليميز الخبيث من الطيب، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيراً كان أو شراً، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب {أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}تفسير : [الملك: 14] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقه افتتاحها واختتامها، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولاً خروج نبينا صلى الله عليه وسلم من بلده ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة ولاسلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعليّ درجاتهم عليهم السلام، ثم بشارته صلى الله عليه وسلم آخراً بالعودة والظفر{أية : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}تفسير : [القصص: 85] فأعقب سبحانه هذا بقوله معلماً للعباد ومنبهاً أنها سنته فيهم فقال {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم، وظاهر إنابتهم، ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات، وضروب الاختبارات {أية : ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات}تفسير : [البقرة: 155] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقي العليم أن ذلك من عند الله ابتلاء واختباراً، فيكون تسخيراً لهم وتخليصاً، ومن فريق يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان، والمسارعة إلى الكفر والخذلان {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه، فكان عنده مقاوماً بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة، وأشد في المحنة، ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وطول مكايدتهم من قومهم، فذكر نوحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً عليهم الصلاة والسلام، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء، أما نوح عليه السلام فلبث في قومه - كما أخبر الله تعالى – ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرمى بالمنجنيق في النار فكانت عليه برداً وسلاماً، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم الصلاة والسلام وزبضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها، وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال {فكلاًّ أخذنا بذنبه} ثم وصى نبيه صلى الله عليه وسلم وأوضح حجته، وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان التآسي من سنن الآدميين، توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن حالهم في ذلك، فقال مؤكداً لمن يظن أن الابتلاء لا يكون، لأن الله غني عنه فلا فائدة فيه جاهلاً بما فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى عوائد الخلق: {ولقد} أي أحسبوا والحال أنا قد {فتنا} أي عاملنا بما لنا من العظمة معاملة المختبر {الذين}. ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم، أثبت الجار في قوله: {من قبلهم} أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى كان الرجل منهم يمشط لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه، ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسلام، ففي قصته حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى، ومن آخر ما ابتلى به أمر قارون وأتباعه. ولما كان الامتحان سبباً لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان، فيكرم عنده أو يهان، وأرشد السياق إلى أن المعنى: فلنفتننهم، نسق به قوله: {فليعلمن الله} أي الذي له الكمال كله، بفتنة خلقه، علماً شهودياً كما كان يعلم ذلك علماً غيبياً، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره، وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال التفاتاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيهاً للناقصين – وهم أكثر الناس – على أنه منزه عن كل شائبة نقص، وأكد إشارة إلى أن أكثر الناس يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا يطلع عليه أحد {الذين صدقوا} في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب الصدق، وليعلمن الصادقين، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} فيكون أحدهم عند الرخاء براً شكوراً، وعند البلاء حراً صبوراً، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم {وليعلمن الكاذبين*} أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، فظنوا، فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف منه البلاء، والتعبير بالمضارع لتحقق الاختبار، على تجدد الأعصار، لجمعي الأخيار والأشرار، فمن لم يجاهد نفسه عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان من الكافرين فكان في جهنم {أليس في جهنم مثوى للكافرين} ومن جاهد كان من المحسنين، والآية من الاحتباك: دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا، وبالكاذبين على الصادقين، ذكر الفعل أولا دليلاً على تقدير ضده ثانياً، والاسم ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً. ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا، عادله بما يستلزم مثل ذلك في الآخرة، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام: أحسب الناس أنا لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في الأخرى، فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عبادة مجاناً، فيكون خلقنا لهم عبثاُ لا حكمة فيه، بل الحكمة في تركه، وهذا الثاني هو معنى قوله منكراً أم حسب، أو يكون المعنى أنه لما انكر على الناس عموماً ظنهم الإهمال، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم، فكان الإنكار عليهم أشد، فعادل الهمزة بأم في السياق الإنكار كما عادلها بها في قوله: {أية : أتخذتم عند الله عهداً} تفسير : [البقرة: 80] الآية، فقال: {أم حسب} أي ظن ظناً يمشي له ويستمر عليه، فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه {الذين يعملون السيئات} أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل - منها بالنهي عنها، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله: {أن يسبقونا} أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له، وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم. ولما أنكر هذا، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيماً لإنكار فقال: {ساء ما يحكمون*} أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلاً لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضاً ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه لأنفسهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {الۤـمۤ} {أحسب الناس أن يتركوا..} قال: أنزلت في أناس بمكة قد اقروا بالإِسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة: إنه لا يقبل منكم قرار ولا إسلام حتى تهاجروا قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة، فأتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه. فخرجوا فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}تفسير : [النحل: 110]. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {الۤـمۤ} {أحسب الناس...} قال نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فعرض لهم المشركون فرجعوا، فكتب إليهم إخوانهم بما نزل فيهم من القرآن فخرجوا، فقتل من قتل وخلص من خلص، فنزل القرآن {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآيات في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهؤلاء الآيات العشر مدنيات، وسائرها مكي. وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت في عمار بن ياسر يعذَّب في الله {أحسب الناس أن يتركوا..} . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: سمعت ابن عمير وغيره يقولون: كان أبو جهل لعنه الله يعذب عمار بن ياسر وأمه، ويجعل على عمار درعاً من حديد في اليوم الصائف، وطعن في حياة أمه برمح. ففي ذلك نزلت {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وهم لا يفتنون} قال: لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم {ولقد فتنا الذين من قبلهم} قال: ابتلينا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} قال: يبتلون {ولقد فتنا الذين من قبلهم} قال: ابتلينا الذين من قبلهم {فليعلمن الله الذين صدقوا} قال: ليعلم الصادق من الكاذب، والطائع من العاصي، وقد كان يقال: إن المؤمن ليضرب بالبلاء كما يفتن الذهب بالنار، وكان يقال: إن مثل الفتنة كمثل الدرهم الزيف يأخذه الأعمى ويراه البصير. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ {فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} قال: يعلمهم الناس. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان الله يبعث النبي إلى أمته فيلبث فيهم إلى انقضاء اجله في الدنيا، ثم يقبضه الله إليه فتقول الأمة من بعده، أو من شاء الله منهم: إنا على منهاج النبي وسبيله، فينزل الله بهم البلاء فمن ثبت منهم على ما كان عليه فهو الصادق، ومن خالف إلى غير ذلك فهو الكاذب. وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر اسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم ادراع الحديد، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد... والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {الم} الكلامُ فيه كالذي مرَّ مراراً في نظائرِه من الفواتحِ الكريمةِ خلا أنَّ ما بعده لا يحتملُ أنُ يتعلَّق به تعلُّقاً إعرابـياً {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} الحسبانُ ونظائره لا يتعلَّق بمعاني المُفرداتِ بل بمضامينِ الجملِ المفيدةِ لثبوت شيءٍ أو انتفاءِ شيءٍ عن شيءٍ بحيثُ يتحصّلُ منها مفعولاه إمَّا بالفعلِ كما في عامَّة المواقع وإما بنوع تصرُّفٍ فيها كما في الجُملِ المصدَّرةِ بأن الواقعةِ صلةً للموصولِ الاسميِّ أو الحرفيِّ فإنَّ كلاًّ منها صالحةٌ لأنْ يُسبكَ منها مفعولاه لأنَّ قولَه تعالى أحِسب الناسُ {أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون} في قوَّةِ أنْ يقالَ أحسبُوا أنفسَهم متروكين بلا فتنةٍ بمجرَّدِ أنْ يقولوا آمنَّا أو أنْ يقالَ أحسبوا تركَهم غيرَ مفتونينَ بقولِهم آمنَّا حاصلاً متحقِّقاً، والمَعْنى إنكارُ الحُسبانِ المذكور واستبعادُه وتحقيقُ أنَّه تعالى يمتحنُهم بمشاقِّ التَّكاليفِ كالمهاجرةِ والمجاهدة ورفضِ ما تشتهيةِ النَّفسُ، ووظائفِ الطَّاعاتِ وفنونِ المصائبِ في الأنفسِ والأموالِ ليتميَّز المخلصُ من المنافقِ والرَّاسخُ في الدِّينِ من المتزلزلِ فيه ويجازيَهم بحسبِ مراتبِ أعمالِهم فإنَّ مجرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عن خُلوصٍ لا يقتضِي غيرَ الخلاصِ من الخُلودِ في النَّارِ. رُوي أنَّها نزلتْ في ناسٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ جزعُوا من أذيَّةِ المشركينَ، وقيل: في عمَّارٍ قد عُذِّب في الله، وقيل: في مهجعٍ مَولى عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهُما رماهُ عامرُ بنُ الحضرميِّ بسهم يومَ بدرٍ فقتلَه فجزعَ عليه أبُوه وامرأتُه وهو أولُ منِ استُشهدَ يومئذٍ من المسلمينَ فقال رسولُ صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيِّدُ الشُّهداءِ مهجعٌ وهو أولُ من يُدعى إلى بابِ الجنَّةِ من هذه الأمَّةِ"تفسير : . {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} متَّصلٌ بقوله تعالى {أحسِب} أو بقولِه تعالى {لا يُفتنون} والمعنى أنَّ ذلك سنَّة قديمةٌ مبنية على الحكمِ البالغةِ جاريةٌ فيما بـين الأممِ كلَّها فلا ينبغي أنْ يُتوقَّع خلافُها والمعنى أنّ الأممَ الماضيةَ قد أصابَهم من ضروبِ الفتنِ والمحنِ ما هو أشدُّ ممَّا أصاب هؤلاءِ فصبروا كما يُعرِبُ عنه قولُه تعالى: {أية : وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ}تفسير : [سورة آل عمران: الآية 146] الآياتِ وعن النبـيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «حديث : قد كان منَ قبلكم يُؤخذ فيوضع المنشارُ على رأسه فيُفرق فرقتينِ ما يصرفُه ذلك عن دينِه ويمشَّط بأمشاطِ الحديدِ ما دون عظمِه من لحمٍ وعصبٍ ما يصرفه ذلكَ عن دينه»تفسير : {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي في قولِهم آمنا {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ} في ذلك. لترتيبِ ما بعدها على ما يُفصح عنه ما قبلَها من وقوع الامتحانِ، واللامُ جوابُ القَسَمِ، والالتفاتُ إلى الاسمِ الجليلِ لإدخال الرَّوعةِ وتربـية المهابة. وتكريرُ الجواب لزيادة التَّأكيدِ والتقرير، أي فوالله ليتعلقن علمُه بالامتحان تعلُّقاً حالياً يتميزُ به الذين صدقُوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبونَ فيه مستمرَون على الكذب ويترتبُ عليه أجزيتُهم من الثَّواب والعقابِ، ولذلك قيل: المعنى ليميزن أو ليجازين. وقُرىء وليُعلمنَّ من الإعلامِ أي وليعرِّفنَّهم النَّاسَ أو ليسمنّهم بسِمة يُعرفون بها يومَ القيامة كبـياضِ الوجوه وسوادِها.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}[1،2] قال: أي لا يصيبهم البلاء، وإنما البلاء باب بين أهل المعرفة وبين الحق عزَّ وجلَّ. وحكي أن الملائكة تقول: يا رب، عبدك الكافر بسطت له الدنيا وزويت عنه البلاء، فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه، فإذا رأوه قالوا: لا ينعمه ما أصاب من الدنيا. وتقول: يا رب، عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا وتعرضه للبلاء. فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن ثوابه، فإذا رأوا ثوابه قالوا: لا يضره ما أصابه في الدنيا. وقال: اجعلوا صلاتكم الصبر على البأساء، وصومكم الصمت، وصدقتكم كف الأذى، والصبر على العافية أشد منه على البلاء. ومنه قيل: طلب السلامة أن لا تتعرض للبلاء.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: ظن الخلق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها فحقائق المحبة هى صَبّ البلوى على المحب وتلذذه بالبلاء فبلاء يلحق جسده وبلاء يلحق قلبه وبلاء يلحق سره وبلاء يلحق روحه فبلاء النفس فى الظاهر الأمراض والحُمى فى الحقيقة ضعفها عن القيام بخدمة القوى العزيز بعد مخاطبته إياه بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}،تفسير : [الذاريات: 56] وبلاء القلب تراكم الشوق ومراعاة ما يرد عليه فى وقت بعد وقت من ربه والمحافظة على أحواله مع الحرمة والهيبة، وبلاء السر مع من لا مقام للخلق معه والرجوع إلى من لا وصول للخلق إليه وبلاء الروح الحصول فى القبضة والابتلاء بالمشاهدة وهذا ما لا طاقة لأحد فيه. قال بعض السلف: إن الله إذا أحب عبدًا جعله للبلاء عرضًا. قال عبد العزيز المكى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} بالدّعاوى وهم لا يجربون البلاء. قال النصرآباذى: خص الله أهل البلاء من بين عباده فقال: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أى بترك أن يدعى فينا ودعواه ولا يبلى بالاختبار والابتلاء كلما ادعى أحد فينا إلا ابتلى بأشد البلاء وأى جرأة أشد من ادَّعاء فانٍ فى باقٍ.
القشيري
تفسير : "الألف" إِشارة إلى تَفَرُّده عن كل غير بوجه الغِنى، وباحتياج كل شيءِ إليه؛ كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرفٍ. "واللام" تشير إلى معنى أنه ما من حرفٍ إلا وفي آخره صورة تعويج ما، واللام أقرب الحروف شبهاً بالألف - فهي منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شيء ولكن اللام تتصل بغيرها - فلا جَرَمَ لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام. أمّا "الميم" فالإشارة فيه إلى الحرف "مِنْ"؛ فَمِنَ الربِّ الخَلْقُ، ومِنَ العبدِ خدمةُ الحق، ومن الربِّ الطَّوْلُ والفضلُ. {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، وهذا لا يكون، فقيمة كلِّ أحدٍ ببلواه، فَمَنْ زاد قَدْرُ معناه زاد قدر بلواه؛ فعلى النفوس بلاءٌ وهو المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل. وعلى القلوب بلاءٌ وهو مطالبتُها بالطلب والفكر الصادق بتطلُّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم. وعلى الأرواح بلاءٌ وهو التجرُّدُ عن محبة كلِّ أحدٍ والتفرُّد عن كل سبب، والتباعُد عن كل المساكنةِ لشيءٍ من المخلوقات. وعلى الأسرار بلاءٌ وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلِّي إلى أن تصير مُسْتَهْلَكاً فيه. ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات. وأشدُّ الفتنِ حفظُ وجود التوحيد لئلا يجري عليك مَكْرٌ في أوقات غَلَبَاتِ شاهد الحقِّ فيظن أنه الحق، ولا يدري أَنَّه من الحقِّ، وأنَّه لا يُقال إِنَّه الحقُّ - وعزيزٌ مَنْ يهتدي إلى ذلك.
البقلي
تفسير : {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} اقسم الحق سبحانه باشارة الالف الى استواء فردانية ازليته على قلوب للفردين من اهل التفريد وباشارة اللام الى كشف جماله للارواح العاشقين الذين استقاموا مع الله بنعت التجريد وباشارة الميم الى محبة القدمية السابقة السباق المحبين الذين استغرقوا فى بحار التوحيد انه تعالى لا يدفع من ادعى محبته ومعرفته فى مقام وصاله وكشف جماله فى الدنيا وبصف السرمدية الا ويبتليهم بعد التجلى بالاستنار وبعد كشف الانوار بتعذيب الاسرار لاستيفاء حق الربوبية من العبودية وغيرة الازلية على كون الحدث بالاسامى والنعوت فى نعوته الابدية قال ابن عطا ظن الحق انهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقايقها وحقائق المحبة هى صب البلاء على المحبة وتلذذه بالبلاء فبلاء يحلق جسده وبلاء يلحق قلبه وبلاء يلحق سره وبلاء يلحق روحه وبلاء النفس فى الظاهر الامراض والمحن فى الحقيقة منعها عن القيام بخدمة القوى العزيز بعد مخاطبته اياه بقوله وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وبلاء القلب تراكم الشوق ومراعاة ما يرد عليه فى الوقت من ربه والمحافظة على احواله مع الحرمة والهيبة وبلاء السر هو المقام مع من لا مقام للخلق معه والرجوع الى من لا وصل لخلق اليه وبلاء الروح الحصول فى القبضة والابتلاء بالمشاهدة وهذا ما لا طاقة لاحد فيه ثم بين سبحانه انه لا ينج احد من الاولين والأخرين من دركات الامتحان بقوله {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} ميز --- الصادق والكاذب فتبين شكر الشاكرين فى النعمة وصبر الصابرين فى المحنة ودعوى الكاذبين بقرارهم عن البلاء والطاعة قال ابن عطا بين صدق العبد من كذبه فى اوقات الرخاء والبلاء من شكر فى ايام الرخاء وصبر فى ايام البلاء فهو من الصادقين ومن بطر فى ايام الرخاء وجزع فى ايام البلاء فهو من الكاذبين ثم بين سبحانه ان الذين عاشوا فى البطالة لم يبلغوا منازل الصديقين بالتمنى والتجلى وابواب مقادير سعادة الازال مسدودة عليهم ايحسبون ان ينقضوا فضيات الحق السالفة فيهم بوصف الشقاوة والطرد والقطيعة ويبدلوها بقضياته السابقة بنعت الاصطفائية فى حق العارفين المحبين المطيعين كلا ليس كما يحسبون فان احكام الازلية مقدمة من النقوض والنقائض بهوسات المفلسين الباطلين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم}. قال الكاشفى [حروف مقطعة جهت تعجيز خلق است تادانندكه كسى را بحقائق اين كتاب راه نيست وعقل هيج كامل ازكنه معرفت اين كلام آكاه نى شعر : خرد عاجز وفهم دروى كم است تفسير : در حروف او اين سوره كفته اند الف اشارتست باسم الله ولام بلطيف وميم بمجيد ميفر مايدكه الله منم روى بطاعت من آر لطيف منم اخلاص در عبادت فرو مكذار مجيد منم بزركى ديكران مسلم مدار]. يقول الفقير من لطفه الابتلاء لانه لتخليص الجوهر من الكدورات الكونية وتصفية الباطن من العلائق الامكانية. ومن مجده وعظمته خضع له كل شىء فلا يقدر ان يخرج عن دائرة التسخير ويمتنع عن قبول الابتلاء. وفى الالف اشارة اخرى وهى استغناؤه عن كل شىء واحتياج كل شىء اليه كاستغناء الالف عن الاتصال بالحروف واحتياج الحروف الى الاتصال به
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. والعلم: هو القطع بأحدهما، ولا يصح تعلقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل، فلا أقول: حَسِبْتُ زيداً, وظننت الفرس, بل حسبت زيداً قائماً، والفرس جواداً. والكلام الدال على المضمون، الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله: {وهم لا يفتنون} أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأن يقولوا: آمنا. يقول الحق جل جلاله: {الم}: الألف: لوحدة أسرار الجبروت، واللام: لفيضان أنوار الملكوت، والميم: لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته، أنه لا يدع دعوة مدع إلا ويختبره؛ ليظهر صدقه أو كذبه، وهذا معنى قوله: {أحَسِبَ الناسُ} أي: أظن الناس {أن يُتركوا} غير - مفتونين ومختَبَرِين، {أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتنون}؛ أظنوا أن يَدَّعوا الإيمان ولا يُختبرون عليه؛ ليظهر الصادق من الكاذب، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف؛ من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأموال والأنفس، وإذاية الخلق؛ ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر على ذلك عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان، وإن كان على خلوص قلب، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب، وما ينال العبدَ من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. رُوي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جزعوا من أذى المشركين، وضاقت صدورهم من ذلك، وربما استنكر بعضهم أن يُمكِّن اللهُ الكفرةَ من المؤمنين. فزلت مُسلِّية ومعِلْمة أن هذه هي سيرة الله في عباده؛ اختباراً لهم. قال تعالى: {ولقد فتنَّا الذين مِنْ قبلهم} بأنواع المحن؛ فمنهم من كان يُوضع المناشر على رأسه، فَيُفْرَقُ فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من كان يُطرح في النار، وما يصده ذلك عن دينه. {فليعْلَمَنَّ اللهُ} بذلك الامتحان {الذين صَدَقُوا} في الإيمان بالثبات، {وليعلمنَّ الكاذبين} بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به، أي: علم ظهور وتمييز. والمعنى: ولَيُمَيِّزَنَّ الصادق منهم من الكاذب، في الدنيا والآخرة. قال ابن عطاء: يَتَبَيَّن صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الدنيا، وجزع في أيام البلاء، فهو من الكاذبين. هـ. الإشارة: سُنَّة الله تعالى في أوليائه: أن يمتحنهم في البدايات، فإذا تمكنوا من معرفة الله، وكمل تهذيبهم، أعزهم ونصرهم، وأظهرهم لعباده. ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه على ذلك؛ وهم عرائس الملكوت، ضنَّ بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام، وفي الحديث: "حديث : أشدُّ الناسِ بلاءً: الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على قدر ديِنهِ، فإن كان في دينه صُلْباً, اشتد بلاؤُهُ, وإن كان في دينِه رقَّةٌ, ابتلى على قَدرِ دينِه, فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأرْضِ وما عليه مِنْ خَطِيئة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشدُّ الناسِِ بلاءً في الدنيا: نبي أو صفي"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشدُّ الناس بلاءً: الأنبياءُ، ثم الصالحون. لقد كان أحدهم يُبْتَلى بالفقر، حتى ما يَجَدَ إلا العباءَةَ يُحَوِّيهَا فيلبسها، ويُبْتَلى بالقَمَلِ حتى يَقْتُلَهُ, ولأَحَدُهُمْ كان أشدَّ فرحاً بالبلاء من أحَدِكُم بالعطاء"تفسير : . من الجامع. والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤذين لهم، فقال: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ...}
الطوسي
تفسير : خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا {الم} آية. ولم يعده الباقون. قال قتادة: نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا للهجرة فعرض لهم المشركون، فرجعوا، فنزلت الآية فيهم، فلما سمعوها خرجوا، فقتل منهم من قتل وخلص من خلص، فنزلت فيهم {أية : والذين جاهدوا فينا} تفسير : وقيل: نزلت في عمار، ومن كان بقرب مكة - ذكره ابن عمر - وقيل: نزلت في قوم أسلموا قبل فرض الجهاد والزكاة، فلما فرضا منعا، فنزلت الآية فيهم. قد بينا في غير موضع اختلاف الناس في ابتداء السور بحروف الهجاء وذكرنا أن أقوى الأقوال قول من قال: إنها اسماء للسور. وقال قوم: إنها اسماء للقرآن. وقوله {الم أحسب الناس أن يتركوا} اختلف الناس في {الم} وقد ذكرناه فيما مضى. وقوله {أحسب الناس أن يتركوا} خطاب من الله لخلقه على وجه التوبيخ لهم بأن قال أيظن الناس أن يتركهم الله إذا قالوا آمنا أي صدقنا ونقتصر منهم على هذا القدر، والحسبان والظن واحد. وقوله {أحسب} معناه التوهم والتخيل. وقيل: الحسبان مشتق من الحساب، لأنه في حساب ما يعمل عليه. ومنه الحسيب، لانه في حساب ما يختبي، و {هم لا يفتنون} أي أيظنون أنهم لا يختبرون إذا قالوا آمنا؟!. والمعنى انهم يعاملون معاملة المختبر لتظهر الافعال التي يستحق عليها الجزاء. وقيل: في معنى {أن يقولوا آمنا} قولان: احدهما - يتركوا لأن يقولوا. الثاني - أحسبوا أن يقولوا على البدل وقال مجاهد: معنى {يفتنون} يبتلون في أنفسهم واموالهم. وقيل: معنى يفتنون يصابون بشدائد الدنيا أي ان ذلك لا يجب أن يرفع في الدنيا لقولهم آمنا. وقال ابن عمر: أظنوا ان لا يؤمروا ولا ينهوا. وقال الربيع: ألا يؤذوا ولا يقتلوا؟! ثم اقسم تعالى انه فتن الذين من قبلهم {فليعلمن الله الذين صدقوا} في ايمانهم {وليعلمن الكاذبين} فيه. وانما قال {فليعلمن} مع أنه للاستقبال والله تعالى عليم فيما لم يزل، لحدوث المعلوم فلا تصح الصفة إلا على معنى المستقبل إذ لا يصلح ولا يصح لم يزل عالماً بأنه حادث، لانعقاد معنى الصفة بالحادث، وهو إذا حدث علمه تعالى حادثاً بنفسه. وقيل: معنى {وليعلمن الله الذين صدقوا} ليجازيهم بما يعلم منهم. وقيل: معناه يعلم الله الذين صدقوا في أفعالهم، كما قال الشاعر: شعر : [ليث بعثر يصطاد الرجال] إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا تفسير : وقال ابن شجرة {فليعلمن الله} معناه فليظهرن الله لرسوله صدق الصادق. وقال النقاش: معناه فليميزن الله الصادقين من الكاذبين. وهو قول الجبائي. ثم قال تعالى ممدداً لخلقه {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} اي أيظن الذين يفعلون القبائح والمعاصي ان يفوتونا؟! كما يفوت السابق لغيره. ثم قال {ساء ما يحكمون} اي بئس الشيء الذي يحكمون بظنهم. انهم يفوتونا. ثم قال {من كان يرجوا لقاء الله} أي من كان يأمل لقاء ثواب الله. وقال سعيد بن جبير والسدي: معناه من كان يخاف عقاب الله، كما قال الشاعر: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : أي لم يخف فـ {من} رفع بالابتداء، وخبرها {كان} وجواب الجزاء، كقولك زيد إن كان في الدار فقد صدق الوعد. وقوله {فإن أجل الله لآت} أي الوقت الذي وقته الله للثواب والعقاب آت لا محالة والله {هو السميع} لاقوالكم {العليم} بما تضمرونه في نفوسكم، فيجازيكم بحسب ذلك.
الجنابذي
تفسير : قد مضى فى أوّل البقرة تفصيلٌ تامٌّ لجملة فواتح السّور.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني أحمد بن عيسى بن هارون معنعناً: حديث : عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل علي عليه السلام فلما نظر إليه [النبي. أ، ر. صلى الله عليه وآله وسلم. ر] قال: ألحمد لله رب العالمين لا شريك له. قال: قلنا صدقت يا رسول الله الحمد لله رب العالمين لا شريك له قد ظننا أنك لم تقلها إلا بعجب [أ (خ، ل): تعجباً. ر: تعجب] من شيءٍ رأيته. قال: نعم لما رأيت علياً مقبلاً ذكرت حديثاً حدثني حبيبي جبرئيل [عليه السلام. ب، أ]، قال: قال: إني سألت الله أن يجمع [ر: يجتمع] الأمة عليه فأبى عليه [ب: عليّ] إلا أن يبلو بعضهم ببعض حتى يميز الخبيث من الطيب وأنزل علينا [ب: على] بذلك كتاباً: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} الآية، أما أنه قد عوضه مكانها [ر: مكانه] بسبع خصال: يلي ستر عورتك ويقضي دينك وعداتك وهو معك على عقر [ب: شرعة] حوضك، وهو مشكاة لك يوم القيامة، ولن يرجع كافراً بعد إيمان ولا زان بعد إحصان فكم من ضرس قاطع له في الإسلام مع القدم في الإسلام والعلم بكلام الله والفقه في دين الله مع الصهر والقرابة والنجدة في الحرب وبذل الماعون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لوليي والعداوة لعدوي بشره يا محمد بذلك . تفسير : فرات قال: حدثني الحسن [ب: الحسين] بن إلياس معنعناً: عن السدي في قوله: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} قال: الذين صدقوا علي وأصحابه. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن السدي في قوله: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين} قال: الذين صدقوا علي وأصحابه.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {الم} {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} الآية نزلت في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله، وقيل: نزلت في أناس كانوا بمكة من المسلمين وكتب اليهم من في المدينة أنه لا يقبل منكم الإقرار بالشهادة حتى تهاجروا فخرجوا فردهم المشركون فنزلت هذه الآية فبعثوا بها اليهم فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوا فمنهم من قتل ومنهم من نجا، وقيل: نزلت في مهجع مولى عمرو كان أول من قتل من المسلمين يوم بدر فجزع أبوه وامرأته فنزلت الآية فقال (عليه السلام): "حديث : سيد الشهداء مهجع" تفسير : وقيل نزلت في هشام بن المغيرة المخزومي ارتد عن الإِسلام ولم يحتمل أذى المشركين بمكة، وقوله: {الم} اسم السورة، وقيل: إشارة إلى حروف القرآن، وقيل: هو ابتداء أسماء الله {أحسب الناس} أي ظنوا يعني الذين أصابهم محن الدنيا فجزعوا أن يتركوا بغير اختبار {أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي لا يختبرون، يعني يعاملون معاملة المختبر، وقيل: معناه أن لا يُمتحنوا بعد إظهار الإِسلام كلا بل يُمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، وقيل: يفتنون في أموالهم وأنفسهم، وقيل: يصابون بشدائد الدنيا والأولى حمله عن الجميع {ولقد فتنا الذين من قبلهم} أي من قبل أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} بظهور المعلوم {أم حسب الذين يعملون السيئات} يعني الكبائر والمعاصي {أن يسبقونا} أي يفوتونا فوت السابق للغير ولا يقدر على أخذهم والانتقام منهم {ساء ما يحكمون} أي بئس حكماً حكمهم {من كان يرجو لقاء الله} يعني من يطمع في ثواب الله، وقيل: من كان يعلم ويؤمن بلقاء الله {فإن أجل الله لآت} وهو الموعد للجزاء والبعث {وهو السميع} لأقوالكم {العليم} بضمائركم {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} وهو جهاد العدوّ وجهاد النفس، يعني لأنه يقع له الثواب والجنة والغنيمة في الدنيا والآخرة {إن الله لغني عن العالمين} يعني عن خلقه وأعمالهم.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤـمۤ} قد فسرناه في أول سورة البقرة {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا} أي: صدقنا {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي: بالجهاد في سبيل الله، وبالفرائض التي أمرهم الله بها وابتلاهم بها. وهم قوم كانوا بمكة ممن أسلم وأجاب النبي عليه السلام إلى دينه؛ كان قد وضع عنهم النبي عليه السلام الجهاد، والنبي بالمدينة بعدما افترض عليه الجهاد، وقبل منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولا يجاهدوا. ثم افترض عليهم الجهاد، وأمرهم به، وأذن لهم فيه، وذلك حين أخرجهم أهل مكة فقال: (أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) تفسير : [الحج: 39]. فلما أمروا بالجهاد كره قوم القتال فقال الله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ} تفسير : أي: فلما فرض عليهم القتال {أية : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ}تفسير : أي: لم فرضت علينا القتال {أية : لَوْلاَ}تفسير : أي: هلاَّ (أية : أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) تفسير : [النساء: 77]، وأنزل الله في هذه الآية في أول السورة: {الۤـمۤ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا} أي: صدقنا فقط {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي: وهم لا يبتلون بالجهاد في سبيل الله. قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: ولقد ابتلينا الذين من قبلهم، أي: بعد تصديقهم وإقرارهم {فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: أهل الوفاء والاستكمال لما ابتلاهم الله به من الأعمال، {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} أي: أهل الخيانة والكذب فيما ابتلوا به من الأعمال وهم المنافقون. وهذا علم الفَعال. قوله: {فلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: الذين آمنوا فاعلين الجهاد ولِكُلِّ ما تعبّدهم به من طاعته، وليعلَمَنَّ المنافقين التاركين للجهاد ولكثير مما تعبّدهم به. وقد علم الله ذلك قبل أن يفترض عليهم ما افترض أنهم سيفعلون وسيتركون، ولكنه قال: وليعلمنّكم كاذبين فاعلين وتاركين.
اطفيش
تفسير : {الَمَ} الله اعلم بمعناه وقيل اسم للسورة أو للقرآن أو لله سبحانه وتعالى أو غير ذلك مما سبق في محله ووقوع الاستفهام بعده دليل على انفصاله عما بعده فليس قسما ونحوه مما يوجب اتصاله بما بعده.
اطفيش
تفسير : {الم * أحسب الناس} الهمزة لانكار ان يكون هذا الحسبان صواباً، ومعناه أظنوا او اعملوا عمل الظان (أن يتركوا) قائم مقام مفعولي حسب، لاشتماله على المسند والمسند اليه قبل التأويل بالمصدر، كما كثر ذلك، مع أن المشددة، والمخففة منها المفتوحتى الهمزة، أو هذا ثان، والأول محذوف، أى احسب الناس انفسهم، ان يتركوا، اي تركهم، اى ذوى ترك او متروكين، (أن يقولوا آمنا) على ان يقولوا، او لان يقولوا بلام التعليل، والحرف متعلق بيتركوا، والترك مجرد التخلية، اي يتركوا بلا تكليف بالفرائض، وبالصبر على المصائب في الأبدان والاعراض والاموال، وعن الشهوات، ويكتفى بقولهم آمنا بالله ورسوله، وما انزل اليه كما قال: (وهم لا يفتنون) لا يختبرون حال من واو يتركوا، او واو يقولوا اي ان يتركوا لقولهم آمنا، او على مجرد قولهم آمنا، والحال انهم لا يكلفون بأمور الشرع والصبر، وزعم بعض ان تفسير يتركوا بيصيروا اولى من تفسيره بالتخلية، وان يتركوا مفعول ثان له، اى ثابتين على ان يقولوا آمنا بلا فتن، او ذوى قول، او قائلين، ولا يجوز ان يخرج القرآن على ان قوله: (وهم لا يفتنون) مفعول ثان ليترك على زيادة الواو، تنزيل جملة الحال منزلة المفعول الثاني.
الالوسي
تفسير : سبق الكلام فيه وفي نظائره ولم يجوز بعضهم هنا ارتباط ما بعده به ارتباطاً إعرابياً لأن الاستفهام مانع منه وبحث فيه بأن اللازم في الاستفهام تصدره في جملته وهو لا ينافي وقوع / تلك الجملة خبراً ونحوه كقولك: زيد هل قام أبوه؟ فلو قيل هنا المعنى المتلو عليك.
سيد قطب
تفسير : سورة العنكبوت مكية. وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية. وذلك لذكر "الجهاد" فيها وذكر "المنافقين"... ولكننا نرجح أن السورة كلها مكية. وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص كما سيجيء. وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال. وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية. لذلك نرجح مكية الآيات كلها. أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير. لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة. أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن. وهذا واضح في السياق. وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس. والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام. إنها تبدأ بعد الحروف المقطعة بالحديث عن الإيمان والفتنة؛ وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس. فليس الإيمان كلمة تقال باللسان، إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف. ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها؛ فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب، وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، استعراضاً سريعاً يصور ألواناً من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان. على امتداد الأجيال. ثم يعقب على هذا القصص وما تكشف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى، بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها، وقد أخذها الله جميعاً: {أية : فكلاً أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا}...تفسير : ويضرب لهذه القوى كلها مثلاً مصوراً يجسم وهنها وتفاهتها: {أية : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون }. تفسير : ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض؛ ثم يوحد بين تلك الدعوات جميعاً ودعوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكلها من عند الله. وكلها دعوة واحدة إلى الله. ومن ثم يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له؛ وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. ويتناقضون في منطقهم: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله!}.. {أية : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحياء به الأرض بعد موتها ليقولن الله!}.. {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين }.. تفسير : ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين. وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فراراً بدينهم من الفتنة، غير خائفين من الموت، إذ {أية : كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون}تفسير : غير خائفين من فوات الرزق: {أية : وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم}...تفسير : ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين }.. تفسير : فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل. ويمضي سياق السورة حول ذلك المحور الواحد في ثلاثة أشواط: الشوط الأول يتناول حقيقة الإيمان، وسنة الابتلاء والفتنة، ومصير المؤمنين والمنافقين والكافرين. ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئاً يوم القيامة: {أية : وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون }.. تفسير : والشوط الثاني يتناول القصص الذي أشرنا إليه، وما يصوره من فتن وعقبات في طريق الدعوات والدعاة، والتهوين من شأنها في النهاية حين تقاس إلى قوة الله. ويتحدث عن الحق الكامن في دعوة الرسل، وهو ذاته الحق الكامن في خلق السماوات والأرض. وكله من عند الله. والشوط الثالث يتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى. إلا الذين ظلموا منهم. وعن وحدة الدين كله، واتحاده مع هذا الدين الأخير الذي يجحد به الكافرون، ويجادل فيه المشركون. ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبل الله: {أية : وإن الله لمع المحسنين }.. تفسير : ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته. تهز الوجدان هزاً. وتقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة جد صارم؛ فإما النهوض بها وإما النكوص عنها. وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله. وهي إيقاعات لا سبيل إلى تصويرها بغير النصوص القرآنية التي وردت فيها. فنكتفي بالإشارة إليها هنا حتى نستعرضها في موضعها مع السياق. ألف. لام. ميم}.. الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أنها مادة الكتاب الذي أنزله الله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤلفاً من مثل هذه الحروف، المألوفة للقوم، الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاؤون من القول؛ ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب. لأنه من صنع الله لا من صنع إنسان. وقد قلنا من قبل: إن السور التي صدرت بهذه الحروف تتضمن حديثاً عن القرآن، إما مباشرة بعد هذه الحروف، وإما في ثنايا السورة، كما هو الحال في هذه السورة. فقد ورد فيها: {أية : اتل ما أوحي إليك من الكتاب}.. {أية : وكذلك أنزلنا إليك الكتاب}.. {أية : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك}.. {أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم}.. تفسير : مما يتمشى مع القاعدة التي اخترناها لتفسير هذه الأحرف في افتتاح السور. وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}. إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة. يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان. {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون؟}.. إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ـ وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه ـ وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه: {ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.. والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه! ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين. إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة؛ وهي أمانة ثقيلة؛ وهي من أمر الله يضطلع بها الناس؛ ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء. ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله؛ ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة؛ ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان. وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة. ولكنها ليست أعنف صور الفتنة. فهناك فتن كثيرة في صور شتى، ربما كانت أمر وأدهى. هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً. وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم؛ وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير. وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة. وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً. وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة؛ وهو وحده موحش عريب طريد. وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام. فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان. ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله! وهنالك الفتنة الكبرى. أكبر من هذا كله وأعنف. فتنة النفس والشهوة. وجاذبية الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان. وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصورات أهل الزمان! فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى. وكان الابتلاء أشد وأعنف. ولم يثبت إلا من عصم الله. وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان. وما بالله ـ حاشا لله ـ أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة. ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء. والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع. وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً؛ وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلَّمون الراية في النهاية. مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار. وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن؛ وبما بذلوا لها من الصبر على المحن؛ وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات. والذي يبذل من دمه وأعصابه، ومن راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذاته. ثم يصبر على الأذى والحرمان؛ يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل؛ فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام. فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد الله. وما يشك مؤمن في وعد الله. فإن أبطأ فلحكمة مقدرة، فيها الخير للإيمان وأهله. وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله. وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء: جاء في الصحيح: "حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ".. تفسير : وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين. مهما انتفخ باطلهم وانتفش، وبدا عليه الانتصار والفلاح. وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟ ساء ما يحكمون!}.. فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره، واختل تصوره. فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين؛ هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد. وهذا هو الإيقاع الثاني في مطلع السورة، الذي يوازن الإيقاع الأول ويعادله. فإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف، فخيبة المسيئين وأخذ المفسدين سنة جارية لا بد أن تجيء. أما الإيقاع الثالث فيتمثل في تطمين الذين يرجون لقاء الله، ووصل قلوبهم به في ثقة وفي يقين: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، وهو السميع العليم}.. فلتقر القلوب الراجية في لقاء الله ولتطمئن؛ ولتنتظر ما وعدها الله إياه، انتظار الواثق المستيقن؛ ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين. والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء الله صورة موحية. صورة الراجي المشتاق، الموصول بما هناك. ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح. ويعقب عليه بالطمأنينة الندية، يدخلها في تلك القلوب. فإن الله يسمع لها، ويعلم تطلعها: {وهو السميع العليم}. والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان، ومشاق الجهاد، بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها، ولإصلاح أمرها وحياتها؛ وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد، وإنه لغني عن كل أحد: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}.. فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق، فإنما ذلك لإصلاحهم، وتكميلهم، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة. والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه؛ ويرفع من تصوراته وآفاقه؛ ويستعلي به على الشح بالنفس والمال، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات. وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة، وما يعود عليها من صلاح حالها، واستقرار الحق بينها، وغلبة الخير فيها على الشر، والصلاح فيها على الفساد. {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه}.. فلا يقفن أحد في وسط الطريق، وقد مضى في الجهاد شوطاً، يطلب من الله ثمن جهاده؛ ويمن عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله! فإن الله لا يناله من جهاده شيء. وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل: {إن الله لغني عن العالمين}. وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم، ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون}. فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهُم عند الله، من تكفير للسيئات، وجزاء على الحسنات. وليصبروا على تكاليف الجهاد؛ وليثبتوا على الفتنة والابتلاء؛ فالأمل المشرق والجزاء الطيب، ينتظرانهم في نهاية المطاف. وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف. ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة: فتنة الأهل والأحباء. فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط، لا إفراط فيه ولا تفريط: {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين}.. إن الوالدين لأقرب الأقرباء. وإن لهما لفضلاً، وإن لهما لرحما؛ وإن لهما لواجباً مفروضاً: واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة. ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله. وهذا هو الصراط: {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما}.. إن الصلة في الله هي الصلة الأولى، والرابطة في الله هي العروة الوثقى. فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية، لا الطاعة ولا الاتباع. وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله. {إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}.. ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين. فإذا المؤمنون أهل ورفاق، ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين}.. وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة، كما هم في الحقيقة؛ وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر، وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا، فهي روابط عارضة لا أصيلة، لانقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها. روى الترمذي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ وأمه حمنة بنت أبي سفيان، وكان باراً بأمه. فقالت: له: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي. فلما أيست منه أكلت وشربت. فأنزل الله هذه الآية آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك. وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم؛ واستبقى الإحسان والبر. وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن؛ فليكن بيان الله وفعل سعد هما راية النجاة والأمان. ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء، ثم الادعاء العريض عند الرخاء. يرسمها في كلمات معدودات، صورة واضحة الملامح بارزة السمات: {ومن الناس من يقول: آمنا بالله. فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن: إنا كنا معكم. أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنوا، وليعلمن المنافقين}.. ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المؤونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، {فإذا أوذي في الله} بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى {جعل فتنة الناس كعذاب الله} فاستقبلها في جزع، واختلت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة؛ وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه، حتى عذاب الله؛ وقال في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه. هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة. {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن: إنا كنا معكم}! إنا كنا معكم.. وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير. ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون: {إنا كنا معكم}! {أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟}.. أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟ {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}.. وليكشفنهم فيعرفون؛ فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون. ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: {جعل فتنة الناس كعذاب الله}.. فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات ـ وللطاقة البشرية حدود ـ ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم؛ فلا يختلط في حسهم أبداً عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال.. إن الله في حس المؤمن لا يقوم له شيء، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله.. وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق. وأخيراً يعرض فتنة الإغواء، ويعرض معها فساد تصور الذين كفروا للتبعة والجزاء؛ ويقرر فردية التبعة وشخصية الجزاء. وهو المبدأ الإسلامي الكبير، الذي يحقق العدل في أجلى مظاهره، وأفضل أوضاعه: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء. إنهم لكاذبون. وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون}.. وقد كان الذين كفروا يقولون هذا تمشياً مع تصورهم القبلي في احتمال العشيرة للديات المشتركة والتبعات المشتركة. يحسبون أنهم قادرون على احتمال جريرة الشرك بالله عن سواهم وإعفائهم منها. ذلك إلى التهكم على قصة الجزاء في الآخرة إطلاقاً: {اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم}.. ومن ثم يرد عليهم الرد الحاسم، فيرد كل إنسان إلى ربه فرداً، يؤاخذه بعمله، لا يحمل أحد عنه شيئاً: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء}.. ويجبههم بما في قولتهم هذه من كذب وادعاء: {إنهم لكاذبون}.. ويحملهم وزر ضلالهم وشركهم وافترائهم، ووزر إضلالهم للآخرين. دون أن يعفي هؤلاء من تبعة الضلال: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم. وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون}. ويغلق هذا الباب من أبواب الفتنة؛ فيعلم الناس أن الله لا يحاسبهم جماعات. إنما يحاسبهم أفراداً، وأن كل امرئ بما كسب رهين..
ابن عاشور
تفسير : تقدم القول في معاني أمثالها مستوفى عند مفتتح سورة البقرة. واعلم أن التهجي المقصود به التعجيز يأتي في كثير من سور القرآن وليس يلزم أن يقع ذكر القرآن أو الكتاب بعد تلك الحروف وإن كان ذلك هو الغالب في سور القرآن ما عدا ثلاث سور وهي فاتحة سورة مريم وفاتحة هذه السورة وفاتحة سورة الروم. على أن هذه السورة لم تخْلُ من إشارة إلى التحدّي بإعجاز القرآن لقوله تعالى {أية : أوَ لَمْ يَكْفِهِم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتْلى عليهم}تفسير : [العنكبوت: 51].
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة مستوفى في أول سورة هود، والاستفهام في قوله: أحسب الناس: للإنكار. والمعنى: أن الناس لا يتركون دون فتنة: أي ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: آمناً، بل إذا قالوا آمناً فتنوا: أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمناً في غير الصادق. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214] وقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142] وقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} تفسير : [محمد: 31] وقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} تفسير : [آل عمران: 179] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [آل عمران: 154] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 16] إلى غير ذلك من الآيات، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنا: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} تفسير : [العنكبوت: 3] الآية. وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يبتلى به المؤمنون على قدر ما عندهم من الإيمان، كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ".
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الم: حروف صوتية سيقت لبيان أن القرآن المعجز مؤلف من هذه الحروف التى يحسنون نطقها، ولتنبيه السامعين ولفت أنظارهم إلى الحق. 2- أظن الناس أنهم يُتركون وشأنهم لنطقهم بالشهادتين دون أن يختبروا بما يبين به حقيقة إيمانهم من المحن والتكاليف؟ لا. بل لا بد من امتحانهم بذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الۤـمۤ: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب الۤـمۤ وتقرأ ألف لام ميم. وهم لا يفتنون: بما يتبين به حقيقة إيمانهم من التكاليف ومنها الصبر على الأذى. ولقد فتنا الذين من قبلهم: أي اختبرنا من قبلهم إذ هي سنة جارية في الناس. فليعلمن الله الذين صدقوا: أي في إيمانهم، وليعلمن الذين كذبوا فيه بما يظهر من أعمالهم. أن يسبقونا: أي يفوتونا فلا ننتقم منهم. ساء ما يحكمون: أي بئس الحكم هذا الذي يحكمون به، وهو حسبانهم أنهم يفوتون الله تعالى ولم يقدر على الانتقام منهم. من كان يرجو لقاء الله: أي من كان يؤمن بلقاء الله وينتظر وقوعه فليعلم أن أجله لآت فليستعد له بالإِيمان وصالح الأعمال. ومن جاهد: أي بذل الجهد في حرب الكفار أو النفس. فإنما يجاهد لنفسه: أي منفعة الجهاد من الأجر عائدة على نفسه. ولنجزينهم أحسن: أي ولنجزينهم على أعمالهم بأحسن عمل كانوا عملوه. معنى الآيات: الۤـمۤ: الله أعلم بمراده به وهذا هو مذهب السلف في هذه الحروف وهو تفويض علمها إلى منزّلها عز وجل وقوله {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} أي أظن الناس {أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} فيكتفى منهم بذلك و{وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي ولا يختبرون بل لا بد من اختبار بالتكاليف الشاقة كالهجرة والجهاد والصلاة والصيام والزكاة وترك الشهوات والصبر على الأذى. والآية وإن نزلت في مثل عمار بن ياسر وبلال وعياش فإنها عامة إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، واللفظ عام هنا، لأن اسم الجنس إذا دخلت عليه "ال" أفادت استغراق جميع أفراده. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة فهي إذاً سنة ماضية في الناس لا تتخلف. وقوله تعالى {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في إيمانهم أي يظهر ذلك ويعلمه مشاهدة بعد أن عَلِمَه قبل إخراجه إلى الوجود حيث قدر ذلك وكتبه في كتاب المقادير وذلك بتكليفهم وقيامهم بما كلفوا به من شاق الأفعال وشاق التروك، إذ الهجرة والجهاد والزكاة أفعال، وترك الربا والزنا والخمر تروك {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} حيث ادَّعوا الإِيمان ولما ابتلوا بالتكاليف لم يقوموا بها، فبان بذلك عدم صدقهم وإنهم كاذبون في دعواهم أنهم مؤمنون. وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} أي أظن {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} من الشرك والمعاصي {أَن يَسْبِقُونَا} أي يفوتونا فلم نأخذهم بالعذاب. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} به لأنفسهم أي قبح حكمهم هذا من حكم لفساده، إذ أقاموه على ظن منهم أن الله تعالى لا يقدر عليهم وهو على كل شيء قدير وأنه لا يعلمهم وهو بكل شيء عليم. وقوله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} أي {مَن كَانَ} يؤمن ويؤمل لقاء الله وذلك يوم القيامة فليعلم أن أجل الله المضروب لذلك لآت قطعاً وعليه فليستعد للقائه بما يناسبه وهو الإِيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والعمل الفاسد، ومن هنا دعوى المرء أنه يرجو لقاء ربه ولم يعمل صالحاً يثاب عليه، دعوى لا تصح قال تعالى في سورة الكهف {أية : ..فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} تفسير : [الآية: 110] وقوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو تعالى السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأعمالهم، فدعوى الإِيمان ظاهرة من العبد أو باطنة لا قيمة لها ما لم يقم صاحبها الدليل عليها وذلك بالإِيمان والجهاد للعدو الظاهر والباطن. وقوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي منفعة هذه العبادة عائدة على العبد نفسه أما الله عز وجل فهو في غنى عن عمل عباده غِنىً مطلقاً وهذا ما دل عليه قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} الملائكة والإِنس والجن وسائر المخلوقات إذ كل ما سوى الله تعالى عالم ويجمع على عوالم وعالمين. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} هذا وعد من الله تعالى لمن آمن من عباده وذلك على إِيمانه وصالح عمله فعلاً وتركا بأنه يكفر عنه سيئاته التي عملها قبل الإِسلام وبعده. ومعنى يكفرِّها عنهم يغطيها ويسترها ولم يطالبهم بها كأنهم لم يفعلوها. وقوله {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} أي على أعمالهم الصالحة {أَحْسَنَ} أي بأحسن عمل عملوه فتكون أعظم ما تكون مضاعفة. وهذا من تكرمه على عباده الصالحين ليجزي بالحسنة أضعافها مئات المرات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة أن الإِيمان يصدق بالأعمال أو يكذب. 2- بيان إمكان التكليف بما يشق على النفس فعله أو تركه ولكن ليس بما لا يطاق. 3- تحذير المغترين من العقوبة وإن تأخرت زمناً ما فإنها واقعة لا محالة. 4- ثمرة الجهاد عائدة على المجاهد نفسه. فلذا لا ينبغي أن يمنها على الله تعالى بأن يقول فعلت وفعلت. 5- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بتكفير السيئات والجزاء الأحسن وهذا يتم يوم البعث.
القطان
تفسير : لا يُفتنون: لا يمتحنون. الفتنة: الامتحان والاختبار. ساء ما يحكمون: قَبُح حكمهم. يرجو لقاء الله: يطمع بنيل ثوابه. أجَل الله: الوقت المضروب للقائه. جاهد: بذل جهده في حرب نفسه. جاهداك: حملاك على الشرك. {الۤـمۤ} حروف صوتية تقرأ هكذا ألف، لام، ميم، افتتحت بها السورة لبيان ان القرآن المعجز مؤلَّفٌ من هذه الحروف، ولتنبيه السامعين وتوجيه أنظارهم الى الحق، وكل سورةٍ صدرت بهذه الأحرف تتضمن حديثا عن القرآن إما مباشرة، واما في ثنايا السورة، كقوله تعالى في الآية 45 من هذه السورة {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ.... } والآية: 47 {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ.... } والآية 51 {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ.... } {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}. ايظنّ الناس أنهم يُتركون بمجرد قولهم آمنا بالله دون ان يُختبروا بما تتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم. لا بدَّ من امتحانهم بذلك. {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} لقد اختبرنا الناسَ من الأمم السابقة بضروبٍ من البأساء والضراء فصبروا وتمسكوا بدِينهم، والله يعلم الذين صدقوا في ايمانهم، ويعلم الكاذبين. روى البخاري وابو داود والنسائي حديث : عن خَبَّاب بن الأرتّ قال: شكونا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين من شدةٍ فقلنا: الا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلِكم يؤخَذُ الرجل فيُحفَرُ له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيُجعل نصفَين، ويمشَط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه. والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء الى حضرموتَ لا يخاف إِلا الله، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} ام يظن المشركون والذين يرتكبون الأمورَ السيئة أننا لا نقدِر عليهم!! بئسَ هذا الحكم الذي يحكمونه بجهلهم وغرورهم. {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} من كان يؤمن بالبعثِ، وفي لقاء الله - فان إيمانه حق، واليومُ الموعود الذي عيّنه الله آت لا محالة، وهو سميع لاقوال العباد، عليم بأفعالهم. ثم بين الله تعالى أن التكليفَ بجهاد النفس وغيرها ليس لنفعٍ يعود اليه بل لفائدة الناس. {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}. ومن جاهدَ نفسه بالصبر على الطاعة، فإن ثواب جهاده لنفسه، والله سبحانه لا يحتاج الى شيء من اعمالنا، كما قال: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ}تفسير : [فصّلت:46] وقال: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ}تفسير : [الإسراء:7]. لقد ظن بعض المفسّرين ان هذه الآية مدنية لأن فيها {وَمَن جَاهَدَ} والصوابُ ان الآية مكّية والمراد هنا بالجهاد جهادُ النفس والصبر على الأذى. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والذين آمنوا إيماناً صادقا وعملوا الاعمالَ الصالحة سنمحو عنهم خطاياهم، ونجزيهم بأحسنَ مما عملوا، وأضعاف أضعافه. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} تقدم في سورة الاسراء {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.... }تفسير : [الآية:23]. {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ.... } على المرء أن يعامل والديه بالرِفق واللين ولو كانا مشركَين، فأما إذا ارادا منه ان يشرك بالله، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} والذين آمنوا إيماناً صادقا مع العمل الطيب الخالص لله - يدخلُهم ربهم في زمرة من أنعمَ عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}تفسير : [النساء:69].
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - أَلِفْ لاَمْ. مِيمْ. وتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {الۤـمۤ * أَحَسِبَ} أظن وأصله من الحساب {ٱلنَّاسُ} يعني الذين جزعوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين {أَن يُتْرَكُوۤاْ} بغير اختبار ولا ابتلاء بأن قالوا: {آمَنَّا} كلا لنختبرنهم لنتبين الصادق من الكاذب، (إن) الأولى منصوبة بـ {أَحَسِبَت} والثانية خفض بنزع الخافض، أي لأن يقولوا، والعرب لا تقول: تركت فلاناً أن يذهب، إنّما تقول: تركته يذهب، معه جوابان: أحدهما يشتركوا لأن يقولوا، والثاني: على التكرير تقديره: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} أحسبوا {أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} لا يبتلون ليظهر المخلص من المنافق، وقيل: {يُفْتَنُونَ} يصابون بشدائد الدنيا، يعني: أنّ البلاء لا يدفع عنهم في الدنيا لقولهم: {آمَنَّا}. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن جريج وابن عمير: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذّب في الله. وقال الشعبي: نزلت هاتان الآيتان في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إنّه لا يقبل منكم إقرار بإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عائدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم إنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه. فخرجوا، فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله سبحانه فيهم هاتين الآيتين، وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يومئذ سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة"تفسير : ، فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية وأخبر أنّه لابد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله تعالى، وقيل: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} بالأوامر والنواهي. ثم عزّاهم، فقال عز من قائل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} والله تعالى عالم بهم قبل الإختبار، وعلمه قديم تام، وإنّما معنى ذلك: فليظهرنّ الله تعالى ذلك حتّى يوجد معلومة. قال مقاتل: فليرين الله، الأخفش: فليميزنّ الله. وقال القتيبي: علم الله سبحانه نوعان: أحدهما: علم شيء كان يعلم إنّه كان، والثاني: علم شيء يكون، فعلم إنّه يكون وقت كذا ولا يعلمه كائناً واقعاً إلاّ بعد كونه ووقوعه، بيانه قوله سبحانه: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31] أي نعلم المجاهدين منكم مجاهدين ونعلم الصابرين صابرين، فكذلك هاهنا فليعلمنّ الله ذاك موجوداً كائناً وهذا سبيل علم الله في الإستقبال. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} الشرك {أَن يَسْبِقُونَا} يعجزونا ويقولوا ما بأنفسهم فلا يقدر على الإنتقام منهم {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي ساء حكمهم الذي يحكمون {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ} قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث. سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب الكائن {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} له ثوابه. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ * وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} اختلف النحاة في وجه نصب الحسن، فقال أهل البصرة: على التكرير تقديره ووصيناه حسناً أي بالحسن، كما يقول: وصيته خيراً، أي بخير، وقال أهل الكوفة: معناه ووصينا الإنسان أن يفعل حسناً، فحذفه لدلالة الكلام عليه كقول الراجز: شعر : عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيراً بها كأنّنا جافونا تفسير : أي يوصينا أن نفعل بها خيراً، وهو مثل قوله: {أية : فَطَفِقَ مَسْحاً}تفسير : [ص: 33] أي يمسح مسحاً. وقيل معناه: وألزمناه حسناً، وقرأ العامة {حُسْناً} بضم الحاء وجزم السين، وقرأ أبو رجاء العطاردي بفتح الحاء والسين. وفي مصحف أبي {إِحْسَانًا} نزلت في سعد بن أبي وقاص الزهري. واسم أبي وقاص: مالك بن وهبان، وذلك إنّه لما أسلم قالت له أمه جمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: يا سعد بلغني إنّك صبوت فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه، وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد وصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل، فأتى سعد النبي (عليه السلام) وشكا ذلك إليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية والتي في لقمان والأحقاف، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يترضاها ويحسن إليها ولا يطيعها في الشرك وذلك قوله سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} إنّه لي شريك {فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. أخبرنا عبد الله بن حامد قراءة قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا نمير بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: حديث : قلت: يا رسول الله من أبرّ؟ قال: "أمّك"، قلت: ثم من؟ قال: "أمّك"، قلت: ثم من؟ قال: "ثم أمّك"، قلت: ثم من؟ قال: "ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب . تفسير : وأخبرنا عبد الله إجازة قال: أخبرنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا علي بن إبراهيم الواسطي قال: حدثنا منصور بن مهاجر قال: حدثنا أبو النصر الأبار، عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجنة تحت أقدام الأمهات ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} أي في زمرتهم وجملتهم، وقال محمد بن جرير: أي في مدخل الصالحين وهو الجنة، وقيل: {فِي} بمعنى مع، والصالحون هم الأولياء والأنبياء. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} أي أذاهم وعدائهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} في الآخرة فارتد عن إيمانه {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ} هؤلاء المرتدون {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} وهم كاذبون {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} أي ليميّزنهم ويظهر أمرهم بالإبتلاء والاختبار والفتن والمحن. واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية: فقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا. الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. عكرمة عن ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون معهم إلى بدر، فارتدوا وهم الذين نزلت فيهم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [النساء: 97]... الآية، وقد مضت القصة. قتادة: نزلت هذه الآية في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة. وهذه الآيات العشر مدنية إلى هاهنا، وسائرها مكي، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في العياش بن أبي ربيعة بن مغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، وذلك إنّه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (عليه السلام) ، فحلفت أمه أسماء بنت مخرمة ابن أبي جندل بن نهشل التميمي أن لاتأكل ولا تشرب ولا تغسل لها رأساً ولا تدخل لبيتاً حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام وهما أخوا عيّاش لأُمّه جزعها وحلفها رهبا في ظلمة حتى أتيا المدينة فلقياه، فقال أبو جهل لأخيه عياش بن أبي ربيعة: قد علمت أنّك أحبّ إلى أمّك من جميع ولدها وكنت بها باراً، وقد حلفت أمك إنّها لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل بيتاً حتى ترجع إليها، وأنت تزعم أنّ في دينك بر الوالدين، فارجع إليها فإنّ ربّك الذي تعبده بالمدينة هو ربك بمكة فاعبده بها، فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق لا يحركاه ولا يصرفاه عن دينه، فأعطياه ما سأل من المواثيق فتبعهما، وقد صبرت أمه ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت، قالا: فلما خرجوا من أهل المدينة أخذاه فأوثقاه وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة حتى تبرأ من دين محمّد (رحمهما الله) جزعاً من الضرب وقال ما لا ينبغي، فأنزل الله سبحانه فيه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ}... الآية. قالا: وكان الحارث أشدهما عليه وأسوأهما قولا، فحلف عياش بالله لئن قدر عليه خارجاً من الحرم ليضربنّ عنقه، فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حيناً ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، فهاجر عياش وأسلم وحسن إسلامه. ثم إنّ الله تعالى قذف الإيمان في قلب الحارث بن هشام، فهاجر إلى المدينة وبايع النبي (عليه السلام) على الإسلام ولم يحضر عياش،فلقيه عياش يوماً بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه، فضرب عنقه، فقيل له: إنّ الرجل قد أسلم، فاسترجع عياش وبكى، ثم أتى النبي (عليه السلام) وأخبره بذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}تفسير : [النساء: 92]... الآية.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ تكلمنا كثيراً عن الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن، كلما تكررت هذه الظاهرة نتكلم عن مجالات الأذهان في فهمها، وما دام الحق سبحانه يُكررها فعلينا أيضاً أن نُكرِّر الحديث عنها، ولماذا ينثر الله هذه الظاهرة في سور القرآن؟ لتظل دائماً على البال. وقلنا: إن القرآن الكريم مبنيٌّ في كل آياته وسوره على الوَصْل، لا على الوقف، اقرأ: {أية : >مُدْهَآمَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 64-67]. فلم يقل {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 65] ويقف، إنما وصل: {أية : فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} تفسير : [الرحمن: 66] لأن القرآن موصول، لا فصلَ أبداً بين آياته؛ لذلك ليس في القرآن من وقف واجب، إنما لك أن تقف لضيق النفَس، لكن حينما تعيد تعيد بالوصل. وكذلك القرآن مبنيٌّ على الوَصْل في السور، فحين تنتهي سورة لا تنتهي على سكون، فلم يَقُلْ - سبحانه وتعالى - وإليه ترجعونْ بسكون النون، إنما (تُرْجَعُونَ بسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم) ليبدأ سورة أخرى موصولة. فهذه إذن سمة عامة في آيات القرآن وسُوره إلا في الحروف المقطَّعة في أوائل السور، فهي مبنية على الوقف ألفْ لامْ ميمْ هكذا بالسكون ولم يقل: ألفٌ لامٌ ميمٌ على الوَصْل، لماذا؟ لأنها حروف مُقطَّعة، قد يظنها البعض كلمة واحدة، ففصَل بينها بالوقف. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" تفسير : وليؤكد هذا المعنى جعلها على الوقف، كل حرف على حدة. وتكلمنا على هذه الحروف وقلنا: إنها خامات القرآن، فمن مثل هذه الحروف يُنسَج كلام الله، وقلنا: إنك إنْ أردتَ أن تُميِّز مهارة النسْج عند بعض العمال مثلاً لا تعطي أحدهم قطناً، والآخر صوفاً، والآخر حريراً مثلاً؛ لأنك لا تستطيع التمييز بينهم، لأن الخامات مختلفة، فالحرير بطبيعته سيكون أنعم وأرقَّ. فإنْ أردتَ معرفة المهارة فوحِّد المادة الخام عند الجميع. فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إن القرآن مُعْجز، بدليل أنكم تملكون نفس حروفه، ومع ذلك عجزتُمْ عن معارضته، فقد استخدم القرآن نفس حروفكم، ونفس كلماتكم وألفاظكم، وجاء بها في صورة بليغة، عَزَّ عليكم الإتيان بمثلها. إذن: اختلف أسلوب القرآن، لأن الله تعالى هو الذي يتكلم. فمعنى (الم) هذه نفس حروفكم فأتوا بمثلها. أو: (الم) تحمل معنى من المعاني؛ لأن ألف لام ميم أسماء حروف، وأسماء الحروف لا يعرفها إلا المتعلم، فالأُميُّ يقول (كتب) لكن لا يعرف أسماء حروفها، وتقول للولد الصغير في المدرسة: تهجَّ كتب فيقول لك (كاف فتحة كَ) و (تاء فتحة تَ) و (باء فتحة بَ). إذن: لا يعرف أسماء الحروف إلا المتعلم، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمياً، فمن أين نطق بأسماء الحروف الم، طه، يس، ق .. إلخ. إذن: لا بُدَّ أن ربه علّمه ولقّنه هذه الحروف، ومن هنا جاءت أهمية التلقين والتلقّي في تعلُّم القرآن، وإلا فكيف يُفرِّق المتعلم بين (الم) هنا وبين {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] فينطق الأولى على الوقْف، والأخرى على الوَصْل، ينطق الأولى بأسماء الحروف، والثانية بمُسمَّياتها؟ وتحمل (الم) أيضاً معنى التنبيه للسامع، فالقرآن نزل بأسلوب العرب ولغتهم، فلا بُدَّ أن تتوفر له خصائص العربية والعربية الراقية، فلو قرأنا مثلاً في الشعر الجاهلي نجد عمرو بن كلثوم يقول: شعر : أَلاَ هُبِّي بصَحْنِك فَاصْبِحينَا ولاَ تُبقِي خمور الأندرينا تفسير : نسأل: ماذا أفادت (أَلاَ) هنا، والمعنى يصح بدونها؟ (ألا) لها معنى عند العربي؛ لأنها تنبهه إنْ كان غافلاً حتى لا يفوته شيء من كلام مُحدِّثه، حينما يُفَاجأ به، كما تنادي أنت الآن مَنْ لا تعرفه فتقول: (اسمع يا ...) كأنك تقول له: تنبه لأنني سأكلمك. والتنبيه جاء في اللغة من أن المتكلم يتكلَّم برغبته في أي وقت، أما السامع فقد يكون غافلاً غير مُنتبه، أو ليس عنده استعداد لأنْ يسمعَ، فيحتاج لمن يُنبِّهه ليفهم ما يُقال له، إنما لو فاجأتَه بالمراد، فربما فاته منه شيء قبل أنْ يتنبه لك. وكذلك في (الم) حروف للتنبيه، على أنه سيأتي كلام نفيس اسمعه جيداً، إياك أنْ يضيع منك حرف واحد منه. كما يصح أنْ يكون لهذه الحروف معانٍ أخرى، يفهمها غيرنا ممَّنْ فتح الله عليهم. فهي - إذن - معين لا ينضب، يأخذ منه كُلٌّ على قَدْره. ثم يقول الحق سبحانه: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {فِتْنَةَ} الفتنة: الابتلاء والاختبار {أَثْقَالَهُمْ} جمع ثقل وهو الحمل الثقيل الذي ينوء به الإِنسان، والمراد بالأثقال هنا الذنوب والأوزار {لَبِثَ} أقام ومكث {إِفْكاً} كذباً وزوراً {تُقْلَبُونَ} تُرجعون وتُردون. سَبَبُ النّزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنت رجلاً باراً بأمي فلما أسلمتُ، قالت: ما هذا الدين الذي أحدثت يا سعد؟ لتدَعن دينك هذا أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت فتعيَّر بي فيقال: يا قاتل أمه، قلتُ: لا تفعلي يا أماه، فإِني لا أدع ديني هذا لشيءٍ أبداً، قال: فمكثتْ يوماً وليلةً لا تأكل، فأصبحت قد جُهدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلةً لا تأكل، فلما رأيتُ ذلك قلت: تعلمين واللهِ يا أُمَّاه لو كانت لكِ مائةُ نفسٍ فخرجت نفساً نفْساً ما تركتُ ديني هذا لشيءٍ أبداً، فإِن شئت فكلي، وإِن شئتِ فَدعي، فلم رأتْ ذلك أكلت فأنزل الله هذه الآية {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ..} الآية. التفسِير: {الۤـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}؟ الهمزة للاستفهام الإِنكاري أي أظنَّ الناسُ أن يُتركوا من غير افتتان لمجرد قولهم باللسان آمنا؟ لا ليس كما ظنوا بل لا بدَّ من امتحانهم ليتميز الصادق من المنافق قال ابن جزي: نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين، منهم "عمار بن ياسر" وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإِسلام، فضاقت صدورهم بذلك فآنسهم الله بهذه الآية ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار، ليوطنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبات على الإِيمان، وأعلمهم أن تلك سيرته في عباده يسلّط الكفار على المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إِيمانه من الكاذب {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي ولقد اختبرنا وامتحنا من سبقهم بأنواع التكاليف والمصائب والمحن قال البيضاوي: والمعنى أن ذلك سنة قديمة، جارية في الأمم كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} أي فليميزنَ الله بين الصادقين في دعوى الإِيمان، وبين الكاذبين فيه، وعبَّر عن الصادقين بلفظ الفعل {ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} وعن الكاذبين باسم الفاعل {ٱلْكَاذِبِينَ} للإِشارة إِلى أن الكاذبين وصفهم مستمر وأن الكذب راسخ فيهم بخلاف الصادقين فإِن الفعل يفيد التجدد، قال الإِمام الفخر: إِن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال: فلانٌ شرب الخمر، وفلانٌ شاربُ الخمر، فإِنه لا يفهم من صيغة الفعل الثبوتُ والرسوخ {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} أي أيظن المجرمون الذين يرتكبون المعاصي والموبقات أنهم يفوتون من عقابنا ويعجزوننا؟ {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس ما يظنون قال الصاوي: والآية انتقال من توبيخ إلى توبيخ أشد، فالأول توبيخ للناس على ظنهم أنهم يفوتون عذاب الله ويفرون منه مع دوامهم على كفرهم {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} لما بيَّن تعالى أن العبد لا يترك في الدنيا سُدى، بيَّن هنا أن من اعترف بالآخرة وعمل لها لا يضيع عمله، ولا يخيب أمله والمعنى من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله فيجازيه، فإِن لقاء الله قريب الإِتيان، وكلُّ ما هو آتٍ قريب، والآية تسلية للمؤمنين ووعدٌ لهم بالخير في دار النعيم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو تعالى السميع لأقوال العباد، العليم بأحوالهم الظاهرة والباطنة {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي ومن جاهد نفسه بالصبر على الطاعات، والكف عن الشهوات، فمنفعة جهاده إِنما هي لنفسه {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي مستغنٍ عن العباد، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لنمحونَّ عنهم سيئاتهم التي سلفت منهم بسبب إِيمانهم وعملهم الصالح {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ونجزيهم بأحسن أعمالهم الصالحة وهي الطاعات {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} أي أمرناه أمراً مؤكداً بالإِحسان إِلى والديه غاية الإِحسان، لأنهما سبب وجوده ولهما عليه غاية الفضل والإِحسان، الوالد بالإِنفاق والوالدة بالإِشفاق قال الصاوي: وإِنما أمر الله الأولاد ببر الوالدين دون العكس، لأن الأولاد جُبلوا على القسوة وعدم طاعة الوالدين، فكلفهم الله بما يخالف طبعهم، والآباء مجبولون على الرحمة والشفقة بالأولاد فوكلهم لما جُبلوا عليه {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ} أي وإِن بذلا كلَّ ما في وسعهما، وحرصا كلَّ الحرص على أن تكفر بالله وتشرك به شيئاً لا يصح أن يكون إِلهاً ولا يستقيم، فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي إِليَّ مرجع الخلائق جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فأجازي كلاً بما عمل، وفيه وعدٌ حسن لمن برَّ والديه واتبع الهدى، ووعيدٌ لمن عقَّ والديه واتبع سبيل الرَّدى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} أي لندخلنَّهم في زمرة الصالحين في الجنة قال القرطبي: كرَّر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحريك النفوس إلى نيل مراتبهم، وفي {ٱلصَّالِحِينَ} مبالغة أي الذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته، ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين الخلَّص ذكر حال المنافقين المذبذبين فقال {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} أي ومن الناس فريقٌ يقولون بألسنتهم آمنا بالله، فإِذا أُوذي أحدهم بسبب إِيمانه ارتد عن الدين وجعل ما يصيبه من أذى الناس سبباً صارفاً له عن الإِيمان كعذاب الله الشديد الذي يصرف الإِنسان عن الكفر قال المفسرون: والتشبيه {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} من حيث إِن عذاب الله مانع للمؤمنين من الكفر، فكذلك المنافقون جعلوا أذاهم مانعاً لهم من الإِيمان، وكان مقتضى إِيمانهم أن يصبروا ويتشجعوا، ويروا في العذاب عذوبة، وفي المحنة منحة، فإِن العاقبة للمتقين قال الإِمام الفخر: أقسام المكلفين ثلاثة: مؤمنٌ ظاهر بحسن اعتقاده، وكافرٌ مجاهر بكفره وعناده، ومذبذبٌ بينهما يظهر الإِيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده، فلما ذكر تعالى القسمين بقوله {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} ذكر القسم الثالث هنا {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} واللطيفة في الآية أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر، وخسَّة المنافق الكافر، فقال هناك: أُوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم ويكون قلبه مطمئناً بالإِيمان، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} أي ولئن جاء نصر قريب للمؤمنين، وفتح ومغانم قال أولئك المذبذبون: إِنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، فقاسمونا فيما حصل لكم من الغنائم قال تعالى رداً عليهم {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ}؟ استفهام تقرير أي أوليس الله هو العالم بما انطوت عليه الضمائر من خير وشر، وبما في قلوب الناس من إِيمان ونفاق؟ بلى إِنه بكل شيء عليم، ثم أكد تعالى ذلك بقوله {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} أي وليُظهرنَّ الله لعباده حال المؤمنين وحال المنافقين حتى يتميزوا فيفتضح المنافق، ويظهر شرف المؤمن الصادق قال المفسرون: والمراد {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ} إِظهار علمه للناس حتى يصبح معلوماً لديهم، وإِلا فالله عالم بما كان، وما يكون، وما هو كائن لا تخفى عليه خافية، فهو إِذاً علمُ إِظهار وإِبداء، لا علمُ غيبٍ وخفاء بالنسبة للّه تعالى، وقد فسَّر ابن عباس العلم بمعنى الرؤية {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي قال الكفار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا، واتَّبعوا ديننا ونحن نحمل عنكم الإِثم والعقاب، إِن كان هناك عقاب قال ابن كثير: كما يقول القائل: افعلْ هذا وخطيئتك في عنقي، فإِن قيل {وَلْنَحْمِلْ} صيغة أمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول: الصيغةُ أمرٌ والمعنى شرطٌ وجزاء أي إِن اتبعتمونا حملنا خطاياكم {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي وما هم حاملين شيئاً من خطاياهم، لأنه لا يحمل أحدٌ وزر أحد {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي وإِنهم لكاذبون في ذلك، ثم قال تعالى {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} أي وليحملُنَّ أوزارهم وأوزار من أضلوهم دون أن ينقص من أوزار أولئك شيء كما في الحديث "حديث : ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتّبعه من غير أن يَنْقص من آثامهم شيء"تفسير : {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وليسألنَّ سؤال توبيخ وتقريع {عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي عما كانوا يختلقونه من الكذب على الله عز وجل، ثم ذكر تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح تسليةً له عما يلقاه من أذى المشركين فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} أي ولقد بعثنا نوحاً إلى قومه فمكث فيهم تسعمائة وخمسين سنة يدعوهم إلى توحيد الله جلَّ وعلا، وكانوا عبدة أصنام فكذبوه {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} أي فأهلكهم الله بالطوفان وهم مصرّون على الكفر والضلال قال أبو السعود: والطوفان: كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة، من السيل والريح والظلام، وقد غلب على طوفان الماء قال الرازي: وفي قوله {وَهُمْ ظَالِمُونَ} إِشارة إلى لطيفة، وهي أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم، وإِنما يعذب على الإِصرار على الظلم ولهذا قال {وَهُمْ ظَالِمُونَ} يعني أهلكهم وهم على ظلمهم {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} أي فأنجينا نوحاً من الغرق ومن ركب معه في السفينة من أهله وأولاده وأتباعه المؤمنين {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي وجعلنا تلك الحادثة الهائلة عظة وعبرة للناس بعدهم يتعظون بها {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ} قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله "إِبراهيم" إِمام الحنفاء، أنه دعا قومه إِلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإِخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده، وتوحيده في الشكر فإِنه المشكور على النعم لا مُسدي لها غيره {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي عبادة الله وتقواه خير لكم من عبادة الله الأوثان إِن كنتم تعلمون الخير من الشر وتفرقون بينهما {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أي أنتم لا تعبدون شيئاً ينفع أو يضر، وإِنما تعبدون أصناماً من حجارة صنعتموها بأيديكم {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} أي وتصنعون كذباً وباطلاً قال ابن عباس: تنحتون وتصورون إِفكاً {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} أي إِن هؤلاء الذين تعبدونهم لا يقدرون على أن يرزقوكم {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} أي فاطلبوا الرزق من الله وحده، فإِنه القادر على ذلك {وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} أي وخصوه وحده بالعبادة واخشعوا واخضعوا له، واشكروه على نعمه التي أنعم بها عليكم {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إِليه لا إِلى غيره مرجعكم يوم القيامة فيجازي كل عاملٍ بعمله {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد أي وإِن تكذبوني فلن تضروني بتكذيبكم وإِنما تضرون بأنفسكم فقد سبق قبلكم أمم كذبوا رسلهم فحلَّ بهم عذاب الله، وسيحل بكم ما حلَّ بهم {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي وليس على الرسول إِلا تبليغ أوامر الله، وليس عليه هداية الناس قال الطبري: ومعنى {ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي الذي يبينُ لمن سمعه ما يُراد به، ويفهم منه ما يعني به {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} الاستفهام للتوبيخ لمنكري الحشر أي أولم ير المكذبون بالدلائل الساطعة كيف خلق تعالى الخلق ابتداءً من العدم، فيستدلون بالخلقة الأولى على الإِعادة في الحشر؟ قال قتادة: المعنى أولم يروا بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعيد الله الأجسام بعد الموت؟ {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي سهل عليه تعالى فكيف ينكرون البعث والنشور؟ فإِن من قدر على البدء قدر على الإِعادة، قال القرطبي: ومعنى الآية على ما قاله البعض: أولم يروا كيف يبدئ الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبداً، وكذلك يبدأ خلق الإِنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولد ولداً، وكذلك سائر الحيوان، فإِذا رأيتم قدرته على الإِبداء والإِيجاد، فهو القادر على الإِعادة لأنه إِذا أراد أمراً قال له كن فيكون {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} أي قل لهؤلاء المنكرين للبعث سيروا في أرجاء الأرض فانظروا كيف أن الله العظيم القدير خلق الخلق على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إِلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم الله، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله عز وجل! {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} أي ثم هو تعالى ينشئهم عند البعث نشأةً أخرى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لا يعجزه تعالى شيء ومنه البدء والإِعادة {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي وإِليه تُرجعون يوم القيامة {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي لا تفوتون من عذاب الله، وليس لكم مهربٌ في الأرض ولا في السماء قال القرطبي: والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله كقوله {أية : وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78] {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ليس لكم غير الله وليٌّ يحميكم من بلائه، ولا نصير ينصركم من عذابه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} أي كفروا بالقرآن والبعث {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} أي أولئك المنكرون الجاحدون قنطوا من رحمتي قال ابن جرير: وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لهم عذاب موجع مؤلم {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} أي فما كان ردُّ قومه عليه حين دعاهم إلى الله ونهاهم عن الأصنام إِلا أن قال كبراؤهم المجرمون: اقتلوه لتستريحوا منه أو حرّقوه بالنار {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} أي فألقوه في النار فجعلها برداً وسلاماً عليه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إِنَّ في إِنجائنا لإِبراهيم من النار لدلائل وبراهين ساطعة على قدرة الله لقوم يصدقون بوجود الله وكمال قدرته وجلاله {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أي قال إبراهيم لقومه توبيخاً لهم وتقريعاً: إِنما عبدتم هذه الأوثان والأصنام وجعلتموها آلهة مع الله {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي من أجل أن تدوم المحبة والألفة بينكم في هذه الحياة باجتماعكم على عبادتها {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي ثم في الآخرة ينقلب الحال فتصبح هذه الصداقة والمودة عداوةً وبغضاء حيث يقع التناكر ويتبرأ القادة من الأتباع ويلعن الأتباع القادة، لأن صداقتهم في الدنيا لم تكن من أجل الله {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ومصيركم جميعاً جهنم وليس لكم ناصر أو معين يخلصكم منها {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي فآمن معه لوط وصدَّقه وهو ابن أخيه وأول من آمن به لما رأى من الآيات الباهرة {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} أي وقال الخليل إِبراهيم، إِني تاركٌ وطني ومهاجر من بلدي رغبة في رضى الله قال المفسرون: هاجر من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إِظهار الدين والتمكن من نشره {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي هو العزيز الذي لا يذل من اعتمد عليه، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} أي وهبنا لإِبراهيم - لما فارق قومه في الله - ولداً صالحاً هو إِسحاق وولد ولدٍ وهو يعقوب بن إسحاق {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} أي خصصناه بهذا الفضل العظيم حيث جعلنا كل الأنبياء بعد إِبراهيم من ذريته، وجعلنا الكتب السماوية نازلةً على الأنبياء من بنيه قال ابن كثير: وهذه خصلة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إِياه خليلاً، وجعله إِماماً للناس، أن جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبيٌ بعد إِبراهيم إِلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إِسرائيل من سلالة ولده "يعقوب" ولم يوجد نبي من سلالة "إِسماعيل" سوى النبي العربي عليه أفضل الصلاة والتسليم {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي وتركنا له الثناء الحسن في جميع الأديان {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي وهو في الآخرة في عداد الكاملين في الصلاح، وهذا ثناءٌ عظيم على أب الأنبياء إبراهيم عليه السلام. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام للتقريع والتوبيخ والإِنكار {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا}. 2- الطباق بين {صَدَقُواْ.. وٱلْكَاذِبِينَ} وبين {آمَنُواْ.. وٱلْمُنَافِقِينَ} وبين {يُعَذِّبُ.. وَيَرْحَمُ} وبين {يُبْدِئُ.. يُعِيدُهُ}. 3- التأكيد بإِنَّ واللام {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} لأن المخاطب منكر. 4- صيغة المبالغة {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. 5- الجناس غير التام {يَسِيرٌ.. وسِيرُواْ}. 6- التشبيه المرسل المجمل {فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} حذف منه وجه الشبه فهو مجمل. 7- التفنن في التعبير {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} لم يقل إِلا خمسين سنة تفنناً لأن التكرار في الكلام الواحد مخالف للبلاغة إِلا إِذا كان لغرضٍ من تفخيم أو تهويل مثل {أية : ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ} تفسير : [القارعة: 1-2]. 8- أسلوب الإِطناب {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً.. إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لغرض التشنيع عليهم في عبادة الأوثان. 9- أسلوب الإِيجاز {ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} أي حرقوه في النار ثم قال {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ} أي ففعلوا فأنجاه الله من النار. 10- الاستعارة اللطيفة {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} شبّه الذنوب بالأثقال لأنها تثقل كاهل الإنسان.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} هذه السورة مكية وقيل مدنية ونزل أوائلها في مسلمين بمكة كرهوا الجهاد حين فرض بالمدينة وقيل في مهجع مولى عمر قتل ببدر فجزع أبوه وامرأته عليه وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" حديث : سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة * "تفسير : والناس فسر بمن نزلت فيه الآية وحسب يطلب مفعولين سدت ان وما بعدها من معمولها مسد المفعولين * أن يقولوا أو لأن يقولوا * وهم لا يفتنون جملة حالية قال الزمخشري إن قلت فأين الكلام الدال على المضمر الذي يقتضيه الحساب قلت هو في قوله: {أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وذلك أن تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب وقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتقة للترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله فتركته جزر السباع ينشنه * ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن يقول تركتهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام * فإِن قلت ان يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين وكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ قلت كما يقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة لشر وضربته تأديباً نعليلين وتقول أيضاً حسبت خروجهم لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فنجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وجزاء "انتهى" هذا كلام فيه اضطراب ذكر أولاً أن تقديره أولاً غير مفتونين تتمة يعني أنه حال لأنه سبك ذلك من قوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وهذ جملة حالية ثم ذكر أن يتركوا هنا من الترك الذي هو التصيير وهذا لا يصح لأن مفعول ضمير لا يستقيم أن يكون لقولهم إذ يصير التقدير أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصح وأمّا ما مثله من البيت فإِنه يصح أن يكون جزر السباع مفعولاً ثانياً لترك بمعنى صير بخلاف ما قدر في الآية وأما تقديره تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فلا يصح إذا كان تركهم بمعنى تصييرهم وكان غير مفتونين حالاً إذ لا ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم بمعنى تصييرهم إلى مفعول ثان لأن غير مفتونين عنده حال لا مفعول ثان وأما قولهم فإِن قلت الخبر محتاج إلى فضلة فهم وذلك أن قوله: ان يقولوا هو علة تركهم فليس كذلك لأنه لو كان علة له لكان به متعلقاً كما يتعلق بالفعل ولكنه علة للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن والخبر غير المبتدأ ولو كان لقولهم علة للترك لكان من تمامه فكان محتاجاً إلى خبر وأما قوله كما تقول خروجه لمخافة الضر فليس علة للخروج بل للخبر الذي هو مستقر أو كائن. و{ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} المؤمنون اتباع الأنبياء أصابهم من المحن ما فرق به المؤمن بالمنشار فرقتين ومشط بأمشاط الحديد ولا يرجع عن دينه. {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ} بالإِمتحان الذين صدقوا في إيمانهم وليعلمن الكاذبين فيه من علم المتعدية إلى واحد فيهما ومستحيل حدوث العلم لله تعالى بالمعنى وليتعلقن علمه به موجوداً كما كان يتعلق به حين كان معروفاً والمعنى وليميزون الصادق منهم والكاذب قال ابن عطية أم معادلة للألف في قوله أحسب وكأنه عز وجل قرر الفريقين قرر المؤمن على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون نقمات الله ويعجزونه "انتهى" ليست أم معادلة للألف أحسب كما ذكر لأنها إذ ذاك تكون متصلة ولها شرطان أحدهما أن يكون قبلها لفظ همزة الاستفهام وهذا الشرط هنا موجود والثاني أن يكون بعدها مفرد أو ما هو في تقدير المفرد مثال المفرد أزيد قام أم عمرو ومثال ما هو في تقدير المفرد أقام زيد أم قعد وجوابها تعيين أحد الشيئين إن كان التعادل بين شيئين أو الأشياء ان كان التعادل بين أكثر من شيئين وهنا بعد أم جملة ولا يمكن الجواب هنا بأحد الشيئين بل أم هنا منقطعة بمعنى بل التي للإِضراب بمعنى الإِنتقال من قصة إلى قصة لا بمعنى الإِبطال والإِستفهام هنا للتقرير والتوبيخ والإِنكار فلا يقتضي جواباً لأنه في معنى كيف وقع حسبان ذلك والذين يعملون السيئات قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل وغيرهما من صناديد قريش والآية وإن نزلت على سبب فهي تعم جميع من يعمل السيئات من كافر ومسلم. {أَن يَسْبِقُونَا} بمعنى أن يفوتونا. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تقدم الكلام عليه في البقرة. {مَن كَانَ يَرْجُو} الظاهر أنها على بابها ومعنى لقاء الله الوصول إلى عاقبة الأمر من الموت والبعث والجزاء مثلت حاله بحال عبد قدم على مولاه من سفر بعيد وقد اطلع مولاه على ما يعمل في غيبته عنه فإِن كان عمل خيراً تلقاه بإِحسان أو شراً فبضد الإِحسان. {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} وما أجله وجعل له أجلاً لآتيه لا محالة فليبادر لما يصدق رجاءه * والظاهر أن قوله ومن جاهد معناه جاهد نفسه بالصبر على الطاعات بثمرة جهاده وهو الثواب المعدلة إنما هي له لا لله تعالى والله غني عنه وعن العالمين. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} في جامع الترمذي أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص آلت أمه أن لا تطعم ولا تشرب حتى تموت أو يكفر بمحمد. {وَوَصَّيْنَا} أي أمرناه بتعاهدهما ومراعاتهما وانتصب. {حُسْناً} على أنه مصدر وصينا أي إيصاء حسناً أي ذا حسن أو على سبيل المبالغة أي هو من ذاته حسن. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} قال ابن زيد: نزلت في المنافقين ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين ذكر حال المنافقين ناساً آمنوا بألسنتهم فإِذا آذاهم الكفار جعلوا ذلك الأذى وهو فتنة الناس صارفاً عن الإِيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر ولنجعل اللام فيه لام الأمر وأكثر ما تدخل لام الأمر على المضارع المراد به الغائب كقوله: ثم ليقطع فلينظر وقد جاء في المخاطب قليلاً قرأ بعضهم فبذلك فليفرحوا وأما دخوله على المتكلم فهو قليل وقد جاء في الحديث وحولها على المضارع المتكلم قوموا فلا صل لكم والحمل هنا مجاز شبه القيام بما يتحصل من عواقب الإِثم بالحمل على الظهر والخطايا بالمحمول ولما كان الأمر يراد به الخبر صح فيه أن يكذب. {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي سؤال توبيخ وتقريع قال الزمخشري بعد كلام وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لم آمن منهم لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان ذلك فنحن فتحمل عنكم الإِثم "انتهى" قوله: فإِن عسى كان تركيب أعجمي لا عربي لأن أن الشرطية لا تدخل على عسى لأنه فعل جامد ولا تدخل أدوات الشرط على القول الجامد وأيضاً فإِن عسى لا يليها كان واستعمل عسى بغير إسم ولا خبر ولم يستعملها تامة. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} ذكر هذه القصة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يلقى من أذى الكفار فذكر ما لقي أول الرسل نوح عليه السلام من أذى قومه المدد المتطاولة تسلية لخاتم الرسل صلوات الله عليه وسلم والواو في ولقد واو عطف عطفت جملة على جملة والاستثناء من الألف استدل به على جواز الاستثناء من العدد وفي كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف مذكور في النحو واختلف في مقدار عمره حين بعث وحين مات اختلافاً كثيراً قال ابن عطية وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته من لدن مولده إلى غرق قومه "انتهى" ليس عندي بمحتمل لأن اللبث تعقب بالفاء الدالة على التعقيب والضمير في وجعلناها يحتمل أن يعود على السفينة وأفرد آية وجاءت الفاصلة للعالمين لأن إنجاء السفن أمر معهود فالآية إنجاؤه تعالى أصحاب السفينة وقت الحاجة ولأنها بقيت أعواماً حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل لهم العلم بها فناسب ذلك قوله للعالمين وانتصب إبراهيم عطفاً على نوحاً. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ} هذه القصة تمثيل لقريش وتذكير لهم بحال أبيهم إبراهيم عليه السلام من رفض الأصنام والدعوى إلى عبادة الله تعالى. {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قال ابن عباس هو نحت الأصنام وخلقها سماها إفكاً توسعاً من حيث يفترون بها الإِفك في أنها آلهة وقال مجاهد هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك ثم يعيده ثم الله ينشىء هاتان جملتان مستأنفتان إخبار من الله تعالى بالإِعادة بعد الموت وقدم ما قبل هاتين الجملتين على سبيل الدلالة على إمكان ذلك وإذا أمكن ذلك وأخبر الصادق بوقوعه صار واجباً مقطوعاً بعلمه لا شك فيه. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي تردون. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين ما أراد الله بكم والظاهر أن قوله: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ}تفسير : [الحج: 42] من كلام الله تعالى حكاية عن إبراهيم إلى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقيل هذه الآيات اعتراض من كلام الله تعالى بين كلام إبراهيم والاخبار عن جواب قومه أي وإن يكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} الآية لما أمرهم بعبادة الله تعالى وبين سفههم في عبادة الأوثان وظهرت حجته عليهم رجعوا إلى القلب فجعلوا القائم مقام جوابه فيما أمرهم به قولهم: اقتلوه أو أحرقوه والآمرون بذلك اما بعضهم لبعض أو كبراؤهم قالوا لاتباعهم اقتلوه فتستريحوا منه عاجلاً أو احرقوه بالنار فإِما أن يرجع إلى دينكم إذا مضته النار وإما أن يموت بها ان أصر على قوله ودينه في الكلام حذف تقديره فقذفوه في النار فأنجاه الله تعالى من النار وفي ذلك إشارة إلى خلوصه من النار بعد إلقائه فيها قال كعب لم يحترق منه بالنار إلا الحبل الذي أوثقوه به وجاء هنا الترديد بين قتله وإحراقه فقد يكون ذلك من قائلين ناس أشاروا بالقتل وناس بالإِحراق وفي الأنبياء قالوا حرقوه اقتصروا على أحد الشيئين هو الذي فعلوه رموه في النار ولم يقتلوه وقرىء مودة بالرفع من غير تنوين وبينكم بفتح النون على خبران وما موصولة بمعنى الذي أي أن الأوثان التي اتخذتموها مودة وقرىء مودة منصوباً منوناً وبينكم ظرف معمول لمودة وقرىء مودة نصباً بغير تنوين مضافاً لقوله بينكم. {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} لم يؤمن بإِبراهيم أحد من قومه إلا لوط عليه السلام حين رأى النار لم تحرقه وكان ابن أخيه وسارة وكانت بنت عمه والضمير في وقال عائد على إبراهيم وهو الظاهر لتناسقه مع قوله ووهبنا له إسحٰق وكان إبراهيم ابن خمس وسبعين سنة وهو أول من هاجر في الله تعالى * وانتصب لوطاً بإضمار اذكر أو بالعطف على إبراهيم أو بالعطف على ما عطف عليه إبراهيم استفهم أولاً وثانياً استفهام توبيخ وإنكار وتقريع وبين ما تلك الفاحشة المبهمة في قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} وإن كانت معينة انها إيتان الذكور في أدبارهم بقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا}. {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} أي سبيل الولد بتعطيل الفروج ووطء أدبار الرجال قال الزمخشري: ما سبقكم بها جملة مستأنفة مقدرة يعني لقبح تلك الفعلة "انتهى" ويظهر أنها جملة حالية كأنه قال أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها وفي عموم قوله من أحد من العالمين دليل على أنه لم يفز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ} أي في مجلسكم الذي تجتمعون فيه وهو إسم جنس إذ أنديتهم في مدائنهم كثيرة ولا يسمى نادياً إلا ما دام فيه أهله فإِذا قاموا عنه لم يطلق عليه ناد وإلا بمجاز والمنكر ما تنكره العقول والشرائع والمروآت من تضارطهم وتصافعهم وغير ذلك وهم أول من لاط ونساؤهم أول من ساحق ولما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح أصروا على اللجاج في التكذيب فكان جوابهم له أن قالوا: إئتنا بعذاب الله قالوا ذلك وهم مصممون على اعتقاد كذبه فيما وعدهم به ثم استنصر لوط عليه السلام ربه عليهم فبعث ملائكة لعذابهم ورميهم بالحاصب. {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} تقدم الكلام عليه.
الجيلاني
تفسير : {الۤـمۤ} [العنكبوت: 1] أيها الإنسان الاكمل الأعلم، اللائق لفيضان لوامع أنوار الوجود ولوائح آثار الفضل والجود، المؤيد الملازم لاستكشاف مكنونات ما في مظاهر المكونات من المعظمات آثار الإلوهية، ومكرمات أنواع الربوبية اللامعة اللائحة على نواصي عموم ما ظهر وبطن غيباً وشهادة على التعاقب والتوالي بلا انقطاع وانصرام، أزلاً وأبداً، وبلا ذهول وغفلة، وفتور وفترة، بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه ذرة من ذرائر ما ظهر ولاح دون إشراق شمس وجهه الكريم. {أَحَسِبَ} وظن {ٱلنَّاسُ} المنهمكون في الغفلة والنيسان {أَن يُتْرَكُوۤاْ} ويُهملوا على ما هم عليه من عدم مطابقة قلوبهم لأفواههم، وأعمالهم بنياتهم، وأفعالهم بحالاتهم بمجرد {أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} بلا موافقة من قلوبهم، مع أن الإيمان في الأصل هو الإذعان والقبول والإخلاص بالقلب، والانقياد والتسليم بالجوارح والآلات من لوازمه ومتمماته {وَهُمْ} بمجرد ما يلقلق به لسانهم، ويظهره بيانهم طنوا أنهم {لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] ولا يمتحنون، بلى والله لنبولنهم ونختبرهم بشيءٍ من الخوف والجوع، ونقص من الأمال والأنفس والثمرات، حتى ظهر إخلاصهم في جيع ما آمنوا، فترتب خلاصهم حنيئذٍ على إخلاصهم. {وَ} ليس افتتاننا واختبارنا إياهم ببدع منا، بل {لَقَدْ فَتَنَّا} وامتحنا {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السالفة، مع أنهم يدعون الإيمان، ويتفوهون ويتقوهون به أمثالهم، ومع ذلك لم نتركهم بلا ابتلاء واختبار، وليس اختبارهم وامتحانهم إلا لإظهار حجتا البالغة عليهم، وإلاَّ {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ} المطلع على ضمائر عباده وسرائرهم {ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} منهم، وأخلصوا في إيمانهم {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] أيضاً منهم. وهم الذين لا يخلصون مع الله في حالٍ من الأحوال، وعملٍ من الأعمال، ولا يسمعون أوامر الله ونواهيه من ألسنة رسله سمع قبولٍ ورضا، وإنما أرادوا بإيمانهم الظاهر الذي أتوا به على سبيل الكراهة إسقاط لوازم الكفر من حقن الدماء، وسلب الذراري ونهب الأموال، وإلا فهم ليسوا ممن يذعنون بدلائل التوحيد وبراهين الإيمان عن صميم قلوبهم، ظناً أنَّا غافلون عن بواطنهم ونياتهم. {أَمْ حَسِبَ} أي: بل ظن المسرفون {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} مصرين عليها، مبالغين في إتيانها {أَن يَسْبِقُونَا} ويفوتوا عنا جزاء ما عملوا، ويسقطوا عن حسابنا ما أتوا به من المعاصي، بل نحن مطلعون عليها حين كانوا في استعداداتهم قبل ظهورهم في فضاء الوجود، فكيف حين وجودهم وظهورهم، وصدور الآثام عنهم بالفعل؟! {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] علينا حكمهم وهذا ونسبتهم هذه - أعاذنا الله وعموم عباده عن أمثال هذه الظنون الفاسدة بالنسبة إليه سبحانه - كل ذلك عن جهلهم بالله ويمقتضى عزه وعلوه، وإنكارهم بلقائه والوقوف بين يديهز إذ {مَن كَانَ يَرْجُواْ} ويأمل {لِقَآءَ ٱللَّهِ} المتجلي على الأكوان حسب أسمائه العلية وصفاته السنية، ويترصد أن ينكشف له ما هو الموعود من لدنه سبحانه من الدرجات العلية والمقامات السنية حال كونه متأدباً بالآداب المنزلة من عنده بواسطة أنبيائه ورسله، متحملاً على متاعب التكاليف ومشاق الطاعات المفروضة المشروعة له، مترقباً للانكشاف والشهود، راجياً لقياه بلا يأس وقنوط، فاز بمبتغاه على الوجه الذي وُعد بعدما وفقه الحق وجذبه إلى نفسه {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ} الذي وعده لعباده أن يشرفهم بشرف لقائه {لآتٍ} بلا شك وارتياب {وَ} كيف لا يشرفهم بعدما وعدهم؛ إذ {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاتهم {ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5] بحاجاتهم التي هي الفوز بشرف اللقاء، والوقوف عند سدرة المنتهى، والتدلي إلى مقام دنا فتدلى {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9]. {وَمَن جَاهَدَ} واجتهد في الوصول إلى ما ذكر من المقام المحمود، والموعود الذي هو مرتبة الكشف والشهود {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} إذ نفعه عائد إليه، وهو واصل إلى منتهى مطلوبه بعدما كان طالباً {إِنَّ ٱللَّهَ} المنزه عن الطلب والاستكمال، المبرأ عن الترقب والانتظار {لَغَنِيٌّ} في ذاته {عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] وطاعاتهم وعباداتهم ورجوعهم إليه، وتوجههم نحوه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} [العنكبوت: 1-2] والإشارة في تحقيق الآيات تعالى {الۤـمۤ} يشير بالألف إلى تفرده عن كل شيء بوجه الفناء، وعدم الاحتياج وتوحده بالاستغناء كالألف عن الاتصال بالحروف واحتياج الحروف بالاتصال به، وباللام يشير إلى لطفه بعباده، وبالألف واللام يشير إلى الآية فكأنه أقسم بفردانيته وآلائه ونعمائه، وبالميم يشير إلى منه وإلى من أي العبد ومن الرب يعني: أنه أقسم بالآية مهما يكون من العبد التقرب إلى الرب بأصناف العبودية يكون من الرب التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية، فمن العبد أداء العبادة بشكر النعم ومن الرب إعطاء السيادة بمزيد الكرم {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} يعني: الناس من أهل الغفلة والبطالة {يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} بالتقليد والجهالة بمجرد الدعوى دون المطالبة بالبلوى {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} بأنواع البلاء لتخليص إبريز الولاء، فإن البلاء للولاء كاللهب للذهب، وإن المحبة والمحنة توأمان فلا مميز بينهما إلا نقطة الباء به يشير إلى أن أهل المحبة إذا أوقعوا أنفسهم كنقطة الباء تحتها تواضعاً لله رفعهم كالنقطة فوق النون، ومن تكبر وطلب الرفعة والعلو في الدنيا كالنقطة فوق النون وصفه بالذلة كالنقطة تحت الباء، وقيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبتلى الرجل على حسب دينه ". تفسير : وقال: "حديث : البلاء موكل للأنبياء فالأمثل والأمثل" تفسير : فالعاقبة لمن لا يعرف قدرها كالدواء والبلاء لمن يعرف قدره كالدواء، فالبلاء على النفوس: لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، وعلى القلوب: لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيوب، والبلاء على الأرواح: لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار: في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشد حفظ وجود التوحيد؛ لئلا يجري عليه مكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق ولا يدري أنه من الحق ولا يقال أنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك. وبقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] يشير إلى صدق الصادقين وكذب الكاذبين الذين عجنوا في تخمير طينتهم لا يظهر إلا إذا طرح في نار البلاء تصاعدت فيها روائح الضر وفوائح الشكر عن عود جوهر الصادقين ويصده بصدتين الضجرة وكفران النعمة عن رشيق جوهر المذنبين، وأنهم في البلاء على ضروب منهم: من يصبر في حال البلاء ويشكر في حال النعماء وهذه صفة الصادقين، ومنهم: من يصبح ولا يصبر في البلاء ولا يشكر في النعماء فهو من الكاذبين، ومنهم من يؤثر في حال الرخاء لا يستمتع في العطاء ويستريح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضر والعناد وهذا أقل الكبراء. وبقوله {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} [العنكبوت: 4] يشير إلى أنه من موجبات عمل السيئات سواد وجوه مرآة القلوب بصداء الحسبان، ورين الكفران ليتوهموا أنهم يسبقونا بالعدول عن طريق متنافي الانتقام عن المجرمين، وينجو من سطوات بإلقاء جلباب الحياء ونقض عهد الوفاء ولزوم الجفاء اغتروا بإمهالنا اليوم إياهم في رياض الغفلات مسرحين عشب الشهوات ناسين يوم الحسرات {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات ونيل الدرجات هيهات هيهات أفلا يعلمون أن {مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} [العنكبوت: 5] أي: من أقبل الثواب يؤمن أعمال تورث العذاب ويعانق المجاهدات فإنها تورث المشاهدات، ومن زكى عمره في رجاء لقائنا فسوف ينج وله النظر إلى جمالنا {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأنين الشاقين {ٱلْعَلِيمُ} بحنين الواقفين الصادقين. {وَمَن جَاهَدَ} [العنكبوت: 6] أي: سعى في طلبنا {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} وليزكيها عن الأخلاق ويحليها بالأوصاف الحميدة، فيتخلص عن سجن الأمارية ويستأهل لجنته المطمئنة فيستحق لجذبة العناية بخطاب: ارجعي إلى ربك، فإني خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم هنا لي عنهم، وذلك قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} والعالمون هم الفقراء إلى الله والمحتاجون إليه في الدارين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن [تمام] حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 757 : 1 : 3 - سفين عن أبي هاشم عن مجاهد في قوله {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} قال، يبتلون {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} قال؛ ابتلينا. [الآية 1-2].
همام الصنعاني
تفسير : 2239- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن رَجُلٍ، عن عامر الشعبي، قال: لمَّا نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، أدركهم المشركون فردُّوهُم فأنزل الله تعالى: {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}: [الآيات: 1-2]، عشر آيات من أول السورة، فتعاهدوا أن يخرجوا إلى المدينة فخرجوا، فتبعهم المشركون فاقتتلوا، فمِنْهُمْ من قتل، ومنهم مَنْ نَجا فنزلت فيهم: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : : [النحل: 110]. 2240- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عِكْرِمة يقول: كان ناس بمكة قد شهِدو أن لا إلَه إلا الله، فلمّا خرج المشركون إلى بدر، أخرجوهم معهم فقتلوا، قال: فنزلت فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ ...}تفسير : إلى قوله: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ... وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : : [النساء: 97-100]، قال: فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، فخرج ناس من المسلمين، حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهُمْ من أعطى الفتنة فأنزل الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ}: [الآية: 10]، فكتب به المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، فقال رجل من بني ضمرة لأهله وكان مريضاً: أخرجوني إلى الروح، فأخرجوه حتى إذَا كان الخضخاض: فمات، فأنزل الله عزّ وجلّ: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ...}تفسير : : [النساء: 100]، ونزل في أولئك الذين كانوا أعطوا الفتنة: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : : [النحل: 110]. 2241- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}: [الآية: 2]، قال: لا يُبْتَلُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):