Verse. 3345 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

مَنْ كَانَ يَرْجُوْا لِقَاۗءَ اللہِ فَاِنَّ اَجَلَ اللہِ لَاٰتٍ۝۰ۭ وَہُوَالسَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ۝۵
Man kana yarjoo liqaa Allahi fainna ajala Allahi laatin wahuwa alssameeAAu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من كان يرجو» يخاف «لقاء الله فإن أجل الله» به «لآتٍ» فليستعد له «وهو السميع» لأقوال العباد «العليم» بأفعالهم.

5

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ} أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات، ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه، ويوفيه عمله كاملاً موفراً، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات، ولهذا قال تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وقوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ} كقوله تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} تفسير : [فصلت: 46] أي: من عمل صالحاً، فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولهذا قال تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يوماً من الدهر بسيف. ثم أخبر تعالى أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع بره وإحسانه بهم، يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أن يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها، أو يعفو ويصفح؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقال ههنا: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَن كَانَ يَرْجُواْ } يخاف {لِقَاء ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ } به {لأَتٍ } فليستعدّ له {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوال العباد {ٱلْعَلِيمُ } بأفعالهم.

الماوردي

تفسير : قوله: {مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: من كان يخشى لقاء الله، قاله ابن جبير والسدي. الثاني: من كان يؤمل. وفي {لِقَآءَ اللَّهِ} وجهان: أحدهما: ثواب الله، قاله ابن جبير. الثاني: البعث إليه، قاله يحيى بن سلام. {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} يعني الجزاء في القيامة فاستعدوا له. {وَهُوَ السَّمِيعُ} لمقالتكم. {الْعَلِيمُ} بمعتقدكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَرْجُواْ} يخاف، أو يأمل. {لِقَآءَ اللَّهِ} لقاء ثوابه، أو البعث إليه {أَجَلَ اللَّهِ} بالجزاء في القيامة. {السَّمِيعُ} لأقوالكم {الْعَلِيمُ} باعتقادكم.

البقاعي

تفسير : ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين، وضربهم بسوط القهر أجمعين، أشار إلى التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى: {من كان يرجواْ} عبر به لأن الرجاء كافٍ عن الخوف منه سبحانه {لقاء الله} أي الجامع لصفات الكمال، فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء. ولما كان المنكر للبعث كثيراً، أكد فقال موضع: فإنه آت فليحذر وليبشر، تفخيماً للأمر وتثبيتاً وتهويلاً: {فإن أجل الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك {لآت} لا محيص عنه، فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد، ولذلك عبر بالاسم الأعظم، وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط لها العد، ولا يحصرها حد، فليتعد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها، وقال تعالى: {وهو} أي وحده {السميع العليم*} حثاً على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل. ولما حث على العمل، بين أنه ليس إلا لنفع العامل، لئلا يخطر في خاطر ما يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه: {ومن جاهد} أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة {فإنما يجاهد لنفسه} لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها، ويشقيها ليسعدها، ويميتها ليحييها، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء، وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة، ثم علل هذا الحصر بقوله: {إن الله} أي المتعالي عن كل شائبة نقص {لغني} وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم، وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع "عنه" {عن العالمين*} فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. ولما كان التقدير: فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين، ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم، واشار بقوله: {لنكفرن عنهم سيئاتهم} إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم. وزاده فضلاً وشرفاً لديه؛ قال البغوي: والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه، وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه. ولما بشرهم بالعفو عن العقاب، أتم البشرى بالامتنان بالثواب، فقال عاطفاً على ما تقديره: ولنثبتن لهم حسناتهم {ولنجزينهم} أي في الإسلام {أحسن الذي كانوا} أي كوناً يحملهم على أتم رغبة {يعملون*} أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه. ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة، وحذر من كفر، وبشر من صبر، قال عاطفاً على {ولقد فتنا} مشيراً إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق تعظيم الخالق، وإلى أنها أعظم فتنة: {ووصينا} على ما لنا من العظمة {الإنسان} أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من أحسن إليه، فكيف بأعز الخلق عليه، وذلك فتنة له {بوالديه}. ولما كان التقدير: فقلنا له: افعل بهما {حسناً} أي فعلاً ذا حسن من برهما وعطف عليهما، عطف عليه قوله: {وإن جاهداك} أي فعلاً معك فعل المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك {لتشرك} وترك مظهر العظمة للنص على المقصود فقال: {بي} ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة إلى خطر المقام لعظم المرام، فقال استعمالاً للعدل، مشيراً بنفي العلم إلى انتفاء العلوم: {ما ليس لك به علم} أصلاً بأنه يستحق الشركة فإن من عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر {فلا تطعهما} فإنه لا طاعة لمخلوق - وإن عظم - في معصية الخالق، وهذا موجب لئلا يقع من أحد شرك أصلاً، فإنه لا ريب أصلاً في أنه لا شبهة تقوم على أن غيره تعالى يستحق الإلهية، فكيف بدليل يوجب علماً، والمقصود من سياق الكلام إظهار النصفة والتنبيه على النصيحة، ليكون أدعى إلى القبول؛ ثم علل ذلك بقوله: {إليّ مرجعكم} أي جميعاً: من آمن ومن أشرك بالحشر يوم القيامة؛ ثم سبب عنه قوله: {فأنبئكم} أي أخبركم إخباراً عظيماً مستقصى بليغاً {بما كنتم} أي برغبتكم {تعملون*} أي فقفوا عند حدودي، واتركوا ما تزينه لكم شهواتكم، واحذروا مجازاتي على قليل ذلك وكثيره، عبر سبحانه بالسبب الذي هو الإنباء لأنه لا مثنوية فيه عن المسبب الذي هو الجزاء، مطلقاً للعبارة، وتهديداً بليغاً على وجه الإشارة، وطوى ذكره لأنه قد يدخله العفو، وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أسلم وكان باراً بأمه، فحلفت: لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ويقال قاتل أمه، فمكثت يومين بلياليهما فقال: ياأماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه أكلت وشربت - وأصل القصة في الترمذي. ولما كان التقدير: فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين، ولكنه طواه لدلالة السياق عليه، عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله: {والذين آمنوا وعملوا} في السراء والضراء {الصالحات}. ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها، فكان عدوه ينكر أن يحسن حاله أشد إنكار، أكد قوله: {لندخلنهم} أي بوعد لا خلف فيه {في الصالحين*} وناهيك به من مدخل، فإنه من أبلغ صفات المؤمنين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏من كان يرجو لقاء الله‏}‏ قال‏:‏ من كان يخشى البعث في الآخرة‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ} [الآية: 5]. فليسأل ربه سؤال المحتاج وليطلب منه طلب الراغب المشتاق. قوله تعالى: {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} [الآية: 5]. قال أبو عثمان: هذه تعزية للمشتاقين أى أعلم باشتياقكم إلىّ وأنا أجّلت للقائكم أجلاً فعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه فطيبوا نفسًا وتنعموا.

القشيري

تفسير : مَنْ خاف عذابَه يوم الحساب فَسَيلْقى يومَ الحَشْرِ الأمانَ الموعودَ مِنَّا لأهل الخوف اليومَ. ومَنْ أَمَّلَ الثوابَ يومَ البعثَ فسوف يرى ثوابَ ما أسلفه من العمل. ومَنْ زَجَّى عُمْرَه في رجاء لقائنا فسوف نُبيح له النَّظَرَ إلينا، وسوف يتخلص من الغيبة والفرقة. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأنين المشتاقين، {ٱلْعَلِيمُ} بحنين المحبين الوالهين.

اسماعيل حقي

تفسير : {من} [هركه] {كان يرجوا لقاء الله} الرجاء ظن يقتضى حصول مافيه مسرة وتفسيره بالخوف لان الرجاء والخوف متلازمان ولقاء الله عبارة عن القيامة وعن المصير اليه والمعنى يتوقع ملاقاة جزائه ثوابا او عقابا فليستعد لاجل الله باختياره من الاعمال مايؤدى الى حسن الثواب واجتنابه عما يسوقه الى سوء العذاب {فان اجل الله} الاجل عبارة عن غاية زمان ممتد عينت لامر من الامور وقد يطلق على كل ذلك الزمان والاول هو الاشهر فى الاستعمال اى فان الوقت الذى عينه تعالى لذلك {لآت} لامحالة وكائن البتة لان اجزاء الزمان على الانقضاء والانصرام دائما فلابد من اتيان الوقت المعين واتيانه موجب لاتيان اللقاء والجزاء {وهو السميع} لاقوال العباد {العليم} باحوالهم من الاعمال الظاهرة والباطنة فلا يفوته شىء مافبادروا العمل قبل الفوت. وفى التأويلات النجمية من امل الثواب يفرّ من اعمال تورث العذاب ويعانق المجاهدات فانها تورث المشاهدات من مضى عمره فى رجاء لقائنا فسوف نبيح النظر الى جمالنا شعر : عظمت همة عين طمعت فى ان تراكا أو ما يكفى لعين ان ترى من قد رآكا تفسير : {وهو السميع} لانين المشتاقين {العليم} بحنين الوامقين الصادقين

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين بن سعيد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في [هذه. أ، ب] الآية {من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت [وهو السميع العليم}. أ، ب] نزلت في بني هاشم منهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وفيهم نزلت {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه [إن الله لغني عن العالمين}. أ، ب].

الهواري

تفسير : قوله: {مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ} أي: من كان يخشى البعث، وهذا المؤمن، {فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لأَتٍ} أي: كائن بعد الموت {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه. قال: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي: يعطيه الله ثواب ذلك في الجنة {إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} أي: عن عبادتهم. قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: يجزيهم به الجنة. قوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ} يعني جميع الناس {بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} أي: بِرّاً كقوله: (أية : وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) تفسير : [النساء: 36]، قال: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} أي: إن أراداك على أن تشرك بي {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} أي: إنك لا تعلم أن معي شريكاً، يعني المؤمنين. {إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ} يعني يوم القيامة {فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} أي: في أهل الجنة. قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ} أي: صدّقنا بالله وأقررنا بالله {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ} ببعض ما يدخل عليه في إيمانه بالله وبمحمّد {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ}. رجعت القصّة إلى الكلام الأول: {الۤـمۤ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}؛ فوصف المنافق في هذه الآية الآخرة فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ} أي: إذا أُمِر بالجهاد في سبيل الله فدخل عليه أذى رفض ما أُمِر به، يعني المنافق، واجترأ على عذاب الله، أي: وأقام عن الجهاد، فتبيّن نفاقه، أي: جعل فتنة الناس، يعني ما يدخل عليه من البلية في القتال، إذا كان بلية، كعذاب الله في الآخرة، [فترك القتال في سبيل الله واجترأ على عذاب الله] لأن الله قد خوّفه عذاب الآخرة، وهو لا يُقِرّ بِهِ. [وقال مجاهد: هم أناس آمنوا بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو في أموالهم افتتنوا فجعلوا ما أصابهم في الدنيا كعذاب الله في الآخرة]. قوله: {وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} أي: نصر على المشركين، فجاءت غنيمة {لَيَقُولُنَّ} يعني جماعتهم {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} أي: يطلبون الغنيمة. قال الله: {أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ} أي: إنه يعلم ما في صدور العالمين، ويعلم ما في صدور المنافقين من التضييع للفرائض وترك الوفاء بما أقرّوا له به. {وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} وهي مثل قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكّاذِبِينَ}. وقد فسّرنا ذلك في الآية الأولى. وهذا كله علم الفعال. وما بعد هذه العشر الآيات مكية كلها، وهذه العشر مدنية، نزلت بعد ما بعدها من هذه السورة، وهي قبل ما بعدها في التأليف.

اطفيش

تفسير : {مَن كَانَ يَرْجُوا} يطمع. {لِقَآءَ اللهِ} بالبعث على خير. {فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ} يوم البعث. {لآتٍ} عن قريب فليجتهد في العبادة ومخالفة الهوى مبادرا نيل ثواب ذلك وقيل يرجو بمعنى يخاف اي من كان يخاف لقاء الله على شر فان أجل الله لآت فليستعد لنفسه ما ينال به رضاه وخيره ويتباعد عن موجبات سخطه وعذابه او المعنى من كان يقر بالبعث فالبعث قريب فليختر لنفسه في مدة له فيها الاختيار تمثيلا لحاله بحال عبد يقدم على سيده بعد مدة طويلة وقد اغلع مولاه على ما يأتي وما يذر فأما ان يلقاه برضى او بسخط يحسب فعله والجملة جواب الشرط وهي جملة تعليل قامت مقام الجواب أي فليجتهد فان اجل الله لآت وكذا في مثله وانما نقول ذلك لأن اجل الله آت سواء رجى اللقاء أم لم يرجه. {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوال العباد كلهم. {العَلِيمُ} بأفعالهم وعقائدهم ومن كان كذلك فهو حقيق بالتقوى الخشية.

اطفيش

تفسير : {من كانَ يرْجُو لقاء الله} الكون في جنته ورضاه، ونزول الملائكة بالخير اليهم منه، وليخف ان لا ينالها من يفسر الرجاء بمعنى يتضمن ما لا يجوز، وهو رؤيته تعالى، لان المرء متحيز، وما ذكرته اولى من تقدير لقاء ثواب الله، والرجاء الطمع، ويجوز ان يكون بمعنى الانتظار للجزاء عقاباً او ثواباً، او بمعنى الخوف، اى يخاف الكون في النار، ولقاء عقاب الله كقوله: شعر : اذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : اى لم يخفه، او شبه المجئ للحساب والعمل في الدنيا، والجزاء عليه بقدوم عبد على مولاه وعمله ومحاسبته عليه، فاما خير او شر على الاستعارة التمثيلية، ويعمل ويحكم ويرجو للاستمرار، والجواب محذوف، اى فليبادر الى ما يفوز يه وينجو، دل عليه علته وهى قوله: {فان أجل الله} اى لان اجل الله {لآتٍ} وهو وقت اللقاء، والاجل آخر المدة المقدرة كما هنا، وقد يطلق على مجموعها نحو اجله شهر وهو الاكثر {وهُوَ السَّميع} الذي يسمع اقوال العباد {العَليمُ} بأحوالهم الظاهرة والباطنة.

الالوسي

تفسير : {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ } أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: أي من كان يخشى البعث في الآخرة فالرجاء بمعنى الخوف كما في قول الهذلي في وصف عسال:شعر : إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : ولعل إرادة البعث من لقائه عز وجل لأنه من مباديه، وقيل: لعله جعل لقاء الله تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة إلا أنه لما كان البعث من أعظم ما يتوقف ذلك عليه خصه بالذكر، وفي «الكشاف» أن لقاء الله تعالى مثل للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل؛ وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى {مَن كَانَ } الخ من كان يأمل تلك الحال وإن يلقى فيها الكرامة من الله تعالى والبشرى، فالكلام عنده من باب التمثيل والرجاء بمعنى الأمل والتوقع. وجوز أن يكون بمعنى ذلك إلا أن الكلام بتقدير مضاف أي من كان يتوقع ملاقاة جزاء الله تعالى ثواباً أو عقاباً أو ملاقاة حكمه عز وجل يوم القيامة وأن يكون بمعنى الخوف، والمضاف محذوف أيضاً أي من كان يخاف ملاقاة عقاب الله تعالى، وأن يكون بمعنى ظن حصول ما فيه مسرة وتوقعه كما هو المشهور، والمضاف كذلك أيضاً، أي من كان يرجو ملاقاة ثواب الله تعالى، ويجوز أن لا يقدر مضاف، ويجعل لقاء الله تعالى مجازاً عن الثواب لما أنه لازم له. واختار بعضهم أن الرجاء بمعناه المشهور وأن لقاء الله تعالى مشاهدته سبحانه على الوجه اللائق به عز وجل كما يقوله أهل السنة والجماعة إذ لا حاجة للخروج عن الظاهر من غير ضرورة وما حسبه المعتزلي منها فليس منها كما بين في علم الكلام أي من كان يتوقع مشاهدة الله تعالى يوم القيامة التي لا نعيم يعدلها ويلزمها الفوز بكل خير ونعيم. {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ } الأجل غاية لزمان ممتد عينت لأمر من الأمور، وقد يطلق على كل ذلك الزمان، والأول أشهر في الاستعمال أي فإن الوقت الذي عينه جل شأنه لذلك {لآتٍ } لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لأن أجزاء الزمان على التقضي والتصرم دائماً، ومجيء ذلك الوقت كناية عن إتيان ما فيه ووقوعه، والجملة الاسمية قائمة مقام جواب الشرط وهي في الحقيقة دليل الجواب المحذوف أي فليبادر ما ينفقه من امتثال الأوامر واجتناب المناهي أو فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو نحوه ذلك مما يلائم الشرط فتدبر. / وقيل: يجوز أن تكون هي الجواب على أن المراد بها المعنى الملائم للشرط كما ذكر {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } جل شأنه لأقوال العباد {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالهم من الأعمال الظاهرة والعقائد والصفات الباطنة، والجملة تذييل لتحقيق حصول المرجو والمخوف وعداً ووعيداً.

ابن عاشور

تفسير : هذا مسوق للمؤمنين خاصة لأنهم الذين يرجون لقاء الله، فالجملة مفيدة التصريح بما أومأ إليه قوله {أية : أن يسبقونا}تفسير : [العنكبوت: 4] من الوعد بنصر المؤمنين على عدوّهم مبينة لها ولذلك فصلت. ولولا هذا الوقع لكان حق الإخبار بها أن يجيء بواسطة حرف العطف. ورجاء لقاء الله: ظنّ وقوع الحضور لحساب الله. و {لقاء الله}: الحشر للجزاء لأن الناس يتلقون خطاب الله المتعلق بهم، لهم أو عليهم، مباشرة بدون واسطة، وقد تقدم في قوله {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}تفسير : [ البقرة: 46] وقوله {أية : واعلموا أنكم ملاقوه}تفسير : في سورة [البقرة: 223]. و {أجل الله} يجوز أن يكون الوقت الذي عينه الله في علمه للبعث والحساب فيكون من الإظهار في مقام الإضمار، ومقتضى الظاهر أن يقال: فإنه لآتٍ فعدل إلى الإظهار كما في إضافة {أجل} إلى اسم الجلالة من الإيماء إلى أنه لا يخلف. والمقصود الاهتمام بالتحريض على الاستعداد. ويجوز أن يكون المراد بــــ {أجل الله} الأجل الذي عيَّنه الله لنصر المؤمنين وانتهاء فتنة المشركين إياهم باستئصال مساعير تلك الفتنة، وهم صناديد قريش وذلك بما كان من النصر يوم بدر ثم ما عقبه إلى فتح مكة فيكون الكلام تثبيتاً للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين حين استبطأ المؤمنون النصر للخلاص من فتنة المشركين حتى يعبدوا الله لا يفتنوهم في عبادته. والمعنى عليه: إن كنتم مؤمنين بالبعث إيقاناً ينبعث من تصديق وعد الله به فإن تصديقكم بمجيء النصر أجدر لأنه وعدكم به، فــــ {من} شرطية، وجعل فعل الشرط فعل الكون للدلالة على تمكن هذ الرجاء من فاعل فعل الشرط. ولهذا كان قوله {فإن أجل الله لآت} جواباً لقوله {من كان يرجو لقاء الله} باعتبار دلالته على الجواب المقدر ليلتئم الربط بين مدلول جملة الشرط ومدلول جملة الجزاء. ولولا ذلك لاختلّ الربط بين الشرط والجزاء إذ يفضي إلى معنى من لم يكن يرجو لقاء الله فإن أجل الله غير آتٍ. وهذا لا يستقيم في مجاري الكلام فلزم تقدير شيء من باب دلالة الاقتضاء. وتأكيد جملة الجزاء بحرف التوكيد على الوجه الأول للتحريض والحث على الاستعداد للقاء الله، وعلى الوجه الثاني لقصد تحقيق النصر الموعود به تنزيلاً لاستبطائه منزلة التردد لقصد إذكاء يقينهم بما وعد الله ولا يوهنهم طول المدة الذي يضخمه الانتظار. وبهذا يظهر وقع التذييل بوصفي {السميع العليم} دون غيرهما من الصفات العُلَى للإيماء بوصف {السميع} إلى أن الله تعالى سمع مقالة بعضهم من الدعاء بتعجيل النصر كما أشار إليه قوله تعالى {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله}تفسير : [ البقرة: 214]. وكقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»تفسير : . والإيماء بوصف {العليم} إلى أن الله علم ما في نفوسهم من استعجال النصر ولو كان المراد من {أجل الله} الموتَ لَمَا كان وجه للإعلام بإتيانه بَلْهَ تأكيده، وكذا لو كان المراد منه البعث لكان قوله {من كان يرجو لقاء الله} كافياً، فهذا وجه ما أشارت إليه الآيات بالمنطوق والاقتضاء، والعدول بها عن هذا المهيع وإلى ما في «الكشاف» و«مفاتيح الغيب» أخذاً من كلام أبي عبيدة تحويل لها عن مجراها وصرف كلمة الرجاء عن معناها وتفكيك لنظم الكلام عن أن يكون آخذاً بعضه بحُجز بعض. وإظهار اسم الجلالة في جملة {فإن أجل الله لآت} مع كون مقتضى الظاهر الإضمار لتقدم اسم الجلالة في جملة الشرط {من كان يرجو لقاء الله} لئلا يلتبس معاد الضمير بأن يُعاد إلى {من} إذ المقصود الإعلام بأجل مخصوص وهو وقت النصر الموعود كما في قوله تعالى {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون}تفسير : [سبأ: 29، 30]. وعبّر بفعل الرجاء عن ترقب البعث لأن الكلام مسوق للمؤمنين وهم ممن يرجو لقاء الله لأنهم يترقبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه. قال بلال رضي الله عنه حين احتضاره متمثلاً بقول بعض الأشعريين الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم شعر : غداً ألقَى الأحبهْ محمداً وصحبهْ

د. أسعد حومد

تفسير : {يَرْجُو} {لآتٍ} (5) - مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَيَطْمَعُ فِي ثَوابِ اللهِ يَومَ لِقَائِهِ في الآخِرَةِ، فَلْيُبَادِرْ إِلى فِعْلِ مَا يَنْفَعُهُ، وَعَمَلِ مَا يُوصِلُهُ إِلى مَرْضَاةِ رَبِّه، وَليَجْتَنِبْ ما يُسْخِطُ رَبَّه عَلَيهِ، فإِنَّ أَجَلَ اللهِ الذي حَدَّدَهُ لِبَعْثِ خَلْقِهِ لِلحِسَابِ والجَزَاءِ لآتٍ لاَ مَحَالَةَ، وَاللهُ هُوَ السَّميعُ لأَقْوالِ العِبَادِ، العَلِيمُ بِعَقَائِدهُمْ وأَعْمَالِهِمْ. أجلَ الله - المَوْعِدَ الذي حَدَّدَهُ لِلْبَعْثِ وَالجَزَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 5] يعني: يؤمن به وينتظره ويعمل من أجله، يؤمن بأن الله الذي خلقه وأعدَّ له هذا الكون ليحيا حياته الطيبة، وأنه سبحانه بعد ذلك سيُعيده ويحاسبه؛ لذلك إنْ لم يعبده ويطعْه شُكْراً له على ما وهب، فليعبده خوفاً منه أنْ يناله بسوء في الآخرة. وأهل المعرفة يروْنَ فرقاً بين مَنْ يرجو الثواب ويرجو رحمة الله، ومن يرجو لقاء الله لذات اللقاء، لا خوفاً من نار، ولا طمعاً في جنة؛ لذلك تقول رابعة العدوية: شعر : كُلُّهم يَعْبدُونَ مِنْ خَوْفِ نَارٍ ويروْنَ النجاةَ حَظَّاً جَزِيلاً أَوْ بِأَنْ يَسْكُنُوا الجِنانَ فيحظَوْا بقُصُورٍ ويَشْربُوا سَلْسبِيلا لَيْسَ لي بالجنَانِ والنّارِ حَظٌّ أنَا لا أبتغي بحِبي بَديلاَ تفسير : أي: أحبك يا رب، لأنك تُحَبُّ لذاتك، لا خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، وهي أيضاً القائلة: اللهم إنْ كنتَ تعلم أني أحبك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها. ويقول تعالى في سورة الكهف: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} تفسير : [الكهف: 110] ولو كانت الجنة لأن لقاء الله أعظم، وهو الذي يُرْجى لذاته. والحق سبحانه يؤكد هذه المسألة بأكثر من مؤكد: {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ ..} [العنكبوت: 5] فأكَّده بإن واللام وصيغة اسم الفاعل الدالة على تحقُّق الفعل، كما قال سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} تفسير : [القصص: 88] ولم يقل: سيهلك، وقوله سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]. يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياءً؛ لأن الميِّت: مَنْ يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت، أما مَنْ مات فعلاً فيُسمَّى (مَيْت). وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي، وتقول لمن تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا، فأنت جازفتَ وتكلمتَ بشيء لا تملك عنصراً من عناصره، فلا تضمن مثلاً أنْ تعيش لغدٍ، وإنْ عشتَ لا تضمن أن يعيش هو، وإنْ عاش ربما يتغير فكرك ناحيته، أو فقدتَ القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأنْ يصيبك مرض أو يُِلِم بك حدث. لكن حينما يتكلم مَنْ يملك أزِمّة الأمور كلها، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه، فحين يحكم، فليس للزمن اعتبار في فعله، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي، بل {لآتٍ ..} [العنكبوت: 5] على وجه التحقيق. وسبق أنْ ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يَأْتِ بَعْد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله، وليست لديهم مَلَكة العربية، فالله تعالى يحكم على المستقبل، وكأنه ماضٍ أي مُحقّق؛ لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، ولا يحول دونه حائل. ولفظ الأجل جاء في القرآن في مواضع كثيرة، منها: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34] وفي الآية التي معنا: {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ ..} [العنكبوت: 5]. والأجلان مختلفان بالنسبة للحضور الحياتي للإنسان، فالأجل الأول يُنهي الحياة الدنيا، والأجل الآخر يُعيد الحياة في الآخرة للقاء الله عز وجل، إذن: فالأجلان مرتبطان. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يعرض لنا قضية غيبية يُؤنِسنا فيها بشيء حسيٍّ معلوم لنا، حتى يستطيع العقل أن ينفذ من الحَسيِّ إلى الغيبي غير المشاهد. وأنت ترى أن أعمار بني آدم في هذه الحياة تتفاوت: فواحد تغيض به الأرحام، فلا يخرج للحياة، وواحد يتنفس زفيراً واحداً ويموت .. إلخ. وفي كل لحظة من لحظات الزمن نعاين الموت، مَنْ يموت بعد نفَس واحد، ومَنْ يموت بعد المائة عام. إذن: فلا رتابة في انقضاء الأجل، لا في سِنٍّ ولا في سبب: فهذا يموت بالمرض، وهذا بالغرق، وهذا يموت على فراشه. لذلك يقول الشاعر: شعر : فَلا تحسَب السُّقْم كأسَ الممات وإنْ كانَ سُقْماً شَديد الأَثَر فَرُبَّ عليلٍ تراهُ اسْتفاقَ ورُبَّ سَليمٍ تَرَاهُ احتُضرْ تفسير : وقال آخر: شعر : وَقَدْ ذَهَب الممتِلي صحةً وصَحَّ السَّقِيمُ فَلَمْ يذْهب تفسير : وتجد السبب الجامع في الوباءات التي تعتري الناس، فيموت واحد ويعيش آخر، فليس في الموت رتابة، والحق - سبحانه وتعالى - حينما يقول: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34] نجد واقع الحياة يؤكد هذا، فلا وحدةَ في عمر، ولا وحدةَ في سبب. والصدق في الأجل الأول المشاهد لنا يدعونا إلى تصديق الأجل الآخر، وأن أجل الله لآت، فالأجل الذي أنهى الحياة بالاختلاف هو الذي يأتي بالحياة بالاتفاق، فبنفخة واحدة سنقوم جميعاً أحياءً للحساب، فإن اختلفنا في الأولى فسوف نتفق في الآخرة؛ لأن الأرواح عند الله من لَدُنْ آدم عليه السلام وحتى تقوم الساعة، وبنفخة واحدة يقوم الجميع. وسبق أن قُلْنا: إن الأزمان ثلاثة: حاضر نشهده، وماضٍ غائب عنا لا نعرف ما كان فيه، ومستقبل لا نعرف ما يكون فيه. والحق سبحانه يعطي لنا في الوجود المشاهد دليلَ الصدق في غير المشاهد، فنحن مثلاً لا نعرف كيف خلقنا الخَلْق الأول إلا من خلال ما أخبرنا الله به من أن أَصلْ الإنسان تراب اختلط بالماء حتى صار طيناً، ثم حمأ مسنوناً، ثم صلصالاً كالفخار .. إلخ. ثم جعل نسل الإنسان من نطفة تتحول إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم تُكْسى العظام لحماً. وإنْ كان العلم الحديث أرانا النطفة والعلقة والمضغة، وأرانا كيف يتكوَّن الجنين، فيبقى الخَلْق الأول من تراب غيباً لا يعلمه أحد. ولا تُصدِّق من يقول: إني أعلمه؛ لأن الله تعالى حذرنا من هؤلاء المضلين في قوله: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. فلا علمَ لهم بخَلْق الإنسان، ولا علمَ لهم بخَلْق ظواهر الكون، فلا تسمع لهم، وخُذْ معلوماتك من كتاب ربك الذي خلق سبحانه، ويقوم وجود المضلين الذين يقولون: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلتْ عنها، أو أن الإنسان أصله قرد - يقوم وجودهم، وتقوم نظرياتهم دليلاً على صدق الحق سبحانه فيما أخبر. وإلا، فكيف نُصدِّق نظرية ترقِّي القرد إلى الإنسان؟ ولماذا ترقّى قرد (دارون) ولم تترقَّ باقي القرود؟ وإذا كان المؤمن مُصدِّقاً بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29] لأنه آمن بالله، وآمن بما جاء به رسول الله، فكيف بمَنْ لا يؤمن ولا يُصدِّق؟ لذلك يُؤنِس الحق سبحانه هذه العقول المستشرفة لمعرفة حقائق الأشياء يُؤنِسها بما تشاهد: فإنْ كنتَ لا تُصدِّق مسألة الخَلْق فأنت بلا شكٍّ تشاهد مسألة الموت وتعاينه كل يوم، والموت نَقْضٌ للحياة، ونَقْض الشيء يأتي عكْس بنائه. والخالق - عز وجل - أخبر أن الروح هي آخر شيء في بناء الإنسان، لذلك هي أول شيء يُنقَض فيه عند الموت، إذن: مشهدك في كيف تموت، يؤكد لك صِدْق الله في كيف جئت؟ وأجل الآخرة أمر لا بُدَّ منه ليُثاب المطيع ويُعَاقب العاصي، أَلاَ ترى إلى النظم الاجتماعية حتى عند غير المؤمنين تأخذ بهذا المبدأ لاستقامة حركة الحياة؟ فما بالك بمنهج الله تعالى في خَلْقه، أيترك الظالم والمجرم يُفلِت من العقاب في الآخرة بعد أنْ أفلت من عقاب الدنيا؟ وكنا نردُّ بهذا المنطق على الشيوعيين: لقد عاقبتُم مَنْ طالته أيديكم من المجرمين، فكيف بمَنْ ماتوا ولم تعاقبوهم، أليستِ الآخرةُ تحلّ لكم هذا المأزق؟ ثم تُختمَ الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5] ألا ترى أنه تعالى لو قال: العليم فقط لشملَ المسموع أيضاً؛ لأن العلم يحيط بكل المدركات؟ فلماذا قال {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5]؟ قالوا: لأن اللغة العربية حينما تكلمتْ عن العمل والفعل والقول قسَّمت الجوارح أقساماً: فاللسان له القول، وبقية الجوارح لها الفعل، وهما جميعاً عمل، فالقول عمل اللسان، والفعل عمل بقية الجوارح، فكأن اللسان أخذ شطر العمل، وبقية الجوارح أخذت الشطر الآخر. وباللسان معرفة إيمانك، حين تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي أشرف ما يعمل الإنسان، وبه بلاغ الرسول عن الله لخَلْقه، إذن: فأفعال الجوارح الشرعية ناشئة من اللسان ومن السماع؛ لذلك جعل القول وهو عمل اللسان شطر العمل كله. ولأهمية القول قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2] فكل فعل ناشىء عن انصياع لقول أو سماع لقول؛ لذلك ختم سبحانه هذه الآية بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إليه، ولكن، ما كل من يَدَّعِي يُعْطَى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن اللّه سميع للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح. { وَمَنْ جَاهَدَ } نفسه وشيطانه، وعدوه الكافر، { فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } لأن نفعه راجع إليه، وثمرته عائدة إليه، والله غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به لينتفع به، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بُخْلا عليهم. وقد علم أن الأوامر والنواهي يحتاج المكلف فيها إلى جهاد، لأن نفسه تتثاقل بطبعها عن الخير، وشيطانه ينهاه عنه، وعدوه الكافر يمنعه من إقامة دينه، كما ينبغي، وكل هذا معارضات تحتاج إلى مجاهدات وسعي شديد.