٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ } أي: بقولهم {ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم؟ نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَحَسِبَ} أَظَنَّ قائلو لا إله إلا الله {أَن يُتْرَكُواْ} فلا يختبر صدقهم وكذبهم، أو أَظَنَّ المؤمنون أن لا يؤمروا ولا ينهوا، أو أن لا يؤذوا ولا يقتلوا أو خرج قوم للهجرة فعرض لهم المشركون فرجعوا فنزلت فيهم فلما سمعوها خرجوا فقتل بعضهم وخلص آخرون فنزلت {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} تفسير : الآية [العنكبوت: 69]. أو نزلت في عمار ومن كان يعذب في الله تعالى بمكة، أو في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه عذبه أبو جهل على إسلامه حتى تلفظ بالشرك مُكرَهاً، أو في قوم أسلموا قبل فرض الزكاة والجهاد فلما فرضا شق عليهم {لا يُفْتَنُونَ} لا يهلكون، أو لا يختبرون في أموالهم وأنفسهم بالصبر على أوامر الله تعالى وعن نواهيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {أحسب الناس} الحسبان بالكسر الظن كما فى القاموس. وقال فى المفردات الحسبان هو ان يحكم لاحدج النقيضين احدهما على الآخر. نزلت فى قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الاسلام فكانت صدورهم تضيق لذلك ويجزعون فتداركهم الله بالتسلية بهذه الآية. قال ابن عطية وهذه الآية وان كانت نزلت بهذا السبب فى هذه الجماعة فهى فى معناها باقية فى امة محمد موجود حكمها بقية الدهر والمعنى بالفارسية [آيا بنداشتند مردمان يعنى اين ظن منكر ومستبعد ست] {ان يتركوا} اى يهملوا سادّ مسدّ مفعولى حسب لاشتماله على مسند ومسند اليه {ان} اى لان {يقولوا آمنا وهم} اى والحال انهم {لايفتنون} لايمتحنون فى دعواهم بما يظهرها ويثبتها اى أظنوا انفسهم متروكين بلا فتنة وامتحان بمجرد ان يقولوا آمنا بالله يعنى ان الله يمتحنكم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وانواع المصائب فى الانفس والاموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ فى الدين من المضطرب فيه ولينالوا بالصبر عليها عوالى الدرجات فان مجرد الايمان وان كان عن خلوص لايقتضى غير الخلاص من الخلود فى العذاب شعر : عاشقانرا درد دل بسيار مى بايد كشيد جوريار وطعنه اغيار مى بايد كشيد تفسير : وفى التأويلات النجمية {احسب الناس} يعنى الناسين من اهل الغفلة والبطالة {ان يتركوا ان يقولوا آمنا} بالتقليد والجهالة بمجرد الدعوى دون المطالبة بالبلوى {وهم لايفتنون} بانواع البلاء لتخليص ابريز الولاء فان البلاء للولاء كاللهب للذهب وان المحبة والمحنة توأمان فلا مميز بينهما الا نقطة الباء وبه يشير الى ان اهل المحبة اذا اوقعوا انفسهم كنقطة الباء تحتها تواضعا لله رفعهم الله كالنقطة فوق النون ومن تكبر وطلب الرفعة والعلو فى الدنيا كالنقطة فوق النون وضعه الله بالذلة كالنقطة تحت الباء. وقيل عند الامتحان يكرم الرجل او يهان فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه كما قال عليه السلام "حديث : يبتلى الرجل على حسب دينه"تفسير : وقال "حديث : البلاء موكل بالانبياء ثم الاولياء ثم الامثل فالامثل"تفسير : فالعافية لمن لايعرف قدرها كالداء والبلاء لمن يعرف قدره كالدواء فالبلاء على النفوس لاخراجها من اوطان الكسل وتصريفها فى احسن العمل والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيوب والبلاء على الارواح لتجردها بالبوائق عن العلائق والبلاء على اسرار فى اعتكافها فى شاهد الكشف بالصبر على آثار التجلى الى ان يصير مستهلكا فيه باقيا به وان اشد الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجرى عليه مكر فى اوقات غلبات شواهد الحق فيظن انه هو الحق ولايدرى انه من الحق ولا يقال انه الحق وعزيز من يهتدى الى ذلك انتهى. قال ابن عطاء ظن الخلق انهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها وحقائق المحبة هى صب البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء فبلاء يلحق جسده وبلاء يلحق قلبه وبلاء يلحق سره وبلاء يلحق روحه وبلاء النفس فى الظاهر الامراض والمحن وفى الحقيقة منعها عن القيام بخدمة القوى العزيز بعد مخاطبته اياها بقوله {أية : وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون}تفسير : وبلاء القلب تراكم الشوق ومراعاة مايرد عليه فى الوقت بعد الوقت من ربه والمحافظة على اقواله مع الحرمة والهيبة وبلاء السر هو المقام مع من لامقام للخلق معه والرجوع الى من لاوصول للخلق اليه وبلاء الروح الحصول فى القبضة والابتلاء بالمشاهدة وهذا مالا طاقة لاحد فيه: وفى البستان فى حق العشاق شعر : دمادم شراب الم در كشند وكر تلخ بينند دم در كشند بلاى خماراست در عيش مل سلحدار خارست باشاه كل نه تلخست صبرى كه برياداوست كه تلخى شكر باشد ازدست دوست اسيرش نخواهد رهابى زبند شكارش نجويد خلاص ازكمند
الجنابذي
تفسير : {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} استفهام انكارىّ توبيخىّ {أَن يُتْرَكُوۤاْ} قائم مقام المفعولين لحسب {أَن يَقُولُوۤاْ} لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو فى أن يقولوا، أو هو بدل من أن يتركوا بدل الاشتمال {آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} لا يبتلون ولا يمتحنون حتّى يظهر لطيفة ايمانهم ويخلص حقيقة ولايتهم وهذا لا يكون فلا ينبغى هذا الحسبان بل ينبغى لمن آمن بقبول الرّسالة أو الولاية ان يوطّن نفسه على الامتحان كالمريض الّذى يسلّم بدنه الى الحجّام والفصّاد للشّرط وجرح الفصد، وهذا الامتحان قد يكون بالتّكاليف البدنيّة والماليّة، وقد يكون بالمصائب فى الأنفس والأموال، وقد يكون باذى الخلق شتماً وضرباً وإجلاءً وقتلاً.
اطفيش
تفسير : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} الاستفهام توبيخي وحسب بمعنى ظن وان يتركوا في تأويل المصدر مفعول به قائم مقام مفعولين لاشتمال يتركوا على المسند والمسند اليه وان يقولوا مقدر بعلى او باللام التعليلية تتعلق بيتركوا ويجوز أن يكون المعفول الثاني محذوفا اي أحسبوا تركهم على قولهم أو لقولهم آمنا موجودا او المفعول الأول محذوف او الترك بمعنى متروكين او ذوي ترك اي أحسبوا أنفسهم او احسبوهم اي احسبوا انفسهم متروكين او ذوي ترك ولا يقال يلزم على تقدير اللام او على في أن يقولوا انهم قد تركوا غير مفتونين وهو غير مراد كما قال شيخ الاسلام لأنا نقول لا يلزم ذلك كما ان قولك لا تحسب ان زيدا مضروب للتأديب يصح ان يكون معناه لا تحسب ان مضربية زيد واقعة وانها للتأديب بل هو غير مضروب اصلا للتأديب اي لم يؤدب بالضرب ويصبح ان يكون معناه لا تحسب ان مضروبية زيد واقعة للتأديب اي لم يؤدب بالضرب ويصح ان يكون معناه لا تحسب ان مضروبية زيد واقعة للتأديب بل واقعة لغيره ومثل هذا الأخير هو المراد في الآية ومعنى الآية انا لا نترك الناس على مجرد قولهم آمنا ونكتفي به بل لا بد ان نفتنهم اي نمتحنهم بالفرائض والمصائب ليستمر الراسخ في الدين من المتزلزل فيه ولينالوا على أداء الفرض من فعل ما وجب فعله وترك ما وجب تركه وعلى الصبر على المصائب ثوابا عظيما روي انها نزلت في ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من اذى المشركين قيل حتى ان بعضا منهم ليشكن لأن يغلب الكافرون المؤمنين وقيل في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله وقيل في اناس اسلموا بمكة فكتب اليهم المهاجرون لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا فخرجوا فتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجى وقيل في مهجع بن عبدالله بكسر الميم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو اول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيد الشهداء مهجع وهو أَول من يدعى إِلى باب الجنة من هذه الأمة "تفسير : فجزع عليه ابواه وامرأته فنزلت الآية وعن ابن عباس: اراد بالناس الذين بمكة مسلمة بن هشام وعياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم وقيل فرض الله الايمان وحده اولا ثم فرض الفرائض فشقت على الناس فنزلت الآية وقيل نزلت في قوم آمنوا وضع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم فرض عليهم الجهاد فضاقوا فنزلت.
الالوسي
تفسير : {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ } إلى آخر السورة صح فلا يقال أيضاً إن المانع منه عدم صحة ارتباطه بما قبله معنى. نعم الارتباط خلاف الظاهر، والاستفهام للإنكار، والحسبان مصدر كالغفران مما يتعلق بمضامين الجمل لأنه من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وذلك للدلالة على وجه ثبوتها في الذهن أو في الخارج من كونها مظنونة أو متيقنة فتقتضي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو ما يسد مسدهما وقد سد مسدهما هنا على ما قاله الحوفي وابن عطية وأبو البقاء: قوله تعالى: {أَن يُتْرَكُواْ } وسد (أن) المصدرية الناصبة للفعل مع مدخولها مسد الجزأين مما قاله ابن مالك، ونقله عنه الدماميني في «شرح التسهيل»، وزعم بعضهم أن ذلك إنما هو في أن المفتوحة مشددة ومثقلة مع مدخولها، والترك هنا على ما ذكره الزمخشري بمعنى التصيير المتعدي لمفعولين كما في قوله تعالى: {أية : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } تفسير : [البقرة: 17] وقول الشاعر:شعر : فتركته جزر السباع ينشنه يقضمن قلة رأسه والمعصم تفسير : فضمير الجمع نائب مفعول أول والمفعول الثاني متروك بدلالة الحال الآتية أي كما هم أو على ما هم عليه كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } تفسير : [التوبة: 16] على ما قدره الزمخشري فيه وقوله سبحانه: {أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا} بمعنى لأن يقولوا متعلق بيتركوا على أنه غير مستقر، وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } في موضع الحال من ضمير {يتركوا}، ويجوز أن لا يعتبر كون المفعول الثاني ليتركوا متروكاً بل تجعل هذه الجملة الحالية سادة مسده، ألا ترى أنك لو قلت: علمت ضربـي زيداً قائماً صح، على أن ترك ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام، بل القياس أن يجوز الاكتفاء فيه بالحال من غير نظر إلى أنه قائم مقام الثاني لأن قولك: تركته وهو جزر السباع كلام صحيح كما تقول أبقيته على هذه الحالة، وهو نظير سمعته يتحدث في أنه يتم بالحال بعده أو الوصف، وهٰهنا زاد أنه يتم أيضاً بما يجري مجرى الخبر، وجوز أن تكون هذه الجملة هي المفعول الثاني لا سادة مسده وتوسط الواو بين المفعولين جائز كما في قوله:شعر : وصيرني هواك وبـي لحيني يضرب المثل تفسير : وقد نص شارح أبيات «المفصل» على أنه حكي عن الأخفش أنه كان يجوز كان زيد وأبوه قائم على نقصان كان وجعل الجملة خبراً مع الواو تشبيهاً لخبر كان بالحال فمتى جاز في الخبر عنده فليجز في المفعول الثاني وهو كما نرى، واستظهر الطيبـي كون الترك هنا متعدياً لواحد على أنه بمعنى التخلية وليس بذاك، وجوز الحوفي. وأبو البقاء أن يكون {أَن يَقُولُواْ } بدلاً من {أن يتركوا} وجوز أن يكون {أَن يُتْرَكُواْ } هو المفعول الأول لحسب و {هُمْ لا يُفْتَنُونَ } في موضع الحال من الضمير {أَِن يَقُولُواْ } بتقدير اللام هو المفعول الثاني، وكونه علة لا ينافي ذلك كما في قولك: حسبت ضربه للتأديب، والتقدير أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا، والمفعول الثاني ليتركوا متروك بدلالة الحال. واعترضه صاحب «التقريب» بما حاصله أن الحسبان لتعلقه بمضامين الجمل إذا أنكر يكون باعتبار المفعول الثاني، فإذا قلت: أحسبته قائماً؟ فالمنكر حسبان قيامه، كذلك إذا قيل: أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا أفاد إنكار حسبان أن الترك غير مفتونين لهذه العلة بل إنما هو لعلة أخرى ولا يلائم سبب النزول ولا مقصود الآية. واختار أن يكون {أَن يُتْرَكُواْ } ساداً مسد المفعولين و {أَن يَقُولُواْ } علة للحسبان أي أحسبوا لقولهم آمنا / أن يتركوا غير مفتونين، وأجيب بأن أصل الكلام ألا يفتنون لقولهم {آمنا} على إنكار أن يكون سبباً لعدم الفتن، ثم قيل: أيتركون غير مفتونين لقولهم آمنا مبالغة في إنكار أن يبقوا من غير فتن لذلك ثم أدخل على حسبان الترك مبالغة على مبالغة، وإنما يرد ما أورد إذا لم يلاحظ أصل الكلام ويجعل مصب الإنكار الحسبان من أول الأمر. وقيل: إنما يلزم ما ذكر لو لم يقدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرد قولهم: آمنا دون إخلاص وعمل صالح أما لو قدر ذلك استقام كما صرح به الزجاج، على أن ذلك مبني على اعتبار المفهوم، واعترض ذلك بعضهم من حيث اللفظ بأن فيه الفصل بين الحال وذيها بثاني مفعولي حسب وهو أجنبـي؛ وأجيب بأن الفصل غير ممتنع بل الأحسن أن لا يقع فصل إلا إذا اعترض ما يوجبه، وهٰهنا الاهتمام بشأن الخبر حسن التقديم لأن مصب الإنكار ذلك، ولا يخفى أنه يحتاج إلى مثل هذا الجواب على ما يقتضيه الظاهر من جعل {أَن يُتْرَكُواْ } في تأويل مصدر وقع مفعولاً أولاً {أَن يَقُولُواْ } في تأويل مصدر أيضاً مجرور بلام مقدرة والجار والمجرور في موقع المفعول الثاني، وأما على ما ذكره بعض المحققين من أنهما لم يجعلا كذلك وإنما جعل {أَن يَقُولُواْ } معمولاً ليتركوا بتقدير اللام وجعل {أَن يُتْرَكُواْ } ساداً مسد المفعولين واقتضى المعنى أن يقال أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا بجعل تركهم مفعولاً أولاً ولقولهم مفعولاً ثانياً فلا يحتاج إليه لأنه إن جرينا مع اللفظ كان {أَن يُتْرَكُواْ } ساداً مسد المفعولين فلا يكون فيه مفعول ثان فاصل بين الحال وذيها وإن جرينا مع المعنى واعتبرنا الكلام مجرداً عن {أن} المصدرية وجىء به كما سمعت كانت الحال متصلة بذيها، وقيل: يجوز أن يكون المفعول الأول لحسب محذوفاً أي أحسب الناس أنفسهم و {أَن يُتْرَكُواْ } في موضع المفعول الثاني على أنه في تأويل مصدر وهو في تأويل اسم المفعول أي متروكين {وهم لا يفتنون} في موضع الحال كما تقدم وأن يؤمنوا بتقدير لأن يؤمنوا متعلق بيتركوا فكأنه قيل: أحسب الناس أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا، وقيل: إن هذا المعنى حاصل على تقدير سد {أَن يُتْرَكُواْ } مسد المفعولين فتأمل فيه وفيما قبله، ولعل الأبعد عن التكلف ما ذكرناه أولاً، والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير مفتونين بمجرد أن يقولوا آمنا واستبعاد له له وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وفنون المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ في الدين من المتزلزل فيه فيعامل كل بما يقتضيه ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب أعمالهم فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في النار. وذكر بعضهم أنه سبحانه لو أثاب المؤمن يوم القيامة من غير أن يفتنه في الدنيا لقال الكافر المعذب: ربـي لو أنك كنت فتنته في الدنيا لكفر مثلي فإيمانه الذي تثيبه عليه مما لا يستحق الثواب له فبالفتنة يلجم الكافر عن مثل هذا القول ويعوض المؤمن بدلها ما يعوض بحيث يتمنى لو كانت فتنته أعظم مما كانت. والآية على ما أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الشعبـي نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم / فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى فيهم {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَـٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 110]. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال سمعت ابن عمير وغيره يقولون: كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه ويجعل على عمار درعاً من حديد في اليوم الصائف وطعن في فرج أمه برمح ففي ذلك نزلت {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ } الخ، وقيل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب قتل ببدر فجزع عليه أبواه وامرأته وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة»تفسير : ، وقيل: نزلت في عياش أخي أبـي جهل غدر وعذب ليرتد كما سيأتي خبره إن شاء الله تعالى، وفسر الناس بمن نزلت فيهم الآية، وقال الحسن الناس هنا المنافقون.
ابن عاشور
تفسير : الاستفهام في {أحسب} مستعمل في الإنكار، أي إنكار حسبان ذلك. وحسب بمعنى ظن، وتقدم في قوله تعالى {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة}تفسير : في سورة [البقرة: 214]. والمراد بالناس كل الذين آمنوا، فالقول كناية عن حصول المقول في نفس الأمر، أي أحَسِبَ الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا، فقوله {أن يتركوا} مفعول أول لــــ {حسب}. وقوله {أن يقولوا ءامنا} شِبه جملة في محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع (أن) حذفاً مطرداً، والتقدير: أَحَسِبَ الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم: آمنا، فإن أفعال الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان حقها أن يكون مفعولها واحداً دالاً على حالة، ولكن جرى استعمال الكلام على أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولاً، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولاً ثانياً. ولذلك قالوا: إن مفعولي أفعال القلوب (أي العلم ونحوه) أصلهما مبتدأ وخبر. والترك: عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به. والترك هنا مستعمل في حقيقته لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم وذلك مظنة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعاً في إقلاعهم عن الإيمان وقع ذلك منهم موقع المباغتة والتعجب، وتقدم الترك المجازي في قوله تعالى {أية : وتَرَكَهُم في ظلمات لا يبصرون}تفسير : أوائل [البقرة: 17]. و {أن يقولوا} في موضع نصب على نزع الخافض الذي هو لام التعليل. والتقدير: لأجل أن يقولوا آمنا. وجملة {وهم لا يفتنون} حال، أي لا يحسبوا أنهم سالمون من الفتنة إذا آمنوا. والفتن والفتون: فساد حال الناس بالعدوان والأذى في الأنفس والأموال والأهلين. والاسم: الفتنة، وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : إنما نحن فتنة فلا تكفر}تفسير : في سورة [البقرة: 102]. وبناء فعلي {يُتركوا... ويُفتنون} للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور أن الفاعل قوم ليسوا بمؤمنين، أي أن يتركوا خالين عن فتون الكافرين إياهم لما هو معروف من الأحداث قبيل نزولها، ولما هو معلوم من دأب الناس أن يناصبوا العداء من خالفهم في معتقداتهم ومن ترفع عن رذائلهم. والمعنى: أحَسِبَ الذين قالوا آمنا أن يتركهم أعداء الدين دون أن يفتنوهم. ومن فسروا الفتون هنا بما شمل التكاليف الشاقة مثل الهجرة والجهاد قد ابتعدوا عن مهيع المعنى و اللفظ وناكدوا ما تفرع عنه من قوله {أية : فليعلمَنّ الله الذين صدقوا وليعلَمَنّ الكاذبين}تفسير : [العنكبوت: 3]. وإنما لم نقدر فاعل {يتركوا} و {يفتنون} أنه الله تعالى تحاشا مع التشابه مع وجود مندوحة عنه. وهذه الفتنة مراتب أعظمها التعذيب كما فعل ببلال، وعمار بن ياسر وأبويه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} (2) - هَلْ ظَنَّ النَّاسُ أنْ نَتْرُكَهُمْ وشَأْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ نُطْقِهِمْ بالشَّهادَتَيْنِ، وَقَوْلِهِمْ آمنَّا باللهِ وَرَسُولِهِ، دُونَ أَنْ يَبْتَلِيَهُم اللهُ، ويَخْتَبِرَ صِدْقَ إِيمَانِهِمْ: بِالهِجْرَةِ، والتَّكَالِيفِ الدِّينْيةِ الأُخرى، والجِهَادِ، والمَصَائِبِ؟ كَلاّ، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ إيمانٍ. (وَجَاءَ في الصَّحِيحِ: حديث : أَشَد النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِياءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَ الأَمْثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِه، فإنْ كَانَ في دِينِهِ قُوَّةٌ زِيدَ لَهُ في البَلاَءِتفسير : ). لا يُفْتَنُونَ - لا يُمْتَحَنُونَ بِالمَشَاقِّ لِيتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنَافِقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفعل (حسِب) بالكسر في الماضي، وبالفتح في المضارع (يحسَب) يعني: ظن. أما (حسَب) والمضارع (يحسِب) بالكسر أي: عَدَّ. فالمعنى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ..} [العنكبوت: 2] أي: ظنوا. والهمزة للاستفهام، وهي تفيد نفي هذا الظن وإنكاره، لأنهم حَسِبوا وظنوا أنْ يتركهم الله دون فتنة وتمحيص واختبار. والحق سبحانه يريد أن يحمل أولوا العزم رسالة الإسلام؛ لأن الإسلام لا يتصدَّى لحمل دعوته إلا أقوياءُ الإيمان الذين يقدرون على حمل مشاق الدعوة وأمانة تبليغها. والإيمان ليس كلمة تُقال، إنما مسئولية كبرى، هذه المسئولية هي التي منعتْ كفار مكة أنْ يؤمنوا؛ لأنهم يعلمون أن كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة وإلا لَقَالوها، إنما هي منهج حياة له متطلبات. إنها تعني: لا مُطَاعَ إلا الله، ولا معبود بحقٍّ إلا الله، وهم لا يريدون هذه المسألة لتظل لهم مكانتهم وسلطتهم الزمنية. لذلك يقول سبحانه هنا: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا ..} [العنكبوت: 2] فالإيمان ليس قَوْلاً فحسب؛ لأن القول قد يكون صِدْقاً، وقد يكون كذباً، فلا بُدَّ بعد القول من الاختبار وتمحيص الإيمان {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] فإنْ صبر على الابتلاءات وعلى المحن فهو صادق الإيمان. ويؤكد سبحانه هذا المعنى في آية أخرى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ..} تفسير : [الحج: 11]. وقد محَّص الله السابقين الأولين من المؤمنين بآيات وخوارق تخالف الناموس الكوني، فكان المؤمن يُصدِّق بها، ويؤمن بصِدْق الرسول الذي جاء بها، أما المتردد المتحيِّر فيُكذِّب بها، ويراها غير معقولة. حديث : ومن ذلك ما كان من الصِّدِّيق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلمَّا حدَّثوه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنْ كان قال فقد صدق" تفسير : في حين ارتد البعض وكذَّبوا، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد من هذه الخوارق، التي يقف أمامها العقل - أنْ يُميِّز بين الناس ليحمل أمر الدعوة أشداءُ الإيمان والعقيدة، ومَنْ لديهم يقين بصِدْق الرسول في البلاغ عن ربه. وسبق أنْ بيّنا غباء مَنْ كَذَّب بحادثة الإسراء والمعراج من كفار مكة الذين قالوا لرسول الله: أتدَّعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وأنهم غفلوا أو تغافلوا عن نص الآية: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] فلم يقل محمد: إني سريت بنفسي إنما أُسْري بي. وقلنا للرد عليهم: لو جاءك رجل يقول لك: لقد صعدتُ بولدي الرضيع قمة إفرست مثلاً، أتقول له: كيف يصعد الرضيع قمة إفرست؟ وسبق أنْ تكلَّمنا في قضية ينبغي أن تظل في أذهانكم جميعاً، وهي أن كل فعل يأخذ نصيبه من الزمن على قَدْر قوة فاعله، فالوزن الذي ينقله الطفل الصغير في عدة مرات تحمله أنت في يد واحدة. فالزمن يتناسب مع القوة تناسباً عكسياً فكلما زادت القوة قلَّ الزمن، فالذي يذهب مثلاً إلى الأسكندرية على حمار غير الذي يذهب في سيارة أو على مَتْن طائرة. وهكذا. إذن: قِسْ على قدر قوة الفاعل، فإنْ كان الإسراء بقوة الله تعالى، وهي قوة القوى فلا زمن، وهذه مسألة يقف عندها العقل، ولا يقبلها إلا بالإيمان. إذن: فالحق سبحانه يُمحِّصكم ويبتليكم؛ لأنه يريدكم لمهمة عظيمة، لا يصلح لها إلا الصنديد القوي في إيمانه ويقينه. لذلك يقول سبحانه في أكثر من موضع: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [البقرة: 155]. وقال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} تفسير : [محمد: 31]. وقال: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 142]. فهذه الابتلاءات كالامتحان الذي نُجريه للتلاميذ لنعرف مقدرة كل منهم، والمهمة التي يصلح للقيام بها، ومعلوم أن الابتلاءات لا تُذَمُّ لذاتها، إنما لنتائجها المترتبة عليها، فما جُعِلَتْ الابتلاءات إلا لمعرفة النتائج، وتمييز الأصلح للمهمة التي نُدِب إليها. ومعنى {يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] يُخْتبرون. مأخوذة من فتنة الذهب، حين نصهره في النار؛ لنُخِرج ما فيه من خَبَث، ونُصفِّي معدنه الأصلح، فيما يناسب مهمته. ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلاً للحق وللباطل في قوله تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. فالفتنة ما كانت إلا لنعرف الصادق في القَوْلة الإيمانية والكاذب فيها: الصادق سيصبر ويتحمل، والكاذب سينكر ويتردد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الله، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [الآية: 2]. يقول: لا يبتلون في أَموالهم وأَنفسهم {وَلَقَدْ فَتَنَّا} [الآية: 3]. يعني ابتلينا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَن يَسْبِقُونَا} [الآية: 4]. قال: يعني: يعجزونا.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر، قال: حدّثنا علي بن أحمد قال: حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} معناه لا يَبتلونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):