Verse. 3344 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

اَمْ حَسِبَ الَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ السَّـيِّاٰتِ اَنْ يَّسْبِقُوْنَا۝۰ۭ سَاۗءَ مَا يَحْكُمُوْنَ۝۴
Am hasiba allatheena yaAAmaloona alssayyiati an yasbiqoona saa ma yahkumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم حسب الذين يعملون السيئات» الشرك والمعاصي «أن يسبقونا» يفوتونا فلا ننتقم منهم «ساء» بئس «ما» الذي «يحكمونـ» ـه حكمهم هذا.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} لما بين حسن التكليف بقوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال ولا يفوت الله شيء في الحال ولا في المآل، وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ما كان عاجزاً عن العذاب عاجلاً فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا } يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد، وأما الإمهال فلا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الاستعجال. ثم قال تعالى: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } يعني حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع حكمه بخلاف ما قالوه، فحكمهم حكم في غاية السوء والرداءة. ثم قال: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }. لما بين بقوله: أحسب الناس أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين أن يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله ولا يخيب أمله، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا في مواضع أن الأصول الثلاثة وهي الأول وهو الله تعالى ووحدانيته والأصل الآخر وهو اليوم الآخر والأصل المتوسط وهو النبـي المرسل من الأول الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل في الذكر الإلهي بعضها عن بعض، فقوله: { أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } تفسير : [العنكبوت: 2] فيه إشارة إلى الأصل الأول يعني أظنوا أنه يكفي الأصل الأول وقوله { أية : وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 2، 3] يعني بإرسال الرسل وإيضاح السبل فيه إشارة إلى الأصل الثاني وقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } مع قوله: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ } فيه إشارة إلى الأصل الثالث وهو الآخر. المسألة الثانية: ذكر بعض المفسرين في تفسير لقاء الله أنه الرؤية وهو ضعيف فإن اللقاء والملاقاة بمعنى وهو في اللغة بمعنى الوصول حتى أن جمادين إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر. المسألة الثالثة: قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف والمعنى من قوله: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ } من كان يخاف الله وهو أيضاً ضعيف، فإن المشهور في الرجاء هو توقع الخير لا غير ولأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد بهذا المعنى يقال أرجو فضل الله ولا يفهم منه أخاف فضل الله، وإذا كان وارداً لهذا لا يكون لغيره دفعاً للاشتراك. المسألة الرابعة: يمكن أن يكون المراد بأجل الله الموت ويمكن أن يكون هو الحياة الثانية بالحشر، فإن كان هو الموت فهذا ينبـىء عن بقاء النفوس بعد الموت كما ورد في الأخبار وذلك لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل يفهم منه أن متصلاً بوصول السلطان يكون هو الخير حتى أنه لو وصل هو وتأخر الخير يصح أن يقال للقائل، أما قلت ما قلت ووصل السلطان ولم يظهر الخير، فلو لم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا في المثال، وإذا تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء. المسألة الخامسة: قوله: {مَن كَانَ يَرْجُو } شرط وجزاؤه {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ } والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل فما الجواب عنه؟ نقول المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما بعده من الثواب، يعني من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت بثواب الله يثاب على طاعته عنده ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله آتياً على وجه يثاب هو. المسألة السادسة: قال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } ولم يذكر صفة غيرهما كالعزيز الحكيم وغيرهما، وذلك لأنه سبق القول في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ } وسبق الفعل بقوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } وبقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } وبقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما لا يدرك بالبصر ومنه ما يدرك به كالقصود والعلم يشملهما وهو السميع يسمع ما قالوه وهو العليم يعلم من صدق فيما قال: ممن كذب وأيضاً عليم يعلم ما يعمل فيثيب ويعاقب وههنا لطيفة وهي أن العبد له ثلاثة أمور هي أصناف حسناته أحدها: عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع، وإنما يعلم وعمل لسانه وهو يسمع وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، كما وصف في الخبر في وصف الجنة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي الشرك {أَن يَسْبِقُونَا} أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء. و{ما} في موضع نصب بمعنى ساء شيئاً أو حكماً يحكمون. ويجوز أن تكون {ما} في موضع رفع بمعنى ساء الشيء أو الحكم حكمهم. وهذا قول الزجاج. وقدرها ابن كيسان تقديرين آخرين خلاف ذينك: أحدهما؛ أن يكون موضع {مَا يَحْكُمُونَ} بمنزلة شيء واحد، كما تقول: أعجبني ما صنعت؛ أي صنيعك فـ{ـما} والفعل مصدر في موضع رفع، التقدير؛ ساء حكمهم. والتقدير الآخر أن تكون {ما} لا موضع لها من الإعراب، وقد قامت مقام الاسم لساء، وكذلك نعم وبئس. قال أبو الحسن بن كيسان: وأنا أختار أن أجعل لـ{ـما} موضعاً في كل ما أقدر عليه؛ نحو قوله عز وجل: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 159] وكذا {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم}تفسير : [المائدة: 13] وكذا {أية : أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} تفسير : [القصص: 28] {ما} في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها، وكذا؛ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} تفسير : [البقرة: 26] {ما} في موضع نصب و{بَعُوضَةً} تابع لها. قوله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} {يَرْجُو} بمعنى يخاف من قول الهُذَليّ في وصف عَسَّال:شعر : إذَا لَسَـعَتْـهُ النَّحـلُ لـم يَـرْجُ لسـعَهـا تفسير : وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملاً صالحاً فإنه لا بدّ أن يأتيه؛ ذكره النحاس. قال الزجاج: معنى {يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} ثواب الله و{من} في موضع رفع بالابتداء و{كَانَ} في موضع الخبر، وهي في موضع جزم بالشرط، و{يَرْجُو} في موضع خبر كان، والمجازاة {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي ومن جاهد في الدِّين، وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه؛ أي ثواب ذلك كله له؛ ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي عن أعمالهم. وقيل: المعنى؛ من جاهد عدوّه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك، ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام. ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } الشرك والمعاصي {أَن يَسْبِقُونَا } يفوتونا فلا ننتقم منهم؟ {سَاءَ } بئس {مَا } الذي {يَحْكُمُون}ـه حكمهم هذا.

ابن عطية

تفسير : {أم} معادلة للألف في قوله {أحسب} [العنكبوت: 1] وكأنه عز وجل قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين {الذين يعملون السيئات} في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقاب الله ويعجزونه، وقوله تعالى: {الذين يعملون السيئات}، وإن كان الكفار المراد الأول بحسب النازلة التي الكلام فيها فإن لفظ الآية يعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين وغيرهم، وقوله {ساء ما يحكمون} يجوز أن يكون {ما} بمعنى الذي فهي في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير ساء حكماً يحكمونه، وقال ابن كيسان: {ما} مع {يحكمون} في موضع المصدر كأنه قال: ساء حكمهم، وفي هذه الآية وعيد للكفرة الفاتنين، وتأنيس وعده بالنصر للمؤمنين المفتونين المغلوبين، ثم أخبر تعالى عن الحشر والرجوع إلى الله تعالى في القيامة بأنه آت إذ قد أجله الله تعالى وأخبر به، وفي قوله {من كان يرجو لقاء الله}، تثبيت، أي من كان على هذا الحق فليوقن بأنه آت وليتزيد بصيرة، وقال أبو عبيدة {يرجو} ها هنا بمعنى يخاف، والصحيح أن الرجاء ها هنا على بابه متمكناً، قال الزجاج: المعنى لقاء ثواب الله، وقوله تعالى: {وهو السميع العليم}، معناه لأقوال كل فرقة، و {العليم} معناه بالمعتقدات التي لهم، وقوله تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه}، إعلام بأن كل واحد مجازى بفعله فهو إذاً له، وهو حظه الذي ينبغي أن لا يفرط فيه فإن الله غني عن جهاده و"غني عن العالمين" بأسرهم، وهاتان الآيتان نبذ على سؤال الطائفة المرتابة المترددة في فتنة الكفار التي كانت تنكر أن ينال الكفار المؤمنين بمكروه وترتاب من أجل ذلك، فكأنهم قيل لهم من كان يؤمن بالبعث فإن الأمر حق في نفسه، والله تعالى بالمرصاد، أي هذه بصيرة لا ينبغي لأحد أن يعتقدها لوجه أحد، وكذلك من جاهد فثمره جهاده له فلا يمن بذلك على أحد، وهذا كما يقول المناظر عند سوق حجته من أراد أن يرى الحق فإن الأمر كذا وكذا ونحو هذا فتأمله، وقيل: معنى الآية ومن جاهد المؤمنين ودفع في صدر الدين فإنما جهاده لنفسه لا لله فالله غني. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره المفسرون وهو ضعيف، وقوله تعالى: {والذين آمنوا} الآية إخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من البدار إلى الله تعالى رفع بهم عز وجل وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار إلى الحصول في هذه المرتبة ع و"السيئات"، الكفر وما اشتمل عليه ويدخل في ذلك المعاصي من المؤمنين مع الأعمال الصالحات واجتناب الكبائر، وفي قوله عز وجل {ولنجزينهم أحسن} حذف مضاف تقديره ثواب أحسن الذي كانوا يعملون.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} اليهود. والسيئات الشرك {يَسْبِقُونَا} يعجزونا فلا نقدر عليهم، أو يسبقوا ما كتب عليهم من محتوم القضاء. {يَحْكُمُونَ} يظنون، أو يقضون لأنفسهم على أعدائهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أم: معادلةٌ للهمزة؛ في قوله: {أية : أَحَسِبَ} تفسير : [العنكبوت:2] وكأنه تعالى قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يُفْتَنُوْنَ، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئاتِ؛ في تعذيب المؤمنين؛ وغير ذلك على ظنهم؛ أنهم يسبقون عقابَ اللّه تعالى؛ ويعجزونه، ثم الآيةُ بَعْدَ تَعُمّ كلّ عاصٍ، وعاملٍ سيئةٍ من المسلمين؛ وغيرهم، وفي الآية وعيد شديد للكفرة الفاتنين، وفي قوله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ} تثبيت للمؤمنين، وباقي الآية بَيِّنٌ، واللّه الموفق. وقال * ص *: قول * ع *: أم: معادِلة للألْفِ في قوله: {أحَسِبَ} يقتضي أنها هنا متصلة؛ وليس كذلك؛ بل «أم» هنا: منقطعةٌ مقدرة بـ «بل»؛ للإضراب، بمعنى: الانتقال؛ لا بمعنى الإبطال، وهمزة الاستفهام؛ للتقرير والتوبيخ؛ فلا تقتضي جواباً، انتهى. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم}. إخبار عن المؤْمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من الْبِدَارِ إلى اللّه تعالى؛ نوه بهم ـــ عز وجل ـــ وبحالهم؛ ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة؛ وهم الذين فتنهم الكفار. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ}، أي: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} "أم" هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال. قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: "أحسب" وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله. قال أبو حيان: "ليست معادلة"؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين: أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته. والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء. وجوز الزمخشري في "حسب" هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل "أن" وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة: 214]، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى "قدر"، إلا أن التضمين لا ينقاس قوله: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} يجوز أن تكون "ساء" بمعنى بئس فتكون "ما" إما موصولة بمعنى الذي، و "يحكمون" صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم. ويجوز أن تكون "ما" تمييزاً، و "يحكمون" صفتها، والفاعل مضمر يفسره "ما" والمخصوص أيضاً محذوف. ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في "ما" أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء بـ "يحكمون" دون "حكموا" إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة. ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ. وقد تقدم حكم "ما" إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة. فصل لما بين حسن التكليف بقوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل. فقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني الشرك "أن يسبقونا" أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم {سَاءَ مَا يَحكُمُونَ} بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك. قوله: {مَن كَانَ يَرْجُواْ} يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية. فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟ فالجواب: أن قوله: {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به. وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب. فصل قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله{أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 110] الآية كما تقدم. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا} وسبق القول بقوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وبقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} وقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب. قوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح. فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق. فإن قيل: قوله "فإنما" يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به. فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي عن أعمالهم وعبادتهم. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر على الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل. فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟ فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة: 43]. قوله: {أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ}، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف. قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى. قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة. وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}تفسير : [الأنعام: 160]. قوله: "حُسْناً" فيه أوجه: أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ). الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: "وفي ذلك تجوز"، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر: شعر : 4025 - عَجِبْـتُ مِـنْ دَهْمَـاءَ إذْ تَشْكُـونَا وَمِـنْ أَبِـي دَهْمَـاءَ إذْ يُوصينـا خَيْــراً بِهَــا كَأَنَّمَــا خَافُونَــا تفسير : ومنه قول الحطيئة: شعر : 4026 - وَصَّيْـتَ مِـنْ بَـرَّةَ قَلْبـاً حَـرَّا بِالْكَـلْـبِ خَيْـراً وبِالحَمَـاةِ شَــرَّا تفسير : وعلىهذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر "الوالدين" بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية. الثالث: أن "بوالديه" هو المفعول الثاني، فنصب "حسناً" بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل. وفيه نظر، لأَنَّ عامل المؤكد لا يحذف. الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً. الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي "بحُسْنٍ". وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع. السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف "أن" وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين. السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز الثامن: أنه منصوب انتصاب "زيداً" في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب "زَيْداً" أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري. وقرأ عيسى والجحدري: "حَسَناً" وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة. وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء: 23]. فصل معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حُمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ. ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء "سعد" إليها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفساً) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما. واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه). قوله: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ}. قال عليه (الصلاة) والسلام: "حديث : لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله"تفسير : ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال. وقوله: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة. فإن قيل: ما الفائدة في إعادة {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}؟ فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة و) السلام: "والحقني بالصَّالِحينَ".

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏أم حسب الذين يعملون السيئات‏} ‏ قال‏:‏ الشرك‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏أن يسبقونا‏} ‏ قال‏:‏ أن يعجزونا‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} أي يفوتُونا فلا نقدرَ على مجازاتِهم بمساوىء أعمالِهم وهو سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب لاشتمالِه على مُسندٍ ومُسندٍ إليهِ. وأمْ منقطعةٌ وما فيها من مَعنى بل للإضرابِ والانتقالِ عن التَّوبـيخ بإنكارِ حُسبانِهم متروكينَ غبرَ مفتُونين إلى التَّوبـيخ بإنكارِ ما هو أبطلُ من الحُسبانِ الأل وهو حسبانُهم أنْ لا يجازُوا بسيئاتهم وهم وإنْ لم يحسبوا أنَّهم يفوتونَهُ تعالى ولم يحدِّثوا نفوسَهم بذلك كلنَّهم حيثُ أصرُّوا على المعاصي ولم يتفكَّروا في العاقبةِ نزلُوا منزلَه مَن طمِع في ذلك كما في قولِه تعالى: {أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}تفسير : [سورة الهمزة: الآية 3] {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} أي بئسَ الذي يحكمونَهُ حكمُهم ذلك أو بئس حُكماٍ يحكونَه حكمُهم ذلك. {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ} أي يتوقَّعُ مُلاقاةَ جزائِه ثواباً أو عِقاباً أو مُلاقاةُ حُكمِه يومَ القيامةِ وقيل: يرجُو لقاء الله عزَّ وجلَّ في الجنَّة وقيل: يرجُو ثوابَه وقيل: يخافُ عقابَه وقيل: لقاؤه تعالى عبارةٌ عن الوصول إلى العاقبةِ من تلقِّي مَلَكِ الموتِ والبعثِ والحسابِ والجزاءِ على تمثيلِ تلك الحالِ بحالِ عبدٍ قدِم على سيِّده بعد عهدٍ طويلٍ، وقد عَلِم مولاهُ بجميعِ ما كان يأتِي ويذرُ فإمَّا أنْ يلقاه ببشرٍ وكرامةٍ لمَا رضي من أفعالِه أو بضدِّه لما سخَطَه {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ} الأجل عبارةٌ عن غايةِ زمانٍ ممتدٍّ عينت لأمرٍ من الأمورِ وقد يُطلق على كلِّ ذلكَ الزَّمانَ والأولُ هو الأشهرُ في الاستعمالِ أي فإنَّ الوقتَ الذي عيَّنه تعالى لذلكَ {لأَتٍ} لا محالةَ من غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لأنَّ أجزاءَ الزَّمانِ على التقضِّي والتَّصرُّم دائماً فلا بدَّ من إتيان ذلك الجزاءِ أيضاً البتةَ، وإتيانُ وقتِه موجبٌ لإتيانِ اللِّقاءِ حتماً والجوابُ محذوفٌ أي فليخترْ من الأعمالِ ما يؤدي إلى حُسنِ الثَّوابِ وليحذرْ ما يسوقُه إلى سوءِ العذابِ كما في قوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا}تفسير : [سورة الكهف: الآية 110] وفيه من الوعدِ والوعيدِ ما لا يَخْفى، وقيل: فليبادرْ ما يحقق أملَه ويصدِّق رجاءَهُ أو ما يُوجبُ القُربةَ والزُّلفى {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالِ العبادِ {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالِهم من الأعمالِ الظَّاهرةِ والعقائدِ. {وَمَن جَاهَدَ} في طاعةِ الله عزَّ وجلَّ {فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ} لعود منفعتِها إليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} فلا حاجةٍ له إلى طاعتِهم وإنَّما أمرهم بها تعريضاً لهم للثَّوابِ بموجب رحمتِه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} [الآية: 4]. قال القيم: أن يسبقونا ما كتبنا عليهم من محتوم القضاء وما قدرنا عليهم من ماضى الحكم فهم ساء ما يحكمون أى بطل ما يعملون. قال عبد العزيز المكى: أم حسب الذين يعملون السيئات ثم يتزينون بزى المحسنين وأهل الكرامة أن ننزلهم منزلتهم ساء ما يحكمون. قال الواسطى رحمة الله عليه: إنما ذكر الله السياق تنبيهًا للخلق ووصفًا لهم بصفاتهم وبقوتهم قبل أن يخلقهم كى يوقنوا أنهم لا يسبقونه بالفعل والقول وأنهم مرتبطون بما سبق لهم من الصفات وفيهم قال الله: أحسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا بالفعل والقول وأنهم مرتبطون بما سبق لهم من الصفات وفيهم قال الله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا}. قال القتاد: المسىء محجوب القلب عن الدّين مكشوف القلب بالدّين ليشهد منافع عواقب الطاعات.

القشيري

تفسير : يرتكبون المخالفاتِ ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة.. ساءَ حُكْمُهم! فمتى ينجو منَ العذابِ مَنْ ألقى جلبابَ التُّقى؟! ويقال توهموا أنه لا حَشْرَ ولا نَشْرَ، ولا محاسبة ولا مطالبة. ويقال اغتروا بإمهالنا اليومَ، وَتَوَهَّموا أنهم مِنَّا قد أفلتوا، وظنوا أنهم قد أَمِنُوا. ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئاتِ أَنْ جرى التقريرُ لهم بالسعادة، وأنَّ ذلك يؤخر حُكْمَنا..كلا، فلا يشقى مَنْ جَرَتْ قسمتُنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول مَنْ سبق له الحُكْمُ بالشقاوة!.

البقلي

تفسير : قال الله تعالى {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} قال القاسم ان يسبقوا ما كتبنا عليهم من مختوم القضاء وما درنا عليهم مما مضى الحكم فيهم {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} اى باطل ما يعلمون قال الواسطى انما ذكر الله سبقا تنبيها للخلق ووصفا لهم بصفاتهم ونعوتهم قبل ان خلقهم كى يوقنوا انهم لا يسبقونه القول والفعل وانهم مرتبطون بما سبق لهم من الصفات وفيهم قال الله ام حسب الذين الأية ثم سلى قلوب المستاقين اليه بقوله {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ} من كان مستغرقا فى بحر اشواقه فان أوان كشف جماله وجلاله قريب من مشتاقيه الناجين من جنس النفس وحجابها فيرون الحق بلا حجاب وهو سميع لاهل الصفوة اسرارهم عليم بالتهاب قلوبهم بنيران محبته وشوقه قيل فليسال ربه سوال الملح المحتاج وليطلب منه طلب الراغب المشتاق وقال ابو عثمان فى قوله ان اجل الله لان تعزيه للمشتاقين اى اعلم اشتياقكم الىّ وانا اجلت لكم اجلال فعل قريب يكون وصولكم الى من تشتاقون فتطيبوا نفسا وتنهوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام حسب الذين يعلمون السيئات} اى الكفر والمعاصى فان العمل يعم افعال القلوب والجوارح {ان يسبقونا} اصل السبق التقدم فى السير ثم تجور به فى غيره من التقدم اى يفوتونا ويعجزونا فلا نقدر على مجازاتهم على مساويهم وهو سادّ مسدّ مفعولى حسب لاشتماله على مسند ومسند اليه وام منقطعة بمعنى بل والهمزة وبل ليس لابطال السابق لان انكار الحسبان الاول ليس بباطل بل للانتقال من التوبيخ بانكار حسبانهم متروكين غير مفتونين الى التوبيخ بنكار ماهو ابطل من الحسبان الاول وهو حسبانهم ان يجاوزوا بسيآتهم وهم وان لم يحسبوا انهم يفوتونه تعالى ولم يحدثوا نفوسهم بذلك لكنهم حيث اصروا على المعاصى ولم يتفكروا فى العاقبة نزلوا منزلة من يحسب ذلك كما فى قوله تعالى {أية : أيحسب ان ماله اخلده}تفسير : {ساء مايحكمون} اى بئس الحكم الذى يحكمونه حكمهم ذلك فحذف المخصوص بالذم. قال الكاشفى [درفتوحات مذكوراست كه آيامى بندارند كنهكاران ماكه به سيآت خود بر مغفرت وشمول رحمت من سبقت كيرند اين حكم نابسنديده است زيرا كه رحمت من سبقت كرفته است برذنوب ايشان كه موجب غضب باشد] شعر : كركناه تو از عدد بيش است سبقت رحمتم ازان بيش است

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أَمْ حَسِبَ الذين يعملون السيئات} أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، {أن يسبقونا} أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و"أم": منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أَبْطَلُ من الحسبان الأول، لأن ذلك يظن أنه لا يُمْتَحَنُ لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يُجَازَى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقّبه بقوله: {ساءَ ما يحكمون}، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: {من كان يرجو لقاء الله} أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، {فَإِنَّ أَجَلَ الله} المضروب للغاية {لآتٍ} لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء حاصل؛ لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. {وهو السميعُ} لما يقوله عباده، {العليمُ} بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. {ومن جاهَدَ} نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وَحَبَسَ النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، {فإِنما يُجاهدُ لنفسه}؛ لأن منفعة ذلك لها، {إن الله لغنيٌ عن العالمين} وعن طاعاتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي؛ رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفّرنَّ عنهم سيئاتهم} أي: الشرك والمعاصي؛ بالإيمان والتوبة، {ولنجزينهم} مع غنانا عنهم، {أحسنَ الذين كانوا يعملون} أي: أحسن جزاء أعمالهم؛ بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين يُنكرون على أوليائي، المنتسبين إليّ، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر؛ بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بُعد من ربهم، فإن من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. ثم بشّر المتوجهين الذين يؤذَون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغَنِي بالإطلاق. ثم حذّر من طاعة من يرد عن التوحيد والاخلاص، فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ...}

الجنابذي

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} الآية الأولى تسليةٌ للمؤمنين وهذه تخويف للمسيئين {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ} اى يرغب ويطلب او يخاف ويهرب فانّ الرّجاء قد يستعمل بمعنى الخوف فيكون تهديداً وترغيباً {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} فليثبت الرّاغب على رغبته، وليزعج الخائف عمّا يخوّفه {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاقوالكم القاليّة والحاليّة {ٱلْعَلِيمُ} بجميع اعمالكم ونيّاتكم فليحذر المسيء وليرغب المحسن وهذه الجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يقع لقاء الله.

الهواري

تفسير : قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: الشرك والنفاق والعمل السيء {أَن يَسْبِقُونَا} أي: حتى لا نقدر عليهم فنعذّبهم، أي: قد حسبوا ذلك، وليس كما حسبوا وظنّوا. قال: {سَاءَ}: أي بئس {مَا يَحْكُمُونَ} أي: أن الله خلقهم وتعبّدهم بطاعته ثم لا يبعثهم فيجزيهم بأعمالهم. إنهما ظنّان: ظنّ المشركون أن لن يُّبعثوا ولن يعذَّبُوا، وظنَّ المنافقون ألا يعذَّبوا بعد التصديق والإِقرار إذا ضيَّعوا الأحكام والفرائض، فقال الله: ألا ساء ما يحكمون، أي: بئس ما يحكمون.

اطفيش

تفسير : {أَمْ} منقطعة وفيها اضراب ووجهه ان هذا الحسبان بطل من الحسبان الأول لان ذلك يقدر انه لا يمتحن لايمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساوئه ولذا عقبه بقوله {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} وقال عياض: هذا الاضراب انتقال لا ابطال وقال الصفا قصى أم هذه معادلة لهمزة أحسب وظاهره انها متصلة وليس كذلك فان الهمزة للتوبيخ كما مر قال عياض: أو للتقرير فلا تقتضي معادلا بل هو نفسه قال: قرر المؤمنين على ظنهم انهم لا يفتنون وقرر الكافرين على ظنهم ان يسبقوه واهله اراد بمعادلتها للهمزة مماثلتها لها بحيث تقدر بهمزة التقرير او التوبيخ مع الاضراب. {حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} الشرك والنفاق والمعاصي فان العمل كثيرا ما يطلق على اعتقاد القلب، كما يطلق على فعل الجوارح. {أن يسبقونا} يفوتونا فلا ننتقم منهم كلا فان الانتقام لا حق بهم لا محالة وان أريد بالذين يعملون السيئات الموحدين الذين يعملون المعاصي فالمراد انهم لم يظنوا السبق ولكنهم لاصرارهم وغفلتهم في صورة من يظنه والمصدر مفعول حسب قائم مقام مفعولين لاشتمال يسبقونا على المسند والمسند اليه او المفعول الثاني محذوف أي أم حسبوا السبق موجودا ويضمن حسب معنى قدر وكذا في حسب المذكور ونحوه. {سَآءَ} أي بئس. {مَا يَحْكُمُونَ} ما موصول حر في اي حكمهم وموصول اسمي أي الذي يحكمونه اي يثبتونه او نكرة موصوفة ومخصوص الذم محذوف اي هذا الحكم.

الالوسي

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ أَن يَسْبِقُونَا } قال مجاهد: أي يعجزونا فلا نقدر على مجازاتهم على أعمالهم والانتقام منهم وأصل السبق الفوت، ثم أريد منه ما ذكر. وقيل: أي يعجلونا محتوم القضاء، والأول أولى. وفسر قتادة على ما أخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير {ٱلسَّيّئَاتِ } بالشرك والجمع باعتبار تعدد المتصفين به وإطلاق العمل على الشرك سواء قلنا إنه ما كان عن فكر وروية كما قيل: أو عن قصد كما قال الراغب أم لا لا ضير فيه لأنه يكون بعبادة الأصنام وغيرها، وقيل: المراد بالسيئات المعاصي غير الكفر فالآية في المؤمنين قطعاً، وهم وإن لم يحسبوا أن يفوتوه تعالى ولم تطمع نفوسهم في ذلك لكن نزل جريهم على غير موجب العلم وهو غفلتهم وإصرارهم على المعاصي منزلة من لم يتيقن الجزاء، ويحسب أنه يفوت الله عز وجل. وعمم بعضهم فحمل السيئات على الكفر والمعاصي، وتعليق العمل بها بناءً على تسليم تخصيصه بما سمعت يحتمل أن يكون باعتبار التغليب. وظاهر الآثار يدل على أن هذه الآية نزلت في شأن الكفرة، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يريد سبحانه بالذين يعملون السيئات الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاصي بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعتبة بن أبـي معيط وحنظلة بن وائل وأنظارهم من صناديد قريش، وفي «البحر» أن الآية وإن نزلت على سبب فهي تعم جميع من يعمل السيئات من كافر ومسلم. والظاهر أن {أَمْ } منقطعة بمعنى بل التي للإضراب بمعنى الانتقال وهو انتقال من إنكار حسبان عدم الفتن لمجرد الإيمان إلى إنكار حسبان عدم المجازاة على عمل السيئات. وقال ابن عطية: {أَمْ } معادلة للهمزة في قوله تعالى: {أية : أَحَسِبَ } تفسير : [العنكبوت: 2] وكأنه سبحانه قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون نقمات الله تعالى ويعجزونه انتهى. ورد بأنها لو كانت معادلة للهمزة لكانت متصلة والتالي باطل لأن شرط المتصلة أن يكون ما بعدها مفرداً نحو أزيد قائم أم عمرو أو ما هو في تقدير المفرد نحو أقام زيد أم قعد وجوابها تعيين أحد الشيئين أو الأشياء وبعدها هنا جملة؛ ولا يمكن الجواب هنا أيضاً بأحد الشيئين فالحق أنها منقطعة والاستفهام الذي تشعر به إنكاري لا يحتاج للجواب كما لا يخفى، والظاهر أن الحسبان متعد إلى مفعولين وأنَّ {أَن يَسْبِقُونَا } ساد مسدهما. وجوز الزمخشري هنا أن يضمن معنى التقدير فيكون متعدياً لواحد وإن يسبقونا هو ذلك الواحد، / وتعقبه أبو حيان بأن التضمين ليس بقياس ولا يصار إليه إلا عند الحاجة إليه وهنا لا حاجة إليه. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك على أن ساء بمعنى بئس و {مَا } موصولة و {يَحْكُمُونَ } صلتها، والعائد محذوف وهي فاعل {ساء}، والمخصوص بالذم محذوف أو بئس حكماً يحكمونه حكمهم ذلك على أن {ما} موصوفة و{يحكمون} صفتها والرابط محذوف وهي تمييز وفاعل ساء ضمير مفسر بالتمييز والمخصوص محذوف أيضاً. وقال ابن كيسان: {مَا } مصدرية، والمصدر المؤول مخصوص بالذم فالتمييز محذوف، وجوز كون (ساء) بمعنى قبح و(ما) إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والمضارع للاستمرار إشارة إلى أن دأبهم ذلك أو هو واقع موقع الماضي لرعاية الفاصلة وكلا الوجهين حكاهما في «البحر»، والأول أولى، وعندي أن مثل هذا لا يقال: إلا في حق الكفرة.

ابن عاشور

تفسير : أعقب تثبيت المؤمنين على ما يصيبهم من فتون المشركين وما في ذلك من الوعد والوعيد بزجر المشركين على ما يعملونه من السيئات في جانب المؤمنين وأعظم تلك السيئات فتونهم المسلمين. فالمراد بالذين يعملون السيئات الفاتنون للمؤمنين. وهذا ووعيدهم بأن الله لا يفلتهم. وفي هذا أيضاً زيادة تثبيت للمؤمنين بأن الله ينصرهم من أعدائهم. فــــ {أم} للإضراب الانتقالي ويقدر بعدها استفهام إنكاري. و {السيئات}: الأعمال السوء. وهي التنكيل والتعذيب وفتون: المسلمين. والسبق: مستعمل مجازاً في النجاة والانفلات كقول مُرة بن عدَّاء الفقعسي: شعر : كأنك لم تُسْبَق من الدهر مرة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب تفسير : وقوله تعالى { أية : وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم}تفسير : [ الواقعة: 60، 61] وقوله {أية : فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكُلاًّ أخذنا بذنبه}تفسير : [العنكبوت: 39، 40]. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : ولا يحسبَنّ الذين كفروا سبقوا}تفسير : في سورة [الأنفال: 59]. والمعنى: أم حسبوا أن قد شفوا غيظهم من المؤمنين، فهم بذلك غلبوا أولياءنا فغلبونا. وجملة {ساء ما يحكمون} ذمّ لحسبانهم ذلك وإبطال له. فهي مقررة لمعنى الإنكار في جملة {أم حَسِبَ الذين يعملون السيئات} فلها حكم التوكيد فلذلك فصلت. وهذه الجملة تقتضي أن يكون هذا الحسبان واقعاً منهم. ومعنى وقوعه: أنهم اعتقدوا ما يساوي هذا الحسبان لأنهم حين لم يستطع المؤمنون رد فتنتهم قد اغتروا بأنهم غلبوا المؤمنين، وإذ قد كان المؤمنون يدعون إلى الله دون الأصنام فمَنْ غلبهم فقد حسب أنه غلب من يدعون إليه وهم لا يشعرون بهذا الحسبان، فافهمه. والحُكم مستعمل في معنى الظن والاعتقاد تهكماً بهم بأنهم نصبوا أنفسهم منصب الذي يحكم فيطاع و {ما يحكمون} موصول وصلته، أي ساء الحكم الذي يحكمونه. وهذه الآية وإن كانت واردة في شأن المشركين المؤذين للمؤمنين فهي تشير إلى تحذير المسلمين من مشابهتهم في اقتراف السيئات استخفافاً بوعيد الله عليها لأنهم في ذلك يأخذون بشيء من مشابهة حسبان الانفلات، وإن كان المؤمن لا يظن ذلك ولكنه ينزل منزلة من يظنه لإعراضه عن الوعيد حين يقترف السيئة.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له.

د. أسعد حومد

تفسير : (4) - أَمْ هَلْ يَظُنُّ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ وَالآثَامَ، أَنْ يَفُوتُوا رَبَّهُمْ، وَيَسْبِقُوهُ، فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عِقَابَهُ العَادِلَ، وَلا أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِظُلْمِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَما هِيَ سُنَّتُهُ في الظَّالِمين؟ إِنَّهم إِنْ ظَنُّوا أَنَّ في اسْتِطَاعَتِهِمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ سَاءَ مَا يَظُنُّونَ، وَمَا يَحْكُمُونَ. أَنْ يَسْبِقُونا - أَنْ يُعْجِزُونا وَيَفُوتُونَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً {حَسِبَ ..} [العنكبوت: 4] أي: ظن الذين يعملون السيئات {أَن يَسْبِقُونَا ..} [العنكبوت: 4] أي: يُفلتوا من عقابنا، تقول: سبق فلان فلاناً يعني: أفلت منه وهو يطارده، فالمعنى أنهم لن يستطيعوا الإفلات من العذاب أو الهرب منه، وإنْ كانوا يعتقدون ذلك أو يظنونه، فبئس هذا الظن. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] أي: قَبُح حكمهم وبَطُل، وحين نحكم على ظنهم وعلى حكمهم بالبطلان فإنما نثبت قضيتنا، وهي أنهم لن يُفْلِتوا من عقابنا. ثم يقول الحق سبحانه: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أحسب الذين همهم فعل السيئات وارتكاب الجنايات، أن أعمالهم ستهمل، وأن اللّه سيغفل عنهم، أو يفوتونه، فلذلك أقدموا عليها، وسهل عليهم عملها؟ { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي: ساء حكمهم، فإنه حكم جائر، لتضمنه إنكار قدرة اللّه وحكمته، وأن لديهم قدرة يمتنعون بها من عقاب اللّه، وهم أضعف شيء وأعجزه.