٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين التكليف وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم، وكان قد ذكر أن هذا التكليف ليس مختصاً بالنبـي وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: { أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 3] ذكر من جملة من كلف جماعة منهم نوح النبـي عليه السلام وقومه ومنهم إبراهيم عليه السلام وغيرهما، ثم قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟ نقول كان النبـي عليه السلام يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام وإصرارهم على الكفر فقال إن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً في الدعاء ولم يؤمن من قومه إلا قليل، وصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وأيضاً كان الكفار يغترون بتأخير العذاب عنهم أكثر ومع ذلك ما نجوا فبهذا المقدار من التأخير لا ينبغي أن يغتروا فإن العذاب يلحقهم. المسألة الثانية: قال بعض العلماء الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل لفلان علي عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال علي سبعة، إذا علم هذا فقوله: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } كقوله تسعمائة وخمسين سنة، فما الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فنقول قال الزمخشري فيه فائدتان إحداهما: أن الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أن يقول: ألف سنة تقريباً لا تحقيقاً، فإذا قال إلا شهراً أو إلا سنة يزول ذلك التوهم ويفهم منه التحقيق الثانية: هي أن ذكر لبث نوح عليه السلام في قومه كان لبيان أنه صبر كثيراً فالنبـي عليه السلام أولى بالصبر مع قصر مدة دعائه وإذا كان كذلك فذكر العدد الذي في أعلى مراتب الأعداد التي لها اسم مفرد موضوع، فإن مراتب الأعداء هي الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف، ثم بعد ذلك يكون التكثير بالتكرير فيقال عشرة آلاف، ومائة ألف، وألف ألف. المسألة الثالثة: قال بعض الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة والآية تدل على خلاف قولهم، والعقل يوافقها فإن البقاء على التركيب الذي في الإنسان ممكن لذاته، وإلا لما بقي، ودوام تأثير المؤثر فيه ممكن لأن المؤثر فيه إن كان واجب الوجود فظاهر الدوام وإن كان غيره فله مؤثر، وينتهي إلى الواجب وهو دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائماً فإذن البقاء ممكن في ذاته، فإن لم يكن فلعارض لكن العارض ممكن العدم وإلا لما بقي هذا المقدار لوجوب وجود العارض المانع فظهر أن كلامهم على خلاف العقل والنقل (ثم نقول) لا نزاع بيننا وبينهم لأنهم يقولون العمر الطبيعي لا يكون أكثر من مائة وعشرين سنة ونحن نقول هذا العمر ليس طبيعياً بل هو عطاء إلهي، وأما العمر الطبيعي فلا يدوم عندنا ولا لحظة، فضلاً عن مائة أو أكثر. قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ }. فيه إشارة إلى لطيفة وهي أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم وإلا لعذب من ظلم وتاب، فإن الظلم وجد منه، وإنما يعذب على الإصرار على الظلم، فقوله: {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } يعني أهلكهم وهم على ظلمهم، ولو كانوا تركوه لما أهلكهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} ذكر قصة نوح تسلية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ أي ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا. وخصّ نوحاً بالذكر؛ لأنه أوّل رسول أرسل إلى الأرض وقد امتلأت كفراً على ما تقدّم بيانه في «هود». وأنه لم يلق نبيّ من قومه ما لقي نوح على ما تقدّم في «هود» عن الحسن. وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوّل نبيّ أرسل نوح» تفسير : قال قتادة: وبعث من الجزيرة. واختلف في مبلغ عمره. فقيل: مبلغ عمره ما ذكره الله تعالى في كتابه. قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وعنه أيضاً: أنه بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان مائتين سنة. وقال وهب: عمّر نوحٌ ألفاً وأربعمائة سنة. وقال كعب الأحبار: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان سبعين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاماً. وقال عون بن أبي شداد: بعث نوح وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة؛ فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة وخمسين سنة ونحوه عن الحسن. قال الحسن: لما أتى ملك الموت نوحاً ليقبض روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا؟ قال ثلاثمائة قبل أن أبعث، وألف سنة إلا خمسين عاماً في قومي، وثلاثمائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان. قال ملك الموت: فكيف وجدت الدنيا؟ قال نوح: مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا. وروي من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما بعث الله نوحاً إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة فلما أتاه ملك الموت قال: يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الآخر» تفسير : وقد قيل: دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم خرج من الباب الآخر. وقال ابن الوردي: بَنَى نوح بيتاً من قصب، فقيل له: لو بنيت غير هذا، فقال: هذا كثير لمن يموت. وقال أبو المهاجر: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً في بيت من شعر، فقيل له: يا نبيّ الله ابن بيتاً، فقال: أموت اليوم (أو) أموت غداً. وقال وهب بن منبّه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت. وقال مقاتل وجويبر: إن آدم عليه السلام حين كبر ورقّ عظمه قال يا رب إلى متى أكدّ وأسعى؟ قال: يا آدم حتى يولد لك ولد مختون. فولد له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذٍ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً. وقال بعضهم: إلا أربعين عاماً. والله أعلم. فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وكان اسم نوح السكن. وإنما سمي السكن؛ لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم. وولد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير. وولد حام القبط والسودان والبربر. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج. وليس في شيء من هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل. وفي ولد يافث ـ وهم الترك والصقالبة ـ الصفرة والحمرة. وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تسميه يام. وسمي نوح نوحاً لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله تعالى، فإذا كفروا بكى وناح عليهم. وذكر القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب التخبير له: يرى أن نوحاً عليه السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة بكاه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح كم تنوح. فسمي نوحاً؛ فقيل: يا رسول الله فأيّ شيء كانت خطيئته؟ فقال: «حديث : إنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه اخلق أنت أحسن من هذا»تفسير : . وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحاً لطول ما ناح على نفسه. فإن قيل: فلم قال: «أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامَاً» ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً. ففيه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد، فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة، فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على أن النقيصة كانت من جهته. {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: المطر. الضحاك: الغرق. وقيل: الموت. روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه قول الشاعر:شعر : أفنـاهـم طـوفـانُ مـوتٍ جـارف تفسير : قال النحاس: يقال لكل كثير مطيف بالجميع من مطر أو قتل أو موت طوفان. {وَهُمْ ظَالِمُونَ} جملة في موضع الحال و{أَلْفَ سَنَةٍ} منصوب على الظرف {إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} منصوب على الاستثناء من الموجب. وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛ لأنه مستغنى عنه كالمفعول. فأما المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض. كأنك قلت استثنيت زيداً. تنبيه: روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري، حدثنا مالك بن أنس عن الزهريّ عن ابن المسيّب عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا محمد لو لبثتُ معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر»تفسير : ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي. وقال: تفرد بروايته حسان بن غالب عن مالك وليس بثابت من حديثه. قوله تعالى: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} معطوف على الهاء. {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} الهاء والألف في {جَعَلْنَاهَا} للسفينة، أو للعقوبة، أو للنجاة؛ ثلاثة أقوال.
ابن كثير
تفسير : هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فراراً عن الحق، وإعراضاً عنه، وتكذيباً له، وما آمن معه منهم إلا قليل، ولهذا قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وبيده الأمر، وإليه ترجع الأمور؛ {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ}تفسير : [يونس: 96 ــــ 97] الآية، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوك ويكبتهم، ويجعلهم أسفل السافلين. قال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ستين عاماً حتى كثر الناس وفشوا. وقال قتادة: يقال: إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عاماً، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة سنة، ودعاهم ثلثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلثمائة سنة وخمسين عاماً، وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه، يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالى أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة، وهذا أيضاً غريب، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا. وقوله تعالى: {فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ} أي: الذين آمنوا بنوح عليه السلام، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلاً في سورة هود، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} أي: وجعلنا تلك السفينة باقية، إما عينها؛ كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان؛ كما قال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ } تفسير : [يس: 41 ــــ 44] وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 11 ــــ 12] وقال ههنا: {فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ} تفسير : [الملك: 5] أي: وجعلنا نوعها رجوماً؛ فإن التي يرمى بها ليست هي زينة للسماء، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ }تفسير : [المؤمنون: 12 ــــ 13] ولهذا نظائر كثيرة. وقال ابن جرير: لو قيل: إن الضمير في قوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا} عائد إلى العقوبة، لكان وجهاً، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } وعمره أربعون سنة أو أكثر {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } يدعوهم إلى توحيد الله فكذبوه {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ } أي الماء الكثير طاف بهم وعلاهم فغرقوا {وَهُمْ ظَٰلِمُونَ } مشركون.
الشوكاني
تفسير : أجمل سبحانه قصة نوح تصديقاً لقوله في أوّل السورة: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل له: إن نوحاً لبث ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يدعو قومه، ولم يؤمن منهم إلاّ قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. قيل: ووقع في النظم إلاّ خمسين عاماً ولم يقل: تسعمائة سنة وخمسين؛ لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني، فقد يطلق على ما يقرب منه. وقد اختلف في مقدار عمر نوح. وسيأتي آخر البحث. وليس في الآية إلاّ أنه لبث فيهم هذه المدة، وهي لا تدل على أنها جميع عمره. فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم، وقد تلبث في الأرض بعد هلاكهم بالطوفان، والفاء في {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ } للتعقيب، أي أخذهم عقب تمام المدة المذكورة، والطوفان يقال لكل شيء كثير مطيف بجمع محيط بهم من مطر أو قتل: أو موت قاله النحاس. وقال سعيد بن جبير وقتادة والسدي: هو المطر، وقال الضحاك: الغرق، وقيل: الموت، ومنه قول الشاعر:شعر : أفناهم طوفان موت جارف تفسير : وجملة {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } في محل نصب على الحال، أي مستمرون على الظلم، ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح، وذكرهم هذه المدّة بطولها {فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ } أي أنجينا نوحاً، وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه. واختلف في عددهم على أقوال: {وَجَعَلْنَـٰهَا } أي السفينة {آيَةً لّلْعَـٰلَمِينَ إِنَّ } أي عبرة عظيمة لهم، وفي كونها آية وجوه: أحدها: أنها كانت باقية على الجوديّ مدة مديدة. وثانيها: أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة. وثالثها: أن الماء غيض قبل نفاذ الزاد. وهذا غير مناسب لوصف السفينة بأن الله جعلها آية. وقيل: إن الضمير راجع في {جعلناها} إلى الواقعة أو إلى النجاة، أو إلى العقوبة بالغرق. {وَإِبْرٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } انتصاب {إبراهيم} بالعطف على {نوحاً} وقال النسائي: هو معطوف على الهاء في {جعلناها} وقيل: منصوب بمقدّر، أي واذكر إبراهيم. و{إذ قال} منصوب على الظرفية، أي وأرسلنا إبراهيم وقت قوله لقومه اعبدوا الله، أو جعلنا إبراهيم آية وقت قوله هذا، أو واذكر إبراهيم وقت قوله، على أن الظرف بدل اشتمال من إبراهيم {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ } أي أفردوه بالعبادة وخصوه بها واتقوه أن تشركوا به شيئاً {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي عبادة الله وتقواه خير لكم من الشرك، ولا خير في الشرك أبداً، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } شيئاً من العلم، أو تعلمون علماً تميزون به بين ما هو خير، وما هو شرّ. قرأ الجمهور: {وإبراهيم} بالنصب. ووجهه ما قدّمنا. وقرأ النخعي وأبو جعفر وأبو حنيفة بالرفع على الابتداء والخبر مقدّر، أي ومن المرسلين إبراهيم. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً } بيّن لهم إبراهيم أنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضرّ ولا يسمع ولا يبصر، والأوثان هي: الأصنام. وقال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جصّ أو حجارة. وقال الجوهري: الوثن الصنم والجمع أوثان {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } أي وتكذبون كذباً على أن معنى {تخلقون}: تكذبون، ويجوز أن يكون معناه: تعملون وتنحتون، أي تعملونها، وتنحتونها للإفك. قال الحسن: معنى تخلقون: تنحتون أي إنما تعبدون أوثاناً، وأنتم تصنعونها. قرأ الجمهور: {تخلقون} بفتح الفوقية وسكون الخاء وضم اللام مضارع خلق وإفكاً بكسر الهمزة وسكون الفاء. وقرأ عليّ بن أبي طالب وزيد بن عليّ والسلمي وقتادة بفتح الخاء واللام مشدّدة، والأصل تتخلقون. وروي عن زيد بن عليّ أنه قرأ بضم التاء وتشديد اللام مكسورة. وقرأ ابن الزبير وفضيل بن ورقان: "أَفكا" بفتح الهمزة وكسر الفاء وهو مصدر كالكذب، أو صفة لمصدر محذوف، أي خلقا أفكا {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئاً من الرزق {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرّزْقَ } أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فهو الذي عنده الرزق كله، فاسألوه من فضله ووحدوه دون غيره {وَٱشْكُرُواْ لَهُ } أي على نعمائه، فإن الشكر موجب لبقائها وسبب للمزيد عليها، يقال: شكرته وشكرت له {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالموت ثم بالبعث لا إلى غيره. {وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } قيل: هذا من قول إبراهيم، أي وإن تكذبوني فقد وقع ذلك لغيري ممن قبلكم، وقيل: هو من قول الله سبحانه، أي وإن تكذبوا محمداً، فذلك عادة الكفار مع من سلف {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } لقومه الذي أرسل إليهم، وليس عليه هدايتهم، وليس ذلك في وسعه {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } قرأ الجمهور: {أولم يروا} بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال أبو عبيد: كأنه قال: أولم ير الأمم. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي بالفوقية على الخطاب من إبراهيم لقومه. وقيل: هو خطاب من الله لقريش. قرأ الجمهور: {كيف يبدىء} بضم التحتية من أبدأ يبدىء. وقرأ الزبيري وعيسى بن عمر وأبو عمرو بفتحها من بدأ يبدأ. وقرأ الزهري «كيف بدأ» والمعنى: ألم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، ثم يخرجه إلى الدنيا، ثم يتوفاه بعد ذلك وكذلك سائر الحيوانات وسائر النباتات، فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة، والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم، والواو للعطف على مقدّر {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لأنه إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون. ثم أمر سبحانه إبراهيم أن يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ويعتبروا، فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلاْرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ } على كثرتهم واختلاف ألوانهم وطبائعهم وألسنتهم وانظروا إلى مساكن القرون الماضية والأمم الخالية وآثارهم؛ لتعلموا بذلك كمال قدرة الله. وقيل: إن المعنى: قل لهم يا محمد سيروا، ومعنى قوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ } أن الله الذي بدأ النشأة الأولى، وخلقها على تلك الكيفية ينشئها نشأة ثانية عند البعث، والجملة عطف على جملة: {سيروا في الأرض} داخلة معها في حيز القول، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ } تعليل لما قبلها. قرأ الجمهور: بـ {النشأة} بالقصر، وسكون الشين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالمدّ وفتح الشين، وهما لغتان كالرأفة والرآفة. وهي منتصبة على المصدرية بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة {يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } أي هو سبحانه بعد النشأة الآخرة يعذب من يشاء تعذيبه وهم الكفار والعصاة ويرحم من يشاء رحمته، وهم المؤمنون به المصدّقون لرسله العاملون بأوامره ونواهيه {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } أي ترجعون وتردّون لا إلى غيره {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاء } قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها. قال: وهو كما في قول حسان:شعر : فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سـواء تفسير : أي ومن يمدحه، وينصره سواء. ومثله قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] أي: إلاّ من له مقام معلوم. والمعنى: أنه لا يعجزه سبحانه أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوه. وقال قطرب: إن معنى الآية: ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان ها هنا، ولا بالبصرة، يعني: ولا بالبصرة لو صار إليها. وقال المبرد: المعنى: ولا من في السماء. على أن "من" ليست موصولة بل نكرة، وفي السماء صفة لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وردّ ذلك عليّ بن سليمان وقال: لا يجوز، ورجح ما قاله قطرب {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } "من" مزيدة للتأكيد، أي ليس لكم وليّ يواليكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذاب الله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَائِهِ } المراد بالآيات الآيات التنزيلية أو التكوينية أو جميعهما. وكفروا بلقاء الله، أي أنكروا البعث وما بعده ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله سبحانه. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الكافرين بالآيات، واللقاء، وهو مبتدأ وخبره: {يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي } أي إنهم في الدنيا آيسون من رحمة الله لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله. وقيل: المعنى: أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله، وهي: الجنة. والمعنى: أنهم أويسوا من الرحمة {وَأُوْلَـٰئِك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } كرّر سبحانه الإشارة للتأكيد، ووصف العذاب بكونه أليماً للدلالة على أنه في غاية الشدّة. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ } هذا رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض بما تقدّم من خطاب محمد صلى الله عليه وسلم على قول من قال: إن قوله: {قل سيروا في الأرض} خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما على قول من قال: إنه خطاب لإبراهيم عليه السلام، فالكلام في سياقه سابقاً ولاحقاً، أي قال بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم: افعلوا بإبراهيم أحد الأمرين المذكورين، ثم اتفقوا على تحريقه {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ } وجعلها عليه برداً وسلاماً {إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي في إنجاء الله لإبراهيم {لآيَاتٍ } بيّنة، أي دلالات واضحة وعلامات ظاهرة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه فيها، ولم تحرقه ولا أثرت فيه أثراً، بل صارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها من الحرارة والإحراق، وإنما خصّ المؤمنون؛ لأنهم الذين يعتبرون بآيات الله سبحانه، وأما من عداهم، فهم عن ذلك غافلون. قرأ الجمهور: بنصب {جواب قومه} على أنه خبر كان وما بعده اسمها. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار والحسن برفعه على أنه اسم كان وما بعده في محل نصب على الخبر. {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي قال إبراهيم لقومه، أي للتوادد بينكم، والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ذهاب المودّة فيما بينكم إن تركتم عبادتها. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «مودّة بينكم» برفع مودّة غير منوّنة، وإضافتها إلى بينكم. وقرأ الأعمش وابن وثاب «مودّة» برفعها منوّنة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بنصب "مَّوَدَّةَ" منوّنة ونصب بينكم على الظرفية. وقرأ حمزة وحفص بنصب «مودّة» مضافة إلى بينكم. فأما قراءة الرفع فذكر الزجاج لها وجهين: الأوّل: أنها ارتفعت على خبر إنّ في {إنما اتخذتم} وجعل ما موصولة. والتقدير: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثاناً مودّة بينكم. والوجه الثاني: أن تكون على إضمار مبتدأ، أي هي مودّة، أو تلك مودّة. والمعنى: أن المودّة هي التي جمعتكم على عبادة الأوثان، واتخاذها. قيل: ويجوز أن تكون مودّة مرتفعة بالابتداء، وخبرها في الحياة الدنيا. ومن قرأ برفع مودّة منوّنة فتوجيهه كالقراءة الأولى، ونصب بينكم على الظرفية. ومن قرأ بنصب مودّة، ولم ينوّنها جعلها مفعول اتخذتم، وجعل إنما حرفاً واحداً للحصر، وهكذا من نصبها ونوّنها. ويجوز أن يكون النصب في هاتين القراءتين على أن المودّة علة فهي مفعول لأجله، وعلى قراءة الرفع يكون مفعول اتخذتم الثاني محذوفاً، أي أوثاناً آلهة، وعلى تقدير أن ما في قوله: {إنما اتخذتم} موصولة يكون المفعول الأوّل ضميرها؛ أي اتخذتموه، والمفعول الثاني أوثاناً {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } أي يكفر بعض هؤلاء المتخذين للأوثان العابدين لها بالبعض الآخر منهم، فيتبرأ القادة من الأتباع والأتباع من القادة، وقيل: المعنى: يتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان، وتتبرأ الأوثان من العابدين لها {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يلعن كلّ فريق الآخر على التفسيرين المذكورين {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي الكفار. وقيل: يدخل في ذلك الأوثان، أي هي منزلكم الذي تأوون إليه {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } يخلصونكم منها بنصرتهم لكم. {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } أي: آمن لإبراهيم لوط فصدّقه في جميع ما جاء به. وقيل: إنه لم يؤمن به إلاّ حين رأى النار لا تحرقه، وكان لوط ابن أخي إبراهيم {وَقَالَ إِنّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّي} قال النخعي، وقتادة: الذي قال: {إني مهاجر إلى ربي} هو إبراهيم قال قتادة: هاجر من كوثى، وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارّة. والمعنى: إني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة: وقيل: إن القائل: {إني مهاجر إلى ربي} هو لوط، والأوّل أولى لرجوع الضمير في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } إلى إبراهيم، وكذا في قوله: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ }، وكذا في قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف، أي منّ الله عليه بالأولاد، فوهب له إسحاق ولداً له ويعقوب ولداً لولده إسحاق، وجعل في ذرّيته النبوّة والكتاب، فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلاّ من صلبه، ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب، والمراد: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ومعنى {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا}: أنه أعطي في الدنيا الأولاد، وأخبره الله باستمرار النبوّة فيهم، وذلك مما تقرّ به عينه، ويزداد به سروره، وقيل: أجره في الدنيا أن أهل الملل كلها تدّعيه، وتقول هو منهم. وقيل: أعطاه في الدنيا عملاً صالحاً وعاقبة حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين، أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة وكثرة العطاء من الربّ سبحانه. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله نوحاً، وهو ابن أربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه وبعد ما بعث ألفاً وسبعمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن عوف بن أبي شدّاد قال: إن الله أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذمّ الدنيا عن أنس بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتاً له بابان، فقال في وسط البيت هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } قال: أبقاها الله آية فهي على الجوديّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } قال: تقولون كذباً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ } قال: هي الحياة بعد الموت، وهو النشور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } قال: صدّق لوط إبراهيم. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال: أوّل من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : صحبهما الله، إن عثمان لأوّل من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط»تفسير : . وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه أوّل من هاجر بعد إبراهيم ولوط»تفسير : . وأخرج ابن عساكر والطبراني، والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط مهاجر»تفسير : . وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: أوّل من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } قال: هما ولدا إبراهيم، وفي قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} قال: إن الله وصى أهل الأديان بدينه فليس من أهل الأديان دين إلاّ وهم يقولون إبراهيم ويرضون به. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً في قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا } قال: الذكر الحسن. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الولد الصالح، والثناء، وقول ابن عباس: هما ولدا إبراهيم لعله يريد ولده وولد ولده، لأن ولد الولد بمنزلة الولد، ومثل هذا لا يخفى على مثل ابن عباس، فهو حبر الأمة، وهذه الرواية عنه هي من رواية العوفي، وفي الصحيحين «حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} روى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَوَّلُ نَبِيٍ أُرْسِلَ نُوْحٌ" تفسير : قال قتادة: وبعث من الجزيرة. {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن هذا مبلغ عمره كله. قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة ودعاهم ثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. فإن قيل فلم قال {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً فعنه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد فكان ذكر الألف أفخم في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده فلما حضرته الوفاة راجع في استكمال الألف فذكر الله ذلك تنبيهاً على أن النقيصة كانت من جهته، فهذا قول. والقول الثاني: أنه بعث لأربعين سنة من عمره ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد الطوفان ستين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وخمسين سنة، قاله ابن عباس. الثالث: أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد ذلك سبعين سنة فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار. والقول الرابع: أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ولبث في قومه داعياً ألف سنة إلا خمسين عاماً وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة وخمسين سنة. قاله عون بن أبي شداد. {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الطوفان المطر، قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة والسدي. الثاني: أن الطوفان الغرق، قاله الضحاك. الثالث: أنه الموت، روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قول الشاعر: شعر : أفناهم طوفان موت جارفٍ تفسير : وقيل إن الطوفان كلُّ عامّ من الأذى. وحكى إسماعيل بن عبد الله أن الطوفان كان في نيسان.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُوحاً} هو أول رسول بعث وبعث من الجزيرة. {أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً} وهي مبلغ عمره لبث قبل دعائهم ثلاثمائة ودعاهم ثلاثمائة وبقي بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين، أو بعث لأربعين ودعاهم ألفاً إلا خمسين وبقي بعد الطوفان ستين فذلك ألف وخمسون "ع"، أو لبث فيهم ألفاً إلا خمسين وعاش بعد ذلك سبعين فذلك ألف وعشرون، أو بعث على ثلاثمائة وخمسين ودعاهم ألفاً إلى خمسين وبقي بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين فذلك ألف وستمائة وخمسون {الطُّوفانُ} المطر "ع"، أو الغرق، أو الموت مأثور قيل كان الطوفان في نيسان.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ...} الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً؛ يدعو إلى عبادة اللّه تعالى، و {ٱلطُّوفَانُ}: العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت. وقوله: {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} يريد: بالشرك. ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش. وقوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قال ابن عباس: هو نحت الأصنام. وقال مجاهد: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان؛ وغير ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ...} لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم فكأنه قال: هذا التكليف ليس مختصاً بالنبي وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 3]، فذكر من الذين كلفوا قبله نوح عليه (الصلاة و) السلام وقومه، وإبراهيم عليه (الصلاة و) السلام وغيرهما. قوله: "ألْفَ سَنَةٍ" منصوب على الظرف {إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} منصوب على الاستثناء. وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف. وللمانعين عنه جواب عن هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غَايَرَ بين تَمْيِيزي العَدَد فقال في الأول "سنة"، وفي "الثاني" عاماً، لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذاناً بأن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن الخَصْب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة. فصل قال بعضهم: إن الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل: لفلان عَلَيَّ عشرة إلا ثلاثةً فكأنه قال: عليّ سبعة، إذا علم هذا فقوله: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} كقوله: تسعمائة وخمسين سنة فما الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فقال الزمخشري فيه فائدتان، إحداهما: أنّ الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب، فإن من قال: عاش فلان ألفَ سنة (يمكن أن يتوهم أن يقول ألف سنة) تقريباً لا تخفيفاً، فإذا قال إلا شهراً أو إلا سنة يزول ذلك التوهم، وقد يفهم منه التحقيق. الفائدة الثانية: هي أن ذكر لَبْثِ نوح عليه (الصلاة و) السلام في قومه كان لبيان أنه صبر كثيراً فالنبي عليه (الصلاة و) السلام أولى بالصبر مع قِصَرِ مُدَّةِ (دُعَائِهِ). قوله: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ} فغرقوا {وَهُمْ ظَالِمُونَ} قال ابن عباس: مشركون. وفيه إشارة إلى أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم ولا يعذب من ظلم وتاب بأن الظلم وجد منه وإنما يعذب على الإصرار على الظلم، فقوله: "وَهُمْ ظَالِمُونَ" يعني أهلكهم وهم ملتبسون بالظلم. قوله: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} يعني من الغرق، "وجعلناها" يعني السفينة "آية للعالمين" أي عبرة، وفي كونها آية وجوه: أحدُها: كانت باقية على الجُودِيِّ مدة مديدة. وثانيها: أن نوحاً أمر بأخذ قومه معه، ورفع قدر من الزاد والبحر العظيم لا يتوقع أحد (نُضُوبَه). ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد، ولولا ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة. وثالثها: أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة والحيوانات المؤذية، ولولا ذلك لما حصل النجاة، وقيل: "الهاء" في "جَعَلْنَاهَا" راجعة إلى الواقعة أو النجاة أو العقوبة بالغرق. فصل قال ابن عباس بُعِثَ نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسينَ عاماً، وعاش بعد الطُّوفَان ستينَ سنة حتى كثر الناس وفَشَوْا، وكان عمره ألفاً وخَمْسِينَ سنةً، وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة، فإذا كان هذا محفوظاً عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره عليه (الصلاة و) السلام فروى ابن جرير, والأزرقي حديثاً مرسلاً أن قبر نوح عليه (الصلاة و) السلام بالمسجد الحرام. وقيل: ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك، والأول أقوى وأثبت.
البقاعي
تفسير : ولما كان السياق للبلاء والامتحان، والصبر على الهوان، وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتاً لهم وتهديداً لقريش، فقال عاطفاً على {ولقد فتنا الذين من قبلهم} ما هو كالشرح له، وله نظر عظيم إلى {أية : ولقد وصلنا لهم القول} تفسير : [القصص: 51] وأكده دفعاً لوهم من يقول: إن القدرة على التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب {نوحاً} أي أول رسل الله الخافقين من العباد، وهو معنى {إلى قومه} فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض، وكان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء بلاء بهم، ولذلك قال مسبباً عن ذلك ومعقباً: {فلبث فيهم} أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله، وعظم الأمر بقوله: {ألف} فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه، وعبر بلفظ {سنة} ذماً لأيام الكفر، وقال: {إلا خمسين} فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة، وقال: {عاماً} إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً يإيمان المؤمنين وخصب الأرض. ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال، قال مسبباً عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقباً له: {فأخذهم} أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة {الطوفان} أي من الماء، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طامّ محيط غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها، والمراد هنا الماء {وهم ظالمون*} أي عريقون في هذا الوصف، وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام، بتكذيبهم رسولهم، وإصرارهم على كفرهم، وهو ملازم لدعائهم ليلاً ونهاراً لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس لقلتهم لا يعدون؛ ودل عليهم مسبباً عن ذلك بقوله: {فأنجيناه} أي نوحاً عليه السلام بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء {وأصحاب السفينة} من أولاده وأتباعه، من الغرق، وماذا يبلغ مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة {وجعلناها} أي الفعلة أو السفينة أي نفسها وجنسها، بتلك العظمة {آية} أي علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي {للعالمين*} فإن لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض، بطولها والعرض، وإغراق جميع من عليها من حيوان: إنسان وغير إنسان، وإنجاء ناس فيهم بما هيأ قبل الفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب الأزمان، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم واضح، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزئيات المشاهدة أن ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة، فالهداية إلى فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة، وأن من اهتدى إليه دون أهل ذلك العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره، ونصف الآية الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلاً على آيتي الفتنة أول السورة، ونصفها الثاني تحذير وتوقية، وفيه دليل على الآية الثالثة، والآية الثالثة، والآية الأخرى تبشير وترجية، وفيه دليل على ما بعد. ولما كان بلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام عظيماً في قذفه في النار وإخراجه من بلاده، أتبعه به فقال: {وإبراهيم} أي ولقد أرسلنا إبراهيم، ويجوز أن يكون التقدير: واذكر إبراهيم أباك الأعظم لتتأسى به وتتسلى ويتعظ قومك بقصته، لكن قوله {وإلى مدين} يرجح الأول، ودل على مبادرته للامتثال بقوله: {إذ} أي حين، وهو بدل اشتمال على التقدير الثاني لاشتمال الأحيان على ما قبلها {قال لقومه} الذين هو منهم: {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم بما يأمركم به من طاعته {واتقوه} أي خافوه في أن تشركوا به شيئاً فإنه يعذبكم {ذلكم} أي الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم {خير لكم} أي من كل شيء {إن كنتم} أي بما لكم من الغرائز الصالحة {تعلمون*} أي إن كنتم في عداد من يتجدد له علم فأنتم تقولون: إنه خير، أي تعتقدون ذلك فتعملون به، وإن لم تعملوا ذلك فأنتم في عداد الحيوانات العجم، بل أضل، فإنها تهتدي لما ينفعها فتقبل عليه، وتسعى بجهدها إليه. ولما أمرهم بما تقدم، ونفى العلم عمن جهل خيريته، دل عليه بقوله: {إنما تعبدون} ولما كان الله أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الذي لا شبيه له ولا نظير، ولا ثاني ولا وزير، وقال: {أوثاناً} إشارة إلى تفرق الهم بكثرة المعبود، والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة. ومادة "وثن" بجميع تقاليبها واوية ويائية مهموزة تدور على الزيادة والكثرة، ويلزمها الفرقة من اختلاف الكلمة، فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي العجز، وتراكيبها تسعة: في الواوي الثلاثة: وثن ثنو ثون، وفي اليائي ثلاثة: ثنى نثى ثين، وفي المهموز ثلاثة: أنث أثن نأث، فمن الزيادة: الوثن، قال القزاز: قال أبو منصور: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ينحت فينصب فيعبد، والصنم الصورة التي بلا جثة، ومنهم من جعل الوثن صنماً - انتهى. وقال عبد الحق: قال الهروي: قال ابن عرفة: ما كان له صورة من جص أو حجارة أو غير ذلك فهو وثن - انتهى. فقد علم من ذلك أنه لا بد فيه من صورة أو جثة، وعلى كل تقدير فهو ثان لما شابه صورته أو جثته وزائد عليه. وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: الصنم تمثال من حجارة على صورة الإنسان، فإذا كان من خشب فهو وثن، ويتخذ أيضاً من جص، وربما صوروا في الحائط أيضاً صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضاً وثناً، والنصارى يفعلون ذلك ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة مريم ويسجدون لها: واستوثن المال: سمن، فزاد لحمه، واستوثن من المال: استكثر، والنحل: صارت فرقتين صغاراً وكباراً، والإبل: نشأت أولادها معها، وأوثن زيداً: أجزل عطيته، والواثن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، فالزيادة فيه بالنسبة إلى زمانه، ويمكن أن يكون من الرخاوة، فإنه لا يثبت على هذه الصورة إلا ما لا قدرة له على حركة. ومن الفرقة: نثا الحديث - بتقديم النون - ينثوه وينثيه. يائي وواوي: أشاعه وحدث به، والشيء: فرقه وأذاعه، وأنثى: اغتاب وأنف من الشيء، ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره، والثوينا كالهوينا: الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه، والتثاون: الاحتيال والخديعة، فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر، وهي أيضاً لا تكون إلا من عاجز عن الأخذ جهاراً، ومن ذلك تثاون للصيد - إذا جاءه مرة عن يمينه وأخرى عن يساره، والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض، ومن الوادي: منعطفه، واثنونى: انعطف، والثناء ككتاب: عقال البعير، وهو حبل مثنى يعقل به يد البعير فتثنى، والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد إليه، وأثناء الشيء: قواه وطاقاته، والاثنان: ضعف الواحد، والمؤنث ثنتان، وأصله ثنى، والاثنين والثنى كإلى: يوم في الأسبوع، وثنيته عن وجهه: رددته، فصار له رجوع بعد ذهاب، وثنيث الرجلين: صرت ثانيهما وأنت أحدهما، ولا يقال: ثنيت فلاناً، ولكن يقال: صرت له ثانياً، والمثاني: القرآن أو ثني منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة - هكذا عبر في القاموس، وفي مختصر العين: ويقال: سور أولها البقرة وآخرها براءة، وذكر في القاموس في ذلك أقوالاً أخرى، ومن أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى، ومثنى الأيادي: إعادة المعروف مرتين فأكثر، والثنية: العقبة أوطريقها أو الجبل أو الطريقة فيه - لأنها بطلوعها ونزولها أو تعاريجها كأنها ثنيت مرتين، والثنايا من الأسنان: الأربع التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، والناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثنى، والفرس الداخلة في الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة، وكأن ذلك كله من عرض يعرض لثنيه الحيوان، والثنية: النخلة المستثناة من المساومة، والثنية والثناء، وصف بمدح أو ذم، أو خاص بالمدح، وذلك لأنه يكرر، والثين بالكسر: من يستخرج الدر من البحر، لأنه يكرر الغوص حتى يجد ويفارق مكانه لذلك ويفرق الدر من مكانه، والثين أيضاً: مثقب اللؤلؤ، لأن الثقب يفرق بين أجزائها ولأن المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ذلك. ومن مهموزة؛ نأث عنه: بعد، والمنآث - بالضم، المبعد، والأثين: الأصيل، لأنه ثان لأصله، ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر، والأنيت من الحديد الرخو وهو ما لم يكن ذكراً، والمؤنث: المخنث، والأنثيان: الخصيتان والأذنان، وأرض أنيثة ومئناث: سهلة، وسيف مئناث: كهام أي قليل لا يقطع - فقد تحرر أن المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من الكثرة والفرقة والرخاوة، ولذلك أتى بصيغة الحصر، وهو قصر قلب لسلب ما اعتقدوه فيها من الإلهية. ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية، والغاية الشماء السنية، بكثرتها، أشار لهم إلى قصورها أيضاً بتصويرها فقال بصيغة المضارع إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها: {وتخلقون} أي تصورون بأيديكم {إفكاً} أي شيئاً مصروفاً عن وجهه، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ومربوب وأنتم تعدونه رباً، وعبد وأنتم تقيمونه معبوداً، أو تقولون في حقها إنها آلهة كذباً. ولما كان الإنسان محتاجاً أبداً، فكان لا يزال متوجهاً إلى من ينفعه، وكان قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها، صرح بعجزها، وأثبت اختصاصه بالخير، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده رداً لما كانوا يتوهمونه من نفعها وضرها فقال: {إن الذين تعبدون} ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح {من دون الله} المحيط بصفات الكمال، المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء، وحضرته العلياء {لا يملكون لكم} أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم {رزقاً} أي شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه، فتسبب عن ذلك قوله: {فابتغوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي فيه، لأنه أجرى عادته سبحانه أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من المرزوق وجهد، إما في العبادة والتوكل، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه الدنيوية "والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني". ولما أشار إلى ذلك، أشار إلى الإجمال في الطلب، وأن لا يعتقد أنه لا محالة في السبب، وإنما الأمر مع ذلك بيده، إن شاء أنجح وإن شاء خيب، بقوله: {عند الله} أي الذي له كل صفة كمال {الرزق} أي كله، فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده، وقد دخل فيه كل موجود، فإن الكل خلق لذلك، فأحكمت صنعته وربط بعضه ببعض، فلو نقص منه شيء لاختل النظام، فتبطل الأحكام {واعبدوه} أي عبادة يقبلها، وهي ما كان خالصاً عن الشرك، فإن من يكون كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له، ويعاقب الزاهد فيه، فلا يشغلكم ابتغاء الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته، فإنها هي الأسباب الحقيقية، فربما حرم العبد الرزق بالذنب يصيبه {واشكروا} أي أوقعوا الشكر {له} خاصة على ما أفاض عليكم من النعم؛ ثم علل ذلك بقوله: {إليه} أي وحده {ترجعون*} أي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحساً بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في الدارين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث الفاً وسبعمائة سنة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر رضي الله عنهما كم لبث نوح عليه السلام في قومه؟ قلت: الف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فإن من كان قبلكم كانوا أطول أعماراً، ثم لم يزل الناس ينقصون في الأخلاق والآجال والأحلام والأجسام إلى يومهم هذا. وأخرج ابن جرير عن عون بن أبي شداد رضي الله عنه قال: إن الله أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ملك الموت إلى نوح عليه السلام فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتاً له بابان فوقف وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فأخذهم الطوفان} قال: الماء الذي أرسل عليهم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال {الطوفان} الغرق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فأنجيناه وأصحاب السفينة} قال: نوح وبنوه ونساء بنيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وجعلناها آية للعالمين} قال: أبقاها الله آية فهي على الجودي. والله أعلم.
القشيري
تفسير : ما زادهم طولُ مقامه فيهم إلا شَكا في أمره، وجهلا بحاله، ومُرْية في صدقه، ولم يزدد نوح - عليه السلام - لهم إلاَّ نُصْحاً، وفي الله إلا صبراً. ولقد عرَّفه اللَّهُ أنه لن يؤمِنَ منهم إلا الشِّرْذِمة اليسيرةُ الذين كانوا قد آمنوا، وأَمَرَهُ باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحداً، وَصَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه.. فلا تبديلَ لِسُنَّتِه في نصرة دينه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا} للدعوة الى التوحيد وطريق الحق من قبل ارسالنا اياك يامحمد {نوحا} واسمه عبدالغفار كما ذكره السهيلى رحمه الله فى كتاب التعريف والشاكر كما ذكره ابو الليث فى البستان. وسمى نوحا لكثرة نوحه وبكائه من خوف الله ولد بعد مضى الف وستمائة واثنتين واربعين سنة من هبوط آدم عليه السلام وبعثد عند الاربعين {الى قومه} وهم اهل الدنيا كلها. والفرق بين عموم رسالته وبين عموم رسالة نبينا عليه السلام ان نبينا عليه السلام مبعوث الى من فى زمانه والى من بعده الى يوم القيامة بخلاف نوح فانه مرسل الى جميع اهل الارض فى زمانه لابعده كما فى انسان العيون وهو اول نبى بعث الى عبدة الاصنام لان عبادة الاصنام اول ماحدثت فى قومه فارسله الله اليهم ينهاهم عن ذلك وايضا اول نبى بعث الى الاقارب والاجانب واما آدم فاول رسول الله الى اولاده بالايمان به وتعليم شرائعه وهو اى نوح عليه السلام ابونا الاصغر وقبره بكرك بالفتح من ارض الشام كما فى فتح الرحمن {فلبث فيهم} بعد الارسال ولبث بالمكان اقام به ملازما له {الف سنة} الالف العدد المخصوص سمى بذلك لكون الاعداد فيه مؤلفة فان الاعداد اربعة آحاد وعشرات ومئون والوف فاذا بلغ الالف فقد ائتلف وما بعده ويكون مكررا قال بعضهم الالف فى ذلك لانه مبدأ النظام والسنة اصلها سنهة لقولهم سانهت فلانا اى عاملته سنة فسنة وقيل اصلها من الواو لقولهم سنوات والهاء للوقف {الا خمسين عاما} العام كالسنة لكن كثيرا ماتستعمل السنة فى الحول الذى فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة والعام فيما فيه الرخاء وفى كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى بالعام لطيفة وهى ان نوحا عاش بعد اغراق قومه ستين سنة فى طيب زمان وصفاء عيش وراحة بال وقيل سمى السنة عاما لعموم الشمس فى جميع بروجها والعوم السباحة ويدل على معنى العوم قوله تعالى {أية : كل فى فلك يسبحون}.تفسير : ومعنى الآية فلبث بين اظهرهم تسعمائة وخمسين عاما يخوفهم من عذاب الله ولا يلتفتون اليه وانما ذكر الالف تخييلا لطول المدة الى السامع اى ليكون افخم فى اذنه ثم اخرج مها الخمسون ايضاحا لمجموع العدد فان المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتثبيته على مايكابد من الكفرة: يعنى [ايراد قصه نوح بجهت تسليه سيد انام است وتثبيت بركشيدن اذى ازقوم وتهديديكزبان بذكر طوفان يعنى نوح نهصد وبنجاه سال جفاى قوم كشيد وهمجنان دعوت ميفرمود وكسى نمى كرويد] الا القليل الذين ذكرهم فى قوله {أية : وما آمن معه الا قليل}تفسير : فاذن له فى الدعاء فدعا عليهم بالهلاك {فاخذهم الطوفان} اى عقيب تمام المدة المذكورة فغرق من فى الدنيا كلها من الكفار. والطوفان يطلق على كل مايطوف بالشىء ويحيط به على كثرة وشدة وغلبة من السيل والريح والظلام والقتل والموت والطاعون والجدرى والحصبة والمجاعة وقد غلب على طوفان الماء وقد طاف الماء ذلك اليوم بجميع الارض {وهم ظالمون} اى والحال انهم مستمرون على الظلم والكفر لم يستمعوا الى داعى الحق هذه المدة المتمادية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} الله {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً} يدعوهم إلى الله، وهم يؤذونه بالشتم والضرب حتى نُصر، فاصبر كما صبر، فإن العاقبة للمتقين. رُوي أنه عاش ألفاً وخمسين سنة, وقيل: إنه ولد في حياة آدم, وآدم يومئذٍ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً. وقيل: إلا أربعين. ذكره الفاسي في الحاشية. والمشهور: أن بينه وبين آدام نحو العشرة آباء. وروي أنه بُعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين. وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وَهْبٍ أنه عاش في عمره ألفاً وأربعمائة، وقيل: وستمائة، فقال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً؛ كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَدَارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. ولم يقل: تسعمائة وخمسين سنة، لأنه، لو قيل ذلك، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل هنا، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين كاملة وافية العدد. مع أن ما ذكره الحق أسلس وأعذب لفظاً، ولأن القصة سيقت لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته، وما كابده من طول المصابرة؛ تسليةً لنبينا - عليه الصلاة والسلام - فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وَجِيءَ، أولاً: بالسّنةِ ثم بالعام؛ لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة. {فأخذهم الطوفانُ}؛ طوفان الماء، وهو ما طاف وأحاط، بكثرة وغلبة، من سيل، أو ظلام ليلٍ، أو نحوها، {وهم ظالمون} أنفسهم بالكفر والشرك، {فأنجيناه وأصحابَ السفينة}، وكانوا ثمانية وسبعين نفساً، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، أولاد نوح: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، ومَنْ آمَنَ مِنْ غَيْرِهِمْ، {وجعلناها} أي: السفينة، أو الحادثة، أو القصة، {آيةً}؛ عبرة وعظة {للعالَمين} يتعظون بها. الإشارة: كل ما سُلى به الأنبياء يُسَلّى بِهِ الأولياء، فكل من أُوذي في الله، او لحقته شدة من شدائد الزمان، فليعتبر بمن سلف قبله من الأكابر، ويتسلى بهم، ولينظر إلى لطف الله وبره وإحسانه، فإن لطفه لا ينفعك عن قدره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: العارف هو الذي يغرق إساءته في إحسان الله إليه، ويغرق شداد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه؛ فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. ثم ذكر قصة إبراهيم، فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ....}
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} لمّا ذكر حال المؤمنين والمنافقين والكافرين بنحوٍ كلّىٍّ اراد ان يبيّن حالهم بامثلة جزئيّة وبدأ بنوحٍ (ع) والمؤمنين به والكافرين به لانّه اوّل نبىٍّ كان حكاية رسالته وانكار قومه وهلاكهم معروفة عندهم {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} عن الباقر (ع) انّه كان يدعوهم سرّاً وعلانيةً فلمّا ابوا وعتوا قال: ربّ انّى مغلوبٌ فانتصر {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} اى الّذين آمنوامعه، او دخلوا فى الفلك معه {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} اى جعلنا السّفينة من حيث صنعها من غير بحر وماء ومن حيث انجائها وانجاء اهلها آيةً للعالمين بحيث بقى آثارها فى الافواه والاخبار وانتشرت فى العالم.
الأعقم
تفسير : {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} كان عمر نوح (عليه السلام) ألفاً وخمسين سنة، قالوا: بعث على رأس أربعين سنة ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وعن وهب: أنه عاش ألف وأربعمائة سنة {فأخذهم الطوفان} ما أطاف أو أحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل ونحوها {وهم ظالمون} لأنفسهم {فأنجيناه وأصحاب السفينة} كانوا ثمانية وسبعون نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساءهم، وقيل: كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة نسوة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة"تفسير : ، فـ {جعلناها} السفينة أو الجارية {آية} أي عبرة {للعالمين} للخلق على توحيد الله وصدق نبيّه، ثم بيّن تعالى قصة إبراهيم فقال سبحانه: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتّقوه} يعني وحدوه واتقوا معاصيه، أو اتقوا عذابه {ذلكم} أي ما تؤمرون به من الدين {خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} وجه الدلالة والتفكر {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً} واختلاقهم تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله وشفعاء إليه {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً} لأنها لا تقدر على شيء من النعم فلا تستحق العباده {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه} وحدوه {واشكروا له إليه ترجعون} إلى حكمه تصيرون يوم القيامة {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} وإن يكذبوك بما جئت به {فقد كذب أمم} من قبلهم فأهلكوا {وما على الرسول إلاَّ البلاغ المبين} أي أداء الرسالة وبذل النصيحة والدعاء إلى الدين المبين الواضح الظاهر {أولم يروا} قيل: ألم يعلموا {كيف يبدئ الله الخلق} أي هلاَّ تفكروا في ابتداء خلق الله {ثم يعيده إن ذلك على الله يسير} لا تعب عليه فيه ولا نصب فإن من قدر على ذلك قدر على إرسال الرسل والمعجزات {قل} يا محمد لهم {سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} ما ينشأ من الأشجار والنبات وسائر الحيوانات وغيرها فمن قدر عليها قدر على الإِعادة {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} يعيدهم بعد فنائهم {إن الله على كل شيء قدير} فيفعل ما يشاء {يعذب من يشاء} وهو من استحق العذاب من الكافرين والفاسقين {ويرحم من يشاء} من أهل طاعته {وإليه تقلبون} تردون وترجعون، قوله تعالى: {وما أنتم بمعجزين} ربكم أي تفوتونه، أي هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة {ولا في السماء} التي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها كقوله تعالى: {أية : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} تفسير : [الرحمن: 33] وقيل: ولا من في السماء {وما لكم من دون الله} أي ليس سوى الله أحد يتولى نصرهم ونجاتهم من العذاب {والذين كفروا بآيات الله} قيل: بالقرآن، وقيل: سائر الحجج {ولقائه} ولقاء جزائه يوم البعث {أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب اليم}.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً} بعد الارسال ارسله عند الأربعين ولبث فيهم اي أقام فيهم بعد ذلك يدعوهم الى التوحيد والعمل الصالح الف سنة الا خمسين عاما وحي بعدهم ستمائة سنة قاله كعب وقال وهب: وحي بعدهم اربعمائة سنة وقال ابن عباس: ستين سنة وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة وقيل: ابن مائة وخمسين وقيل: ابن مائتين وخمسين وانما ميز احد العددين بالسنة والآخر بالعام ولم يميزهما بواحد لان تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة الا اذا وضع ذلك لاجل غرض يفيده المتكلم من تفخيم او تهويل وتنويه ونحو ذلك وان قلت الف سنة إلا خمسين سنة هو تسعمائة سنة وخمسون فهل لا قيل فلبث فيهم تسعمائة سنة وخمسين عاما؟ قلت: لو قال ذلك لكان من الجائز ان يراد بتسع المائة والخمسين ما يقرب من هذا العدد وان يراد نفس العدد لا اقل ولا اكثر واما اذا قال الف سنة الا خمسين فالكلام نص ان العدد على التحقيق لا التقريب مع انه انتصر وايضا في ذكر الالف تطويل للمدة والخمسون ولو استثنت لكنها لقلتها بالنسبة للباقي كأنها غير مستثناة والقصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من امته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له صلى الله عليه سلم كيف تضيق يا محمد وقد صبر نوح قبلك ما صبر وقد آمن من قومك كثير ولم يؤمن من قوم نوح الا قليل. {فَأَخَذَهُمُ الطَّوفَانُ} أغرقهم الماء الكثير وسمي طوفانا لأنه طاف بهم من جهاتهم كلها قيل وكل ما طاف بالشيء فهو طوفان قيل يقال طوفان لكل كثير خارج عن العادة من ماء او نار او موت او سيل او ظلام وغير ذلك طوفان. {وَهُمْ ظَالِمُونَ} انفسهم بالمعاصي والشرك قيل كان الطوفان قبل النبي صلى الله عليه وسلم بألف وست مائة.
اطفيش
تفسير : {ولَقدَ} الواو عاطفة لا حرف قسم حذف بعض المعطوف، والأصل وبالله، او الاصل ووالله بواو العطف بعد واو القسم المحذوفة، وبقى الجواب وهو {أرْسَلنا نُوحاً الى قَومه} وهذا تسلية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتصبير ووعد بالنجاة والسلامة، ووعيد للمكذبين، كما فاز نوح ونجا وهلك مكذبوه {فَلَبث فيهم ألف سَنةٍ} اختار اولاً لفظة السنة لشهرتها في الشدة بالجدب المناسبة، لما لقى من قومه وقت دعائه لهم، والعام أعم {إلاَّ خَمْسين عاماً} روى الحاكم، وقال: صحيح وابن ابى شيبة وغيرهما، عن ابن عباس رضى الله عنهما: "بعث الله تعالى نوحاً عليه السلام ابن أربعين سنة، ولبث فيهم أف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم الى الله تعالى وعاش بعد الطوفان ستين، فكثر الناس فعمره الف وخمسون سنة" وروى ابن ابى جرير، عن عون بن ابى شداد: "أن الله تعالى أرسله ابن خمسين وثلاثمائة، ولبث فيهم ألفا إلا خمسين، وعاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، فعمره ألف وستمائة وخمسون" وعن عكرمة: عمره الف وسبعمائة، وعن وهب: الف واربعمائة. وقيل: مدة ثبوته تسعمائة وخمسون، وعاش بعد الغرق خمسين، وقيل: مائتين ومدة الطوفان ستة اشهر آخرها يوم عاشوراء يحتمل ان تكون الآية في مدة اقامته من حين ولد الى الغرق، وان يكون ذلك جميع عمره، روى ابن ابى الدنيا عن انس انه قال له ملك الموت: يا اطول الانبياء عمراً كيف الدنيا؟ قال: كبيت له بابان، دخلت من احدهما فقلت قليلاً، وخرجت من آخر، وروى دخلت وخرجت {فأخذهم الطوفان} ما دار بهم وهو هنا الماء {وهم ظالمون} لانفسهم بالكفر، لم يؤثر فيهم وعظه وآياته.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } شروع في بيان إفتتان الأنبياء عليهم السلام بأذية أممهم إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيداً للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء وحثاً لهم على الصبر فإن الأنبياء عليهم السلام حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها فلأن يصير هؤلاء المؤمنون أولى وأحرى، والظاهر أن الواو للعطف وهو من عطف القصة على القصة، قال ابن عطية: والقسم فيها بعيد يعني أن يكون المقسم به قد حذف وبقي حرفه وجوابه فإن فيه حذف المجرور وإبقاء الجار، وهم قالوا: لا بد من ذكر المجرور، والفاء للتعقيب فالمتبادر أنه عليه السلام لبث في قومه عقيب الإرسال المدة المذكورة وقد جاء مصرحاً به في بعض الآثار. أخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: بعث الله تعالى نوحاً عليه السلام وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا، وعلى هذه الرواية يكون عمره عليه السلام ألف سنة وخمسين سنة. وقيل: إنه عليه السلام عمر أكثر من ذلك، أخرج ابن جرير عن عون بن أبـي شداد قال: إن الله تعالى أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين / عاماً ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة فيكون عمره ألف سنة وستمائة وخمسين سنة، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث ألفاً وسبعمائة سنة، وعن وهب أنه عليه السلام عاش ألفاً وأربعمائة سنة، وفي «جامع الأصول» كانت مدة نبوته تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الغرق خمسين سنة، وقيل: مائتي سنة وكانت مدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم عاشوراء. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ما ذكر الله عز وجل مدة إقامته عليه السلام من لدن مولده إلى غرق قومه، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك جميع عمره عليه السلام، ولا يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم. وجاء في بعض الآثار أنه عليه السلام أطول الأنبياء عليهم السلام عمراً، أخرج ابن أبـي الدنيا في كتاب «ذم الدنيا» عن أنس بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح عليهما السلام فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتاً له بابان فقال وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه عليه السلام للدلالة على كمال العدد وكونه متعيناً نصاً دون تجوز فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة لأنها أول ما تقرع السمع فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء، واختلاف المميزين لما في التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة، والنكتة في اختيار السنة أولاً أنها تطلق على الشدة والجدب بخلاف العام فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة الذي قاسى عليه السلام فيه ما قاسى من قومه. {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ } أي عقيب تمام المدة المذكورة، والطوفان قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام قال العجاج:شعر : حتى إذا ما يومها تصبصبا وغم طوفان الظلام الأثأبا تفسير : وقد غلب على طوفان الماء وهو المراد هنا {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } أي والحال أنهم مستمرون على الظلم لم يتأثروا بما سمعوا من نوح عليه السلام من الآيات ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة المتمادية.
سيد قطب
تفسير : انتهى الشوط الأول بالحديث عن سنة الله في ابتلاء الذين يختارون كلمة الإيمان، وفتنتهم حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين. وقد أشار إلى الفتنة بالأذى، والفتنة بالقرابة، والفتنة بالإغواء والإغراء. وفي هذا الشوط يعرض نماذج من الفتن التي اعترضت دعوة الإيمان في تاريخ البشرية الطويل من لدن نوح عليه السلام. يعرضها ممثلة فيما لقيه الرسل حملة دعوة الله منذ فجر البشرية. مفصلاً بعض الشيء في قصة إبراهيم ولوط، مجملاً فيما عداها. وفي هذا القصص تتمثل ألوان من الفتن، ومن الصعاب والعقبات في طريق الدعوة. ففي قصة نوح ـ عليه السلام ـ تتبدى ضخامة الجهد وضآلة الحصيلة. فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم لم يؤمن له إلا القليل {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}.. وفي قصة إبراهيم مع قومه يتبدى سوء الجزاء وطغيان الضلال. فقد حاول هداهم ما استطاع، وجادلهم بالحجة والمنطق: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه}. وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة واستعلانها، وسفورها بلا حياء ولا تحرج، وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الانحراف والشذوذ؛ مع الاستهتار بالنذير: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين}.. وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل، والتكذيب: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}. وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاعتزاز بالقوة والبطر بالنعمة. كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال، واستبداد الحكم، وتمرد النفاق. ويعقب على هذا القصص بمثل يضربه لهوان القوى المرصودة في طريق دعوة الله، وهي مهما علت واستطالت {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً. وإن أوهن البيتوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}. وينتهي هذا الشوط بدعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتلو الكتاب، وأن يقيم الصلاة، وأن يدع الأمر بعد ذلك لله {والله يعلم ما تصنعون}.. {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}.. والراجح أن فترة رسالته التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة، وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة. وهو عمر طويل مديد، يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد. ولكننا نتلقاه من أصدق مصدر في هذا الوجود ـ وهذا وحده برهان صدقه ـ فإذا أردنا له تفسيراً فإننا نستطيع أن نقول: إن عدد البشرية يومذاك كان قليلاً ومحدوداً، فليس ببعيد أن يعوض الله هذه الأجيال عن كثرة العدد طول العمر، لعمارة الأرض وامتداد الحياة. حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار. وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء. فكلما قل العدد وقل النسل طالت الأعمار، كما في النسور وبعض الزواحف كالسلحفاة. حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام. بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين. والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله: شعر : بغاث الطير أكثرها فراخاً وأم الصقر مقلاة نزور تفسير : ومن ثم يطول عمر الصقر. وتقل أعمار بغاث الطير. ولله الحكمة البالغة. وكل شيء عنده بمقدار. ولم تثمر ألف سنة ـ إلا خمسين عاماً ـ غير العدد القليل الذين آمنوا لنوح. وجرف الطوفان الكثرة العظمى وهم ظالمون بكفرهم وجحودهم وإعراضهم عن الدعوة المديدة، ونجا العدد القليل من المؤمنين، وهم أصحاب السفينة. ومضت قصة الطوفان والسفينة {آية للعالمين} تحدثهم عن عاقبة الكفر والظلم على مدار القرون. وبعد قصة نوح يطوي السياق القرون حتى يصل إلى الرسالة الكبرى. رسالة إبراهيم: {وإبراهيم إذ قال لقومه: اعبدوا الله واتقوه. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. إنما تعبدون من دون الله أوثاناً، وتخلقون إفكاً. إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه، واشكروا له، إليه ترجعون. وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين}.. لقد دعاهم دعوة بسيطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض؛ وهي مرتبة في عرضها ترتيباً دقيقاً يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوات.. لقد بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها: {اعبدوا الله واتقوه}.. ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم، وما تتضمنه من الخير لهم، لو كانوا يعلمون أين يكون الخير: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.. وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم، واختيار الخير لأنفسهم. وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي! وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه: أولها أنهم يعبدون من دون الله أوثاناً ـ والوثن: التمثال من الخشب ـ وهي عبادة سخيفة، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله.. وثانيها: أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل، وإنما يخلقون إفكاً وينشئون باطلاً، يخلقونه خلقاً بلا سابقة أو مقدمة، وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة.. وثالثها: أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعاً، ولا ترزقهم شيئاً: {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً}.. وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق. الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم: {فابتغوا عند الله الرزق}.. والرزق مشغلة النفوس، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان. ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس. وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم، ليعبدوه ويشكروه: {واعبدوه واشكروا له}.. وأخيراً يكشف لهم أنه لا مفر من الله، فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين: {إليه ترجعون}.. فإن كذبوا ـ بعد ذلك كله ـ فما أهون ذلك! فلن يضر الله شيئاً، ولن يخسر رسوله شيئاً. فقد كذب الكثيرون من قبل، وما على الرسول إلا واجب التبليغ: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين}.. وهكذا يأخذهم خطوة خطوة، ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها، ويوقع على أوتارها في دقة عميقة، وهذه الخطوات تعد نموذجاً لطريقة الدعوة جديراً بأن يتملاه أصحاب كل دعوة، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب. وقبل أن يمضي السياق إلى نهاية القصة، يقف وقفة يخاطب بها كل منكر لدعوة الإيمان بالله على الإطلاق؛ المكذبين بالرجعة إلى الله والبعث والمآب: {أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده؟ إن ذلك على الله يسير. قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، وإليه تقلبون. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي، وأولئك لهم عذاب أليم}.. إنه خطاب لكل منكر لله ولقائه. خطاب دليله هذا الكون؛ ومجاله السماء والأرض؛ على طريقة القرآن في اتخاذ الكون كله معرضاً لآيات الإيمان ودلائله؛ وصفحة مفتوحة للحواس والقلوب، تبحث فيها عن آيات الله، وترى دلائل وجوده ووحدانيته، وصدق وعده ووعيده. ومشاهد الكون وظواهره حاضرة أبداً لا تغيب عن إنسان. ولكنها تفقد جدتها في نفوس الناس بطول الألفة؛ ويضعف إيقاعها على قلوب البشر بطول التكرار. فيردهم القرآن الكريم إلى تلك الروعة الغامرة، وإلى تلك الآيات الباهرة بتوجيهه الموحي، المحيي للمشاهد والظواهر في القلوب والضمائر، ويثير تطلعهم وانتباههم إلى أسرارها وآثارها. ويجعل منها دلائله وبراهينه التي تراها الأبصار وتتأثر بها المشاعر، ولا يتخذ طرائق الجدل الذهني البارد والقضايا المنطقية التي لا حياة فيها ولا حركة.. تلك التي وفدت على التفكير الإسلامي من خارجه فظلت غريبة عليه، وفي القرآن المثل والمنهج والطريق.. {أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق؟ ثم يعيده. إن ذلك على الله يسير}.. وإنهم ليرون كيف يبدئ الله الخلق. يرونه في النبتة النامية، وفي البيضة والجنين، وفي كل ما لم يكن ثم يكون؛ مما لا تملك قدرة البشر مجتمعين ومنفردين أن يخلقوه أو يدعوا أنهم خالقوه! وإن سر الحياة وحده لمعجز، كان وما يزال؛ معجز في معرفة منشئه وكيف جاء ـ ودع عنك أن يحاوله أحد أو يدعيه ـ ولا تفسير له إلا أنه من صنع الله الذي يبدئ الخلق في كل لحظة تحت أعين الناس وإدراكهم، وهم يرون ولا يملكون الإنكار! فإذا كانوا يرون إنشاء الخلق بأعينهم؛ فالذي أنشأه يعيده: {إن ذلك على الله يسير}.. وليس في خلق الله شيء عسير عليه تعالى. ولكنه يقيس البشر بمقاييسهم. فالإعادة أيسر من البدء في تقديرهم. وإلا فالبدء كالإعادة، والإعادة كالبدء بالقياس إلى قدرة الله سبحانه. وإنما هو توجه الإرادة وكلمة: كن. فيكون.. ثم يدعوهم إلى السير في الأرض، وتتبع صنع الله وآياته في الخلق والإنشاء، في الجامد والحي سواء، ليدركوا أن الذي أنشأ يعيد بلا عناء: {قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؛ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. إن الله على كل شيء قدير}.. والسير في الأرض يفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين ولم يملها القلب. وهي لفتة عميقة إلى حقيقة دقيقة. وإن الإنسان ليعيش في المكان الذي ألفه فلا يكاد ينتبه إلى شيء من مشاهده أو عجائبه؛ حتى إذا سافر وتنقل وساح استيقظ حسه وقلبه إلى كل مشهد، وإلى كل مظهر في الأرض الجديدة، مما كان يمر على مثله أو أروع منه في موطنه دون التفات ولا انتباه. وربما عاد إلى موطنه بحس جديد وروح جديد ليبحث ويتأمل ويعجب بما لم يكن يهتم به قبل سفره وغيبته. وعادت مشاهد موطنه وعجائبها تنطق له بعد ما كان غافلاً عن حديثها؛ أو كانت لا تفصح له بشيء ولا تناجيه! فسبحان منزل هذا القرآن، الخبير بمداخل القلوب وأسرار النفوس. {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}.. إن التعبير هنا بلفظ الماضي {كيف بدأ الخلق} بعد الأمر بالسير في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق. يثير في النفس خاطراً معيناً.. ترى هنالك في الأرض ما يدل على نشأة الحياة الأولى، وكيفية بدء الخليقة فيها. كالحفريات التي يتتبعها بعض العلماء اليوم ليعرفوا منها خط الحياة؛ كيف نشأت؟ وكيف انتشرت؟ وكيف ارتقت؟ ـ وإن كانوا لم يصلوا إلى شيء في معرفة سر الحياة: ما هي؟ ومن أين جاءت إلى الأرض؟ وكيف وجد فيها أول كائن حيّ؟ ـ ويكون ذلك توجيهاً من الله للبحث عن نشأة الحياة الأولى والاستدلال به عند معرفتها على النشأة الآخرة.. ويقوم بجانب هذا الخاطر خاطر آخر. ذلك أن المخاطبين بهذه الآية أول مرة لم يكونوا مؤهلين لمثل هذا البحث العلمي الذي نشأ حديثاً؛ فلم يكونوا بمستطيعين يومئذ أن يصلوا من ورائه إلى الحقيقة المقصودة به ـ لو كان ذلك هو المقصود ـ فلا بد أن القرآن كان يطلب منهم أمراً آخر داخلاً في مقدورهم، يحصلون منه على ما ييسر لهم تصور النشأة الآخرة. ويكون المطلوب حينئذ أن ينظروا كيف تبدأ الحياة في النبات والحيوان والإنسان في كل مكان. ويكون السير في الأرض كما أسلفنا لتنبيه الحواس والمشاعر برؤية المشاهد الجديدة، ودعوتها إلى التأمل والتدبر في آثار قدرة الله على إنشاء الحياة التي تبرز في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهناك احتمال أهم يتمشى مع طبيعة هذا القرآن؛ وهو أنه يوجه توجيهاته التي تناسب حياة الناس في أجيالهم جميعاً، ومستوياتهم جميعاً، وملابسات حياتهم جميعاً، ووسائلهم جميعاً. ليأخذ كل منها بما تؤهله له ظروف حياته ومقدراته. ويبقى فيها امتداد يصلح لقيادة الحياة ونموها أبداً. ومن ثم لا يكون هناك تعارض بين الخاطرين. هذا أقرب وأولى. {إن الله على كل شيء قدير}.. يبدأ الحياة ويعيدها بهذه القدرة المطلقة التي لا تتقيد بتصورات البشر القاصرة، وما يحسبونه قوانين يقيسون عليها الممكن وغير الممكن، بما يعرفونه من تجاربهم المحدودة! ومن قدرة الله على كل شيء: تعذيبه لمن يشاء ورحمته لمن يشاء، وإليه وحده المآب؛ لا يعجزه أحد، ولا يمتنع عليه أحد: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، وإليه تقلبون. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء. وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.. والعذاب والرحمة يتبعان مشيئة الله؛ من حيث أنه بين طريق الهدى وطريق الضلال؛ وخلق للإنسان من الاستعداد ما يختار به هذا أو ذاك، ويسر له الطريقين سواء، وهو بعد ذلك، وما يختار غير أن اتجاهه إلى الله ورغبته في هداه، ينتهيان به إلى عون الله له ـ كما كتب على نفسه ـ وإعراضه عن دلائل الهدى وصده عنها يؤديان به إلى الانقطاع والضلال. ومن ثم تكون الرحمة ويكون العذاب. {وإليه تقلبون}.. تعبير عن المآب فيه عنف، يناسب المعنى بعده: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء}.. فليس لكم من قوة في هذا الوجود تمتنعون بها من الانقلاب إلى الله. لا من قوتكم في الأرض، ولا من قوة ما تعبدونه أحياناً من الملائكة والجن وتحسبون له قوة في السماء. {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.. وأين من دون الله الولي والنصير؟ أين الولي والنصير من الناس؟ أو من الملائكة والجن؟ وكلهم عباد من خلق الله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فوق أن يملكوا لسواهم شيئاً؟ {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم}.. ذلك أنه لا ييأس الإنسان من رحمة الله إلا حين يكفر قلبه، وينقطع ما بينه وبين ربه. وكذلك هو لا يكفر إلا وقد يئس من اتصال قلبه بالله، وجفت نداوته، ولم يعد له إلى رحمة الله سبيل. والعاقبة معروفة: {وأولئك لهم عذاب أليم}.. وبعد هذا الخطاب المعترض في ثنايا القصة، الذي جاء خطاباً لكل منكر لدعوة الإيمان ولقوم إبراهيم ضمناً.. بعد هذا الخطاب يعود لبيان جواب قوم إبراهيم، فيبدو هذا الجواب غريباً عجيباً، ويكشف عن تبجح الكفر والطغيان، بما يملك من قوة ومن سلطان: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه. فأنجاه الله من النار. إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. اقتلوه أو حرقوه.. رداً على تلك الدعوة الواضحة البسيطة المرتبة التي خاطب بها قلوبهم وعقولهم على النحو الذي بينا قيمته في عرض الدعوات. وإذ أن الطغيان أسفر عن وجهه الكالح؛ ولم يكن إبراهيم ـ عليه السلام ـ يملك له دفعاً، ولا يستطيع منه وقاية. وهو فرد أعزل لا حول له ولا طول. فهنا تتدخل القدرة سافرة كذلك. تتدخل بالمعجزة الخارقة لمألوف البشر: {فأنجاه الله من النار}.. وكان في نجاته من النار على النحو الخارق الذي تمت به آية لمن تهيأ قلبه للإيمان. ولكن القوم لم يؤمنوا على الرغم من هذه الآية الخارقة، فدل هذا على أن الخوارق لا تهدي القلوب، إنما هو الاستعداد للهدى والإيمان: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. الآية الأولى هي تلك النجاة من النار. والآية الثانية هي عجز الطغيان عن إيذاء رجل واحد يريد الله له النجاة. والآية الثالثة هي أن الخارقة لا تهدي القلوب الجاحدة. ذلك لمن يريد أن يتدبر تاريخ الدعوات، وتصريف القلوب، وعوامل الهدى والضلال. ويمضي في القصة بعد نجاة إبراهيم من النار. فلقد يئس من إيمان القوم الذين لم تلن قلوبهم للمعجزة الواضحة. فإذا هو يجبههم بحقيقة أمرهم، قبل أن يعتزلهم جميعاً: {وقال: إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضاً، ومأواكم النار، وما لكم من ناصرين}.. إنه يقول لهم: إنكم اتخذتم الأوثان من دون الله، لا اعتقاداً واقتناعاً بأحقية هذه العبادة؛ إنما يجامل بعضكم بعضاً، ويوافق بعضكم بعضاً، على هذه العبادة؛ ولا يريد الصاحب أن يترك عبادة صاحبه ـ حين يظهر الحق له ـ استبقاء لما بينكم من مودة على حساب الحق والعقيدة! وإن هذا ليقع في الجماعات التي لا تأخذ العقيدة مأخذ الجد، فيسترضي الصاحب صاحبه على حساب العقيدة؛ ويرى أمرها أهون من أن يخالف عليه صديقه! وهي الجد كل الجد. الجد الذي لا يقبل تهاوناً ولا استرخاء ولا استرضاء. ثم يكشف لهم عن صفحتهم في الآخرة. فإذا المودة التي يخشون أن يمسوها بالخلاف على العقيدة، والتي يبقون على عبادة الأوثان محافظة عليها.. إذا هي يوم القيامة عداء ولعن وانفصام: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً}.. يوم يتنكر التابعون للمتبوعين، ويكفر الأولياء بالأولياء، ويتهم كل فريق صاحبه أنه أضله، ويلعن كل غوي صاحبه الذي أغواه! ثم لا يجدي ذلك الكفر والتلاعن شيئاً، ولا يدفع عن أحد عذاباً: {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين}.. النار التي أرادوا أن يحرقوه بها، فنصره الله منها ونجاه. فأما هم فلا نصرة لهم ولا نجاة! وانتهت دعوة إبراهيم لقومه، والمعجزة التي لا شك فيها. انتهت هذه وتلك بإيمان فرد واحد غير امرأته هو لوط. ابن أخيه فيما تذكر بعض الروايات. وهاجر معه من أور الكلدانيين في العراق، إلى ما وراء الأردن حيث استقر بهما المقام: {فآمن له لوط، وقال: إني مهاجر إلى ربي، إنه هو العزيز الحكيم}.. ونقف أمام قولة لوط: {إني مهاجر إلى ربي}.. لنرى فيم هاجر. إنه لم يهاجر للنجاة. ولم يهاجر إلى أرض أو كسب أو تجارة. إنما هاجر إلى ربه. هاجر متقرباً له ملتجئاً إلى حماه. هاجر إليه بقلبه وعقيدته قبل أن يهاجر بلحمه ودمه. هاجر إليه ليخلص له عبادته ويخلص له قلبه ويخلص له كيانه كله في مهجره، بعيداً عن موطن الكفر والضلال. بعد أن لم يبق رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال. وعوض الله إبراهيم عن وطنه وعن قومه وعن أهله ـ عوضه عن هذا كله ذرية تمضي فيها رسالة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فكل الأنبياء وكل الدعوات بعده كانت في ذريته. وهو عوض ضخم في الدنيا وفي الآخرة: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب. وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب. وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. وهو فيض من العطاء جزيل، يتجلى فيه رضوان الله سبحانه على الرجل الذي يتمثل فيه الخلوص لله بكليته، والذي أجمع الطغيان على حرقه بالنار، فكان كل شيء من حوله برداً وسلاماً، وعطفاً وإنعاماً. جزاءً وفاقاً. ثم تأتي قصة لوط عقب قصة إبراهيم، بعد ما هاجر إلى ربه مع إبراهيم، فنزلا بوادي الأردن؛ ثم عاش لوط وحده في إحدى القبائل على ضفاف البحر الميت أو بحيرة لوط كما سميت فيما بعد. وكانت تسكن مدينة سدوم. وصار لوط منهم بالصهر والمعيشة. ثم حدث أن فشا في القوم شذوذ عجيب، يذكر القرآن أنه يقع لأول مرة في تاريخ البشرية. ذلك هو الميل الجنسي المنحرف إلى الذكور بدلاً من الإناث اللاتي خلقهن الله للرجال، لتتكون من الجنسين وحدات طبيعية منتجة تكفل امتداد الحياة بالنسل وفق الفطرة المطردة في جميع الأحياء. إذ خلقها الله أزوجاً: ذكراناً وإناثاً. فلم يقع الشذوذ والانحراف إلى الجنس المماثل قبل قوم لوط هؤلاء: {ولوطاً إذ قال لقومه: إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أئنَّكم لتأتون الرجال، وتقطعون السبيل، وتأتون في ناديكم المنكر. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. قال: رب انصرني على القوم المفسدين}.. ومن خطاب لوط لقومه يظهر أن الفساد قد استشرى فيهم بكل ألوانه. فهم يأتون الفاحشة الشاذة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين: يأتون الرجال. وهي فاحشة شاذة قذرة تدل على انحراف الفطرة وفسادها من أعماقها. فالفطرة قد تفسد بتجاوز حد الاعتدال والطهارة مع المرأة، فتكون هذه جريمة فاحشة، ولكنها داخلة في نطاق الفطرة ومنطقها. فأما ذلك الشذوذ الآخر فهو انخلاع من فطرة الأحياء جميعاً. وفساد في التركيب النفسي والتركيب العضوي سواء. فقد جعل الله لذة المباشرة الجنسية بين الزوجين متناسقة مع خط الحياة الأكبر، وامتداده بالنسل الذي ينشأ عن هذه المباشرة. وجهز كيان كل من الزوجين بالاستعداد للالتذاذ بهذه المباشرة، نفسياً وعضوياً، وفقاً لذلك التناسق. فأما المباشرة الشاذة فلا هدف لها، ولم يجهز الله الفطرة بالتذاذها تبعاً لانعدام الهدف منها. فإذا وجد فيها أحد لذة فمعنى هذا أنه انسلخ نهائياً من خط الفطرة، وعاد مسخاً لا يرتبط بخط الحياة! ويقطعون السبيل، فينهبون المال، ويروعون المارة، ويعتدون على الرجال بالفاحشة كرهاً. وهي خطوة أبعد في الفاحشة الأولى، إلى جانب السلب والنهب والإفساد في الأرض.. ويأتون في ناديهم المنكر. يأتونه جهاراً وفي شكل جماعي متفق عليه، لا يخجل بعضهم من بعض. وهي درجة أبعد في الفحش، وفساد الفطرة، والتبجح بالرذيلة إلى حد لا يرجى معه صلاح! والقصة هنا مختصرة، وظاهر أن لوطاً أمرهم في أول الأمر ونهاهم بالحسنى؛ وأنهم أصروا على ما هم فيه، فخوفهم عذاب الله، وجبههم بشناعة جرائمهم الكبرى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين}.. فهو التبجح في وجه الإنذار، والتحدي المصحوب بالتكذيب، والشرود الذي لا تنتظر منه أوبة. وقد أعذر إليهم رسولهم فلم يبق إلا أن يتوجه إلى ربه طالباً نصره الأخير: {قال: رب انصرني على القوم المفسدين}.. وهنا يسدل الستار على دعاء لوط، ليرفع عن الاستجابة. وفي الطريق يلم الملائكة المكلفون بالتنفيذ بإبراهيم، يبشرونه بولد صالح من زوجه التي كانت من قبل عقيماً: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا: إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين. قال: إن فيها لوطاً. قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}.. وهذا المشهد. مشهد الملائكة مع إبراهيم. مختصر في هذا الموضع لأنه ليس مقصوداً؛ قد سبق في قصة إبراهيم أن الله وهب له إسحاق ويعقوب؛ وولادة اسحاق هي موضوع البشرى، ومن ثم لم يفصل قصتها هنا لأن الغرض هو إتمام قصة لوط. فذكر أن مرور الملائكة بإبراهيم كان للبشرى. ثم أخبروه بمهمتهم الأولى: {إنا مهلكو أهل هذه القرية. إن أهلها كانوا ظالمين}.. وأدركت إبراهيم رقته ورأفته، فراح يذكر الملائكة أن في هذه القرية لوطاً؛ وهو صالح وليس بظالم! وأجابه الرسل بما يطمئنه من ناحيته، ويكشف له عن معرفتهم بمهمتهم وأنهم أولى بهذه المعرفة! {قالوا: نحن أعلم بمن فيها؛ لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}.. وقد كان هواها مع القوم، تقر جرائمهم وانحرافهم، وهو أمر عجيب. وينتقل إلى مشهد ثالث. مشهد لوط وقد جاء إليه الملائكة في هيئة فتية صباح ملاح؛ وهو يعلم شنشنة قومه، وما ينتظر ضيوفه هؤلاء منهم من سوء لا يملك له دفعاً. فضاق صدره وساءه حضورهم إليه، في هذا الظرف العصيب: {ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً}... ويختصر هنا هجوم القوم على الضيوف، ومحاورة لوط لهم، وهم في سعار الشذوذ المريض.. ويمضي إلى النهاية الأخيرة. إذ يكشف له الرسل عن حقيقتهم، ويخبرونه بمهمتهم، وهو في هذا الكرب وذلك الضيق: {وقالوا: لا تخف ولا تحزن. إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}.. وترسم هذه الآية مشهد التدمير الذي أصاب القرية وأهلها جميعاً ـ إلا لوطاً وأهله المؤمنين ـ وقد كان هذا التدمير بأمطار وأحجار ملوثة بالطين. ويغلب أنها ظاهرة بركانية قلبت المدينة وابتلعتها؛ وأمطرت عليها هذا المطر الذي يصاحب البراكين. وما تزال آثار هذا التدمير باقية تحدث عن آيات الله لمن يعقلها ويتدبرها من القرون: {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون}.. وكان هذا هو المصير الطبيعي لهذه الشجرة الخبيثة التي فسدت وأنتنت، فلم تعد صالحة للإثمار ولا للحياة. ولم تعد تصلح إلا للاجتثاث والتحطيم. ثم إشارة إلى قصة شعيب ومدين: {وإلى مدين أخاهم شعيباً، فقال: يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. فكذبوه فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين}.. وهي إشارة تبين وحدة الدعوة، ولباب العقيدة: {اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر}.. وعبادة الله الواحد هي قاعدة العقيدة. ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام بالتطفيف في الكيل والميزان، وغصب المارين بطريقهم للتجارة، وبخس الناس أشياءهم، والإفساد في الأرض، والاستطالة على الخلق. وفي اختصار يذكر انتهاء أمرهم إلى تكذيب رسولهم؛ وأخذهم بالهلاك والتدمير، على سنة الله في أخذ المكذبين. {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}.. وقد تقدم بيان الرجفة التي زلزلت عليهم بلادهم ورجتها بعد الصيحة المدوية التي أسقطت قلوبهم وتركتهم مصعوقين حيث كانوا في دارهم لا يتحركون. فأصبحوا فيها جاثمين. جزاء ما كانوا يروعون الناس وهم يخرجون عليهم مغيرين صائحين! وإشارة كذلك إلى مصرع عاد وثمود: {وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم؛ وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}.. وعاد كانت تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بالقرب من حضرموت، وثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة بالقرب من وادي القرى. وقد هلكت عاد بريح صرصر عاتية، وهلكت ثمود بالصيحة المزلزلة. وبقيت مساكنها معروفة للعرب يمرون عليها في رحلتي الشتاء والصيف، ويشهدون آثار التدمير، بعد العز والتمكين. وهذه الإشارة المجملة تكشف عن سر ضلالهم، وهو سر ضلال الآخرين. {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}.. فقد كانت لهم عقول، وكانت أمامهم دلائل الهدى؛ ولكن الشيطان استهواهم وزين لهم أعمالهم. وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة، وهي غرورهم بأنفسهم، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع. {فصدهم عن السبيل} سبيل الهدى الواحد المؤدي إلى الإيمان. وضيع عليهم الفرصة {وكانوا مستبصرين} يملكون التبصر، وفيهم مدارك ولهم عقول. وإشارة إلى قارون وفرعون وهامان. {ولقد جاءهم موسى بالبينات، فاستكبروا في الأرض، وما كانوا سابقين}.. وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم بثروته وعلمه، ولم يستمع نصح الناصحين بالإحسان والاعتدال والتواضع وعدم البغي والفساد. وفرعون كان طاغية غشوماً، يرتكب أبشع الجرائم وأغلظها، ويسخر الناس ويجعلهم شيعاً، ويقتل ذكور بني إسرائيل ويستحيي نساءهم عتواً وظلماً. وهامان كان وزيره المدبر لمكائده، المعين له على ظلمه وبطشه. {ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض}.. فلم يعصمهم الثراء والقوة والدهاء. لم تعصمهم من أخذ الله، ولم تجعلهم ناجين ولا مفلتين من عذاب الله، بل أدركهم وأخذهم كما سيجيء. {وما كانوا سابقين}.. هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة، قد أخذهم الله جميعاً. بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلاً: {فكلاً أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم، وثمود أخذتهم الصيحة. وقارون خسف به وبداره الأرض، وفرعون وهامان غرقا في اليم وذهبوا جميعاً مأخوذين بظلمهم. {وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. والآن. وعلى مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون.. والآن. وبعد الحديث في مطالع السورة عن الفتنة والابتلاء والإغراء.. الآن يضرب المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال.. إن هنالك قوة واحدة هي قوة الله. وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن، من تعلق به أو احتمى، فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية. فهي وما تحتمي به سواء: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون}.. إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود. الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحياناً، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختل في أيديهم جميع الموازين. ولا يعرفون إلى أين يتوجهون. ماذا يأخذون وماذا يدعون؟ وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها! وتخدعهم قوة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة. ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب؛ ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون! وتخدعهم قوة العلم يحسبونها أصل القوة وأصل المال، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عباد في المحاريب! وتخدعهم هذه القوى الظاهرة. تخدعهم في أيدي الأفراد وفي أيدي الجماعات وفي أيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفراش على النار! وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وتملكها، وتمنحها، وتوجهها، وتسخرها كما تريد، حيثما تريد. وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد، أو الجماعات، أو الدول.. كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت.. حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن. وليس هنالك إلا حماية الله، وإلا حماه، وإلا ركنه القوي الركين. هذه الحقيقة الضخمة هي التي عني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها؛ وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض ودكت بها المعاقل والحصون. لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس، وعمرت كل قلب، واختلطت بالدم، وجرت معه في العروق، ولم تعد كلمة تقال باللسان، ولا قضية تحتاج إلى جدل. بل بديهة مستقرة في النفس، لا يجول غيرها في حس ولا خيال. قوة الله وحدها هي القوة. وولاية الله وحدها هي الولاية. وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل؛ مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل. إنها العنكبوت: وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}. وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء. لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة. هذه تضر بهم وتحاول أن تسحقهم. وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم.. وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى وتحسن التقويم والتقدير. {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء}.. إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون الله والله يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء. وهي الحقيقة التي صورت في المثل السابق.. عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت! {وهو العزيز الحكيم}.. هو وحده العزيز القادر الحكيم المدبر لهذا الوجود. {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.. فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادة للسخرية والتهكم. وقالوا: إن رب محمد يتحدث عن الذباب والعنكبوت. ولم يهز مشاعرهم هذا التصوير العجيب لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون: {وما يعقلها إلا العالمون}.. ثم يربط تلك الحقيقة الضخمة التي قدمها بالحق الكبير في تصميم هذا الكون كله على طريقة القرآن في ربط كل حقيقة بذلك الحق الكبير: {خلق الله السماوات والأرض بالحق. إن في ذلك لآية للمؤمنين}.. وهكذا تجيء هذه الآية عقب قصص الأنبياء، وعقب المثل المصور لحقيقة القوى في الوجود، متناسقة معها مرتبطة بها، بتلك الصلة الملحوظة. صلة الحقائق المتناثرة كلها بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض؛ والذي قامت به السماوات والأرض، في ذلك النظام الدقيق الذي لا يتخلف ولا يبطئ ولا يختلف ولا يصدم بعضه بعضاً، لأنه حق متناسق لا عوج فيه! {إن في ذلك لآية للمؤمنين}.. الذين تتفتح قلوبهم لآيات الله الكونية المبثوثة في تضاعيف هذا الكون وحناياه، المشهودة في تنسيقه وتنظيمه، المنثورة في جوانبه حيثما امتدت الأبصار. والمؤمنون هم الذين يدركونها، لأنهم مفتوحو البصائر والمشاعر للتلقي والإدراك. وفي نهاية الشوط يربط الكتاب الذي أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويربط الصلاة وذكر الله، بالحق الذي في السماوات والأرض، وبسلسلة الدعوة إلى الله من لدن نوح عليه السلام: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}.. اتل ما أوحي إليك من الكتاب فهو وسيلتك للدعوة، والآية الربانية المصاحبة لها، والحق المرتبط بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض. وأقم الصلاة إن الصلاة ـ حين تقام - تنهى عن الفحشاء والمنكر. فهي اتصال بالله يخجل صاحبه ويستحيي أن يصطحب معه كبائر الذنوب وفواحشها ليلقى الله بها، وهي تطهر وتجرد لا يتسق معها دنس الفحشاء والمنكر وثقلتهما. "حديث : من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً"تفسير : . وما أقام الصلاة كما هي إنما أداها أداء ولم يقمها.. وفرق كبير بينهما.. فهي حين تقام ذكر الله. {ولذكر الله أكبر}. أكبر إطلاقاً أكبر من كل اندفاع ومن كل نزوع. وأكبر من كل تعبد وخشوع. {والله يعلم ما تصنعون}.. فلا يخفى عليه شيء، ولا يلتبس عليه أمر. وأنتم إليه راجعون. فمجازيكم بما تصنعون..
ابن عاشور
تفسير : سيقت هذه القصة واللاتي بعدها شواهد على ما لقي الرسل والذين آمنوا معهم من تكذيب المشركين كما صرح به قوله عقب القصتين {أية : وإن تُكذّبوا فقد كذّب أمم من قبلكم}تفسير : [العنكبوت: 18] على أحد الوجهين الآتيين. وابتدئت القصص بقصة أول رسول بعثه الله لأهل الأرض فإن لأوليات الحوادث وقعاً في نفوس المتأمّلين في التاريخ، وقد تقدم تفصيل قصته في سورة هود. وزادت هذه الآية أنه لبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة. وظاهر الآية أن هذه مدة رسالته إلى قومه ولا غرض في معرفة عمره يوم بعثه الله إلى قومه، وفي ذلك اختلاف بين المفسرين، وفائدة ذكر هذه المدة للدلالة على شدة مصابرته على أذى قومه ودوامه على إبلاغ الدعوة تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وأوثر تمييز {ألف} بــــ{سنة} لطلب الخفة بلفظ {سنة}، وميز {خمسين} بلفظ {عاماً} لئلا يكرر لفظ {سنة}. والفاء من قوله: {فأخذهم الطوفان} عطف على {أرسلنا} كما عطف عليه {فلبث} وقد طوي ذكر ما ترتب عليه أخذهم بالطوفان وهو استمرار تكذيبهم. وجملة {وهم ظالمون} حال، أي أخذهم وهم متلبسون بالظلم، أي الشرك وتكذيب الرسول، تلبساً ثابتاً لهم متقرراً وهذا تعريض للمشركين بأنهم سيأخذهم عذاب. وفاء {فأنجيناه} عطف على {فأخذهم الطوفان}. وهذا إيماء إلى أن الله منجي المؤمنين من العذاب. وقوله {وجعلناها ءاية للعالمين} الضمير للسفينة. ومعنى كونها آية أنها دليل على وقوع الطوفان عذاباً من الله للمكذبين الرسل، فكانت السفينة آية ماثلة في عصور جميع الأمم الذين جاءتهم الرسل بعد نوح موعظة للمكذبين وحجة للمؤمنين. وقد أبقى الله بقية السفينة إلى صدر الأمة الإسلامية ففي «صحيح البخاري»: «قال قتادة: بقيت بقايا السفينة على الجودي حتى نظرتها أوائل هذه الأمة». ويقال إنها دامت إلى أوائل الدولة العباسية ثم غمرتها الثلوج. وكان الجودي قرب (باقِرْدَى) وهي قرية من جزيرة ابن عمر بالموصل شرقي دجلة (وباقردى بموحدة بعدها ألف ثم قاف مكسورة ويجوز فتحها ودال فألف مقصورة وقال تعالى في سورة القمر (15) {أية : ولقد تركناها آية فهل من مدُكر}.تفسير : وإنما قال {للعالمين} الشامل لجميع سكان الأرض لأن من لم يشاهد بقايا سفينة نوح يشاهد السفن فيتذكر سفينة نوح وكيف كان صنعها بوحي من الله لإنجاء نوح ومن شاء الله نجاته، ولأن الذين من أهل قريتها يُخبرون عنها وتنقل أخبارهم فتصير متواترة. هذا وقد وقع في الإصحاح الثامن من سفر التكوين من التوراة «واستقر الفلك على جبال آراراط»، وقد اختلف الباحثون في تعيين جبال أراراط، فمنهم من قال: إنه اسم الجودي وعينوا أنه من جبال بلاد الأكراد في الحد الجنوبي لأرمينيا في سهول ما بين النهرين ووصفوه بأن نهر دجلة يجري بين مرتفعاته بحيث لا يمكن العبور بين الجبل ونهر دجلة إلا في الصيف، وأيدوا قولهم بوجود بقية سفينة على قمة ذلك الجبل. وبعضهم زعم أن (أراراط) في بلاد أرمينيا وهو قريب من القول الأول لتجاور مواطن الكردستان وأرمينيا وقد تختلف حدود المواطن باختلاف الدول والفتوح. ويجوز أن يكون ضمير النصب في {وجعلناها} عائداً إلى الخبر المذكور بتأويل القصة أو الحادثة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد أرسلنا نوحاً: أي نوحاً بن لَمْكْ بن مُتَوَشْلِخْ بن إدريس من ولد شيث بن آدم، بينه وبين آدم ألف سنة. فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً: أي فمكث فيهم يدعوهم إلى الله تعالى تسعمائة وخمسين سنة. فأخذهم الطوفان: أي الماء الكثير الذي طاف بهم وعلاهم فأغرقهم. وهم ظالمون: أي مشركون. وجعلناها آية للعالمين: أي عبرة للناس يعتبرون بها فلا يشركون ولا يعصون. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى ما كان يلاقيه رسوله والمؤمنون من مشركي قريش ذكر تعالى نوحاً وإبراهيم وكلاهما قد عانى ولاقى ما لم يلاقه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليكون ذلك تسلية لهم وتخفيفاً عنهم فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} وقوم نوح يومئذ هم البشرية جمعاء. إذ لم يكن غيرهم {فَلَبِثَ فِيهِمْ} أي مكث يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها وترك الأصنام الخمسة التي كانت لهم وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان هؤلاء الخمسة رجالاً صالحين فلما ماتوا بنوا على قبورهم ووضعوا لهم تماثيل بحجة أنها تذكرهم بالله فيرغبوا في الطاعة والعمل الصالح ثم زين لهم الشيطان عبادتهم فعبدوهم فبعث الله تعالى إليهم نوحاً رسولاً فدعاهم إلى عبادة الله وترك عبادة هؤلاء {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} يدعوهم فلم يستجيبوا له {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} تفسير : [القمر: 10] فاستجاب الله له فأنجاه وأصحاب السفينة وهم المؤمنون وهلك في الطوفان زوجته وولده كنعان وسائر البشر إلا نوحاً ومن معه في السفينة، وكانوا قرابة الثمانين نسمة، وخلف نوحاً ثلاثة أولاد هم سام وهو أبو العرب وفارس والروم وهم الجنس السامي وحام وهو أبو القبط والسودان والبربر ويافث وهو أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، هذا معنى قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} أي لأنفسهم بالشرك. {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} ومن بين ما فيها أبناؤه الثلاثة سام وحام ويافث ومنهم عمر الكون بالبشر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وقوله {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي حادثة الطوفان ومنها السفينة ومكث تلك المدة الطويلة مع قلة المستجيبين {آيَةً} أي عبرة {لِّلْعَالَمِينَ} أي للناس ليعتبروا بها فلا يعصوا رسلهم ولا يشركون بربهم هذا إذا اعتبروا وقليل من يعتبر. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل لهداية الخلق. 2- بيان قلة من استجاب لنوح مع المدة الطويلة فيكون هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده. 3- بيان إهلاك الله تعالى الظالمين وإنجائه المؤمنين وهي عبرة للمعتبرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظَالِمُونَ} (14) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بمَا يَقُصُّهُ عَلَيهِ مِنْ قَصَصِ الأَنبياءِ الكِرام، وَمَا لَقُوْهُ مِنَ المُكَذِّبين مِنْ أَقوامِهِمْ، فَمَا وَهَنُوا وَلا ضَعُفُوا، وَقَامُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بهِ رَبُّهُمْ على الوَجْهِ الأَكْمَلِ. وَهُنا يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه أَنَّ نُوحاً مَكَثَ في قَوْمِهِ مدَّةَ تِسْعِمِئةٍ وَخَمْسِينَ عَاماً يَدْعُوهُم إِلى اللهِ لَيلاً ونَهَاراً، وسِراً وَجِهَاراً فلمْ يزِدْهُمْ ذلِكَ إِلا فِراراً، ولمْ يُؤْمِنْ لهُ منْ قومِهِ إِلا القَلِيلُونَ، كَمَا جَاءَ في آياتٍ أُخَر، وهَمُّوا بِإِخْراجِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أرضِهِمْ فَنَصَرُه اللهُ على أعدائِهِ الكَفَرةِ المُكَذِّبينَ، وأَهْلَكَهُمْ جَمِيعاً بالطُّوفَانِ، وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، واللهُ يَهدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَبِيدَهِ الأَمْرُ كُلُّهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول العلماء: إن نوحاً - عليه السلام - هو أول رسل الله إلى البشر، أما مَنْ سبقه مثل آدم وإدريس عليهما السلام، فكانوا أنبياء أوحى الله إليهم بشرع يعملون به، فيكونون نموذجاً إيمانياً، وقدوة سلوك طيب، يُقلِّدهم مَنْ رآهم، لكن لا يُعَدُّ كافراً مَنْ لم يقتَدِ بهم، أما إن اقتدى بهم ثم نكث عن سبيلهم فهو كافر. لذلك نُفرِّق بين النبي والرسول، بأن النبي أُوحي إليه بشرع يعمل به ولم يُؤْمر بتبليغه، أما الرسول فقد أُوحي إليه بشرع وأُمرِ بتبليغه فكلٌّ منهما مرسل، لذلك يقول تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ ..} تفسير : [الحج: 52]. إذن: فالنبي أيضاً مُرسَل، لكنه مُرسَل لذاته. لكن لماذا كان هذا قبل نوح بالذات؟ قالوا: لأن الرقعة الإنسانية كانت ضيقة قبل نوح، وكان الناس حديثي عهد، لم تنتشر بينهم الانحرافات، فلما اتسعت الرقعة، وتداخلت أمور الحياة احتاجت الخليقة لأنْ يرسل الله إليهم الرسل. والحق سبحانه يأتي بهذه اللقطة الموجزة من قصة نوح - عليه السلام - مع أن له سورة مفردة، وله لقطات كثيرة منثورة في الكتاب العزيز، لكن هذه اللقطة تأتي لنا بالبداية والنهاية فقط وكأنها برقية (تلغرافية) في مسألة نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ..} [العنكبوت: 14]. إذن: الرسول جاء من القوم، وهذا يعني أنهم يعرفونه قبل أن يكون رسولاً، ويُجرِّبون سلوكه وحركته في الحياة، ويعرفون خُلقه، ويعرفون كل تصرفاته، فليس الرسول بعيداً عنهم أو مجهولاً لهم. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قُرْب دون أنْ يسألوه عن معجزة تؤيده، بل بمجرد أنْ قال أنا رسول الله آمنوا به وصدَّقوه واتبعوه. فسيدنا أبو بكر، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به؟ لا، إنما بمجرد أن قالوا له: إن صاحبك تنبأ قال: آمنت به، لماذا؟ لأنه يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه، فما كان محمد ليكون صاحب خُلق عظيم مع الناس، ثم يكذب على الله. إذن: ففي كَوْن الرسول من قومه إيناسٌ للخَلْق؛ لذلك لما قالوا: لا نؤمن إلا إذا جاءنا الرسول ملكاً ردَّ عليهم: أأنتم ملائكة حتى ينزل عليكم مَلَك؟ {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. ولو فُرض أننا أرسلناه مَلَكاً أهم يروْن الملائكة؟ لا يروْنَها، فكيف إذن يُبلِّغ الملَك الناس؟ لا بُدَّ أنْ يأتيهم في صورة بشر، ولو أتاهم في صورة بشر لقالوا نريد ملَكاً. وقوله عز وجل: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ..} [العنكبوت: 14] هذا العدد من الممكن أن يؤدى لمعانٍ كثيرة، فلم يقُلْ: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاماً. وفي الأعداد في القرآن أسرار كثيرة، واقرأ مثلاً: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ..} تفسير : [الأعراف: 142]. وفي آية سورة البقرة قال الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ..} تفسير : [البقرة: 51]. ففي سورة البقرة إجمال، وفي آية الأعراف تفصيل. والحكمة في هذا أن موسى عليه السلام ما إن ذهب لميقات ربه حتى عبد قومه العجل في مدة الثلاثين ليلة. ولم يشأ الله أن يترك موسى ليعود لقومه بعد الثلاثين ليلة، بل أتمها بعشر أُخر، حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه، فكأن العشْرَ زادتْ على الثلاثين ليلة، ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة. فالمسألة في منتهى الدقة، ولو لم يأْتِ بالاستثناء في قوله: {إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ..} [العنكبوت: 14] فربما يظن السامع أن المسألة تقريبية، لكن التقريب في عَدِّ البشر، أما في حساب الحق سبحانه فهو منتهى الدقة، كما لو سُئلت مثلاً عن الساعة، فتقول: الساعة العاشرة إلا دقيقة ونصفاً، يعني: منتهى ما في استطاعتك من حساب الوقت. فإن قلتَ: فلماذا هذه اللقطة السريعة من قصة نوح عليه السلام؟ نقول: هي لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن قومه وقفوا منه موقف العداء والمكابرة والتكذيب، وآذوْا أصحابه، وضيَّقوا الخِنَاق على دعوته، وقد طالتْ هذه المسألة حتى أخذت ثلاث عشرة سنة من عمر الدعوة، فسلاَّه ربه: اصبر يا محمد، فقد صبر زميل لك في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً، يعني مدة المشقة التي تحملتها ما زالت بسيطة هيِّنة، وقد تحمَّل أولو العزم من الرسل أكثر من ذلك. ونلحظ هنا {أَلْفَ سَنَةٍ ..} [العنكبوت: 14] ثم استثنى منها {إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ..} [العنكبوت: 14] ولم يقُلْ خمسين سنة، فاستثنى الأعوام من السنين، ليدلَّك على أن السنة تعني أيَّ عام، ويُرفَع الخلاف؛ لأن البعض يقول: إن السنة هي التي تبدأ من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة، في حين أن السنة ليس من الضروري أنْ تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة، إنما تبدأ في أي وقت وتنتهي في مثله بعد عام كامل. فحين نقول: فلان عمره مثلاً عشرون سنة، أي: من يوم مولده إلى مثله عشرين مرة، وكذلك العام. إذن: السنة والعام والحجة، كلها سواء أردتَ الحساب بالسنة الشمسية، أو القمرية، أو غيرها كما تحب. ومعلوم أن التوقيتات عندنا توقيتات هلالية بالشهر العربي؛ لأن الشمس لا يُعرف من حركتها إلا اليوم، إنما لا نعرف منها الشهر، الشهر نعرفه بحركة القمر حين يُولَد الهلال، وبالشهر نحسب السنة التي هي أثنا عشر شهراً قمرياً وتزيد أحد عشر يوماً في السنة الشمسية. وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعْلمنا أن السنة هي العام، لا فَرْق بينهما، ولا داعي للجاج في هذه المسألة. ثم يذكر سبحانه نهاية هؤلاء القوم الذين كذّبوا: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] فالعلة في أخذهم، لا لأنهم أعداء، بل لأنهم ظالمون لأنفسهم بالكفر، وهكذا تنتهي القصة أو اللقطة في آية واحدة الغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، إنْ أبطأ نَصْره على الكفار. وكلمة {فَأَخَذَهُمُ ..} [العنكبوت: 14] الأخْذ فيه دليل على الشدة وقوة التناول، لكن بعنف أو بغير عنف؟ إنْ كان الأخذ لخصْم فهو أخْذ بعنف وشدة، وإنْ كان لغير خَصْم كان بلطف. والطوفان: أن يزيد الماء عن الحاجة الرتيبة للناس، فبعد أنْ كان وسيلة حياة، ومنه كل شيء حتى يصبح وسيلة موت وهلاك، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يلفت أنظارنا إلى المتقابلات في الخَلْق حتى لا نظنَّ أن الخَلْق يسير برتابة. فسيدنا موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا، فتجمَّد فيه الماء حتى صار كالجبل، وضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. إنها طلاقة القدرة التي لا تعتمد على الأسباب، فالمسبِّب هو الله سبحانه يفعل ما يشاء، فليست الأشياء بأسبابها، إنما بمراد المسبِّب فيها؛ لذلك يقول أحمد شوقي في قصيدة النيل: شعر : مِنْ أيِّ عَهْدٍ في القُرَى تتدفقُ وبأيِّ كفٍّ فِي المدائن تُغْدِقُ ومِنَ السماءِ نزلْتَ أم على الجِنَان جداولاً تترقرقُ تفسير : إلى أنْ يقول: شعر : الماء تَسْكُبه فَيْصبح عَسْجَداً والأرضُ تُغرِقُها فيحيَا المغْرَقُ تفسير : والمأخوذ هنا هم المكذِّبون لنوح - عليه السلام - الذين ظلموا أنفسهم لما كذَّبوا رسولهم، ولم يستمعوا للهدى، ثم يُنجِّي الله نوحاً - عليه السلام - بالسفينة التي قال الله عنها في سورة هود: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} تفسير : [هود: 41]. وقد أمره الله بصناعة السفينة: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [هود: 37] فكان نوح - عليه السلام - على علم بعاقبة المكذِّبين الظالمين من قومه، واحتفظ بها في نفسه، وهو يصنع السفينة كما أمره ربه. لكن، أكانت السفينة شيئاً معروفاً لهؤلاء القوم، ولها مثال سابق لديهم؟ لا، لم يكونوا يعرفون السفن، بدليل أنهم تعجَّبوا من فعْل نوح، وسخروا منه وهو يصنعها {أية : وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ..} تفسير : [هود: 38] فكان يردُّ عليهم في نفسه: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38] فهو يعلم عاقبتهم وما يُبيِّته الله لهم. والحق سبحانه يعطينا هذه اللقطة من قصة نوح - عليه السلام - لكي نجول في كل اللقطات، ونستحضر مواطن العبرة فيها، وفي قصة نوح مسائل كثيرة نستفيدها، فقد كان القوم يعبدون الأصنام: وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، ومنها نعلم أن ودادة الأنبياء ودادة قيم ومنهج، وودادة أعمال واقتداء، وأن أنسابهم أنساب تقوى وورع. فنبوّة نوح لم تمنع ولده الضالّ من الغرق، حتى بعد أنْ دعا الله: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [هود: 45] فيعطيه الله الحكم في هذه المسألة، ويُصحِّح له: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. وليس معنى ذلك أن أمه أتتْ به من الحرام والعياذ بالله؛ لأن الله تعالى ما كان ليُدلِّس على نبي من أنبيائه، إنما هي كانت من الخائنين، وخيانتها أنها كانت تفشي أسراره لخصومه، وتخبرهم خبره؛ لذلك يقول تعالى عنها في سورة التحريم: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ..} تفسير : [التحريم: 10]. ويُبيِّن الحق سبحانه العلة في قوله: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ..} تفسير : [هود: 46] بقوله: {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46] حتى لا تذهب بنا الظنون في زوجة نبي الله، فالعلة أنه عمل غير صالح، وبنوة الأنبياء بُنوَّة عمل، لا بُنوَّة نَسَب. ثم يقول الحق سبحانه: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ} معناه الموتُ الفَاشي
الجيلاني
تفسير : ثم ذكر سبحانه نبذاً من أحوال أهل الضلال والإضلال من المفترين الذين مضوا في سالف الزمان تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة للحزن الذي لحقه صلى الله عليه وسلم من تمادي المشركين في الغفلة والفساد وتطاولهم في الغي والعناد، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} وقت إذ ظهر فيهم أنواع الفسوق والجدال وأصناف الغي والضلال {فَلَبِثَ فِيهِمْ} وتحمل على مشاق دعوتهم وأنواع أذاهم {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} فهم كانوا يضربونه ويشتمونه ونسبونه إلى الجهل والجنون والخرف وأنواع الاستخفاف والاستحقار، ومع ذلك لم يتقاعد عن دعوتهم، ولم ينزجر عن زواجرهم، بل يبلغهم ما أمره الحق بتبليغه من الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة، وهم من شدة شكيمتهم وخبث طينتهم لم يزيدوا من سماعها إلا تعنتاً واستكباراً، وعتواً واغتراراً وإصراراً على ما هم عليه، وبعدما استحقوا كمال العذاب والنكال {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ} حين خرج الماء من التنور المعهود وطاف عليهم فأغرهم واستؤصلوا {وَهُمْ} في أنفسهم {ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] خارجون عن مقتضى الحدود ومنهمكون في بحر الغفلة والغرور، ضالون في تيه الجهل والطغيان؛ لذلك أخذهم الله بالطوفان واستأصلهم بالمرة إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض بعدما إغرقناهم وأهلنكاهم. {فأَنْجَيْناهُ} أي: نيبنا نوحاً عليه السلام {وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} وهم المؤمنون الذين ركبوا معه عليها حين نبع الماء من التنور، قيل: كانوا ثمانين، وقيل: كانوا ثمانية وتسعين، وقيل: نصفهم ذكور ونصفهم إناث {وَجَعَلْنَاهَآ} أي: قصة هلاكهم بالطوفان {آيَةً} عظيمة {لِّلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] تستدلون بها على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا في انتقام من خرج على حدودنا وأحكامنا وأوامرنا ونواهينا. {وَ} أرسلنا أيضاً يا أكمل الرسل جدك {إِبْرَاهِيمَ} الخليل - صلوت الرحمن عليه وسلامه - إلى قومه الذين تمادوا زماناً في الغفلة والغرور؛ ليصلح مفاسدهم ويرشدهم توحيدنا، اذكر {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} بعدما بعثناه إليهم ليهديهم إلى طريق الحق {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، المستحق للعبادة والأطاعة استحقاقاً ذاتياً ووصفياً {وَٱتَّقُوهُ} عن ارتكاب محارمه ومنهياته، واجتنبوا جميع ما لا يرضى به حتى لا تستجلبوا سخطه و غضبه عليكم {ذٰلِكُمْ} الذي أوصيكم به من العبادة والعرفان واجتناب عن المحارم والطغيان والاتصاف بالتوحيد والتقوى وجميع لوازم الإيمان {خَيْرٌ لَّكُمْ} وأولى بحاكم وأنفع لنفوسكم من أولاكم وأخراكم مما أنت عليه من عبادة التماثيل التي تنحتونها بأيديكم وتسمونها من تلقاء أنفسكم آلهة دون الله ظلماً وزوراً {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 16] أي: إن كنتم من ذوي العقول المستكملين بالقوة النظرية المفاضة لكم من حضرة العلم الإلهي؛ ليميزكم به عن سائر الحيوانات ويعدكم للخلافة والنيابة عن الله. ثم نبه سبحانه على خطئهم في عبادة غير الله فقال: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المستحق للعبادة والاستقلال بلا شريك ومثال {أَوْثَاناً} تسمونهم آلهة ظلماً وعدواناً وتعبدونهم كعبادة الله عناداً وطغياناً {وَتَخْلُقُونَ} أي: تفترون وتنسبون إلى الله بإثبات الشريك له، سيما هذه التماثيل الباطلة العاطلة {إِفْكاً} كذباً وافتراءً، مجادلةً ومراءً، مع أن هؤلاء التماثيل لا تنفعكم ولا تضركم ولا ترزقكم ولا تمنع رزقكم، بل {إِنَّ} الآلهة {ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الحقيق بالإطاعة والعبادة مطلقاً سواء كان هؤلاء الجمادات أو ذوي الحس والحركات {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} أي: أمر الرزق مقصور على الله المتكفل لأرزاق عباده، ليس في وصع غيره أن يرزق أحداً من عباده رزقاً صورياً أو معنوياً وإنما خص سبحانه الرزق بالذكر مع أنهم لا يملكون سواه أيضاً؛ لأنه أظهر لإلزامه وأتم لشدة احتياجهم إليه، وإن أردتم رزقاً جسمانياً أو روحانياً {فَٱبْتَغُواْ} واطلبوا {عِندَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر {ٱلرِّزْقَ} الصوري المقوي لمزاجكم والمعنوي، الموصل إلى مبدئكم ومعادكم؛ لتتزودوا برزقه في أولاكم وأخراكم {وَ} إذا سمعتم وعلمتم ألاَّ رازق لكم سوى الله {ٱعْبُدُوهُ} حق عبادته، واعرفوه حق معرفته {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} أداء لحق شيء من حقوق نعمه، ونبذ من موائد فضله وكرمه، واعلموا أنكم {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17] رجوع الظل إلى ذي الظل والأمواج إلى الماء. {وَإِن تُكَذِّبُواْ} أي: إن تكذبوني في قولي ولم تقبلوا مني رسالتي، ولم تتعظوا بنصحي وإرشادي {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ} أمثالكم رسلهم مثلي {مِّن قَبْلِكُمْ} ومن قبلي فصار تكذيبهم وبالاً عليهم وسبب هلاك لهم ونزول عذاب عليهم {وَ} مع ذلك ما أبالي بتكذيبكم كما لم يبالوا بتكذيب أممهم؛ إذ {مَا عَلَى ٱلرَّسُولِ} المرسل إلى قوم من عند الله {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [العنكبوت: 18] أي: تبليغ ما أرسل به مكشوفاً ظاهراً بلا سترة وحجاب وزيادة ونقصان، وأمَّا أمر القبول والامتثال بالمأمور فمفوض إلى مشيئة الله وإرادته وقدرته له؛ أي: يتصرف في عباده بأن جعل الكافر الجاحد مؤمناً مطيعاً، والمطيع المؤمن كافراً نافياً للصانع - العياذ بالله من سخطه وغضبه - فالكل مقدور له مثبت في لوح قضائه، حاضر في حضرة علمه، لا يُسأل عن فعله وحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حكمه وحكمته في عقوبة الأمم المكذبة، وأن اللّه أرسل عبده ورسوله نوحا عليه الصلاة السلام إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد وإفراد اللّه بالعبادة، والنهي عن الأنداد والأصنام، { فَلَبِثَ فِيهِمْ } نبيا داعيا { أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا } وهو لا يَنِي بدعوتهم، ولا يفتر في نصحهم، يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، فلم يرشدوا ولم يهتدوا، بل استمروا على كفرهم وطغيانهم، حتى دعا عليهم نبيهم نوح عليه الصلاة والسلام، مع شدة صبره وحلمه واحتماله، فقال: {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } تفسير : { فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ } أي: الماء الذي نزل من السماء بكثرة، ونبع من الأرض بشدة { وَهُمْ ظَالِمُونَ } مستحقون للعذاب. { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } الذين ركبوا معه، أهله ومن آمن به. { وَجَعَلْنَاهَا } أي: السفينة، أو قصة نوح { آيَةً لِلْعَالَمِينَ } يعتبرون بها، على أن من كذب الرسل، آخر أمره الهلاك، وأن المؤمنين سيجعل اللّه لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا. وجعل اللّه أيضا السفينة، أي: جنسها آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة ربهم، الذي قيض لهم أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل إلى محل ومن قُطرٍ إلى قُطرٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 2268- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ}: [الآية: 14]، قَال: المَاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):