٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين الله تعالى الفرق الثلاثة وأحوالهم، وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها، وكان الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا؟ فكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم، فقالوا لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ولنحمل صيغة أمر، والمأمور غير الآمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول الصيغة أمر والمعنى شرط وجزاء، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم، قال صاحب «الكشاف»: هو في معنى قول من يريد اجتماع أمرين في الوجود، فيقول ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء، فقوله ولنحمل، أي ليكن منا الحمل وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب. المسألة الثانية: قال: {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ } وقال بعد هذا: { أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] فهناك نفى الحمل، وههنا أثبت الحمل، فكيف الجمع بينهما، فنقول قول القائل: فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف، وإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئاً، فكذلك ههنا ما هم بحاملين من خطاياهم يعني لا يرفعون عنهم خطيئة وهم يحملون أوزاراً بسبب إضلالهم ويحملون أوزاراً بسبب ضلالتهم، كما قال النبـي عليه السلام: « حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء ». تفسير : المسألة الثالثة: الصيغة أمر، والأمر لا يدخله التصديق والتكذيب، فكيف يفهم قوله: {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } نقول قد تبين أن معناه شرط وجزاء، فكأنهم قالوا: إن تتبعونا نحمل خطاياكم وهم كذبوا في هذا فإنهم لا يحملون شيئاً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} أي ديننا. {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} جزم على الأمر. قال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، كما قال:شعر : فقلتُ ادعِي وأَدعُ إنّ أنْدَى لِصوتٍ أَن يُنَادِيَ داعِيانِ تفسير : أي إن دعوتِ دعوتُ. قال المهدويّ: وجاء وقوع {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} بعده على الحمل على المعنى؛ لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر. قال مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان عليكم وزر فعلينا؛ أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم. والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على الظهر. وروي أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم. روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم في «آل عمران». قال أبو أمامة الباهلي حديث : «يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : . وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء. ونظيره قوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [النحل: 25]. ونظير هذا قوله عليه السلام: «حديث : من سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»تفسير : روي من حديث أبي هريرة وغيره. وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دعا إلى هدى فاتُّبِع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتَّبعه ولا يَنْقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبِع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتَّبعه لا يَنقْص ذلك من أوزارهم شيئاً» تفسير : ثم قر الحسن: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}. قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم. ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أيما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبِع فإن له مثلَ أوزار من اتَّبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئاً وأيما داعٍ دعا إلى هدًى فاتُّبِع فإن له مثل أجور من اتَّبَعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً» تفسير : خرجه ابن ماجة في السنن. وفي الباب عن أبي جُحَيفة وجرير. وقد قيل: إن المراد أعوان الظلمة. وقيل: أصحاب البدع إذا اتُّبِعوا عليها. وقيل: محدِثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم. والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش: أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} أي: وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا؛ كما يقول القائل: افعل هذا، وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيباً لهم: {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: فيما قالوه: إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} تفسير : [فاطر: 18] وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ} تفسير : [المعارج: 10 ــــ 11]. وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة: أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم، وأوزاراً أخر بسبب ما أضلوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً؛ كما قال تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] الآية، وفي الصحيح: «حديث : من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً»تفسير : . وفي الصحيح «حديث : ما قتلت نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل».تفسير : وقوله تعالى: {وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: يكذبون ويختلقون من البهتان، وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص ابن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال: «حديث : إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن عز وجل، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان، فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم، فاحملوها عليه» تفسير : ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه: «حديث : إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة، وأحد أسعد بما آتاك الله منك».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا } ديننا {وَلْنَحْمِلْ خَطَٰيَٰكُمْ } في اتباعنا إن كانت والأمر بمعنى الخبر، قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُمْ مّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ } في ذلك.
ابن عطية
تفسير : روي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة، وقيل بل كانت شائعة من كفار قريش قالوا لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم ادخلوا في أمرنا وأقروا بآلهتنا واعبدوها معنا ونحن ليقيننا أنه لا بعث بعد الموت ولا رجوع نتضمن لكم حمل خطاياكم فيما دعوناكم إليه إن كان في ذلك درك كما تزعمون، وقولهم {ولنحمل} إخبار أنهم يحملون خطاياهم على جهة التشبيه بالثقل ولكنهم أخرجوه في صيغة الأمر لأنها أوجب وأشد تأكيداً في نفس السامع من المجازاة وهذا نحو قال الشاعر [مدثار بن شيبان النمري]:[الوافر] شعر : فقلت ادعي وأدع فإن أندى لصوت أن ينادي داعيان تفسير : ولكونه خبراً حسن تكذيبهم فيه، فأخبر الله عز وجل أن ذلك باطل وأنهم لو فعلوه لم ينحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياه التي تختص به، وقرأ الجمهور "ولنحملْ" بجزم اللام، وقرأ عيسى ونوح القاري "ولنحمل" بكسر اللام وقرأ داود بن أبي هند "من خطَيِهم" بفتح الطاء وكسر الياء وحكى عنه أبو عمرو أنه قرأ "من خِطيئاتهم" بكسر الطاء وهمزة وتاء بعد الألف، وقال مجاهد: الحمل هو من الحمالة لا من الحمل على الظهر. ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفرة أنهم يحملون أثقالهم من كفرهم الذي يجترحونه ويتلبسون به، و {أثقالاً مع أثقالهم} يريد ما يلحقهم من إغوائهم لعامتهم وأتباعهم فإنه يلحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسب الحديث المشهور، "حديث : أيما داع إلى هدى فاتبع عليه فله مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داع دعا إلى ضلالة" تفسير : الحديث. قال القاضي أبو محمد: وهي وإن كانت من {أثقالهم} فلكونها بسبب غيرهم وعن غير كفر تلبسوه فرق بينها وبين {أثقالهم} ولم ينسبها إلى غيرهم بل جعلها في رتبة فقط فهم فيها إنما يزرون بوزر أنفسهم، وقد يترتب حمل أثقال الغير بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه يقتص للمظلوم بأن يعطى من حسنات ظالمه فإن لم يبق للظالم حسنة أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه"تفسير : ، وقوله تعالى: {وليسألن}، يريد على جهة التوبيخ والتقريع لا على جهة الاستفهام والاستعلام، و {يفترون}، معناه يختلقون من الكفر ودعوى الصاحبة والولد لله تعالى وغير ذلك، وقوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً} الآية قصة فيها تسلية لمحمد عليه السلام عما تضمنته الآية قبلها من تعنت قومه وفتنتهم للمؤمنين وغير ذلك، وفيها وعيد لهم بتمثيل أمرهم بأمر قوم نوح، والواو في قوله {ولقد} عاطفة جملة كلام على جملة، والقسم فيها بعيد، وقوله تعالى: {أرسلنا}، {فلبث}، هذا العطف بالفاء يقتضي ظاهره أنه لبث هذه المدة رسولاً يدعو، وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه من لدن مولده إلى غرق قومه، وأما على التأويل الأول فاختلف في سنيه التي بعث عندها، فقيل أربعون، وقيل ثمانون، وقال عون بن أبي شداد: ثلاثمائة وخمسون، وكذلك يحتمل أن تكون وفاته عليه السلام عند غرق قومه بعد ذلك بيسير. وقد روي أنه عمر بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين عاماً وأنه عاش ألف سنة وستمائة وخمسين سنة، وقوله تعالى: {فأخذهم الطوفان} يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد اختلف في ذلك فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض وهي المختصة بقوم نوح، وقالت فرقة: هي الجمهور: إنما غرقت المعمورة كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو ظاهر الأمر لاتخاذه السفينة ولبعثه الطير يرتاد زوال الماء ولغير ذلك من الدلائل، وبقي أن يعترض هذا بأن يقال كيف غرق الجميع والرسالة إلى البعض، فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصاص نبي بأمة ليس هو بأن لا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بأن لا يؤخذ بقتال غيرها ولا ببث العبادات فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة والناس حولها يعبدون الأوثان ولم يكن الناس يومئذ كثيراً بحكم القرب من آدم فلا محالة أن دعاءه إلى توحيد الله كان قد بلغ الكل فنالهم الغرق لإعراضهم وتماديهم، و {الطوفان} العظيم الطامي، ويقال ذلك لكل طام خرج عن العادة من ماء أو نار أو موت ومنه قول الشاعر: شعر : فجاءهم طوفان موت جارف تفسير : و"طوفان" وزنه فعلان بناء مبالغة من طاف يطوف إذا عم من كل جهة، ولكنه كثر استعماله في الماء خاصة وقوله تعالى: {وهم ظالمون}، يريد بالشرك، {وأصحاب السفينة} قد تقدم في غير هذه السورة الاختلاف في عددهم، وهم بنوه وقوم آمنوا معه، والضمير في قوله {وجعلناها} يحتمل أن يعود على {السفينة} ويحتمل أن يعود على العقوبة، ويحتمل أن يعود على النجاة، والآية هنا العبرة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه، قال قتادة: أبقاها آية على الجودي.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا...} الآية، رُوِيَ: أن قائلَ هذه المقالةِ هو: الوليد بن المغيرة، وقيل: بل كانت شائعة من كفار قريش؛ لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} لأنه يلْحق كل داع إلى ضلالة؛ كفل منها حَسْبَمَا صَرَّحَ به الحديثُ المشهور.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} قال مجاهد: هذا قول كفار مكة لمن آمن منهم وذلك أن الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل، وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا فيجيبه المؤمن بأن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطئية فعلينا. قوله: "وَلْنَحْمِلْ" أمر في معنى الجنس، قال الزمخشري: وهو في معنى من يريد اجتماع أمرين في الوجهين فيقول: ليكن منك العطاء، ومني الدعاء. فقوله: "ولنحمل" أي ليكن منا الحِمْل، وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب وقرأ الحَسَن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز قال الزمخشري: "وَهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل (عنكم الإثم). قال أبو حيان: "هذا تركيب عجمي من جهة إدخال حرف الشرط وهي جامدة واستعمالها من غير اسم، ولا خبر، وإيلائها كان". وقرأ العامة "خطاياكم"، وداود بن هند: "من خطيئاتهم" جمع سلامة، وعنه أيضاً: "خطيئتهم" بالتوحيد والمراد الجنس، وهذا شبيه بقراءتي: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} و "خطيئاته" وعنه أيضاً: "خطَئهم" - بفتح الطاء وكسر الياء، يعني بكسر الهمزة القريبة من الياء لأجل تمهيدها بين بين، و "من شيء" وهو مفعول بحاملين و "من خطاياهم" لما تقدم عليه انتصب حالاً. فصل معنى الآية اتبعوا سبيلنا أي ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعية من الله تصيبكم وهو قوله: "ولنحمل خطاياكم"، نظير هذه الصيغة: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} تفسير : [طه: 39] ثم أكذبهم الله تعالى فقال: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فيما قالوا. فإن قيل: قال: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} وقال بعده: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} فنفى الحمل أولاً، وأثبت الحمل ثانياً فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن قول القائل في "حمل فلان وعن فلان" يريد: أن حمل فلان خف، فإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل عنه شيئاً، فقوله: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} يعني (لا يرحمون) ولا يرفعون عنهم خطيئة، بل يحملون أوزار أنفسهم، وأوزاراً بسبب إضلالهم (لهم)، كقوله (عليه الصلاة) والسلام: "حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا منْ غَيْرِ أن يَنْقُصَ من وِزِرْهِ شَيْء"تفسير : والمعنى: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، "أثقالاً مع أثقالهم" أي أوزاراً مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم، كقوله: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25]. قوله: {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} سؤال توبيخ وتقريع، وذلك الافتراء يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: قولهم: "ولنحمل خطاياكم" كان لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك، فيسألون عن ذلك الافتراء. وثانيها: أن قولهم "ولنحمل خطاياكم" كان لاعتقادهم أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر خلاف ذلك، فيسألون يوقول لهم: أما قلتم: أن لا حشر. وثالثها: أنهم لما قالوا: نحمل خطاياكم يوم القيامة، يقال لهم: فاحملوا خطايهم، فلا يحملون ويسألون فيقال لهم: فَلِمَ افتريتم.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} قال: قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك {وقال الذين كفروا} هم القادة من الكفار {للذين آمنوا} لمن آمن من الاتباع {اتبعوا سبيلنا} ديننا، واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وما هم بحاملين} قال: بفاعلين {وليحملن أثقالهم} قال: أوزارهم {وأثقالا مع أثقالهم} قال: أوزار من أضلوا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن الحنفية رضي الله عنه قال: كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون، يقولون: إنه يحرم الخمر، ويحرم الزنا، ويحرم ما كانت تصنع العرب، فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم. فنزلت هذه الآية {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} قال: هي مثل التي في النحل {أية : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم}تفسير : [النحل: 25]. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} قال: حملهم ذنوب أنفسهم، وذنوب من اطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن اطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وأيما داع دعا إلى ضلالة فأتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً"تفسير : قال عون: وكان الحسن رضي الله عنه مما يقرأ عليها {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم..} إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي امامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اياكم والظلم فإن الله يقول يوم القيامة: وعزتي لا يجيزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان ابن فلان؟ فيأتي فيتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، ثم يقوم بين يدي الرحمن، ثم يأمر المنادي ينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان ابن فلان فهلم، فيقومون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا له من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا تبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات فيقول: اقضوا عن عبدي فيقولون: لم يبق له حسنة فيقول: خذوا من سيئاته، فاحملوها عليه، ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} . تفسير : وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال: سأل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : من سن خيراً فاستن به كان له أجره ومن أجور من تبعهم غير منتقص من أجورهم شيئاً، ومن أسن شراً فاستن به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : سيروا سبق المفردون. قيل: يا رسول الله ومن المفردون؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً ".
القشيري
تفسير : ضمنوا بما لم يفوا به، وأخلفوا فيما وَعَدُوا فما حملوا من خطاياهم عنهم شيئاً، بل زادوا على حَمْل نفوسهم؛ فاحتقبوا وِزْرَ ما عَملوا، وطولبوا بوزْر ما به أَمَرُوا، فضاعَفَ عليهم العقوبة، ولم يصل أحدٌ من جهتهم إلى راحة، وما مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب أخاه بيثرب.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذين كفروا للذين آمنوا} اللام للتبليغ اى قال كفار مكة مخاطبين للمؤمنين استمالة ليرتدوا {اتبعوا سبيلنا} اى اسلكوا طريقتنا التى نسلكها فى الدين عبر عن ذلك بالاتباع الذى هو المشى خلف ماش آخر تنزيلا للمسلك منزلة السالك فيه {ولنحمل خطاياكم} اى ان كان لكم خطيئة تؤاخذون عليها ان كان بعث ومؤاخذة كما تقولون اى لابعث ولا مؤاخذة وان وقع فرضا نحمل آثامكم عنكم وهى جمع خطيئة من الخطأ وهو العدول عن الجهة فرد الله عليهم بقوله {وماهم بحاملين من خطاياهم من شىء} اى والحال انهم ليسوا بحاملين شيئا من خطاياهم التى التزموا ان يحلموها كلها على ان من الاولى للتبيين والثانية مزيدة للاستغراق {انهم لكاذبون} فى دعوى الحمل بانهم قادرون على انجاز ماوعدوا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين كفروا} من صناديد قريش، {للذين آمنوا اتَّبِِعُوا سبيلَنَا} الذي نسلكه، وهو الدخول في ديننا، {وَلْنَحْمِلْ خطاياكم} إن كان ذلك خطيئة في زعمكم. أمروهم باتباع سبيلهم، وهي طريقتهم التي كانوا عليها، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، أي: إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نُبعث نحن ولا أنتم، فإن كان ذلك فإنا نحمل عنكم الإثم. قال تعالى: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيءٍ} أي: ما هم حاملين شيئاً من أوزارهم، {إنهم لكاذبون} فيما ادعوا؛ لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يَعِدُون الشيء وفي قلوبهم نية الخُلْف. {وليَحْمِلُنَّ أثقالهم } أي: أثقال أنفسهم بسبب كفرهم، {وأثقالاً مع أثقالهم} أي: أثقالاً أُخر غير التي ضمنوا للمؤمنين حملَها، وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم، كقولهم: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25]، {وَلَيُسْأَلُنَّ يوم القيامة عما كانوا يفترون} من الأكاذيب والأباطيل التي ضلوا بها. الإشارة: كل من عاق الناس عن الدخول في طريق التصفية والتخليص: تَصْدُقُ عليه هذه الآية، فيتقلد بحمل نقائصهم ومساوئهم التي بقيت فيهم، فيحاسب عليها وعلى مساوئ نفسه. والله تعالى أعلم. ثم سلّى رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أوذي معه، بما جرى للأنبياء من قبله، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذا فى موضع والّذين كفروا {لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} قيل: كان الكفّار يقولون للمؤمنين: كونوا معنا فانّ الّذى تخافون انتم منه ليس بشيءٍ فان كان حقّاً نتحمّل نحن ذنوبكم فيعذّبهم الله عزّ وجلّ مرّتين مرّةً بذنوبهم ومرّةً بذنوب غيرهم {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} اثقال ذنوبهم {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} من غير ان ينقص من اثقال المفترين شيءٌ {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} اى ليؤاخذنّ فانّ السّؤال كثيراً ما يستعمل فى المؤاخذة والعقوبة {عَمَّا كَانُواْ} عن كونهم او عن الّذى كانوا او عن شيءٍ كانوا {يَفْتَرُونَ} من الشّركاء فى الوجوب او فى العبادة او فى الطّاعة او فى الولاية او من الاقوال والافعال الّتى يفترونها على الله.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} الذي نحن عليه {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي: فيما اتبعتمونا فيه، أي: ما كان فيه من إثم فهو علينا، وهذا منهم إنكار للبعث والحساب. قال الله: {وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم} أي: من خطايا المؤمنين {مِّن شَيْءٍ} لو اتبعوهم {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: لا يحملون خطاياهم. قال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} يعني آثامهم، أي آثام أنفسهم {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} أي: يحملون مثل ذنوب من اتبعهم على الضلالة، ولا ينقص ذلك من ذنوب من اتبعوهم شيئاً. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً. وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً . تفسير : ذكروا عن ابن مسعود في قوله: (أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)تفسير : [الانفطار: 5] مثل حديث الحسن عن النبي عليه السلام. قال: حديث : {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [أي: يكذبون ويخترعون] . تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} يقول: ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم، أي: من يوم بعث إلى يوم مات ألف سنة إلا خمسين عاماً. وبلغنا عن كعب أنه قال: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، وبقي بعدهم بعد الطوفان ستمائة سنة. قوله: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} أي: الماء، فأغرقهم الله {وَهُمْ ظَالِمُونَ}. أي: وهم مشركون ظالمون لأنفسهم؛ وظلموا أنفسهم، أي: ضروا أنفسهم. قوله: {فَأَنجَيْنَاهُ} يعني نوحاً {وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} يعني من كان معه في السفينة {وَجَعَلْنَاهَا} يعني السفينة {ءَايَةً} أي: عبرة {لِّلْعَالَمِينَ}. قال بعضهم: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة حتى أدركها أوائل هذه الأمة؛ وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً. قال بعضهم: بلغنا أنهم كانوا يجدون من مساميرها بعدما بعث النبي عليه السلام.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} ديننا. {وَلْنَحْمِل خَطَايَاكُمْ} ذنوبكم التي تلزمكم باتباع سبيلنا وهذا انكار للبعث والجزاء امروا انفسهم باللام مع العطف على الامر بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع وتوعد بتخفيف الأوزار عنه ان كانت ثم تشجيعا كأنه قيل عليكم باتباع وعلينا بالحمل وقد يقع في مثل هذا بعض المتسمين بالاسلام يقول لصاحبه افعل كذا وإثمه في عنقي او على رأسي من ذلك ان ابا جعفر المنصور رفع اليه بعض الحشوية حوائجه فلما قضاها قال يا امير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى فقال وما هي؟ قال شفاعتك يوم القيامة. فقال له عمر بن عبيد: إياك وهؤلاء فإنهم قطاع الطريق في الأمن، فقوله: شفاعتك يوم القيامة محو منه لذنوب هذا الجائر فكأنه تحملها اذ هو ذو ذنوب ووصفه بعدمها او اراد بقوله ذلك ان يتحمل عنه هذا الجائر ذنوبه فلا يؤاخذ بها ذلك قول صناديد قريش لمن آمن منهم لا نبعث نحن ولا انتم فان كان ذلك حملنا عنكم الاثم وقيل قائل ذلك الوليد بن المغيرة وقيل ابو سفيان لو نسب القول للجميع لرضاهم به ولتصويبهم اياه ولكون القائل منهم ويجوز ان يريدوا الحمل حقيقة وهو الذي يدل له السابق واللاحق وكذبهم الله سبحانه. {وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ} للبيان او للتبعيض او للابتداء. {خَطَياهُم} وقريء {من خطاياتهم}. {مِّن} صلة في المفعول. {شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم نحمل خطاياكم او في سائر اقوالهم الداخل فيها هذا والمراد انهم اذا رأوا جزاء خطاياهم لم يحملوا منه شيئا اذ لا طاقة للخلق كلهم على أقل قليل أو المراد انه يمكن حمل احد ذنب احد سماهم كاذبين مع انهم لم يصدر منهم أخبار على خلاف الواقع بل صدر منهم وعد الحمل فقط لأن وعدهم به مع علمهم بأنهم لا يفون به كالكذب أو لأنهم وعدوا وقلوبهم على خلاف ذلك.
اطفيش
تفسير : {وقال الَّذين كَفَروا} اشركوا صراحاً {للَّذين آمنُوا اتَّبعوا سَبيلنا} دين الشرك الذي جعلناه طريقاً نسلكه كالطريق في الأرض، فسبيل استعارة تصريحية، ولا يجوز نصبه على الظريفة، على ان التقدير اتبعونا فى سبيلنا، لانه مما لا ينصب على الظريفة {ولْنَحمل} على انفسنا كحمل الشئ على الظهر، او نضمن من معنى الحمالة التي هي الكفالة، ويخالف هذا قوله عز وجل: "أية : وليحملن أثقالهم" تفسير : [العنكبوت: 13] الخ {خطاياكم} ان اتبعتم سبيلنا، وهى ما لا يجوز في دين الله على زعمكم، حتى كأنا معتقدون له، وقائلون به، وفاعلون له لا انتم، فلا تعاقبون بل نعاقب نحن على فرض ثبوت الجزاء، او ننجوا لعدم ثبوته، او يسامحنا الله او عبر عن الجزاء بالخطايا، لانها سببه وملزومة، والامر بصيغة التكلم امر لأنفسهم والزام لها بحيث، لا محيد لها عن الحمل، وكذبهم بقوله {وما هم بحاملين خطاياهم} حال من شئ بعده، ومن للبيان {من شيء} من صلة لتأكيد العموم وبقوله: {إنَّهم لكاذبُونَ} في دعوى صحة الحمل المعلومة من قولهم: ولنحمل، فإن دعواها إخبار، والكذب يقع فيها، او الكذب بمعنى عدم اصابة الصواب، فيجوز فى الانشاء، يقال سهم كاذب اذا اخطأ، او لنحمل امر لفظاً اخبار معنى، كأنه قيل نحمل بالجزم في جواب الامر، فصح الوصف بالكذب بأن يكون فى قلوبهم اعتقاد ان لا يحملوا خوفاً منهم، لعلهم صادقون، او اعتقاداً منهم ان لا يصح الحمل، والآية في ابى جهل، وابى سفيان بن حرب، وامية بن خلف، والوليد بن المغيرة، اذ كانوا يعارضون من جاء للاسلام، ويقولون: محمد يحرم الخمر والزنى والقمار، والحق معنا، وان كان معه حملنا عنكم العذاب ان صح البعث، وقال ابو سفيان، وامية ذلك لعمر، والضمير في الآية لهؤلاء لعلمهم بالمشاهدة، او لقريش اجمالاً اذ هؤلاء منهم، وإذ رضوا.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } بيان لحملهم المؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد بيان حملهم إياهم عليه بالأذية والوعيد، ووصفهم بالكفر هٰهنا دون ما سبق لما أن مساق الكلام لبيان جنايتهم وفيما سبق لبيان جناية من أضلوه، واللام للتبليغ أي قالوا مخاطبين لهم {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا } أي اسلكوا طريقتنا التي نسلكها في الدين، عبر عن ذلك بالاتباع الذي هو المشي خلف ماش آخر تنزيلاً للمسلك منزلة السالك فيه أو اتبعونا في طريقتنا {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } أي إذا كان ذلك الاتباع خطيئة يؤاخذ عليها يوم القيامة كما تقولون أو ولنحمل ما عليكم من الخطايا إن كان بعث ومؤاخذة، وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين له على الأمر بالاتباع للمبالغة في تعليق الحمل بالاتباع، فكأن أصل الكلام اتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم بجزم نحمل على أنه جواب الأمر، فيكون المعنى إن تتبعوا نحمل فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة المذكورة، ومنشؤها الإشارة إلى أن الحمل لتحققه كأنه أمر واجب أمروا به من آمر مطاع، والتعليق على الشرط الذي / تضمنه الأمر كما في قولهم: أكرمني أنفعك لا يفيد ذلك، والداعي لهم إلى المبالغة التشجيع على الاتباع، والحمل هنا مجاز، وفي «البحر» شبه القيام بما يتحصل من عواقب الإثم بالحمل على الظهر والخطايا بالمحمول، وقال مجاهد: الحمل هنا من الحمالة لا من الحمل انتهى. والآية على ما أخرج جماعة عن مجاهد نزلت في كفار قريش قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن ابن الحنفية قال كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم يسلمون يقولون: إنه يحرم الخمر ويحرم الزنا ويحرم ما كانت تصنع العرب فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم فنزلت هذه الآية، وقيل: قائل ذلك أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف قالا لعمر رضي الله تعالى عنه: إن كان في الإقامة على دين الآباء إثم فنحن نحمله عندك. وقيل: قائله الوليد بن المغيرة، ونسبة ما صدر عن الواحد للجمع شائعة، وقد تقدم الكلام غير مرة في وجه ذلك، وقرأ الحسن وعيسى ونوح القارىء {ولنحمل} بكسر لام الأمر، ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه. {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء } نفي مؤكد عن سبيل الاستمرار لكونهم حاملين شيئاً ما من خطاياهم التي التزموا حملها، فالباء زائدة لتأكيد النفي والاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية معتبر بعد النفي، ومن الأولى للبيان وهو مقدم من تأخير، و(من) الثانية مزيدة لتأكيد الاستغراق، وهذه الجملة اعتراض أو حال. وقرأ داود بن أبـي هند فيما ذكر أبو الفضل الرازي {مِنْ خَطِيئَـٰتِهِمْ } على التوحيد قال: ومعناه الجنس، ودل على ذلك اتصافه بضمير الجماعة، وذكر ابن خالويه. وأبو عمرو الداني أن داود هذا قرأ {مِنْ خَطِيئَـٰتِهِمْ } جمع خطيئة جمع السلامة بالألف والتاء، وذكر ابن عطية عنه أنه قرأ من {خطـيهم} بفتح الطاء وكسر الياء، وينبغي أن يحمل كسر الياء على أنها همزة سهلت بين بين فأشبهت الياء لأن قياس تسهيلها هو ذلك. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } استئناف مقرر للنفي السابق، والكذب قيل راجع إلى تعليق الحمل بالاتباع فإنه إخبار لا إلى الأمر السابق لأنه إنشاء ولا يجري الكذب فيه، وتعقب بأن التعليق لا يلزمه أن يكون أخبار بل هو ضمان معلق أي إنشاء الضمان عند وجود الصفة، ولذا قال الزمخشري: إن ضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه، وجعل هذا سؤالا عن وجه التعبير بكاذبون، وأجاب عن ذلك بوجهين، ثانيهما على ما في «الكشف» هو الوجه، وحاصله أن الكذب ليس راجعاً إلى أنهم غير حاملين ليقال: إن الضامن لا يسمى كاذباً بل أخبر الله تعالى أنهم عجزوا عما ضمنوه ومع ذلك هم كاذبون في وعد إنشاء الضمان عند وجود الوصف، والمحصل أن من وعد الضمان إن ضمن ولم يحقق لا يسمى كاذباً وإن لم يضمن سمي كاذباً، وأولهما أنه شبه الله تعالى حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده سبحانه لا على ما هو عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه. وقال بعض المحققين: الكذب راجع إلى الخبر الذي في ضمن وعدهم بالحمل وهم أنهم قادرون على إنجاز / ما وعدوا، والكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه يتطرق إليه باعتبار ما يلزم مدلوله، وفي «الانتصاف» أن في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره والتزم تخريج جميع ما ورد في ذلك على أصل الأمر ولم يتم له ذلك في هذه الآية لأنه سبحانه أردف قولهم {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } على صيغة الأمر بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والتكذيب إنما يتطرق إلى الأخبار انتهى، ويعلم منه وجه كونهم كاذبين في قولهم ذلك مع إخراجهم له مخرج الأمر إلا أن في كون الآية دليلاً على ما ذكره نظراً كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذا غرض آخر من أغراض مخالطة المشركين مع المؤمنين وهو محاولة المشركين ارتداد المسلمين بمحاولات فتنة بالشك والمغالطة للذين لم يقدروا على فتنتهم بالأذى والعذاب: إما لعزتهم وخشية بأسهم مثل عُمر بن الخطاب فقد قيل: إن هذه المقالة قيلت له، وإما لكثرتهم حين كثر المسلمون وأعيت المشركين حيلُ الصدّ عن الإسلام. والمراد بالذين كفروا طائفة منهم وهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب (قبل أن يُسلم) قالوا للمسلمين ومنهم عمر بن الخطاب: لا نُبعث نحن ولا أنتم فإن عسى كان ذلك فإنا نحمل عنكم آثامكم. وإنما قالوا ذلك جهلاً وغروراً حاولوا بهما أن يحِجّوا المسلمين في إيمانهم بالبعث توهّماً منهم بأنهم إن كان البعث واقعاً فسيكونون في الحياة الآخرة كما كانوا في الدنيا أهل ذمام وحمالة ونقض وإبرام شأن سادة العرب أنهم إذا شفعوا شُفِّعوا وإن تحمَّلوا حُمِّلوا. وهذا كقول العاصي بن وائل لخباب بن الأرتّ: لئن بعثني الله ليكونَنّ لي مال فأقضيك دَيْنك، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى {أية : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً}تفسير : [مريم: 77]. وكل هذا من الجدال بالباطل وهو طريقة جدلية إن بنيت على الحق كما ينسب إلى علي ابن أبي طالب في ضد هذا: شعر : زعم المنجم والطبيبُ كلاهما لا تُحشر الأجساد قلتُ إليكما إن صحّ قولكما فلستُ بخاسر أو صحّ قولي فالخسار عليكما تفسير : وحكى الله عنهم قولهم {وَلْنَحْمِلْ خطاياكم} بصيغة الأمر بلام الأمر: إما لأنهم نطقوا بمثل ذلك لبلاغتهم، وإما لإفادة ما تضمنته مقالتهم من تأكيد تحملهم بذلك. فصيغة أمرهم أنفسهم بالحمل آكد من الخبر عن أنفسهم بذلك، ومن الشرط وما في معناه، لأن الأمر يستدعي الامتثال فكانت صيغة الأمر دالة على تحقيق الوفاء بالحمالة. وواو العطف لجملة {ولنحمل} على جملة {اتبعوا سبيلنا} مراد منها المعية بين مضمون الجملتين في الأمر وليس المراد منه الجمع في الحصول فالجملتان في قوة جملتي شرط وجزاء، والتعويل على القرينة. فكان هذا القول أدل على تأكيد الالتزام بالحالة إن اتبع المسلمون سبيل المشركين، من أن يقال: إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، بصيغة الشرط، أو أن يقال: اتبعوا سبيلنا فنحمل خطاياكم، بفاء السببية. والحمل: مجاز تمثيلي لحال الملتزم بمشقة غيره بحال من يحمل متاع غيره فيؤول إلى معنى الحمالة والضمان. ودل قوله {خطاياكم} على العموم لأنه جمع مضاف وهو من صيغ العموم. وقوله {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} إبطال لقولهم {ولنحمل خطاياكم} نُقِض العمومُ في الإثبات بعموم في النفي، لأن {شيء} في سياق النفي يُفيد العموم لأنه نكرة، وزيادة حرف {من} تنصيص على العموم. والحمل المنفي هو ما كان المقصود منه دفع التبعة عن الغير وتبرئته من جناياته، فلا ينافيه إثبات حمل آخر عليهم هو حمل المؤاخذة على التضليل في قوله {أية : ولَيَحْمِلُنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم}تفسير : [العنكبوت: 13]. والكذب المخبر به عنهم هو الكذب فيما اقتضاه أمرهم أنفسهم بأن يحملوا عن المسلمين خطاياهم حسب زعمهم والوفاء بذلك كما كانوا في الدنيا فهو كذب لا شك فيه لأنه مخالف للواقع ولاعتقادهم. ولذلك فجملة {إنهم لكاذبون} بدل اشتمال من جملة {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} لأن جملة {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} تضمنت عُرُوّ قولهم {ولنحمل خطاياكم} عن مطابقته للواقع في شيء وذلك يشتمل على أن مضمونها كذب صريح، فكان مضمون جملة {إنهم لكاذبون} مما اشتمل عليه مضمون جملة {وما هم بحاملين}. وليس مضمون الثانية عين مضمون الأولى بل الثانية أوفى بالدلالة على أن كذبهم محقق وأنه صفة لهم في خبرهم هذا وفي غيره، ووزان هذه الجملة وزان بيت علم المعاني: شعر : أقول له ارحلْ لا تُقِيمن عندنا تفسير : إذ جعل الأيمة جملة (لا تقيمن عندنا) بدل اشتمال من جملة (ارحل) لأن جملة (لا تقيمن) أوفى بالدلالة على كراهيته وطلب ارتحاله، ولهذا لم تعطف جملة {إنهم لكاذبون} لكمال الاتصال بينها وبين {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ} إلى قوله: {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، وزيادة إيضاحها من السنة الصحيحة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25].
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {خَطَايَاكُمْ} {بِحَامِلِينَ} {خَطَايَاهُمْ} {لَكَاذِبُونَ} (12) - وَقَالَ كُفَّارُ قَريشٍ لِمَنْ آمنَ مِنْهُمْ، واتَّبَعُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم: ارجِعُوا إِلى دِينِكُمُ الأَوَّلِ، وَعُودُوا فِيهِ، وإِذا كَانَ هُنَاكَ بَعْثٌ وَحِسَابٌ فإِنَّهُمْ سَيَحْمِلُونَ عَنْهُمْ تَبِعَةَ آثامِهِمْ، وهيَ في رِقَابِهِمْ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِمْ مُكَذِّباً: إِنَّهُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ وزْرَ أَحَدٍ، فَكُلُّ امْرِئٍ بِمَا اكْتَسَبَ رَهِينٌ. خَطَايَاهُمْ - أوْزَارُهُمْ وَذُنُوبُهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل مكة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أوزاركم، قال الفراء: لفظة أمر ومعناه: جزاء، مجازه إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم كقوله سبحانه: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ}تفسير : [طه: 39] وقوله سبحانه: {أية : لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ}تفسير : [النمل: 18] لفظة نهي وتأويله جزاء. وقال الشاعر: شعر : فقلت ادعي وادع فإنّ أندى لصوت أن ينادي داعيان تفسير : يريد إن دعوت دعوتُ. فأكذبهم الله تعالى، فقال: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} أوزار أنفسهم وأثقال من أضلوا وصدوا عن سبيل الله {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} نظيرها و {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [النحل: 25] الآية. روي عوف، عن الحسن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داع دعا إلى ضلالة، فاتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً" تفسير : ثم قرأ الحسن {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن عبد الرحمن بن هلال العنسي، عن جرير قال: حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثّنا على الصدقة، فأبطأ الناس حتى رُئي في وجهه الغضب، ثم إنّ رجلا من الأنصار قام فجاء بصرّة وأعطاها، فتتابع الناس، فأعطوا حتى رُئي في وجهه السرور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ سنة سيّئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . تفسير : {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}. قال ابن عباس: بعث نوح (عليه السلام) لأربعين سنة وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}. ويقولون كذباً، وقال مجاهد: وتصنعون أصناماً بأيديكم فتسمونها آلهة، نظيره قوله سبحانه: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}تفسير : [الصافات: 95]، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} على المبالغة والكثرة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} فاهلكوا {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ} بالتاء كوفي غيرهم بالياء {كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ} الله، {ٱلْخَلْقَ} يعني فانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم ولم يتعذر عليه مبدئاً فكذلك لا يتعذر عليه إنشائها معيداً. {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ} أي يبدأ البدأة {ٱلآخِرَةَ} بعد الموت. وفيها لغتان: بالمد وهي قراءة ابن كثير والحسن وأبو عمر وحبيب كانت، و(نشأة) بالقصر وتسكين السين وهي قراءة الناس ونظيرها الرأفة، والرأفة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}تردون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا لَوْن من ألوان الإيذاء أن يقول الذين كفروا للذين آمنوا {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ..} [العنكبوت: 12] أي: ما نحن عليه من دين الآباء والأجداد، وما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، فنحن نعبد آلهة لا تكاليفَ لها ولا مطلوبات، وأنتم تعبدون إلهاً له منهج، وله مطلوبات بافعل كذا ولا تفعل كذا. فالمعنى: {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ..} [العنكبوت: 12] خُذوا الحكم منا {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ..} [العنكبوت: 12] يعني: اعملوا على مسئوليتنا، وإنْ كانت عليكم خطايا سنحملها عنكم، وانظر هنا إلى غباء الكافر فقد آمن هو نفسه أن هذه خطيئة، ومع ذلك يتعرَّض لحملها، لكن كيف يحملها؟ وكيف يكون هو المسئول عنها أمام الله - عز وجل - حين يحاسبني ربي عليها ويعاتبني على اتباعي له؟ وهل للكافر شفاعة أو قوة يدافع بها عني في الآخرة؟ لذلك يقول تعالى بعدها: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت: 12] ويؤكد لنا سبحانه كذبهم أيضاً في قوله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [البقرة: 166]. ويقول التابعون: {أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} تفسير : [فصلت: 29]. فالمودة التي كانت بينهم في الدنيا تحولتْ إلى عداوة؛ لأنهم اجتمعوا في الدنيا على الضلال، فتفرقوا في الآخرة، كما قال سبحانه: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67] فالمتقي ساعة يرى المتقي في الآخرة يشكره، ويعترف له بالجميل؛ لأنه أخذ على يديه في الدنيا، ومنعه من أسباب الهلاك، فيحبه ويثني عليه، وربما اعتبره عدوه في الدنيا، أما أهل الضلال فيلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. إذن: فغباء الكفار بيّن في قولهم: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ..} [العنكبوت: 12]، كما هو بيِّن في قولهم {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وكما هو بيِّن في قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 7] فهم يعرفون أنه رسول الله، ومع ذلك يمنعون الناس من الإنفاق على الفقراء الذين عنده، إنه غباء حتى في المواجهة.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [الآية: 12]. قال: هذا قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم، قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا فان كان عليكم شيء فهو علينا. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [الآية: 13]. قال: هو كقوله: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [النحل: 25]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} [الآية: 29]. يعني: في مجالسهم. والمنكر أَتوهم الرجال. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [الآية: 17]. قال: تقولون كذبا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} معناه دِيننا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] يشير إلى أن كافر النفس، ومنه أنهم يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية للمؤمنين من القلب والسر والروح بجميع صفاتهم (ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا) في طلب الشهوات الحيوانية لاستيفاء الحظوظ بمددهم وموافقتهم {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي: نرفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعتنا لنيل الشهوات ومستلذات الطبع {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ} [العنكبوت: 12] أي: ضرر ما يحصل من خطاياهم {مِّن شَيْءٍ} [العنكبوت: 12] لأنه من الضرر الذي يحصل للروح والقلب في متابعة النفس العمى والصم والبكم والجنون والاتصاف بجميع الصفات النفسانية {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في حمل هذه الآفات والضرر عنهم ولكن {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} [العنكبوت: 13] هذه الآفات التي بها أنفسهم متصفة {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] يعني: يضعَّف الضرر الذي يحصِّلون لهم من متابعتهم مع الضرر الذي يحصِّلون لأنفسهم في تتبع الشهوات واستيفاء اللذات من غير أن يحملوا عنهم مما عليهم، {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 13] يعني: النفوس، وآخذون بما يوعدون الأرواح والقلوب في الاستتباع ويؤمنونهم من سطوات قهر الله بأن يحملوا خطاياهم، ويعزونهم بذلك. ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاية بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ} [العنكبوت: 14] إلى قوله: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19] يشير إلى أنه تعالى كما بدأ الخلق بإخراجهم عن العدم إلى عالم الأرواح، ثم أهبطهم من عالم الأرواح غلى عالم الأشباح عابرين على الملكوت والنفوس السماوية والأفلاك والأنجم والفلك الأثير والهواء والبحار وكرة الأرض، ثم على المركبات والمعادن والنبات والحيوان إلى أن يبلغ أسفل سافلين الموجودات وهو القالب الإنساني، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 5] أي: بتقدير النفخة الخاصة كما قال: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ} تفسير : [الحجر: 29] فكذلك نعيده بجذبات العناية إلى الحضرة راجعاً من حيث هبط عابراً على المنازل والمقامات التي كانت على قمره بقطع تعلق نظره إلى خواص هذه المنازل، وترك الانتفاع بها فإنها حال العبودية على هذه المنازل استعاد خواصها وبعض أجزائها منها لاستكمال الوجود الإنساني روحانياً جسمانياً، فصار محجوباً عن الحضرة فعند رجوعه إلى الحضرة بجذبة (ارجعي) يرد من كل منزل ما استعاد منه، فإن العارية مردودة إلى أن يعاد إلى العدم بلا أنانية بتصرف جبة العناية {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي: على العبد العود إلى الله بلا جذبة العناية عسير غير ممكن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن افتراء الكفار ودعوتهم للمؤمنين إلى دينهم، وفي ضمن ذلك، تحذير المؤمنين من الاغترار بهم والوقوع في مكرهم، فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا } فاتركوا دينكم أو بعضه واتبعونا في ديننا، فإننا نضمن لكم الأمر { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } وهذا الأمر ليس بأيديهم، فلهذا قال: { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ } لا قليل ولا كثير. فهذا التحمل، ولو رضي به صاحبه، فإنه لا يفيد شيئا، فإن الحق للّه، واللّه تعالى لم يمكن العبد من التصرف في حقه إلا بأمره وحكمه، وحكمه { أن لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }. ولما كان قوله: { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ } قد يتوهم منه أيضا، أن الكفار الداعين إلى كفرهم -ونحوهم ممن دعا إلى باطله- ليس عليهم إلا ذنبهم الذي ارتكبوه، دون الذنب الذي فعله غيرهم، ولو كانوا متسببين فيه، قال: [مخبرا عن هذا الوهم] { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أي: أثقال ذنوبهم التي عملوها { وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ } وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع [لكل من التابع]، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع [لأنه] تسبب في فعله ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي أجره بالتسبب. { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الشر وتزيينه، [وقولهم] {أية : وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):