٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أن التكليف حسن واقع وأن عليه وعداً وإيعاداً ليس لهما دافع، بين أن طلب الله ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه فإنه غني مطلقاً ليس شيء غيره يتوقف كما له عليه ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: { أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ } تفسير : [فصلت: 46] وقوله تعالى: { أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ } تفسير : [الإسراء: 7] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الآية السابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من العمل الصالح وإتقانه له، وذلك لأن من يفعل فعلاً لأجل ملك ويعلم أن الملك يراه ويبصره يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن نفعه له ومقدر بقدر عمله يكثر منه، فإذا قال الله إنه سميع عليم فالعبد يتقن عمله ويخلصه له وإذا قال بأن جهاده لنفسه يكثر منه. المسألة الثانية: لقائل أن يقول هذا يدل على أن الجزاء على العمل لأن الله تعالى لما قال: {مِنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ } فهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح فنقول هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق، وبيانه هو أن الله تعالى لما بين أن المكلف إذا جاهد يثيبه فإذا أتى به هو يكون جهاداً نافعاً له ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أن الله يجب عليه أن يثيب على العمل لولا الوعد، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلا بالعمل ولا دلالة للآية عليه. المسألة الثالثة: قوله: {فَإِنَّمَا } يقتضي الحصر فينبغي أن يكون جهاد المرء لنفسه فحسب ولا ينتفع به غيره وليس كذلك فإن من جاهد ينتفع به ومن يريد هو نفعه، حتى أن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان فنقول ذلك نفع له فإن انتفاع الولد انتفاع للأب والحصر ههنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وفيه مسائل: الأولى: تدل الآية على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله لأنه بالأصلح لا يستفيد فائدة وإلا لكان مستكملاً بتلك الفائدة وهي غيره وهي من العالم فيكون مستكملاً بغيره فيكون محتاجاً إليه وهو غني عن العالمين، وأيضاً أفعاله غير معللة لما بينا. المسألة الثانية: تدل الآية على أنه ليس في مكان وليس على العرش على الخصوص فإنه من العالم والله غني عنه والمستغني عن المكان لا يمكن دخوله في مكان لأن الداخل في المكان يشار إليه بأنه ههنا أو هناك على سبيل الاستقلال، وما يشار إليه بأنه ههنا أو هناك يستحيل أن لا يوجد لا ههنا ولا هناك وإلا لجوز العقل إدراك جسم لا في مكان وإنه محال. المسألة الثالثة: لو قال قائل ليست قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم وإلا لكان هو في قادريته محتاجاً إلى قدرة هي غيره وكل ما هو غيره فهو من العالم فيكون محتاجاً وهو غني، نقول لم قلتم إن قدرته من العالم وهذا لأن العالم كل موجود سوى الله بصفاته أي كل موجود هو خارج عن مفهوم الإله الحي القادر المريد العالم السميع البصير المتكلم والقدرة ليست خارجة عن مفهوم القادر، والعلم ليس خارجاً عن مفهوم العالم. المسألة الرابعة: الآية فيها بشارة وفيها إنذار، أما الإنذار فلأن الله إذا كان غنياً عن العالمين فلو أهلك عباده بعذابه فلا شيء عليه لغناه عنهم وهذا يوجب الخوف العظيم، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنياً، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده لا شيء عليه لاستغنائه عنه، وهذا يوجب الرجاء التام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن جَٰهَدَ } جهاد حَرْب أو نفس {فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفْسِهِ } فإن منفعة جهاده له لا لله {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم.
النسفي
تفسير : {وَمَن جَاهَدَ } نفسه بالصبر على طاعة الله أو الشيطان بدفع وساوسه أو الكفار {فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ } لأن منفعة ذلك ترجع إليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وعن طاعتهم ومجاهدتهم، وإنما أمر ونهى رحمة لعباده {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وصى حكمه حكم أمر في معناه وتصرفه. يقال: وصيت زيداً بأن يفعل خيراً كما تقول: أمرته بأن يفعل. ومنه قوله {أية : وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ }تفسير : [البقرة: 132] أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك: وصيت زيداً بعمرو معناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك. وكذلك معنى قوله {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً} ووصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً أي فعلاً ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا }تفسير : [البقرة: 83] ويجوز أن يجعل {حسناً} من باب قولك «زيداً» بإضمار «اضرب» إذا رأيته متهيئاً للضرب فتنصبه بإضمار أولهما، أو افعل بهما لأن التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال: قلنا أولهما معروفاً ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه، وعلى هذا التفسير إن وقف على {بوالديه} وابتدىء {حسناً} حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لا بد من إضمار القول معناه وقلنا {وَإِن جَـٰهَدَاكَ } أيها الإنسان {لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي لا علم لك بإلهيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال: لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً {فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } مرجع من آمن منكم ومن أشرك {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيكم حق جزائكم، وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين. روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرتد فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، والتي في «لقمان» والتي في «الأحقاف»
السلمي
تفسير : قوله تبارك وتعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [الآية: 6]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ابتدأ الحق الخلق بالنعم تفضلاً من غير استحقاق جلت نعمه وعطاياه أن تستجلبها الحوادث بحال لكنه المبتدئ بالنعم والمتفضل بها قال الله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}. قال أبو بكر بن طاهر أى يظهر على نفسه آثار العبودية وزينتها لا يطلب بها قربة إلى ربه فإن الحق لا يتقرب إليه برأيه أو بما منهُ.
القشيري
تفسير : مَنْ أَحْسَنَ فنجاة نفسه طلبها، وسعادة حالة حَصَّلَها. ومن أساء فعقوبة بنفسه. جَلَبَها، وشقاوة جَدِّه اكتسبها. ويقال ثوابُ المطيعين إليهم مصروفٌ، وعذابُ العاصين عليهم موقوفٌ.. والحقُّ عزيزٌ لا يلحقه بالوفاق زَيْن، ولا يَمَسُّه من الشِّقاقِ شَيْنٌ.
البقلي
تفسير : نبه الخلق ان ربوبيته منزهة عن عبودية الخلق وان صفات الحدث يرجع بنعوتها الى الحدث لانه مقدس عن النفع والضر وهو غنى عن وجود الخلق وعدمه فيبين قيمة المجاهدة انهم اذا جهدوا ولم يظفروا بما مولهم يعلمون انهم يدورن حواليهم وان الفضلى من الله خاص لاهل الخصوص ممن عرفهم الله نفسه بلا كدو ولا عناء قال الواسطى لكنه المبتدى النعم والمتفضل بها قال الله ومن جاهد الأية قال ابو بكر طاهر من يظهر على نفسه اثار العبودية وزينتها الا يطالب بها قربه الى ربه فان الحق لا يتقرب اليه الا به وبما منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن} [وهركه] {جاهد} نفسه بالصبر على طاعة الله وجاهد الكفار بالسيف وجاهد الشيطان بدفع وساوسه. والمجاهدة استفراغ الجهد بالضم اى الطاقة فى مدافعة العدو {فانما يجاهد لنفسه} لان منفعتها عائدة {ان الله لغنى عن العالمين} فلا حاجة به الى طاعتهم ومجاهدتهم وانما امرهم بها رحمة عليهم لينالوا الثواب الجزيل كما قال "حديث : خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لاربح عليهم"تفسير : فالعالمون هم الفقراء الى الله والمحتاجون اليه فى الدارين وهو مستغن عنهم شعر : برى ذاتش از تهمت ضد وجنس غنى ملكش از طاعت جن وانس مر اورا سزد كبريا ومنى كه ملكش قد يسمت وذاتش غنى نه مستغنى از طاعتش بشت كس نه بر حرف اوجاى انكشت كس تفسير : قال ابو العباس المشتهر بزروق فى شرح الاسماء الحسنى الغنى هو الذى لايحتاج الى شىء فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى افعاله اذ لا يلحقه نقص ولا يعتريه عارض ومن عرف انه الغنى استغنى به عن كل شىء ورجع اليه بكل شىء وكان له بالافتقار فى كل شىء وللتقرب بهذا الاسم تعلق باظهار الفاقة والفقر اليه ابدا. قيل لابى حفص بما يلقى الفقير مولاه فقال فهل يلقى الغنى الا بالفقر قلت يلقاه بفقره حتى من فقره والا فهو مستعد بفقره ولذلك قال ابن مشيش رحمه الله للشيخ ابى الحسن لئن لقيته بفقرك لتلقينه بالاسم الاعظم وبتمام فقره له يصح غناه عن غيره فيكون متخلقا بالغنى. وخاصية هذا الاسم وجود العافية فى كل شىء فمن ذكره على مرض او بلاء اذهبه الله عنه وفيه سر للغنى ومعنى الاسم الأعظم لمن استأهل انتهى. وفى الاحياء يستحب ان يقول بعد صلاة الجمعة "اللهم ياغنى ياحميد يامبدىء يامعيد يارحيم ياودود اغننى بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك" فيقال من داوم على هذا الدعاء اغناه الله تعالى عن خلقه ورزقه من حيث لايحتسب
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى {ومن جاهد} أي من جاهد نفسه بأن يصبر على ما أمره الله به، ويعمل بسنته، ومنه الجهاد، وهو الصبر في الحرب على ما جاء به الشرع {فإنما يجاهد لنفسه} لان ثواب صبره عائد عليه وواصل اليه دون الله تعالى، لانه تعالى غني عن جميع الخلائق غير محتاج إلى طاعاتهم، ولا غير ذلك. ثم قال تعالى {والذين آمنوا} أي صدقوا بوحدانيته واقروا بنبوة نبيه، واعترفوا بما جاء به من عند الله {لنكفرن عنهم سيئاتهم} التي اقترفوها قبل ذلك. ومن قال بالاحباط قال: تبطل السيئة الحسنة التي هي أكبر منها حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، كما قال {أية : إن الحسنات يذهبن السيئات} تفسير : والاحباط هو ابطال الحسنة بالسيئة التي هي اكبر منها. والسيئة الخصلة التي يسوء صاحبها عاقبتها. والحسنة الخصلة التي يسر صاحبها عاقبتها. وكل حسنة طاعة لله، وكل سيئة هي معصية له تعالى. وقوله {لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} قال الجبائي: معناه أحسن ما كانوا يعملون: طاعاتهم لله، لانه لا شيء في ما يعمله العباد أحسن من طاعاتهم لله. وقال قوم: معناه ولتجزينهم بأحسن اعمالهم، وهو الذي أمرناهم به، دون المباح الذي لم نأمرهم به ولا نهيناهم عنه. وقوله {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً} معناه أمرناه أن يفعل حسناً وألزمناه ذلك. ثم خاطب كل واحد من الناس، فقال {وإن جاهداك} يعني الوالدين أيها الانسان {لتشرك بي} في العبادة {ما ليس لك به علم، فلا تطعهما} في ذلك. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص، لأنه لما هاجر حلفت أمّه انها لا يظلها سقف بيت حتى يعود. فنزلت الآية. ثم قال مهدداً للجميع {الي مرجعكم} أي إليّ مآلكم {فأنبئكم} أي اخبركم {بما كنتم تعملون} في دار التكليف، ثم اجازيكم بحسبه. ثم قال تعالى {والذين آمنوا} بتوحيد الله واخلاص العبادة له وصدق انبيائه واضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحات {لندخلنهم في} جملة {الصالحين} الذين فعلوا الطاعات ويجازيهم الله ثواب الجنة. ثم اخبر ان {من الناس من يقول} بلسانه {آمنا بالله فإذا أوذي في الله} أي إذا لحقه شدة في جنب الله {جعل فتنة الناس} أي عذاب الناس إياهم {كعذاب الله} اي خافوا عذاب الخلق، كما يخاف عذاب الله، فيرتدون. {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} وهذا الذي ذكره صفة المنافقين الذين إذا جاهدوا الكفار وكانت الدائرة على المسلمين جعلوا ذلك مثل ما يعذبهم الله، ومتى ظفروا بأعدائهم قالوا للمؤمنين {إنا كنا معكم} في الجهاد فلنا مثل ما لكم من الغنيمة، فقال تعالى {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي الله يعلم بواطن احوالهم وسرائر ما في نفوسهم، فيجازيهم على حسب ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} جملة حاليّة او معطوفة لاستدراك توهّم نشأ من ترغيبه تعالى فى العمل وتخويفه من المعصية فانّه يتوهّم منه انّ الله ينتفع بالطّاعة ويستضرّ بالمعصية {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} لا ينتفع بطاعتهم ولا يستضرّ بمعصيتهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَن جَاهَدَ} نفسه بالمصابرة على مشاق العبادة وعلى ترك الهوى وعلى حرب العدو. {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} لرجوع منفعة جهاده اليه. {إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} الانس والجن والملائكة وغيرهم وعن عبادتهم وانما أمرهم ونهاهم رحمة لهم وليس من الحكمة امهالهم وذلك بشارة وتخويف فانه اذ كان غنيا عن خلقه فلو اعطى جميع ما خلقه لعبد واحدا واهلكهم بعذابه كلهم فلا ضير عليه فذلك يوجب الرجاء التام والخوف العام.
اطفيش
تفسير : {ومن جاهد} نفسه بالصبر على الطاعة والمصائب وعن الشهوات {فإنمَّا يجاهد لنفسه} منفعه جهاده راجعة اليه لا نفع لله عز وجل فيه، لان النفع كله منه، ولا يحتاج كما قال: {إنَّ الله لغني عن العالمين} كلهم.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ جَـٰهِدِ } في طاعة الله عز وجل {فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ } لعود المنفعة من الثواب المعد لذلك إليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فلا حاجة له إلى طاعتهم وإنما أمرهم سبحانه بها تعريضاً لهم للثواب بموجب رحمته وحكمته.
ابن عاشور
تفسير : أي ومن جاهد ممن يرجون لقاء الله، فليست الواو للتقسيم، وليس {من جاهد} بقسيم لمن كانوا يرجون لقاء الله بل الجهاد من عوارض من كانوا يرجون لقاء الله. والجهاد: مبالغة في الجهد الذي هو مصدر جَهَد كمنع، إذا جدُّ في عمله وتكلّف فيه تعباً، ولذلك شاع إطلاقه على القتال في نصر الإسلام. وهو هنا يجوز أن يكون الصبر على المشاق والأذى اللاحقة بالمسلمين لأجل دخولهم في الإسلام ونبذ دين الشرك حيث تصدى المشركون لأذاهم. فإطلاق الجهاد هنا هو مثل إطلاقه في قوله تعالى بعد هذا {أية : وإن جاهداك لتُشْرِك بي}تفسير : [ العنكبوت: 8]، ومثل إطلاقه في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قفل من إحدى غزواته «حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»تفسير : . وهذا المحل هو المتبادر في هذه السورة بناء على أنها كلها مكية لأنه لم يكن جهاد القتال في مكة. ومعنى {فإنما يجاهد لنفسه} على هذا المحمل أن ما يلاقيه من المشاق لفائدة نفسه ليتأتى له الثبات على الإيمان الذي به ينجو من العذاب في الآخرة. ويجوز أن يراد بالجهاد المعنى المنقول إليه في اصطلاح الشريعة وهو قتال الكفار لأجل نصر الإسلام والذبّ عن حوزته، ويكون ذكره هنا لإعداد نفوس المسلمين لما سيُلْجَأون إليه من قتال المشركين قبل أن يضطروا إليه فيكون كقوله تعالى {أية : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون}تفسير : [ الفتح: 16] ومناسبة التعرض له على هذا المحمل هو أن قوله {أية : فإن أجل الله لآت}تفسير : [العنكبوت: 5] تضمن ترقباً لوعد نصرهم على عدوهم فقُدم إليهم أن ذلك بعد جهاد شديد وهو ما وقع يوم بدر. ومعنى {فإنما يجاهد لنفسه} على هذا المحمل هو معناه في المحمل الأول لأن ذلك الجهاد يدافع صدّ المشركين إياهم عن الإسلام، فكان الدوام على الإسلام موقوفاً عليه، وزيادة معنى آخر وهو أن ذلك الجهاد وإن كان في ظاهر الأمر دفاعاً عن دين الله فهو أيضاً به نصرهم وسلامة حياة الأحياء منهم وأهلهم وأبنائهم وأساس سلطانهم في الأرض كما قال تعالى: {أية : وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمكِّنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِّلَنَّهم من بعد خوفهم أمناً}تفسير : [ النور: 55]. وقال علقمة بن شيبان التميمي: شعر : ونقاتل الأعداء عن أبنائنا وعلى بصائرنا وإن لم نُبْصِر تفسير : والأوفق ببلاغة القرآن أن يكون المحملان مرادين كما قدمنا في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير. والقصر المستفاد من (إنما) هو قصر الجهاد على الكون لنفس المجاهد، أي الصالح نفسه إذ العلة لا تتعلق بالنفس بل بأحوالها، أي جهاد لفائدة نفسه لا لنفع ينجر إلى الله تعالى، فالقصر الحاصل بأداة (إنما) قصر ادعائي للتنبيه إلى ما يغفلون عنه ــــ حين يجاهدون الجهاد بمعنييه ــــ من الفوائد المنجرة إلى أنفس المجاهدين ولذلك عقب الرد المستفاد من القصر بتعليله بأن الله غنيّ عن العالمين فلا يكون شيء من الجهاد نافعاً لله تعالى ولكن نفعه للأمة. فموقع حرف التأكيد هنا هو موقع فاء التفريع الذي نبّه عليه صاحب «دلائل الإعجاز» وتقدّم غير مرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهَدَ} {يُجَاهِدُ} {ٱلْعَالَمِينَ} (6) - وَمَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ في جِهَادِ عَدُوٍّ لِدِينِهِ وَوَطَنِهِ وَقَوْمِهِ، وَفي مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ، وَكَفَّها عَنِ التَّفْكِيرِ في المُنْكَرِ والسُّوءِ، فإِنَّهُ إِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ نَفْعِ نَفْسِهِ، بِالفَوْزِ بِثَوابِ اللهِ عَلى جِهَادِهِ، وبِالنَّجَاةِ مِنْ عِقَابِهِ، وَلَيْسَ اللهُ بِحَاجَةٍ إِلى جِهَادِ أَحَدٍ، فَهُوَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ عَزِيزٌ لا يُنَالَ وَلاَ يُضَامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {جَاهَدَ ..} [العنكبوت: 6] تناسب النجاح في الابتلاء، والجهاد: بذْل الجهد في إنفاذ المراد، ومنه اجتهد فلان في كذا يعني: عمل أقصى ما في وُسْعه من الجدِّ والاجتهاد في أن يستنبط الحكم. والجهاد له مجالان: مجال في النفس يجاهدها ليقْوَى بمجاهدة نفسه على مجاهدة عدوه. وجاهد: مفاعلة، كأن الشيء الذي تريده صعب، يحتاج إلى جهد منك ومحاولة، والمفاعلة تكون من الجانبين: منك ومن الشيء الذي يقابلك، وأول ميادين الجهاد النفس البشرية؛ لأن ربك خلق فيك غرائز وعواطف لمهمة تؤديها، ثم يأتي منهج السماء ليكبح هذه الغرائز ويُرقِّيها، حتى لا تنطق معها إلى ما لا يُباح. فحب الاستطلاع مثلاً غريزة محمودة في البحث العلمي والاكتشافات النافعة، أمّا إنْ تحوّل إلى تجسُّس وتتبع لعورات الناس فهو حرام؛ الأكل والشرب غريزة لتقتات به، وتتولد عندك القدرة على العمل، فإنْ تحوَّل إلى نهم وشراهة فقد خرجت بالغريزة عن مرادها والهدف منها. وعجيب أمر الناس في تناول الطعام، فالسيارة مثلاً لا نعطيها خليطاً من الوقود، إنما هو نوع واحد، أما الإنسان فلا تكفيه عدة أصناف، كل منها لها تفاعل في الجسم، حينما تتجمع هذه التفاعلات تضر أكثر مما تنفع. إذن: هذه الغرائز تحتاج منك إلى مجاهدة؛ لتظل في حَدِّ الاعتدال، عملاً بالأثر: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، ولا نشرب حتى نظمأ، وإذا شربنا لا نقنع". ولو عملنا بهذا الحديث لَقضيْنا على القنبلة الذرية للاقتصاد في بلادنا، وكم تحلو لك اللقمة بعد الجوع مهما كانت بسيطة وغير مكلِّفة؛ لذلك يقولون: نعم الإدام الجوع، ثم إذا أكلتَ لا تملأ المعدة، ودع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه ". تفسير : وبهذا المنهج الغذائي الحكيم نضمن بنية سليمة وعافية لا يخالطها مرض. فالغرائز خلقها الله فيك لمهمة، فعليك أنْ تقف بها عند مهمتك. ومثل الغرائز العواطف من حب وكُرْه وشفقه وحُزْن .. إلخ، وهذه ليس لها قانون إلا أنْ تقفَ بها عند حدود العاطفة لا تتعداها إلى النزوع، فأحبب مَنْ شئتَ وأبغض مَنْ شئتَ، لكن لا تتعدَّ ولا تُرتِّب على العاطفة حكماً. وقد ذكرنا لهذه المسألة مثالاً بسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان له أخٌ اسمه زيد قُتل، ثم أسلم قاتله، فكان عمر كلما رآه يقول له: ازْوِ عني وجهك - يعني: أنا لا أحبك - فيقول: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ قال: لا، قال: إنما يبكي على الحب النساء. يعني: الحب والكره مسائل يهتم بها النساء، والمهم العمل، وما يترتب على هذه العواطف. ومن المجاهدة مجاهدة مَنْ سُلِّط عليك من جبار أو نحوه، تجاهده وتصبر على إيذائه، فحبُّك للحق يجعلك تصبر عليه، يقول تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} تفسير : [محمد: 31]. كل هذه بلاءات تحتاج إلى مجاهدة، فإنْ كان لك غريم فإنْ قدرت أن تدفع أذاه بالتي هي أحسن فافعل، وإنْ أردت أنْ تعاقب فعاقب بالمثل، وهذه مسألة صعبة؛ لأنك لا تستطيع تقدير المثلية أو ضبطها، بحيث لا تتعدى، فمثلاً لو ضربك خصمك ضربة، أتستطيع أنْ تردَّ عليه بمثلها دون زيادة؟ إذن: فلا تُدخل نفسك في هذه المتاهة، وأَوْلَى بك أنْ تأخذ بقوله تعالى {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 134] وتنتهي المسألة. فإذا كانت المصيبة لا غريمَ لك فيها، كالمرض والموت وغيرهما من القدريات التي يُجريها الله عليك، فقُلْ إن ربي أراد بي خيراً، فبها تُكفّر الذنوب والسيئات وبها أنال أجر الصابرين، وربما أنني غفلت عن ربي أو غرَّتني النعمة، فابتلاني الله ليلفتني إليه ويُذكِّرني به. ومن المجاهدة مجاهدة النفس في تلقِّي المنهج بافعل ولا تفعل، والتكليف عادةً ما يكون شاقاً على النفس يحتاج إلى مجاهدة، وإياك أنْ تنقلَ مدلول افعل في لا تفعل، أو تنقل مدلول لا تفعل في افعل. وحين تستقصي (افعل ولا تفعل) في منهج الله تجده يأخذ نسبة سبعة بالمائة من حركاتك في الحياة، والباقي مباحات، لك الحرية تفعلها أو تتركها. وقد يتعرض الإنسان المستقيم للاستهزاء والسخرية حتى مِمَّن هو على دينه، لأن المنحرف دائماً يشعر بنقص فيتضاءل ويصغَر أمام نفسه، ويحاول أن يجر الآخرين إلى نفس مستواه حتى يتساوى الجميع، وإلا فكيف تكون أنت مهتدياً مستقيماً وهو عاصٍ ضالٌّ؛ لذلك تراه يسخر منك ويُهوِّن من شأنك، لماذا؟ ليُزهِّدك في الطاعة، فتصير مثله. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 29-36]. ولا شكَّ أن مثل هذا يحتاج منك إلى صبر على أذاه، ومجاهدة للنفس حتى لا تقع في الفخِّ الذي ينصبه لك. وقد تأتيك الوسوسة من الشيطان فيُزيِّن لك الشر، ويُحبِّب إليك المعصية، وعندها تذكر قول الله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. فعليك - إذن - أن تتذكّر العداوة الأولى بين أبيك آدم وبين الشيطان لتكون منه على حذر، وسبق أن أوضحنا كيف نفرق بين المعصية التي تأتي من النفس، والتي تأتي من وسوسة الشيطان، فالنفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد غيرها، أما الشيطان فإنْ تأبيتَ عليه في ناحية نقلك إلى أخرى، المهم عنده أنْ يُوقِعك على أي حال. إذن: أعداؤك كثيرون، يحتاجون منك إلى قوة إرادةَ وإلى مجاهدة. ومجيء هذه الآية التي تذكر الجهاد بعد قوله تعالى {أية : فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [العنكبوت: 5] يطلب من الإنسان الذي يعتقد أن أجلَ الله بلقاء الآخرة أتٍ، وذلك أمر لا شكَّ فيه - يطلب منه أنْ يستعدَّ لهذا اللقاء. وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] لأن الإنسان طرأ على كون مُهيأ لاستقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، فكل ما في الكون خادم لك، ولن تزيد أنت في مُلْك الله شيئاً، وكل سَعْيك وفكرك لترف حياتك أنت، فحين تفعل الخير فلن يستفيدَ منه إلا أنت وربك غني عن عطائك. فإنْ جاهدتَ فإنما تجاهد لنفسك، كما لو امتنَّ عليك خادمك بالخدمة فتقول له: بل خدمتَ نفسك وخدمتَ عيالك حينما خدمتَ لتوفر لك ولهم أسباب العيش، وأنا الذي تعبتُ وعرقتُ لأوفر لك المال الذي تأخذه. وكذلك الحق سبحانه يقول لنا {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ..} [العنكبوت: 6] أي: حينما يطبق المنهج ويسير على هُداه، والحق سبحانه يؤكد هذه القضية في آيات عديدة {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]. ويقول الحق سبحانه: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ..} تفسير : [الإسراء: 7]. ويقول سبحانه: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ..} تفسير : [البقرة: 286]. إذن: المسألة منك وإليك، ولا دخلَ لنا فيها إلا حِرْصنا على صلاح الخَلْق وسلامتهم، كصاحب الصَّنْعة الذي يريد لصنعته أن تكون على خير وجه وأكمله، لذلك أفيضُ عليه من قدراتي قدرة، ومن علمي علماً، ومن بَسْطي بَسْطاً، ومن جبروتي جبروتاً، وأعطيه من صفاتي. لذلك قال بعض العارفين: "تخلقوا بأخلاق الله". لأن العون في وهب الصفات ومجال الصفات في الفعل ليس في أنْ أفعل لك، إنما في أنْ أُعينك لتفعل أنت، فالواحد منا حينما يرى عاجزاً لا يستطيع حَمْل متاعه، ماذا يفعل؟ يحمله عنه، أي: يُعدِّي إليه أثر قوته، إنما يظل العاجز عاجزاً والضعيف ضعيفاً كلما أراد شيئاً احتاج لمن يقوم له به. أما الحق - سبحانه وتعالى - فيفيض عليك من قوته، ويهبُ لك من قدرته وغِنَاه لتفعل أنت بنفسك؛ لذلك مَنْ يتخلق بأخلاق الله يقول: لا تعْطِ الفقير سمكة، إنما علِّمه كيف يصطاد، حتى لا يحتاج لك في كل الأوقات، أفِضْ عليه ما يُديم له الانتفاع به. إذن: الحق سبحانه يهَبُ القادرين القدرةَ، ويهَبُ الأغنياء الغِنَى، والعلماءَ العلمَ والحكماءَ الحكمةَ. وهذه من مظاهر عظمته تعالى ألاَّ يُعدِّي أثر الصفة إلى عباده، إنما يُعدِّي بعض الصفة إليهم، لتكون ذاتية فيهم. بل ويعطي سبحانه ما هو أكثر من ذلك، يعطيك الإرادة التي تفعل بها لمجرد أن تفكر في الفعل، بالله ماذا تفعل لكي تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل حينما تريد أنْ تحمل شيئاً أو تحرك عضواً من أعضائك؟ هل أمرتها أمراً؟ هل قلت لها افعلي كذا وكذا؟ حين تنظر إلى (البلدوزر) مثلاً أو (الونش) كيف يتحرك، وكيف أن لكل حركة فيه زراً يحركها وعمليات آلية معقدة، تأمل في نفسك حين تريد أن تقوم مثلاً بمجرد أن تفكر في القيام، تجد نفسك قائماً، مرادك أنت في الأعضاء أن تفعل وتنفعل لك. إذن، حينما يقول لك ربك: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فصدِّقه؛ لأنك شاهدتها في نفسك وفي أعضائك، فما بالك بربك - عز وجل - أيعجز أن يفعل ما تفعله أنت؟ ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تنام أو تبطش بيدك؟ لا شيء غير الإرادة في داخلك؛ لأن ربك خلع عليك من قدرته، وأعطاك شيئاً من قوله (كُنْ) وقدرة من قدرته، لكن لم يشأ أنْ يجعلها ذاتية فيك حتى لا تغترّ بها. لذلك إنْ أراد سبحانه سَلبَها منك لقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] فتأتي لتحرك ذراعك مثلاً فلا يطاوعك، لقد شُلَّ ويأبى عليك بعد أنْ كان طَوْع إرادتك، ذلك لتعلم أنه هِبَة من الله، إنْ شاء أخذها فهي ليست ذاتية فيك. فالمجاهدة تشمل ميادين عديدة، مجاهدة الغرائز والعواطف، ومجاهدة مشقة المنهج في افعل ولا تفعل، ومجاهدة شياطين الإنس والجن، ومجاهدة خصوم الإسلام الذين يريدون أنْ يُطفئوا نور الله. وروى البخاري حديث : أن خباب بن الأرتّ دخل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إننا في شدة، ألاَ تستنصر لنا؟ أَلاَ تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنه كان الرجل فيمن قبلكم تُحفر له الحفرة، فيُوضع فيها، ثم يُؤتَى بالمنشار فيُقَدُّ نصفين، ثم يُمشَطُ لحمه عن عظمه بأمشاط الحديد، فلا يصرفه ذلك عن دين الله". ثم يطمئنه رسول الله على أن هذه الفترة - فترة الابتلاء - لن تطول، فيقول: "والله لَيُتِمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئبَ على غنمه ". تفسير : والنبي صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين، حديث : يدخل عليه سيدنا أبو سعيد الخدري فيجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي حرارة الحمى، فوضع يده على اللحاف الذي يلتحف به سيدنا رسول الله، فيُحِسّ حرارته من تحت اللحاف، فقال له: يا رسول الله، إنها لشديدة عليك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا سعيد، إنه يُضعَّف لنا البلاء كما يُضعَّف لنا الجزاء ". تفسير : ذلك ليثبت أن البلاء لا يكون فقط من الأعداء، إنما قد يكون من الله تعالى، لماذا؟ لأن الله يباهي ملائكته بخَلْقه الطائعين المخبتين الصابرين، فيقولون: كيف لا يحبونك ويقبلون على طاعتك، وقد أنعمتَ عليهم بكذا وكذا، ويذكرون حيثيات هذه الطاعة، فيقول تعالى: وأسلب كل ذلك منهم ويحبونني، أي: يحبونني لذاتي. ثم تختم هذه الآية بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] لأن ميادين الجهاد هذه لا يعود منها شيء إلى الله تعالى، ولا تزيد في مُلكه شيئاً، إنما يستفيد منها العبد؛ لأنه سبحانه الغني عن طاعة الطائعين وعبادة المتعبدين، ليس غنياً عنهم وفقط، إنما هو سبحانه الذي يُغنيهم ويُفيض عليهم من فَضلْه ومن غِناه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):