Verse. 3350 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُوْلُ اٰمَنَّا بِاللہِ فَاِذَاۗ اُوْذِيَ فِي اللہِ جَعَلَ فِتْنَۃَ النَّاسِ كَعَذَابِ اؘ۝۰ۭ وَلَىِٕنْ جَاۗءَ نَصْرٌ مِّنْ رَّبِّكَ لَيَقُوْلُنَّ اِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ۝۰ۭ اَوَلَيْسَ اللہُ بِاَعْلَمَ بِمَا فِيْ صُدُوْرِ الْعٰلَمِيْنَ۝۱۰
Wamina alnnasi man yaqoolu amanna biAllahi faitha oothiya fee Allahi jaAAala fitnata alnnasi kaAAathabi Allahi walain jaa nasrun min rabbika layaqoolunna inna kunna maAAakum awalaysa Allahu biaAAlama bima fee sudoori alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس» أي أذاهم له «كعذاب الله» في الخوف منه فيطيعهم فينافق «ولئن» لام قسم «جاء نصرٌ» للمؤمنين «من ربك» فغنموا «ليقولنَّ» حذفت منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين «إنا كنا معكم» في الإيمان فأشركونا في الغنيمة قال تعالى: «أوَ ليس الله بأعلم» أي بعالم «بما في صدور العالمين» بقلوبهم من الإيمان والنفاق؟ بلى.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره وعناده، ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده، والله تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى: { أية : فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [العنكبوت: 3] وبين أحوالهما بقوله: { أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [العنكبوت:4] إلى قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [العنكبوت: 7] بين القسم الثالث وقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا } ولم يقل آمنت مع أنه وحد الأفعال التي بعده كقوله تعالى: {فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } وقوله: {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ } وذلك لأن المنافق كان يشبه نفسه بالمؤمن، ويقول إيماني كإيمانك فقال: {آمنا} يعني أنا والمؤمن حقاً آمنا، إشعاراً بأن إيمانه كإيمانه، وهذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال في القتال، وهزموا خصومهم يقول الجبان خرجنا وقاتلناهم وهزمناهم، فيصح من السامع لكلامه أن يقول وماذا كنت أنت فيهم حتى تقول خرجنا وقاتلنا؟ وهذا الرد يدل على أنه يفهم من كلامه أن خروجه وقتاله كخروجهم وقتالهم، لأنه لا يصح الإنكار عليه في دعوى نفس الخروج والقتال، وكذا قول القائل أنا والملك ألفينا فلاناً واستقبلناه ينكر، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا إظهار كون إيمانهم كإيمان المحقين كان الواحد يقول: {آمنا} أي أنا والمحق. المسألة الثانية: قوله: {فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } هو في معنى قوله: { أية : وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } تفسير : [آل عمران: 195] غير أن المراد بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين والمراد ههنا الذين لم يصبروا عليها فقال هناك: { أية : وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } تفسير : [آل عمران: 195] وقال ههنا: {أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } ولم يقل في سبيل الله واللطيفة فيه أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر وخسة المنافق الكافر فقال هناك أوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حد الإكراه، ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان فلا يترك الله، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية، والمؤمن أوذي ولم يترك سبيل الله بل أظهر كلمتي الشهادة وصبر على الطاعة والعبادة. المسألة الثالثة: قوله: {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ } قال الزمخشري: جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف عن الكفر، وقيل جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله، وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى ترددوا في الأمر، وقالوا إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس وإن تركنا الإيمان نتعرض لما توعدنا به محمد عليه الصلاة والسلام، واختاروا الاحتراز عن التأذي العاجل ولا يكون التردد إلا عند التساوي ومن أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون شديداً، ولا يكون مديداً لأن العذاب إن كان شديداً كعذاب النار وغيره يموت الإنسان في الحال فلا يدوم التعذيب، وإن كان مديداً كالحبس والحصر لا يكون شديداً وعذاب الله شديد وزمانه مديد، وأيضاً عذاب الناس له دافع وعذاب الله ماله من دافع، وأيضاً عذاب الناس عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب ولا تعد عذاباً كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذاباً. المسألة الرابعة: قال: {فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ } ولم يقل عذاب الناس لأن فعل العبد ابتلاء وامتحان من الله وفتنته تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فتبين منزلته كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً وهذا إشارة إلى أن الصبر على البلية الصادرة ابتلاء وامتحاناً من الإنسان كالصبر على العبادات. المسألة الخامسة: لو قال قائل هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه، لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازاً عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله، فنقول ليس كذلك، لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً، وهذا المؤمن المكره لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً، بل في باطنه الإيمان، ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } يعني دأب المنافق أنه إن رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر وأظهر المعية وادعى التبعية، وفيه فوائد نذكرها في مسائل: المسألة الأولى: قال: {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ } ولم يقل من الله، مع أن ما تقدم كان كله بذكر الله كقوله: {أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } وقوله: {كَعَذَابِ ٱللَّهِ } وذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، والله اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة والعاطفة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة. المسألة الثانية: لم يقل ولئن جاءكم أو جاءك بل قال: {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ } والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون: {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: إنا معكم إذا جاء نصر سواء جاءهم أو جاء المؤمنين، فنقول هذا الكلام يقتضي أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر، لكن النصر لا يجىء إلا للمؤمن، كما قال تعالى: { أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } تفسير : [الروم: 47] ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم في الحال ثم كر المنهزم كرة أخرى وهزموا الغالبين، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة، فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، فالنصر لهم في الحقيقة. المسألة الثالثة: في ليقولن قراءتان إحداهما: الفتح حملاً على قوله: {مَن يِقُولُ ءامَنَّا } يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول، وإذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم وثانيتهما: الضم على الجمع إسناداً للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة، ثم بين الله تعالى أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عندما يخالف القول القلب، فالسامع يبني الأمر على قوله ولا يدري ما في قلبه فيلتبس الأمر عليه وأما الله تعالى فهو عليم بذات الصدور، وهو أعلم بما في صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر، وهذا إشارة إلى أن الاعتبار بما في القلب، فالمنافق الذي يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر، والمؤمن المكره الذي يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن، والله أعلم بما في صدور العالمين، ولما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين، بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن تكلم فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } وقد سبق تفسيره، لكن فيه مسألة واحدة وهي أن الله قال هناك: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } وقال ههنا: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن والكافر، والكافر في قوله كاذب، فإنه يقول: الله أكثر من واحد، والمؤمن في قوله صادق فإنه كان يقول الله واحد، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر، فكان الحاصل هناك قسمين صادقاً وكاذباً وكان ههنا المنافق صادقاً في قوله فإنه كان يقول الله واحد، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } واعتبر أمر القلب في المؤمن وهو التصديق فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} الآية نزلت في المنافقين كانوا يقولون آمنا بالله {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} أي أذاهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} في الآخرة فارتد عن إيمانه. وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله. {وَلَئِنْ جَآءَ} المؤمنين {نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ} هؤلاء المرتدون {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} وهم كاذبون؛ فقال الله لهم {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} يعني الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر فقتل بعضهم، فأنزل الله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النساء: 97] فكتب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة؛ أسلم وهاجر، ثم أوذي وضرب فارتد. وإنما عذبه أبو جهل والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} قال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام، ولهذا قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِِ} قال ابن عباس: يعني: فتنته أن يرتد عن دينه، إذا أوذي في الله، وكذا قال غيره من علماء السلف، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} تفسير : إلى قوله {أية : ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} تفسير : [الحج: 11] ثم قال عز وجل: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد، وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي: إخوانكم في الدين؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النساء: 141]، وقال تعالى: {أية : فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ} تفسير : [المائدة: 52] وقال تعالى مخبراً عنهم ههنا: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} ثم قال الله تعالى: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة. وقوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء؛ ليتميز هؤلاء من هؤلاء، من يطيع الله في الضراء والسراء، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } تفسير : [محمد: 31]، وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} تفسير : [آل عمران: 179] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ } أي أذاهم له {كَعَذَابِ ٱللَّهِ } في الخوف منهم فيطيعهم فينافق {وَلَئِنِ } لام قسم {جَاءَ نَصْرٌ } للمؤمنين {مِن رَبّكَ } فغنموا {لَّيَقُولَنَّ } حذفت منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } في الإِيمان فأشرِكونا في الغنيمة قال تعالى: {أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ } أي بعالم {بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَٰلَمِينَ } قلوبهم من الإِيمان والنفاق؟ بلى.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاَ مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم أعوان الظلمة. الثاني: أنهم أصحاب البدع إذا أُتبِعوا عليها. الثالث: أنهم محدِثو السنن الجائرة إذا عمل بها من بعدهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} المكلفون ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره، وعناده، ومذبذب بينهما ويظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر، فالله تعالى لما بين القسمين الأولين بقوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بين القسم الثالث وهو المنافق فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ} أصابه بلاء من الناس افتتن، {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، قال السدي، ابن زيد هذا (في) المنافق إذا أوذي في الله رَجَعَ عن الدين وكفر. واعلم أنه قال: "فتنة الناس" ولم يقل: "عذاب الناس"؛ لأن فعل العبد ابتلاه من الله، والفتنة تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فبين منزلته، كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً، وهذا إشارة (إلى) أن الصبر على البلية الصادرة (من الإنسان) كالصبر (على العبادات) فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه - احْتِرازاً عن التعذيب العاجل - يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله. فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً بل في بطنه الإيمان. قوله: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} أي فتح ودولة للمؤمنين "ليقُولُّنَّ" يعني هؤلاء المنافقين للمؤمنين {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} على عدوكم، وقال: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} ولم يقل: "ولئن جَاءَكُمْ" "ولئن جاءك" والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون إنا معكم، وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: "إنّا معكم" إذا جاء النصر لا يجيء إلا للمؤمنين كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم: 47]، ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة، بدليل أن أحد الجيشين إذا انهزم في الحال ثم ذكر المهزوم كرة أخرى وهزموا الغالبين لا يطلق اسم النصر إلا على من كان له العاقبة فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، والنصر لهم في الحقيقة. فإن قيل: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} ولم يقل: "من الله" من أن ما تقدم كله يذكر الله كقوله: {أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ}، وقوله: "كعذاب الله" فما الحكمة في ذلك؟ فالجواب: لأن - "الرب" - اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، و "الله" اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر الاسم الدال على الرحمة والشفقة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة. قوله: "لَيَقُولُنَّ" العامة على ضم اللام، أسند الفعل لضمير جماعة، حملاً على معنى "مَنْ" بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرىء: ليقولّنَّ بالفتح، جرياً على مراعاة لفظها أيضاً، وقراءة العامة أحسن لقوله: "إنَّا كُنَّا". فصل المعنى: إن المنافقين لما قالوا إنا كنا معكم، أي على عدوكم وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكذبهم (الله) وقال: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} من الإيمان والنِّفاق ولما بين أنه علم بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن لم يتكلم فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، "وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ" بترك الإسلام عند البلاء، وتقدم الكلام على (نظر) ذلك. (قال عكرمة) عن ابن عباس إنها نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى "بدر"، وهم الذين نزلت فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ}، وقال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.

البقاعي

تفسير : ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح: فمن الناس - كما أشير إليه - من يؤمن بالله، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب انتظاراً للجزاء من العلي الأعلى، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر في الأخرى، عطف عليه: {ومن الناس} أي المذبذبين {من يقول} أي بلسانه دون طمأنينة من قلبه: {آمنا بالله} أي الذي اختص بصفات الكمال، وأشار بعد الإيماء إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع - إلى أن الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منه، بقوله بأداة التحقيق: {فإذا أوذي} أي فتنة له واختباراً من أيِّ مؤذ كان {في الله} أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء، ببلاء يسلط به عباده عليه {جعل} أي ذلك الذي ادعى الإيمان {فتنة الناس} أي له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه {كعذاب الله} أي المحيط بكل شيء، فلا يرجى الانفكاك منه، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه، فلا يطاق عذابه، لأنه على كل من الروح والجسد، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع ما يأمرون به ظاهراً وباطناً، فيتبين حينئذ أنه كان كاذباً في دعوى الإيمان، وقصر الرجاء على الملك الديان، وأشار إلى أن الفتنة ربما استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك، وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله: {ولئن جاء نصر} أي لحزب الله الثابتي الإيمان. ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان، فلا يجب عليه لأحد شيء، عبر بما يدل على ذلك مشيراً إلى أنه يفعله لأجله صلى الله عليه وسلم فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بنصر أهل دينك، تصديقاً لوعدك لهم، وإدخالاً للسرور عليك، ولما كانت هذه الحالة رخاء، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر: شعر : وما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل تفسير : فقال: {ليقولن} أي هؤلاء الذين لم يصبروا، خداعاً للمؤمنين خوفاً ورجاءً وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد، وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا: {إنا كنا معكم} أي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أولئك بآلسنتنا. ولما كان التقدير: أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين؟ عطف عليه منكراً قوله: {أو ليس الله} المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم الظاهر {بأعلم بما في صدور العالمين*} أي كلهم، منهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك إخلاصاً كان أو نفاقاً، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك. ولما أنكر عدم العلم، صرح بالعلم فقال واعداً متوعداً، عاطفاً على ما أفهمه السياق من نحو: فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا: {وليعلمن الله} أي المحيط علماً وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما هو عالم به في عالم الغيب {الذين آمنوا} أي وقع منهم إيمان، وليعلمن المؤمنين إيماناً صادقاً بما يواليه عليهم من المحن، وهم لا يزدادون إلا تسليماً ورضى، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون {وليعلمن} الذي نافقوا وليعلمن {المنافقين*} بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون معها كيفما ميّلتهم، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا أيمان لهم، ولا شك أنه يعامل كلاًّ من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من قلبه، والآية من الاحتباك كما مضى عند {وليعلمن الله الذين صدقوا}. ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون "إن" وكان الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر، ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم عند الفتنة جهلاً بالله وغروراً، فقال معجباً منهم، عاطفاً على {ومن الناس من يقول}: {وقال الذين كفروا} اغتراراً منهم بالله، وجرأة على حماه المنيع {للذين} أي لطائفة من يقول بلسانه: آمنا بالله، وهم الذين {آمنوا} أي حقيقة، جهلاً منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان، وأنوار العرفان: {اتبعوا} أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا {سبيلنا} أي طريق ديننا، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا: {ولنحمل خطاياهم} بوعد صادق وأمر محتوم جازم، إن كان ما تقولون حقاً إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا، ولو دروا لعمري ما الخبر، يوم يقولون: لا مفر، ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله وبنيه، وعرسه وأخيه، وصديقه وأبيه، ويكون كلامهم - وإن كان أمراً - بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن معناه: إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه {وما هم} أي الكفار {بحاملين} ظاهراً ولا باطناً {من خطاياهم} أي المؤمنين {من شيء} وهم يقدرون أن لا يحملوا، أو حملاً يخفف عنهم العذاب، أي إنهم إذا عاينوا تلك الأحوال، وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال، التي لا يقوم لها الجبال، تبرؤوا ممن قالوا له هذا المقال، فقد أخبروا بما لا يطابق الواقع، ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير تحقق الجزاء. ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا، صرح به تأكيداً لمضمون ما قبله، مؤكداً لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله: مستأنفاً: {إنهم لكاذبون*}. ولما كان كل من أسلك أحداً طريقاً كان شريكه في عمله فيها، فكان عليه مثل وزره إن كانت طريق ردى، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى، قال تعالى مؤكداً لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها: {وليحملن} أي الكفرة {أثقالهم} التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا {وأثقالاً} أخرى لغيرهم {مع أثقالهم} بما تسببوا به من إضلال غيرهم، ومن تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخرة شيئاً. ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال، من الرعب في القلب ما ليس للأفعال قال: {وليسألن} أي من كل من أمره المولى بسؤالهم {يوم القيامة} أي الذي هم به مكذبون، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم، أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه، {عما كانوا} أي بغاية الرغبة {يفترون*} أي يتعمدون كذبه، ويُعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه، والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله‏}‏ إلى قوله ‏{‏وليعلمن المنافقين‏}‏ قال‏:‏ أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم، أو أموالهم، فتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏ومن الناس من يقول آمنا بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ كان أناس من المؤمنين آمنوا وهاجروا، فلحقهم أبو سفيان فرد بعضهم إلى مكة فعذبهم، فافتتنوا، فأنزل الله فيهم هذا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فإذا أوذي في الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ إذا أصابه بلاء في الله عدل بعذاب الله عذاب الناس يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فتنة الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله‏.‏ وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {‏ومن الناس من يقول آمنا بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين، رجعوا إلى الكفر والشرك مخافة من يؤذيهم، وجعلوا اذى الناس في الدنيا كعذاب الله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ومن الناس من يقول آمنا بالله‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وليعلمن المنافقين‏}‏ قال‏:‏ هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ} أي في شأنِه تعالى بأنْ عذَّبهم الكفرةُ على الإيمان {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} أي ما يصيبُه من أذيتَّهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} في الشدَّة والهولِ فيرتدَّ عن الدِّين مع أنَّه لا قدرَ لها عند نفحةٍ من عذابِ تعالى أصلاً. {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ} أي فتحٌ وغنيمةٌ {لَّيَقُولَنَّ} بضمِّ اللامِ نظراً إلى معنى مَن كما أنَّ الإفراد فيما سبق بالنَّظرِ إلى لفظها. وقُرىء بالفتحِ {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} أي مشايعينَ لكم في الدِّينِ فاشركونا في المغنمِ وهم ناسٌ من ضَعَفةِ المُسلمين كانُوا إذا مسَّهم أذى من الكفَّارِ وافقُوهم وكانُوا يكتمونَهُ من المسلمينَ فردَّ عليهم ذلك بقولِه تعالى: {أَوَلَـيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي بأعلم منهم بما في صدورهم من الإخلاصِ والنِّفاقِ حتَّى يفعلون من الارتدادِ والاخفاءِ عن المسلمين وإدِّعاءِ كونِهم منهم لنيلِ الغنيمةِ. وهذا هو الأوفقُ لما سبقَ ولما لحقَ من قوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بالإخلاصِ {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} سواء كان كفرُهم بأذية الكفرة أوْ لاَ أي ليجزينَّهم بما لهم من الإيمان والنِّفاقِ {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} بـيانٌ لحملهم للمؤمنين على الكفرِ بالاستمالةِ بعد حملِهم لهم عليه بالأذيَّةِ والوعيدِ. ووصفُهم بالكفرِ هَهُنا دونَ ما سبق لما أنَّ مساقَ الكلامِ لبـيان جنايتِهم وفيما سبق لبـيانِ جنايةِ من أضلُّوه. واللامُ للتَّبليغِ أي قالُوا مخاطبـينَ لهم {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} أي اسلكُوا طريقنَا التي نسلكُها في الدِّينِ، عبَّر عن ذلكَ بالاتباعِ الذي هو المشيُ خلفَ ماشٍ آخرَ تنزيلاً للمسلك منزلةَ السَّالكِ فيه أو اتبعونا في طريقتنا في {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} أي إنْ ذلك خطيئةً يُؤاخذ عليها بالبعثِ كما تقُولونَ وإنَّما أَمروا أنفسَهم بالحمل عاطفين له على أمرِهم بالأتَّباعِ للمبالغة في تعليق الحملِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيفِ الأوزار عنهم إن كان ثمَةَ وزرٌ فردَّ عليهم بقولِه تعالى {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء} وقُرىء من خطيآتِهم أي وما هم بحاملين شيئاً مِن خطاياهم التي التزمُوا أنْ يحملُوا كلَّها على أن مِن الأُولي للتبـيـين والثانية مزيدةٌ للاستغراق. والجملةُ اعتراضٌ أو حالٌ. {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} حيث أخبروا في ضمنِ وعدِهم بالحمل بأنَّهم قادرون على إنحازِ ما وعدوا فإنَّ الكذبَ كما يتطَّرقُ إلى الكلامِ باعتبار منطوقِه يتطرَّقُ إليه باعتبارِ ما يلزمُ مدلوله كما مرَّ في قوله تعالى: {أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 31].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} [الآية: 10]. قال الواسطى رحمة الله عليه: لا يؤذى فى الله إلا الأنبياء وخواص الأولياء والأكابر من العباد ومن تعززت نفسه نازع الله فى ربوبيته. قال بعضهم: المؤمن كالذى يحمل الأذى وينبت المرعى لا تجد راحلة فى الألف - والراحلة ما تحملك من غير مؤنة - ولا أذى يبلغك شهوتك ولا تحملك مؤنة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ}. المحنُ تُظْهِرُ جواهرَ الرجال، وهي تَدُلُّ على قِيمَهِم وأقدارهم؛ فَقَدْرُ كلِّ أحد وقيمته يَظْهَرُ عند محنته؛ فَمَنْ كانت محنتُه من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها؛ أو كانت محنته بموت قريبٍ من الناس، أو فَقْد حبيبٍ من الخلْقِ فحقيرٌ قَدْرُه، وكثيرٌ في الناس مثْلُه. ومَنْ كانت محنته في الله ولله فعزيزٌ قَدْرُه، وقليلٌ مَنْ كان مثله، فهم في العدد قليلٌ ولكن في القَدْرِ والخَطَرِ جليلٌ: وبقدر الوقوف في البلاءِ تظهر جواهرُ الرجال، وتصفو عن الخَبَثِ نفوسُهم. والمؤمن مَنْ يَكفُّ الأذى، ويتحمل من الخَلْقِ الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير شكوى ولا إظهار؛ كالأرض يُلْقَى عليها كلٌّ خبيث فتُنْبِتُ كلَّ خضرة وكل نزهة. شعر : إذا اشتبكت دموعٌ في خدود تَبَيَّنَ مَنْ بكى ممن تباكى

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ} وصف المتكلفين بدعاوى المعرفة والمحبة فاذا الحق بهم ملامة الخلق تركوا الطريق والعارف الصادق المحب المشاهد لا يبالى باقوال الخلق وافعالهم فى حقه فان الاكوان والحدثان ومن فيها من الخلق اقل من خردلة فى عين العاشقين لانهم يعرفون غباوة الخلق وجهلهم بحالهم وبلاؤهم لا وزن له كما لا وزن لهم عندهم قال الواسطى لا يوذى فى الله الا الانبياء وخواص الاولياء والاكابر من العباد ومن تعززت نفسه نازع الله فى ربوبيته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الناس} مبتدأ باعتبار مضمونه اى وبعض الناس والخبر قوله {من يقول آمنا بالله فاذا اوذى فى الله} اى فى شأنه تعالى بان عذبهم الكفرة على الايمان وهو مجهول آذى يؤذى اذى واذية ولا تقل ايذاء كما فى القاموس والاذى مايصل الى الانسان من ضرر اما فى نفسه اوفى جسمه او فى قنياته دنيويا كان او اخرويا {جعل فتنة الناس} اى مايصيبه من اذيتهم والفتنة الامتحان والاختبار تقول فتنت الذهب اذا ادخلته النار لتظهر جودته من رداءته واطلقت على المحنة لانها سبب نقادة القلب {كعذاب الله } فى الآخرة فى الشدة والهول ويستولى عليه خوف البشرية اذ من لم يكن فى حماية خوف الله وخشيته يفترسه خوف الحق فيساوى بين العذابين فيخاف العاجل الذى هو ساعة ويهمل الآجل الذى هو باق لاينقطع فيرتد عن الدين ولو علم شدة عذاب الله وان لاقدر لعذاب الناس عند عذابه تعالى لما ارتد لو قطع اربا اربا ولماخاف من الناس ومن عذابهم وفى الحديث "حديث : من خاف الله خوّف الله منه كل شىء ومن لم يخف الله يخوفه من كل شىء"تفسير : وقال بعضهم جعل فتنة الناس فى الصرف عن الايمان كعذاب الله فى الصرف عن الكفر: يعنى [ترك ايمان كند ازخوف عذاب خلق جنانكه ترك كفرى بايدكرد ازخوف خداى تعالى] {ولئن جاء نصر من ربك} اى فتح وغنيمة للمؤمنين فالآية مدنية {ليقولن} بضم اللام نظرا الى معنى من كما ان الافراد فيما سبق بالنظر الى لفظهما {انا كنا معكم} اى متابعين لكم فى الدين فاشركونا فى المغنم وهم ناس من ضعفة المسلمين كانوا اذا مسهم اذى من الكفار وافقوهم وكانوا يكتمونه من المسلمين فرد عليهم ذلك بقوله {أوليس الله باعلم بما فى صدور العالمين} اى باعلم منهم بما فى صدورهم من الاخلاص والنفاق حتى يفعلوا مايفعلون من الارتداد والاخفاء وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة: وبالفارسية [آيانيست خداى تعالى داناتر ازهمه دانايان بآنجه درسينه عالميانست از صفاى اخلاص وكدورت نفاق]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله}، فيدخل في جملة المسلمين، {فإِذا أُوذي في الله} أي: مسّه أذىً من الكفرة؛ بأن عذبوه على الإيمان، {جعل فتنةَ الناسِ كعذابِ الله} أي: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، فَيُصْرَفْ عن الإيمان، {ولئن جاء نصرٌ من ربك}؛ فتح أو غنيمة، {ليقولن إنا كنا معكم} أي: متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، فأعطونا نصيباً من المغنم. والمراد بهم: المنافقون، أو: قوم ضعف إيمانهم فارتدوا. قال تعالى: {أَوَلَيس الله بأعلمَ بما في صدور العالمين} أي: هو أعلم بما في صدور العالمين. ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين. من الإخلاص. الإشارة: منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه في الشدة، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال، فإذا وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم، فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله بالقطيعة والحجاب، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز، ليقولن: إنا كنا معكم. وقد رأينا كثيراً من هذا النوع، دخلوا في طريق القوم، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان؛ رجعوا القهقرى، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، وعند الحَمْلَةِ يتميز الجبان من الشجاع. قال القشيري: المحن تُظْهِرُ جواهرَ الرجال، وتَدُلُّ على قيمتهم وأقدارهم. ثم من كانت محنته من فوات الدنيا، أو نقص نصيبه فيها، أو بموت قريب أو فَقْد حبيب، فحقيرٌ قدره، وكثيرٌ في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله، فعظيم قدره، وقليل مثله، في العدد قليل، ولكن في القدر والخطر جليل. هـ. قلت: معنى كلامه: أن العامة يمتحنهم الله ويختبرهم بذهاب حظوظهم وأحبابهم، فإن جزعوا فقدرهم حقير، وإن صبروا فأجرهم كبير، وأما الخاصة فيمتحنهم الله بسبب نسبتهم إلى الله، وإقبالهم عليه، أو الأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فَيُؤْذَوْنَ في جانب الله، فمنهم من يُسجن، ومنهم من يُضرب، ومنهم من يُجلى من بلده، فهؤلاء قدرهم عند الله كبير. ثم قال: والمؤمن مَنْ يكفُّ الأذى، والولي من يتحمل من الناس الأذى، من غير شكوى، ولا إظهار دعوى. هـ. ولما وقعت الإذابة من الكفار للمسلمين طمعوا فيهم كما قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ...}

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} فى موضع والّذين قالوا آمنّا ولم تؤمن قلوبهم {مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} يعنى اذا اوذى حالكونه فى طاعة الله، او اذا اوذى فى حقّ الله وفى الايمان به بان آذاه انسان او اصابة ضرّ فى بدنه وماله جعل فتنة النّاس مثل عذاب الله وانصرف عن طاعة الله والايمان به وهذا هو عين النّفاق {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} بالفتح والغنيمة {لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} كما هو ديدن طالبى الدّنيا كلّما وجدوا اضراراً بدنياهم انصرفوا واذا ظنّوا انتفاعاً فى دنياهم اقبلوا {أََ} ليس الله يعلم نيّاتهم ولا يعذّبهم عليها {وَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} ليظهر علمه بهم او ليميّزهم، كرّر هذا ايضاً اهتماماً بالتّرغيب والتّرهيب.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا باللهِ} وهو في قلبه مشرك او ضعيف الايمان وقيل نزلت الى قوله {أية : المنافقين }تفسير : في المتخلفين عن الهجرة المذكورين اول السورة وهو قول عن ابن عباس. {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ} اصابه بلاء من الناس لاجل دين الله بأن عذبتهم الكفرة عليه. {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ} أي ما يصيبهم من أذاهم في الصرف عن دين الله. {كَعَذَابِ اللهِ} في الصرف عن الكفر أي صرفهم أذى الناس عن الايمان كما صرف المؤمنين عذاب الله عن الكفر او كما يجب ان يكون عذاب الله صارفا اي كان الواجب ان يصرفهم عذاب الله عن الكفر فجعلوا بدلا من ذلك ان صرفهم اذى الناس الى الكفر عن الايمان ولو كان اسلامهم على خلوص لركبوا كل هول في الثبوت عليه ولهاجروا الى دار نبيهم صلى الله عليه وسلم. {وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} لكم على المشركين. {لَيَقُولُنَّ} بضم اللام نظرا للمعنى وهو الجماعة وقرىء بفتحها نظرا للفظ ولو نظر الى المعنى في المقول. {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} في الايمان فأشركونا في الغنيمة وقيل المراد اذا امر بالجهاد في سبيل الله ودخل عليه ذي الجهاد صرفه ذلك عن الايمان كما يصرفه عذاب الله عن الكفر واجترأ على عذاب الله وتختلف عن الجهاد. {أَوَ لَيْسَ اللهُ بِإَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ} اي هو اعلم بما في قلوب الناس وغيرهم من الناس ومن غيرهم فهو اعلم باخلاصهم ونفاقهم او اعلم بمعنى عالم وقيل يقولون الكفر والطعن واذا جاءت دولة المؤمنين قالوا انا كنا معكم على عدوكم وكنا مسلمين وانما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكذبهم الله سبحانه وتعالى انه اعلم منهم بما في قلوبهم.

اطفيش

تفسير : {ومن النَّاس من يقُول آمنَّا بالله} وحده اتباعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وتصديقاً وهم المنافقون باضمار الشرك كما يدل له قوله {أو ليس الله بأعْلم بما في صدور العالمين} وقوله تعالى: {أية : وليعلمنَّ المنافقين } تفسير : [العنكبوت: 11] وقيل: قوم ضعف ايمانهم يزلون خفية احياناً خوفاً من المشركين، وطمعاً في نفعهم، واذا اصابهم اذى منهم {فإذا أوذي} ضرهم الكفرة {في الله} في دين الله، بان عذبوهم على الايمان او لاجل الله {جَعَل فتْنَة النَّاس} ايذاء المشركين {كَعَذاب الله} فى الشدة، حتى كانه جهنم لا يقدرون عليها، فكفروا لينجوا منه، او كتعذيب الله من كفر بالنار فأطاعوهم كما يطيع الله من يخاف عذابه {ولئن جاء نصرٌ من ربِّكَ} غلبة وغنيمة {ليقولن إنا كنا معكم} في الدين، او في القتال، فاعطونا للدين او للقتال {أو ليس} ايخفى حالهم، وليس او أَليس من نور قلبه عالماً، وليس {الله بأعلم} باق على التفضيل، اى بأعلم من كان علم من العالمين او خارج عن التفضيل، اى عالماً {بما في صدور العالمين} من النفاق، وقيل: الآية فيمن هاجر، فردهم المشركون الى مكة وارتدوا، وقيل: فيمن آمن، وجاء مع المشركين الى بدر، وارتدوا وهم المراد في "أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" تفسير : [النساء: 97].

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } أي بعضهم {مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } أي لأجله عز وجل على أن {في} للسببية، أو المراد في سبيل الله تعالى بأن عذبهم المشركون على الإيمان به تعالى: {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ } أي / نزلوا ما يصيبهم من أذيتهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ } أي منزلة عذابه تعالى في الآخرة فجزعوا من ذلك ولم يصبروا عليه وأطاعوا الناس وكفروا بالله تعالى كما يطيع الله تعالى من يخاف عذابه سبحانه فيؤمن به عز وجل. {وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ } بأن حصل للمؤمنين فتح وغنيمة {لَّيَقُولَنَّ } بضم اللام الثانية وحذف ضمير الجمع لإلتقاء الساكنين، وهذا الضمير عائد إلى (من) والجمع بالنظر إلى معناها، كما أن إفراد الضمائر العائدة إليها فيما سبق بالنظر إلى لفظها، وحكى أبو معاذ النحوي أنه قرىء {لَّيَقُولَنَّ } بفتح اللام على إفراد الضمير كما فيما سبق {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي مشايعين لكم في الدين فأشركونا فيما حصل من الغنيمة، وقيل: أي مقاتلين معكم ناصرين لكم فالمراد الصحبة في القتال. ورد بأنها غير واقعة، والآية نزلت في ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم وكانوا يكتمونه من المسلمين وبذلك يكونون منافقين، ولذا قال ابن زيد والسدي: إن الآية في المنافقين فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله سبحانه: {أَوَلَـيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهو في الظاهر عطف على مقدر أي أيخفى حالهم وليس الخ أو أليس المتفرسون الذين ينظرون بنور الله تعالى بأحوالهم عالمين وليس الخ، و {أَعْلَمُ } إما على أصله أي أليس هو عز وجل أعلم من العالمين بما في صدور العالمين من الأخلاق والنفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاء عن المسلمين وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة أو هو بمعنى عالم. وقال قتادة: نزلت فيمن هاجر فردهم المشركون إلى مكة، وقيل: نزلت في ناس مؤمنين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا وهم الذين قال الله تعالى فيهم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النساء: 97] الآية، وما تقدم هو الأوفق لما سبق من الآية وما لحق من قوله سبحانه: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ...}.

ابن عاشور

تفسير : هذا فريق من الذين أسلموا بمكة كان حالهم في علاقاتهم مع المشركين حال من لا يصبر على الأذى فإذا لحقهم أذى رجعوا إلى الشرك بقلوبهم وكتموا ذلك عن المسلمين فكانوا منافقين فأنزل الله فيهم هذه الآية قبل الهجرة، قاله الضحاك وجابر بن زيد. وقد تقدم في آخر سورة النحل أن من هؤلاء الحارث بن ربيعة ابن الأسود، وأبا قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه بن الحجاج. فهؤلاء استنزلهم الشيطان فعادوا إلى الكفر بقلوبهم لضعف إيمانهم وكان ما لحقهم من الأذى سبباً لارتدادهم ولكنهم جعلوا يُظهرون للمسلمين أنهم معهم. ولعل هذا التظاهر كان بتمالؤ بينهم وبين المشركين فرضوا منهم بأن يختلطوا بالمسلمين ليأتوا المشركين بأخبار المسلمين: فعدهم الله منافقين وتوعدهم بهذه الآية. وقد أومأ قوله تعالى {من يقول ءامنا بالله} إلى أن إيمان هؤلاء لم يرسخ في قلوبهم وأومأ قوله {جعل فتنة الناس كعذاب الله} إلى أن هذا الفريق معذبون بعذاب الله، وأومأ قوله: {أية : وليَعْلَمَنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين}تفسير : [ العنكبوت: 11] إلى أنهم منافقون يبطنون الكفر، فلا جرم أنهم من الفريق الذين قال الله تعالى فيهم {أية : ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله}تفسير : [ النحل: 106]، وأنهم غير الفريق الذين استثنى الله تعالى بقوله {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}تفسير : [ النحل: 106]. فليس بين هذه الآية وآيات أواخر سورة النحل اختلاف كما قد يتوهم من سكوت المفسرين عن بيان الأحكام المستنبطة من هذه الآية مع ذكرهم الأحكام المستنبطة من آيات سورة النحل. وحرف الظرفية من قوله {أوذي في الله} مستعمل في معنى التعليل كاللام، أي أوذي لأجل الله، أي لأجل اتباع ما دعاه الله إليه. وقوله {جعل فتنة الناس كعذاب الله} يريد جعلها مساوية لعذاب الله كما هو مقتضى أصل التشبيه، فهؤلاء إن كانوا قد اعتقدوا البعث والجزاء فمعنى هذا الجعل: أنهم سووا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما هو ظاهر التشبيه فتوقوا فتنة الناس وأهملوا جانب عذاب الله فلم يكترثوا به إعمالاً لما هو عاجل ونبذاً للآجل وكان الأحق بهم أن يجعلوا عذاب الله أعظم من أذى الناس، وإن كانوا نبذوا اعتقاد البعث تبعاً لنبذهم الإيمان، فمعنى الجعل: أنهم جعلوه كعذاب الله عند المؤمنين الذين يؤمنون بالجزاء. فالخبر من قوله {ومن الناس} إلى قوله {كعذاب الله} مكنى به عن الذم والاستحماق على كلا الاحتمالين وإن كان الذم متفاوتاً. وبيّن الله تعالى نيتهم في إظهارهم الإسلام بأنهم جعلوا إظهار الإسلام عُدَّة لما يتوقع من نصر المسلمين بأخارة فيجدون أنفسهم متعرضين لفوائد ذلك النصر. وهذا يدل على أن هذه الآية نزلت بقرب الهجرة من مكة حين دخل الناس في الإسلام وكان أمره في ازدياد. وتأكيد جملة الشرط في قوله {ولئن جاء نصر من ربك ليقولنّ} باللام الموطئة للقسم لتحقيق حصول الجواب عند حصول الشرط، وهو يقتضي تحقيق وقوع الأمرين. ففيه وعد بأن الله تعالى ناصر المسلمين وأن المنافقين قائلون ذلك حينئذ، ولعل ذلك حصل يوم فتح مكة فقال ذلك من كان حياً من هذا الفريق، وهو قول يريدون به نيل رتبة السابقية في الإسلام. وذكر أهل التاريخ أن الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وسهيل بن عمرو، وجماعة من وجوه العرب كانوا على باب عمر ينتظرون الإذن لهم، وكان على الباب بلال وسلمان وعمار بن ياسر، فخرج إذن عمر أن يدخل سلمان وبلال وعمار فتمعرت وجوه البقية فقال لهم سُهيل بن عمرو: «لِمَ تتمعر وجوهكم، دعوا ودُعينا فأسرعوا وأبطأنا ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر». وقوله {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} تذييل، والواو اعتراضية، والاستفهام إنكاري إنكاراً عليهم قولهم {ءامنا بالله} وقولهم {إنا كنا معكم}، لأنهم قالوا قولهم ذلك ظناً منهم أن يروج كذبهم ونفاقهم على رسول الله، فكان الإنكار عليهم متضمناً أنهم كاذبون في قوليهم المذكورين. والخطاب موجه للنبيء صلى الله عليه وسلم لقصد إسماعهم هذا الخطاب فإنهم يحضرون مجالس النبي والمؤمنين ويستمعون ما ينزل من القرآن وما يتلى منه بعد نزوله، فيشعرون أن الله مطلع على ضمائرهم. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً وجه الله به الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم في صورة التقرير بما أنعم الله به عليه من إنبائه بأحوال الملتبسين بالنفاق. وهذا الأسلوب شائع في الاستفهام التقريري وكثيراً ما يلتبس بالإنكاري ولا يُفرق بينهما إلا المقام، أي فلا تصدق مقالهم. والتفضيل في قوله {بأعلم} مراعى فيه علم بعض المسلمين ببعض ما في صدور هؤلاء المنافقين ممن أوتوا فراسة وصدق نظر. ولك أن تجعل اسم التفضيل مسلوب المفاضلة، أي أليس الله عالماً علماً تفصيلياً لا تخفى عليه خافية.

الشنقيطي

تفسير : يعني أن من الناس من يقول: آمنّا بالله بلسانه، فإذا أوذي في الله: أي آذاه الكفار إيذاءهم للمسلمين جعل فتنة الناس، صارفة له عن الدين إلى الردة، والعياذ بالله، كعذاب الله فإنه صارف رادع عن الكفر والمعاصي. ومعنى فتنة الناس: الأذى الذي يصيبه من الكفار؟ وإيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة، وهذا قال به غير واحد. وعليه فمعنى الآية الكريمة كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11] قوله تعالى: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين الذين يقولون: آمنّا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، إذا حصل للمسلمين من الكفار أذى، وهم معهم جعلوا فتنة الناس: أي أذاهم، كعذاب الله وأنه إن جاء نصر من الله لعباده المؤمنين، فنصرهم على الكفار، وهزموهم وغنموا منهم الغنائم. قال: أولئك المنافقون. ألم نكن معكم يعنون: أنهم مع المؤمنين ومن جملتهم، يريدون أخذ نصيبهم من الغنائم. وهذا المعنى جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النساء: 141] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 72ـ73] وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة النساء. وقد بين تعالى أنهم كاذبون في قولهم: إنا كنا معكم، وبين أنه عالم بما تخفي صدورهم من الكفر والنفاق بقوله: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 10- ومن الناس من يقول بلسانه: آمنا، فإذا أصابه أذى فى سبيل الله جزع وفُتن عن دينه، ولم يفكر فى عذاب الله يوم القيامة، فكأنه جعل إيذاء الناس كعذاب الله فى الآخرة. إذا نصر الله المؤمنين على عدوهم فغنموا منهم جاء هؤلاء المتظاهرون بالإيمان، وقالوا للمسلمين: إنا كنا معكم فى الإيمان، فأعطونا نصيباً من الغنيمة. لا ينبغى أن يظن هؤلاء أن أمرهم خافٍ على الله، فالله أعلم بما فى صدور الناس من نفاق وإيمان. 11- وليظهرنَّ الله للناس سابق علمه، فيُمَيِّزُ بين المؤمنين والمنافقين، ويجازى كلا بما عمل. 12- وكان زعماء الشرك يقولون للذين دخلوا فى الإسلام مخلصين: كونوا كما كنتم على ديننا، واتبعوا ما نحن عليه، وإذا كان هناك بعث وحساب تخشونه فنحن نحمل عنكم آثامكم. لن تحمل نفس وزر نفس أخرى، إن الكافرين لكاذبون فى وعدهم. 13- وسوف يحمل الكفار أوزار أنفسهم الثقيلة، ويحملون معها مثل أوزار من أضلوهم وصرفوهم عن الحق، وسيحاسبون حتماً يوم القيامة على ما كانوا يختلقون فى الدنيا من الأكاذيب، ويعذبون بها. 14- ولقد بعث الله نوحاً إلى قومه يدعوهم إلى التوحيد، فمكث يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة وهم لا يستجيبون له، فأغرقهم الله بالطوفان وهم ظالمون لأنفسهم بالكفر. 15- وحقق الله وعده لنوح، فأنجاه والمؤمنين الذين ركبوا معه السفينة، وجعل قصتهم عبرة لمن بعدهم.

القطان

تفسير : فتنة الناس: أذاهم. ولنحمل خطاياكم: لتكون ذنوبكم علينا. الأثقال: واحدها ثقل بكسر الثاء وسكون القاف: الحمل الثقيل، والمراد هنا الذنب والاثم. الناي في الدين ثلاثة اقسام: مؤمن حسن الاعتقاد والعمل، وكافر مجاهر بالكفر والعناد، ومذبذب بينهما، يُظهر الايمانَ بلسانه، ويبطن الكفر في قلبه، وقد بيّن الله تعالى القسمين الاولين بقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} وهنا يبين القسم الثالث بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ}. ومن الناس من يقول بلسانه آمنتُ بالله ويدعي الإيمانَ ظاهرا، فإذا أُصيب بأذىً بسبب ايمانه جزعَ وسوّى بين الناس وعذابِ الله في الآخرة، واعتقدَ ان هذا من نقمةِ الله تعالى، فيرتدّ عن الاسلام. وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}تفسير : [الحج:11]. {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} لئن فتحَ الله على المؤمنين وجاءهم بعضُ الخيرات يقول المنافقون إنا كنّا معكم فأشركونا فيها معكم. وقد توعّدهم الله وذكر انه عليمٌ بما في صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمرِهم فقال: {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ}. ثم بين ان هذه الفتنة إنما هي اختبارٌ من الله ليظهر المؤمنَ الصادقَ من المنافق: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} فيجازي الفريقين كلا بما يستحقه. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. كان زعماء قريش من المشركين يقولون للذين دخلوا في الاسلام: ارجِعوا إلى ديننا واتّبعوا ما نحن عليه، واذا كان هناك بعثٌ وحساب تخشونه فنحن نحمل عنكم ذنوبكم. فردّ الله عليهم قولهم بأنهم لا يحملون ذنوبهم يوم القيامة، ولن تحمل نفسٌ وِزرَ نفسٍ أخرى، وان الكافرين لكاذبون في وعدهم. وبعد ان بين عدم منفعة كلامهم لمخاطِبيهم، بيّن ما يستتبعه ذلك القول من المضرة لأنفسِهم فقال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. سوف يحمل أَولئك الكفار أوزارَ أنفسِهم الثقيلة، ويحملون معها مثل اوزارِ من أضلّوهم وصرفوهم عن الحق، وسيحاسَبون يوم القيامة على ما كانوا يختلقون في الدنيا من الأكاذيب. وفي الصحيح: ما دعا الى هدىً كان له من الأجرِ مثلُ أجور من اتبعه الى يوم القيامة، من غير ان ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا الى ضلالٍ كان عليه من الإثمِ مثلُ آثام من اتبعه الى يوم القيامة من غيرِ ان ينقص من آثامهم شيئا. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} لا يحزنك أيها الرسول ما تلقى من أذى المشركين أنت واصحابُك، فإن مصيرهم الى البوار، ومصيرك وأصحابك الى العلوّ والنصر. ان نوحاً مكث في قومه تسعمائةٍ وخمسين سنة يدعوهم وهم لا يستجيبون له، فأغرقهم الله بالطوفان وهم ظالمون لأنفسِهم، وأنجاه ومن معه من المؤمنين في السفينة، وجعل قضيّتهم عبرةً للعالمين. وقد تقدّم ذكر نوح في آل عمران والنساء والأنعام والأعراف والتوبة ويونس وهود وابراهيم والإسراء ومريم والانبياء والحج والمؤمنون والفرقان والشعراء والعنكبوت. هذا وسيأتي في عدد من السور. وقوله تعالى: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} لم يقل الف سنة الا خمسين سنة، حتى لا يكرر كلمة سنة فلا يكون الكلام بليغا، والعرب تعبر عن الخِصب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة، ونوح لما استراح بقي في زمن حسن.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {لَئِنْ} {ٱلْعَالَمِينَ} (10) - وَهُنَاكَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ بأَلسِنَتِهِمْ، فَإِذا آذاهُ المُشْرِكُونَ لإِيِمَانِهِ بِاللهِ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ في الدُّنيا كَعَذَابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، وَرَجَعَ عَن إيمَانِهِ إلى الكُفْرِ، مَعَ أَنَّهُ لو صَبَرَ لَكَانَ خَيراً لهُ، لأنَّ عَذَابَ النَّاسِ لهُ دافعٌ يدفَعُه عنهُ، ولهُ نِهايةٌ، ويُثَابُ المُؤِمنُ، عَليهِ. وعَذَابُ اللهِ ليسَ لهُ مَنْ يَدْفَعُهُ عنْهُ، ولا نِهَايةَ لَهُ، وَيَترتَّبُ عليهِ العِقَابُ الأَليمُ. أَمَّا إِذا جَاءَ نَصْرٌ مِنَ اللهِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ، وَفَتْحٌ وَمَغَانِمُ فَيَقُولُ هؤلاءِ المُتَظَاهِرُونَ بالإِيمان: إِنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ والمؤمنينَ يَنْصُرونَهُم، وإِنَّهُمْ إِخْوانُهُم في الدِّينِ، وطَالبُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ المَغْنَمِ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُمْ لا يُمْكِنُ أَن يَخدَعُوا اللهَ بِهذَهِ الدَّعوَى فَهُوَ عَالمٌ بما في قُلُوبِهِمْ مِنْ نِفاقٍ، وَبما تُكِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ، وإِن أَظْهَرُوا الإِيمَانَ لِلمُؤْمِنينَ، فَهُوَ تَعالى لا تَخْفَى عَليهِ خَافِيَةٌ. فِتنَةَ النَّاسِ - مَا يِصِيبهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَعَذَابِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 10] دليل على القول باللسان، وعدم الصبر على الابتلاء، فالقول هنا لا يؤيده العمل، ولمثل هؤلاء يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]. ويقول تعالى في صفات المنافقين: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] فالله تعالى لا يُكذِّبهم في أن محمداً رسول الله، إنما في شهادتهم أنه رسول الله؛ لأن الشهادة لا بُدَّ لها أنْ يواطئ القلب اللسان، وهذه لا تتوفر لهم. ومعنى: {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 10] أي: بسبب الإيمان بالله، فلم يفعل شيئاً يؤذى من أجله، إلا أنه آمن {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 10] فتنة الناس أي: تعذيبهم له على إيمانه كعذاب الله. إذن: خاف عذاب الناس وسوَّاه بعذاب الله الذي يحيق به إنْ كفر، وهذا غباء في المساواة بين العذابين؛ لأن عذابَ الناس سينتهي ولو بموت المؤذي المعذِّب، أما عذاب الله في الآخرة فباقٍ لا ينتهي، والناس تُعذَّب بمقدار طاقتها، والله سبحانه يُعذب بمقدار طاقته تعالى وقدرته، إذن: فالقياس هنا قياس خاطئ. وإنْ كانت هذه الآية قد نزلت في عياش بن أبي ربيعة، فالقاعدة الأصولية تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكان عياش بن أبي ربيعة أخا عمرو بن هشام (أبو جهل) والحارث بن هشام من الأم التي هي أسماء. فلما أنْ أسلم عياش ثم هاجر إلى المدينة فحزنت أمه أسماء، وقالت: لا يظلني سقف، ولا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، ولا أغتسل حتى يعود عياش إلى دين آبائه، وظلت على هذه الحال التي وصفتْ ثلاثة أيام حتى عضَّها الجوع، فرجعت. وكان ولداها الحارث وأبو جهل قد انطلقا إلى المدينة ليُقنِعا عياشاً بالعودة لاسترضاء أمه، وظلا يُغريانه ويُرقّقان قلبه عليها، فوافق عياش على الذهاب إلى أمه، لكنه رفض الردة عن الإسلام، فلما خرج الثلاثة من المدينة قاصدين مكة أوثقوه في الطريق، وضربه أبو جهل مائة جلدة، والحارث مائة جلدة. لكن كان أبو جهل أرأف به من الحارث؛ لذلك أقسم عياش بالله لئن أدركه يوماً ليقتلنه حتى إنْ كان خارجاً من الحرم، وبعد أن استرضى عياش أمه عاد إلى المدينة، فقابل أخاه الحارث عند قباء، ولم يكن يعلم أنه قد أسلم فعاجله، ونفّذ ما توعده به فقتله، ووصل خبره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ..} تفسير : [النساء: 92]. ونزلت: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 10] أي: أراد أنْ يفرّ من عذاب الناس فكفر، ولم يُرد أن يفرّ من عذاب الله ويؤمن. وقوله تعالى: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ..} [العنكبوت: 10] أي: اجعلوا لنا سهماً في المغنم {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] فالله سبحانه يعلم ما يدور في صدورهم وما يتمنونه لنا؛ ولذلك يقول سبحانه عنهم: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} [الآية: 10]، إِلى قوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} [الآية: 11]. قال: هم أُناس آمنوا بأَلسنتهم، فاذا أَصابهم بلاءُ من الناس، أَو مصيبة في أَنفسهم أَو في أَموالهم افتتنوا، فجعلوا ما أَصابهم في الدنيا، كعذاب الله في الآخرة.

الجيلاني

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على التزلزل والتذبذب {مَن يِقُولُ} خوفاً من عذاب الله {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} بلا تمكن له واطمئنان في قلبه {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي} سبيل {ٱللَّهِ} من أعدائه انقلب على الكفر حيث {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} وإيذاءهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} القادر بالقدرة الكاملة على أنواع المحن والابتلاءات؛ يعني: يسوون بين خوف الله وخوف الناس، فكما يؤمنون بالله من خوف عذابه يكفرون به من خوف عذاب الناس بلا تفاوت بين الخوفين وبين العذابين، بل يرجحون خوفهم على خوف الله، فيختارون الكفر على الإيمان من ضعف يقينهم وعدم رسوخهم وتمكينهم على الإيمان، وذلك من عدم ترقيهم من حضيض الجهل والتقليد إلى ذورة العرفان والتوحيد {وَ} من غاية تزلزلهم وتلونهم {لَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ} وعون للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل التوحيد {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل وصاروا غالبين على أعداء الله بنصر الله إياهم، وفازوا بالفتح والغنائم وأنواع الكرامات {لَيَقُولُنَّ} أولئك المذبذبون المتزلزلون، مبالغين في دعى الموافقة والمؤاخاة: {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} موافقين ظاهراً وباطناً، وفي دين الإسلام متمكنين مطئنين سراً وجهراً، فأشركونا في ما نلتم من الغنيمة والخير، وهم يقصدون بقولهم هذا التغرير والتلبيس على المؤمنين، بل على الله أيضاً، لذلك قال سبحانه: {أَ} تعتقدون التلبيس والتشبيه أيها الجاهلون بعلو شأنه {وَ لَيْسَ ٱللَّهُ} المتجلي على جميع ما ظهر وبطن في الأكوان غيباً وشهادةً {بِأَعْلَمَ} بعلمه الحضوري {بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] بل بما في استعداداتهم وقابلياتهم التي كانوا عليها حيث لم يكونوا؟ وإن كان حالهم أيضاً كذلك الآن عند من له أدنى حظ من المعرفة والإتقان. {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده ويميزن {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وبذلوا جهدهم في سبيله، وليظهرن إخلاصهم ورسوخهم على الدين، وتمكنهم واطمئنانهم في مرتبة اليقين بعدما أمرهم بالجهاد والقتال الصوري والمعنوي {وَلَيَعْلَمَنَّ} ويظهرن أيضاً كيد {ٱلْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 11] ومكرهم وتقاعدهم عن القتال، واحتيالهم في التخلف عن المؤمنين. {وَ} من جملة مكرهم واحتيالهم مع المؤمنين وخداعهم إياهم {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} قاصدين إضلالهم عن طريق الحق وانصرافهم عن الدين المستبين: {ٱتَّبِعُواْ} أيها الحمقى المتذللون في أيدينا {سَبِيلَنَا} واختاروا طريقنا الذي كنا عليه من عبادة الأوثان والأصنام التي هي دين آبائنا وأسلافنا {وَ} إن خفتم على مقتضى زعمكم من أثقال ذنوبكم يوم العرض والجزاء {لْنَحْمِلْ} أثقال {خَطَايَاكُمْ} عنكم حينئذ فتصيروا مخففين بلا وزر وذنب، إنما قالوا هكذا؛ تغريراً عليهم وتضليلاً لهم واستهزاءً وإلا فهم منكرون بالآخرة وجميع ما فيها من الوعيدات الهائلة والإنذارات {وَ} هم وإن فرض أنهم اعتقدوا النشأة الأخرى ما فيها {مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي: شيئاً قليلاً من خطاياهم، فكيف بجميعها؟! وبالجملة: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت: 12] في جميع مواعيدهم وعهودهم؛ إذ الكل لا يطابق اعتقادهم ولا الواقع؛ إذ لا تحمل يومئذ وازرة وزر أخرى، عدلاً من الله تعالى. ولهذا قال سبحانه مقسماً: {وَ} الله {لَيَحْمِلُنَّ} حنيئذٍ {أَثْقَالَهُمْ} اي: خطاياهم التي اقترفوها لنفوسهم يزيدون عليها {وَأَثْقَالاً} أُخر حاصلة من إضلالهم وتضليلهم عباد الله {مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} الأصلية {وَ} الله مع تلك الأثقال على الأثقال {لَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 13] على الله من إثبات الشريك له في الوجود واستحقاق العبادة، وعن نسبتهم إليهم ما لا يليق بشأنه افتراءً ومراءً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادَّعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب، بيَّن تعالى أن من الناس فريقا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ } بضرب، أو أخذ مال، أو تعيير، ليرتد عن دينه، وليراجع الباطل، { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } أي: يجعلها صادَّة له عن الإيمان والثبات عليه، كما أن العذاب صادٌّ عما هو سببه. { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } لأنه موافق للهوى، فهذا الصنف من الناس من الذين قال اللّه فيهم: {أية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }. تفسير : { أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } حيث أخبركم بهذا الفريق، الذي حاله كما وصف لكم، فتعرفون بذلك كمال علمه وسعة حكمته. { وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } أي: فلذلك قَدَّرَ مِحَنًا وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، لأنهم قد يحتجون على اللّه، أنهم لو ابتُلُوا لَثَبَتُوا.