٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : لما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم وفي إبراهيم وجهان من القراءة أحدهما: النصب وهو المشهور، و الثاني: الرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم، و الأول: فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب بفعل غير مذكور وهو معنى اذكر إبراهيم، والثاني: أنه منصوب بمذكور وهو قوله: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } تفسير : [العنكبوت: 14] فيكون كأنه قال وأرسلنا إبراهيم، وعلى هذا ففي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ظرف أرسلنا أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه لكن قوله: {لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } دعوة والإرسال يكون قبل الدعوة فكيف يفهم قوله، وأرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبله؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الإرسال أمر يمتد فهو حال قوله لقومه اعبدوا الله كان مرسلاً، وهذا كما يقول القائل وقفنا للأمير إذ خرج من الدار وقد يكون الوقوف قبل الخروج، لكن لما كان الوقوف ممتداً إلى ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني: هو أن إبراهيم بمجرد هداية الله إياه كان يعلم فساد قول المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال، ولما كان هو مشتغلاً بالدعاء إلى الإسلام أرسله الله تعالى وقوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ } إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره فقوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } إشارة إلى الإثبات، وقوله: {وَٱتَّقُوهُ } إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم، ويمكن أن يقال: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } إشارة إلى الإتيان بالواجبات، وقوله: {وَٱتَّقُوهُ } إشارة إلى الامتناع عن المحرمات ويدخل في الأول الاعتراف بالله، وفي الثاني الامتناع من الشرك، ثم قوله: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني عبادة الله وتقواه خير، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة الله تعالى تعطيل وخلاف تقواه تشريك وكلاهما شر عقلاً واعتباراً، أما عقلاً فلأن الممكن لا بد له من مؤثر لا يكون ممكناً قطعاً للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله، وأما التشريك فبطلانه عقلاً وكون خلافه خيراً وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجباً فكيف يكون شريكاً وإن كان واجباً لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ويتباينان في الإلهية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل، وأما اعتباراً فلأن الشرف لن يكون ملكاً أو قريب ملك، لكن الإنسان لا يكون ملكاً للسموات والأرضين فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال تعالى: { أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب } تفسير : [العلق: 19]. وقال: « حديث : لن يتقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضت عليهم » تفسير : وقال: « حديث : لا يزال العبد يتقرب بالعبادة إلي » تفسير : فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلاً، وأما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده له شركاء خسيسة، فإذن من يقول إن ربـي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول سيدي صنم منحوت عاجز مثله، فثبت أن عبادة الله وتقواه خير وهو خير لكم أي خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ} قال الكسائي: {وَإِبْرَاهِيمَ} منصوب بـ{ـأَنْجَيْنَا} يعني أنه معطوف على الهاء. وأجاز الكسائي أن يكون معطوفاً على نوح، والمعنى وأرسلنا إبراهيم. وقول ثالث: أن يكون منصوباً بمعنى واذكر إبراهيم. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي أفردوه بالعبادة. {وَٱتَّقُوهُ} أي اتقوا عقابه وعذابه. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من عبادة الأوثان {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أي أصناماً. قال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو من فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جصّ أو حجارة. الجوهري: الوثن الصنم والجمع وُثْنٌ وأوثَانٌ أُسد وآساد. {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قال الحسن: معنى: {تَخْلُقُونَ} تنحتون؛ فالمعنى إنما تعبدون أوثاناً وأنتم تصنعونها. وقال مجاهد: الإفك الكذب، والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب. وقرأ أبو عبد الرحمن: {وَتَخَلَّقُونَ}. وقرىء: {تُخَلِّقُونَ} بمعنى التكثير من خَلَّق و{تَخَلَّقُونَ} من تَخَلَّق بمعنى تَكَذَّب وتخرّص. وقرىء: {أَفِكاً} وفيه وجهان: أن يكون مصدراً نحو كذِب ولعِب والإفك مخففاً منه كالكذب واللعب. وأن يكون صفة على فَعل أي خلقاً أَفِكا أي ذا إفك وباطل. و{أَوْثَاناً} نصب بـ{ـتَعْبُدُونَ} و{ما} كافة. ويجوز في غير القرآن رفع أوثانٍ على أن تجعل {ما} اسماً لأن؛ و{تَعْبُدُونَ} صلته، وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل أوثان خبر إن. فأما {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فإياه فاسألوه وحده دون غيره. {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} فقيل: هو من قوله إبراهيم أي التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ} قراءة العامة بالياء على الخبر والتوبيخ لهم، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. قال أبو عبيد: لذكر الأمم كأنه قال أوَلَم ير الأمم كيف. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثّاب وحمزة والكسائي: {تَرَوْا} بالتاء خطاباً؛ لقوله: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا}. وقد قيل: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا} خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني الخلق والبعث. وقيل: المعنى أوَلَم يروا كيف يبدىء الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبداً. وكذلك يبدأ خلق الإنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولد ولداً. وكذلك سائر الحيوان. أي فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لأنه إذا أراد أمراً قال له كن فيكون.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء: أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر، فإنه المشكور على النعم، لا مسدي لهاغيره، فقال لقومه: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ} أي: أخلصوا له العبادة والخوف، {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: إذا فعلتم ذلك، حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة، ثم أخبر تعالى أن الأصنام التي يعبدونها لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء فسميتموها آلهة، وإنما هي مخلوقة مثلكم، هكذا رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد والسدي، وروى الوالبي عن ابن عباس: وتصنعون إفكاً، أي: تنحتونها أصناماً، وبه قال مجاهد في رواية، وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير رحمه الله، وهي لا تملك لكم رزقاً، {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} وهذا أبلغ في الحصر؛ كقوله: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5] {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [التحريم: 11] ولهذا قال: {فَٱبْتَغُواْ} أي: فاطلبوا {عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئاً، {وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} أي: كلوا من رزقه، واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم، {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} يعني: إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء. وقال قتادة في قوله: {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول، واعترض بهذا إلى قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} وهكذا نص على ذلك ابن جرير أيضاً. والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل عليه السلام، يحتج عليهم لإثبات المعاد؛ لقوله بعد هذا كله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذْكر {إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ } خافوا عقابه {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } مما أنتم عليه من عبادة الأصنام {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } الخير من غيره.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} فيه خمسة أوجه: أحدها: يعذب من يشاء بالانقطاع إلى الدنيا، ويرحم من يشاء بالإعراض عنها. الثاني: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. الثالث: يعذب من يشاء بسوء الخلق، ويرحم من يشاء بحسن الخلق. الرابع: يعذب من يشاء ببغض الناس له، ويرحم من يشاء بحبهم له. الخامس: يعذب من يشاء بمتابعة البدعة، ويرحم من يشاء بملازمة السنة.
ابن عطية
تفسير : يجوز أن يكون {إبراهيم} معطوفاً على "نوح"، ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في {أنجيناه}[العنكبوت: 15]، ويجوز أن ينصبه فعل تقديره "واذكر إبراهيم".، وهذه القصة أيضاً تمثيل لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عبدة أصنام فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله تعالى وعبادته، ثم قرر لهم ما هم عليه من الضلال، وقرأ جمهور الناس، "تخلقون إفكاً"، وقرأ ابن الزبير وفضيل "إفكاً" على وزن فعل وهو مصدر كالكذب والضحك، ونحوه، واختلف في معنى {تخلقون} فقال ابن عباس هو نحت الأصنام وخلقها. سماها {إفكاً} توسعاً من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة، وقال مجاهد، هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك، وقرأ عبد الرحمن السلمي وعون العقيلي وقتادة وابن أبي ليلى "وتخَلَّقون إفكاً" بفتح الخاء وشد اللام وفتحها، و"الإفك" على هذه القراءة الكذب ثم وقفهم على جهة الاحتجاج عليهم بأمر تفهمه عامتهم وخاصتهم وهو أمر الرزق، فقرر أن الأصنام لا ترزق، وأمر بابتغاء الخير عند الله تعالى وخصص {الرزق} لمكانته من الخلق فهو جزء يدل على جنسه كله، ويقال شكرت لك وشكرتك بمعنى واحد، ثم أخبرهم بالمعاد والحشر إليه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أولم تروا} بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل {النشاءة} بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو {مودّة} بالرفع {بينكم} بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل {مودة} بالرفع {بينكم} بالفتح: الشموني والبرجمي. {مودة} بالنصب {بينكم} على الإضافة: حمزة وحفص. الباقون: {مودة} بالنصب {بينكم} بالفتح {ربي إنه} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {إنكم} بهمز واحد {أينكم} بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب. زيد: مثله. بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو. والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة. الباقون بهمزتين فيهما {أئنكم} كنظائره. {وللننجينه} بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف {سيء بهم} كما ذكر في "هود" و{منجوك} من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل {منزلون} بالتشديد: ابن عامر و {ثمود} غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب. الوقوف: {واتقوه} ط {تعلمون} ه {افكاً} ط {واشكروا له} ط {ترجعون} ه {من قبلكم} ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي {المبين} ه {يعيده} ط {يسير} ه {الآخرة} ط {قدير} ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً {من يشاء} ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين {تقلبون} ه {السماء} ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين {نصير} ه {اليم} ه {النار} ط {يؤمنون} ه {أوثاناً} ج لمن قرأ {مودة} بالرفع {الدنيا} ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين {بعضاً} ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود {من ناصرين} 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء {لوط} م لأن قوله {وقال} فاعله {إبراهيم} ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل {ربي} ط {الحكيم} ه {الدنيا} ج للابتداء بأن مع واو العطف {الصالحين} ه {الفاحشة} ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً {العالمين} ه {المنكر} ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب {الصادقين} ه {المفسدين} ه {بالبشرى} لا لأن {قالوا} جواب "لما" {القرية} ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل. {ظالمين} ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم {لوطاً} ط {بمن فيها} ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية {إلا امرأته} ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين {ولا تحزن} ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح {الغابرين} ه {يفسقون} ه {يعقلون} ه {شعيباً} لا لتعلق الفاء {مفسدين} ه {جاثمين} ه لأن {عاداً} يحتمل أن يكون منصوباً بـ {ـأخذتهم} أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله {وقد تبين} حال ولا يحسن أن يكون عامله {فأخذتهم} والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا. {مساكنهم} ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم {مستبصرين} ه ج للعطف {وهامان} يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله {ولقد جاءهم} حال عامله {فأخذتهم}. {سابقين} ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين {بذنبه} ط وكذلك {حاصباً} ط {وأخذته الصيحة} ط {وخسفنا به الأرض} ط {وأغرقنا} ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار {يظلمون} ه {العنكبوت} ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً {بيتاً} ط {العنكبوت} ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق {يعلمون} ه. التفسير: قوله {وإبراهيم} منصوب بمضمر وهو "اذكر". وقوله {إذ قال} بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على {نوحاً} فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟ وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته. {ذلكم} الإِخلاص والتقوى {خير لكم إن كنتم تعلمون} أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر. ثم بين بقوله {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً} أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف. وبين بقوله {وتخلقون افكاً} أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان. ثم أشار بقوله {فابتغوا عند الله الرزق} إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} تفسير : [هود: 6] يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له. ثم بين بقوله {إليه ترجعون} أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه. ثم إن قوله {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} إلى قوله {فما كان جواب قومه} إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده. وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً. وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال {أولم يروا} أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية {كيف يبدئ الله الخلق} ثم يعيده. أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر. وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله {إن ذلك على الله يسير} وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أو حكى إبراهيم قول ربه له {قل سيروا في الأرض} أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان. حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام {أولم يروا} الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان. وإنما قال أوّلاً {كيف يبدئ} بلفظ المستقبل وثانياً {كيف بدأ} بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا. وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله {أولم يروا} كما قال قوله {ثم يعيده} إخبار على حياله وليس بمعطوف على {يبدئ} ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله {ثم الله ينشئ النشأة} إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال. وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال {إن الله على كل شيء} من الإبداء والإعادة {قدير} وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى. وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية. ومنها أنه قال أوّلا {وإليه ترجعون} ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله {وما أنتم بمعجزين} وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله. وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله {أية : ولو كنتم في بروج مشيدة}تفسير : [النساء: 78] أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء. وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله {وما أنتم بمعجزين في الأرض} [العنكبوت: 22] لأنه خطاب للمؤمنين. ونفى الثاني بقوله {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير. ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات. وفي زيادة قوله {أولئك} إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله {أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} تفسير : [يوسف: 87] ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف. وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله. ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين. ثم بين بتكرير أولئك في قوله {وأولئك لهم عذاب أليم} أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة. ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون {اقتلوه} بالسيف ونحوه {أو حرقوه} بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف". وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق. ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار. والقصة مذكورة في سورة الأنبياء. {إن في ذلك} الإنجاء {لآيات} جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله {أية : إن إبراهيم كان أمة} تفسير : [النحل: 120] أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك. وإنما قال في قصة نوح عليه السلام {أية : وجعلناها آية}تفسير : [العنكبوت: 15] ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا. وإنما قال هناك {أية : آية للعالمين}تفسير : [العنكبوت: 15] وههنا {لآيات لقوم يؤمنون} لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد. أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين. وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به. وههنا لطيفة وهي أن الله تعالى جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال {أية : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} تفسير : [الممتحنة: 4] فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً. ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة} قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك. الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم. ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على {أوثاناً} حسن كما مر. {ثم يوم القيامة} يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره {أية : كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً}تفسير : [مريم: 82] والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وإنما لم يقل ههنا {أية : وما لكم من دون الله} تفسير : [البقرة: 107] لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار. وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله {فآمن له لوط} وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه. قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة. وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام عليهما. {وقال} إبراهيم {إني مهاجر} من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان. وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً. ومعنى {إلى ربي} أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 99] وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه. وفي قوله {إنه هو العزيز الحكيم} نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله. قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي. ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم. وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية. ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله تعالى جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم. ثم كرر ذكر النعمة بقوله {وأتيناه أجره في الدنيا} قال أهل التحقيق: إن الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم عليه السلام بأضدادها. لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط. يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب. وكان خاملاً حتى قال قائلهم {أية : سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} تفسير : [الأنبياء: 60] فجعل الله له لسان صدق في الآخرين. اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. ثم بين بقوله {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله تعالى ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان. قوله {ولوطا إذ قال} إعرابه كإعراب قوله {وإبراهيم إذ قال} وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً. إلا أن الله تعالى قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله {إنكم لتأتون الفاحشة} ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة. وإذا كان الزنا فاحشة كما قال {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} تفسير : [الإسراء: 32] مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها. ومعنى {ما سبقكم بها} أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم. ومعنى {تقطعون السبيل} تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء. ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به {وتأتون في ناديكم المنكر} أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار. والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس. وعن عائشة: كانوا يتجامعون. وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله} ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم {أية : يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} تفسير : [مريم: 42] فجعلوا جزاءه شر الجزاء. وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً {أية : أخرجوا آل لوط من قريتكم} تفسير : [النمل: 56] واقترحوا من عذاب الله ثانياً. ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم {قال رب انصرني على القوم المفسدين} كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح {أية : ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا} تفسير : [نوح: 27] ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم. والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة {مهلكو} إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك. والقرية سذوم. ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح {أية : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}تفسير : [العنكبوت: 14] فإن ذلك إخبار من الله تعالى ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار. قال بعضهم: إن تعلق {البشرى} بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه. ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً {إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم} منك {بمن فيها} وأخبروا بحاله وحال قومه. ومعنى {من الغابرين} من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و {سيء بهم وضاق بهم ذرعاً} قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها. فقالت الملائكة {لا تخف} علينا {ولا تحزن} بسبب التفكر في أمرنا. وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا {ولما أن جاءت} بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله {سيء بهم} وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة. ثم إن الملائكة قالوا للوط {إنا منجوك} بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم عليه السلام {لننجينه} بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده. والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة. وقيل: النار. وقيل: الخسف. وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء {ولقد تركنا منها} أي من القرية {آية بينة} هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم. وقوله {القوم} يتعلق بـ {تركنا} أبو بـ {بينة} ولزيادة قوله {بينة} قال {لقوم يعقلون} بخلاف قوله في قصة نوح عليه السلام {أية : وجعلناها آية للعالمين}تفسير : [العنكبوت: 15] لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل. ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف. وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب. أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام. {فكذبوه} إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر. ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود". وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع. {و} أهلكنا {عاداً وثمود وقد تبين لكم} ذلك الإهلاك {من} جهة {مساكنهم} إذا نظرتم إليها عند مروركم بها {وكانوا مستبصرين} أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا {وما كانوا سابقين} أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم. فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط. والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين. وثمود. والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون {وما كان الله ليظلمهم} بالإهلاك {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف. فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته. وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً. ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم. ثم قال {لو كانوا يعلمون} فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت. فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً. وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "وَإِبْرَاهِيمَ" أي "وأرْسَلْنَا إبْرَاهِيم"، والعامة على نصبه عطفاً على "نوحاً"، أو بإضمار "اذكر"، أو عطفاً على "هاء" "أنجيناه"، والنخعي، وأبو جعفر، وأبو حنيفة: "وإبْرِاهيمُ" رفعاً على الابتداء، والخبر مقدر أي ومن المرسلين إبراهيم، وقوله: "إذْ قَالَ" بدل من "إبْرَاهِيمَ" بدل اشتمال، فإن قلنا: هو ظرف "أرْسَلْنَا" أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه، ففيه إشكال، لأن قوله لقومه "اعبدوا الله" دعوة، والإرسال يكون قبل الدعوة، فكيف يفهم من قوله: وأرْسَلْنَا إبراهيم حِينَ قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبل ذلك؟ فالجواب: هذا كقول القائل: "وَقَفْتُ للأَمِير إذْ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ"، وقد يكون الوقوف قبل الخروج لكن لما كان الوقوف يمتد إلى ذلك الوقت صح ذلك. فصل معنى {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ} أطيعوا الله وخافوه، وقيل: "اعبدوا الله" إشارة إلى الإتيان بالواجبات "واتّقوه" إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي عباد الله وتقواه خير، لأن خلاف عبادة الله تعطيل، وخلاف تقواه شرك، وكلاهما شر، {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أصناماً، فلا تستحق العبادة لكونها أصناماً منحوتة لا شرف لها. قوله: "وَتَخْلُقُونَ إفْكاً" العامة على فتح التاء، وسكون الخاء، ورفع اللام مضارع "خلق" و "إفْكاً" بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي وتختلقون كذباً، أو تنحتون أصناماً، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن علي والسُّلَيْميّ، وقتادةُ بفتح الحاء واللام مشددة، وهو مضارع "تَخَلَّقَ" والأصل: "تَتَخَلقونَ" بتاءين فحذفت إحداهما "كَتَنَزَّلَ" ونحوه، روي عن "زيد بن علي" أيضاً تُخَلُقون بضم التاء وتشديد اللام مكسورة مضارع "خلّق" مضعفاً، وقرأ ابن الزبير، وفُضَيْل بن زَرْقَانِ إفكاً - بفتح الهمزة وكسرها - وهو مصدر كالكذب معنى ووزناً، وجوز الزمخشري في الإفْكِ - بالكسر والسكون - وجهين: أحدهما: أن يكون مخففاً من الأَفِك بالفتح والكسر كالكَذِب واللَّعِب، وأصلها: (الكِذْب واللّعْب) وأن يكون صفة على "فِعْلِ" أي خلقاً إفْكاً أي "ذَا إفْكٍ". قال شهاب الدين: وتقديره مضافاً قبل "إفك" مع جعله له صفة غيرُ مُحْتَاجٍ إليه (وإنما كان يُحْتَاجُ إليه) لو جعله مصدراً. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} لا يقدرون أن يرزقوكم، وهذا إشارة إلى عدم المنفعة في الحال والمآل. قوله: "رزقاً" يجوز أن يكون منصوباً على المصدر، وناصبه "لا يملكون"؛ لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين يجوز أن يكون الأصل: لا يملكون أن يَرْزُقُوكُمْ رزقاً، فإن "يرزقوكم" هو مفعول "يملكون"، ويجوز أن يكون بمعنى "المرزوق" فينتصب مفعولاً به، "فابْتَغُوا" فاطلبوا "عند الله الرزق" (و) هذا إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته. فإن قيل: قال: {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} نكّر الرزق وقال: {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} فعرفه، فما الفائدة؟ قال الزمخشري نكره في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً، وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه. وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود: 6] والرزق من الأوثان غير معلوم، فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} لعدم حصول العلم به، وقال: {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} أي الموعود به، ثم قال: {وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته، فاشكروا له لكونه سائق النعم إلى الخلق "وإليه ترجعون" أي اعبدوه، لكونه مرجعاً منه يتوقع الخير لا من غيره. قوله: {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} في المخاطب بهذه الآية وجهان: الأول: أنه قوم إبراهيم؛ لأن القصة لإبراهيم، فكأن إبراهيم قال لقومه: إن تكذبوا فقد كَذَّب أُمَمٌ من قبلكم وأنا أتيت بما عليّ من التبليغ، فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان. فإن قيل: إن إبراهيم لم يسبقه إلا قومُ نوح، وهم أمة واحدة. فالجواب: إن قبل نوح أيضاً كان أقوام كقوم "إدْرِيسَ"، وقوم "شِيتَ"، وآدَمَ، وأيضاً فإن نوحاً عاش أكثر من ألف سنة، وكان القرن يموت، ويحيا أولاده، والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الأتْبَاعِ، فكفى بقوم نوحٍ أمماً. الثاني: أن الآية خطاب مع قوم محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن هذه القصص أكثرُها المقصودُ معه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا عن التكذيب، ويرتدعوا خوفاً من التعذيب، فقال في أثناء حكاياتهم: يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا، فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم. وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً} قال: أصناماً {وتخلقون إفكا} قال: تصنعون أصناماً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله {وتخلقون إفكا} قال: تنحتون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وتخلقون إفكا} قال: تصنعون كذباً. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد، مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده} قال: يبعثه. وفي قوله {فانظروا كيف بدأ الخلق} قال: خلق السموات والأرض {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} قال: البعث بعد الموت. وفي قوله {فما كان جواب قومه} قال: قوم إبراهيم. وفي قوله {فأنجاه الله من النار} قال: قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وفي قوله {قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا} قال: اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} قال: صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين. وفي قوله {فآمن له لوط} قال: فصدقة لوط {وقال إني مهاجر إلى ربي} قال: هاجرا جميعاً من كوثي: وهي من سواد الكوفة إلى الشام. وفي قوله {وآتيناه أجره في الدنيا} قال: عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ "وتخلقون افكا" خفيفتين وقرأ "اوثاناً مودة" منصوبة منونة "بينكم" نصب. وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً. إن استطعت أن تصلي قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {النشأة الآخرة} قال: هي الحياة بعد الموت: وهو النشور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فآمن له لوط} قال: صدق لوط إبراهيم عليهما السلام. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {وقال إني مهاجر إلى ربي} قال: هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله {وقال إني مهاجر إلى ربي} قال: إلى حران. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج، مثله. وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله {وقال إني مهاجر إلى ربي} قال: إلى الشام كان مهاجر. وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط ". تفسير : وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط ". تفسير : وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} قال: هما ولدا إبراهيم. وفي قوله {وآتيناه أجره في الدنيا} قال: إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به. وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وآتيناه أجره في الدنيا} قال: الثناء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وآتيناه أجره في الدنيا} قال: الولد الصالح والثناء.
القشيري
تفسير : كَرَّرَ ذَكْرَ إبراهيم في هذا الموضع، وكيف أقام على قومه الحُجَّة، وأرشدهم إلى سَوَاءِ المحجة، ولكنهم أصروا على ما جحدوا، وتعصبوا لِمَا من الأصنام عبدوا، وكادوا لإبراهيم كيداً.. ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكراً بهم واستدراجاً. ولم يَنْجَعْ فيهم نُصْحُه، ولا وَجَد منهم مساغاً وَعْظُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وابراهيم} نصب بالعطف على نوحا اى ولقد ارسلنا ابراهيم ايضا من قبل ارسالنا اياك يامحمد {اذ قال} نصب باذكر المقدر هكذا الهمت اى اذكر لقومك وقت قوله {لقومه} وهم اهل بابل ومنهم نمرود {اعبدوا الله} وحده {واتقوه} ان تشركوا به شيئا {ذلكم} اى ماذكر من العباد والتقوى {خير لكم} مما انتم عليه من الكفر ومعنى التفضيل مع انه لاخير فيه قطعا باعتبار زعمهم الباطل {ان كنتم تعلمون} اى الخير والشر وتميزون احدهما عن الآخر
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (إبراهيم): عطف على (نوح)، أو متعلق باذكر، و (وإذ قال): ظرف زمان لأرسلنا، أو: بدل اشتمال من (إبراهيم)؛ إِنْ نُصِبَ باذكر، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها. يقول الحق جل جلاله: {وإِبراهيمَ} أي: وأرسلنا إبراهيم {إذ قال لقومه} أي: أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره، وبلغ من السن والعلم مبلغاً صَلَحَ فيه لأن يعظ قَوْمَهُ، وَيَأَمُرَهُمْ بالعبادة والتقوى. وقرأ النخعي وأبو حنيفة: بالرفع. أي: ومن المرسلين إبراهيم، قال في وعظه: {اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم} مما أنتم عليه من الكفر، {إن كنتم تعلمون}؛ إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً}؛ أصناماً {وتخلُقُون}: تختلفون وتكذبون، أو تصنعون أصناماً بأيديكم تسمونها آلهة. وقرأ أبو حنيفة والسُّلَمِي: "وَتُخَلِّقُونَ" بالكسر والشد. من خَلَّقَ؛ للمبالغة. {إفكاً}: وقرئ "أَفِكاً" بفتح الهمزة، وهو مصدر، نحو كذب ولعب. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله. {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً }: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، {فابتغوا عند الله الرزقَ} كُلَّه؛ فإنه هو الرزاق وحده، لا يرزق غَيْرُهُ. {واعبدوه واشكروا له} أي: متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره, {إليه تُرجعون}, فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، {وإِن تُكذِّبوا} أي: تكذبوني {فقد كَذَّبَ أُمَمٌ من قبلكم} رُسُلَهم، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} الذي يزول معه الشك. والمعنى: وأن تكذبوني فلا تضرونني بتكذيبكم؛ فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم، حيث حلّ بهم العذابُ. وأما الرسول فقد أدى ما عليه حين بلغَ البلاغَ المبين، الذي لم يبق معه شك، حيث اقترن بآيات الله معجزاته. أو: وإن كنت مُكَذِّباً فيما بينكم, فلي في سائر الأنبياء أسوة, حيث كُذَّبُوا, وعلى الرسول أن يُبَلِّغَ، وما عليه أن يصدَّق ولايكذّب. وهذه الآية من قوله: {وإِن تُكذِّبوا} إلى قوله: {فما كان جواب قومه}: يحتمل أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وأن تكون من كلام الله في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأن قريش، مُعْتَرِضَةً بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت؛ معترضة فيه؛ فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله؟ قلت: قد وقع الاتصال، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباهُ إبراهيم كان مبتلى بنحو ما ابتلى به؛ من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: {وإِن تُكذِّبوا} يا معشر قريش محمداً، فقد كذب إبراهيمَ قومُه، وكل أمة كذبت نبيها لأن قوله: {فقد كذّب أمم مِن قبلكم} لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الأيات بعدها من توابعها؛ لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضح صحته وبرهانه. قاله النسفي. قال ابن جزي: {وإن تُكذِّبوا} يحتمل ان يكون وعيداً للكفار وتهديداً لهم، أو يراد به تسلية النبي عن تكذيب قومه، بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين كذّبهم قومُهم. هـ. الإشارة: قوله تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق}؛ قال سهل رضي الله عنه: معناه: اطلبوا الرزق في التوكل، لا في الكسب؛ فإن طلب بالكسب سبيل العوام. وقال ابن عطاء الله: اطلبوا الرزق في الطاعة والإقبال على العبادة. وقال القشيري: وقدَّم ابتغاء الرزق؛ لتوقف القيام بالعبادة عليه، ثم أمر بالشكر على الكفاية. هـ. ثم أمرهم بالاعتبار، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ...}
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {أولم تروا} بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو {النشاءة} بفتح الشين ممدودة - هنا - وفي النجم، والواقعة. الباقون - بسكون الشين مقصوراً - ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب تقديره: قل لهم يا محمد {أولم تروا} حين انكروا البعث والنشور {أولم تروا كيف يبدئ الله الخلق} أي إذا انكرتم الاعادة كان الابتداء أولى بالنكرة. وحيث أقروا بان الله خالقهم ابتداء فيلزمهم أن يقروا بالاعادة ثانياً. ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم {ويبدئ} فيه لغتان اتى بهما القرآن بدأ الله الخلق، وأبدأهم، قال الله تعالى {وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده} فمصدر أبدأ يبدؤ إبداءاً، فهو مبدئ. ومن قرأ (بدأ) يبدؤ بدءاً، فهو بادئ، وذاك مبدوء، ويقال: رجع عوده على بدئه بالهمز، وبدا يبدو، بغير همز: ظهر. وقال ابو عمرو (غلام تغلب): يجوز رجع عوده على بده - بغيره همز - بمعنى الظهور كقولهم: ما عدا مما بدا. والنشاءة والنشأة بالمد والقصر، لغتان. كقولهم: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة وهما مصدران. فالنشأة المرة الواحدة، يقال: نشأ الغلام، فهو ناشئ، وامرأة ناشئة، والجمع نواشئ، ويقال للجواري الصغار نشأ قال نصيب: شعر : ولولا ان يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار تفسير : وانشأهم الله إنشاء، فهو منشئ، ونشت - بغير همز - ريحاً طيبة، ورجل نشوان من الشراب. ورجل نشيان للخير إذا كان يتخير الخير، حكاه تغلب. قوله {وإبراهيم إذ قال} يحتمل نصبه أمرين: احدهما - ان يكون عطفاً على قوله {وأرسلنا نوحاً إلى قومه} وتقديره وأرسلنا إبراهيم أيضاً. الثاني - بتقدير واذكر {إبراهيم} حين {قال لقومه اعبدوا الله} وحده لا شريك له، واتقوا عقابه باتقاء معاصيه {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ما هو خير لكم مما هو شر لكم. وقوله {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً} حكاية عما قال ابراهيم لقومه كأنه قال لهم ليس تعبدون من دون الله إلا اوثاناً، وهو جمع وثن، وهو ما يعبد من دون الله. وقيل: ما يعمل من حجر وطين يسمى وثناً. و (ما) في قوله {إنما} كافة، وليست بمعنى الذي، لأنها لو كانت بمعنى الذي، لكان (اوثان) رفعاً. وقوله {وتخلقون إفكاً} أي تعملون أصناماً، وسماها إفكاً لادعائهم انها آلهة - وهو قول قتادة، والجبائي - وقال ابن عباس: وتصنعون كذباً، وتحقيقه يصنعون على ما يقدرون، ثم قال لهم ابراهيم أيضاً {إن الذين تعبدون من دون الله} يعني الاصنام {لا يملكون لكم رزقاً} أي لا يقدرون على أن يرزقوكم، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع، وهو الله الرازق. والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتمّ التصرف، وليس ذلك إلا لله - عز وجل - على الحقيقة لأن له التصرف والقدرة على جميع الاشياء بلا مانع، والانسان إنما يملك ما يملكه الله، ويأذن له في التصرف فيه. فأصل الملك لجميع الأشياء لله. ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة، لأن العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة. والأصنام لا تقدر على ذلك، فاذاً لا يحسن عبادتها. ثم قال لهم {وابتغوا عند الله الرزق} أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه {واعبدوه} على ما انعم به عليكم من أصول النعم، وأعلى مراتب الفضل {واشكروا له} ايضاً، لأنكم اليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على قدر اعمالكم. فمن عبده وشكره جازاه بالثواب. ومن عبد غيره وكفر نعمه جازاه بالعقاب. ويقال: شكرته وشكرت له يؤكد باللام. فمعنى الشكر له اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره. ثم قال {وإن تكذبوا} بما اخبركم به من عند الله، وما أدعوكم اليه من اخلاص عبادته {فقد كذب أمم من قبلكم} انبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس {على الرسول إلا البلاغ المبين} يعني الا أن يوصل اليهم ويؤدي اليهم ما أمر به لكونه بياناً ظاهراً يمكنهم معرفته وفهمه، وليس عليه حملهم على الايمان. ثم قال {أولم يروا كيف يبدؤا الله الخلق} اي ألم يفكروا فيعلموا كيف اخترع الله الخلق من العدم {ثم يعيده} ثانياً اذا اعدمهم بعد وجودهم. قال قتادة: معنى {ثم يعيده} بالبعث بعد الموت. وقيل ينشئه بالاحياء {ثم يعيده} بالرد إلى حال الموت. والأول أصح {إن ذلك على الله يسير} غير متعذر، لأن من قدر على الاختراع والانشاء أولا كان على الاعادة اقدر. ومعنى {يسير} لا تعب عليه فيه ولا نصب، وكل فعل كان كذلك، فهو سهل يسير. والاحتجاج في ذلك أن من قدر على ذلك قادر على ارسال الرسول إلى العباد. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {قل} لهؤلاء الكفار {سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق} وفكروا في آثار من كان قبلكم، وإلى اي شيء صار امرهم لتعتبروا بذلك فيما يؤديكم إلى العلم بربكم. وقوله {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} فالنشأة الآخرة اعادة الخلق كرة ثانية من غير سبب كما كان اول مرة، لان معنى الانشاء الايجاد من غير سبب {إن الله على كل شيء قدير} اخبار منه تعالى انه قادر على كل شئ يصح ان يكون مقدوراً له.
الجنابذي
تفسير : {وَإِبْرَاهِيمَ} عطف على نوحاً او بتقدير اذكر او ذكّرهم {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} من تقليد الآباء واخذ الدّين بالرّسم والعادة وعبادة الاصنام من غير حجّة، وخير امّا خالٍ من معنى التّفضيل او الاتيان بصيغة التّفضيل لاعتقادهم بانّ ذلك خير {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ} من عند انفسكم من دون برهانٍ {إِفْكاً} اى كذباً فى ادّعاء انّها الهةٌ او معبودات او شفعاء وهذا ابتداء كلامٍ من الله او هو من قول ابراهيم (ع) {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} فاذا كانوا لا يملكون لكم رزقاً {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} لانّه هو الّذى يملك رزق كلّ مرزوقٍ، وهذا ايضاً يحتمل كونه من قول ابراهيم (ع) ومن قول الله تعالى {وَٱعْبُدُوهُ} لاستحقاقه بمالكيّة الرّزق {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} لانّه المالك للنّعم كلّها ومعطيها {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تعليل لسابقه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ} أي: وأرسلنا إبراهيم إلى قومه، وهذا تبع للكلام الأول في نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} قال: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ} أي: وحدوه {وَاتَّقُوهُ} أي: واخشوه {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ} أي: وتصنعون {إِفْكاً} أي: كذباً. قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} أي: فابتغوا عند الله الرزق بأن تعبدوه وتشكروه يرزقكم. قال: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. قوله: {وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} أي: فأهلكهم الله، يحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بهم إن لم يؤمنوا. قال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ المُبِينُ} أي: ليس عليه أن يكره الناس على الإِيمان. كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ} يقوله على الاستفهام، (أية : حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) تفسير : [يونس: 99] أي: إنك لا تستطيع أن تكرههم، فإنما يؤمن من أراد الله أن يؤمن. وكقوله: (أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) تفسير : [القصص: 56]. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ} أي: بلى، قد رأوا أن الله خلق الخلق، قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني يوم البعث، يخبر أنه يبعث العباد، والمشركون لا يقرّون بالبعث. قال: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: خلقهم وبعثهم. ثم قال للنبي عليه السلام: {قُلْ} لهم: {سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} أي: حيثما ساروا رأوا خلق الله الذي خلق. قوله: {ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} أي: الخلق الآخر، يعني البعث، أي: إن الله خلقهم وإنه يبعثهم. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.
اطفيش
تفسير : {وَإِبْرَاهِيمَ} اي واذكر ابراهيم او وأرسلنا ابراهيم او معطوف على نوح وقرأ ابو حنيفة والنخعي {وابراهيم} بالرفع على الابتداء والخبر محذوف اي ومن المرسلين ابراهيم وان قلت كيف جعلت كون ابراهيم مفعولا لمحذوف تقديره ارسلنا وجها كونه معطوفا على نوح وجها مع انه اذا جعلنه معطوفا على نوح فقد تسلط عليه ارسل المتسلط على نوح ولم تحتج الى تقدير ارسل؟ قلت: اردت بكونه مفعولا لارسلنا محذوفا ان يكون مفعولا له على الاستئناف لا على العطف. {إِذْ} متعلق بالارسال على جعل وقت ارساله ووقت كلامه وقتا واحدا واسعا أوله زمان الارسال وهو زمان بلوغ ان ينصح قومه ويعظهم ويعلم احوال الناس وبدل اشتمال على تقدير اذكر اي واذكر ابراهيم وقت قوله فوقت بدل اشتمال من ابراهيم والرابط ضمير القول. {قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ} تقربوا اليه بالأعمال الصالحة وخافوه او واحذروا معصيته. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ} اي افضل مما تدعون انه حسن او خير بمعنى منفعة ومصلحة. {لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما هو خير لكم ونظرتم بعين الدراية.
اطفيش
تفسير : {وإبْراهِيم} واذكر ابراهيم وذلك عطف قصة على اخرى، او معطوف على نوحاً على ان الآية بعد الايحاء اليه، وأما على انها فى صغره لكمال عقله، فلسعة الوقت، او لتنزيل الهامه منزلة الوحى، ولا يعطف على هاء انجيناه، او على اصحاب، لان التفريع بالفاء على ما قبل لا يناسب ابراهيم {إذْ} بدل من ابراهيم بدل اشتمال خارجة عن الظرفية الى المفعولية {قال لقوْمه اعْبُدوا الله} لا تعبدوا غيره {واتقوه} احذروا عذابه على عبادة غيره، واحذروا الاشراك به {ذلكم} ما ذكر من عبادته وتقواه {خيرٌ لكم} من عبادة غيره، ومن عبادة غيره معه على زعمكم، أن في عبادة غيره نفعاً، أو خير لكم من كل شئ، او خير خارج عن التفضيل، او بمعنى نفع {إنْ كنتم تعلمون} شيئاً ما من الاشياء، وهذا من اوائل ما يعلم فان ادنى عاقل لا يرى الاصنام نافعة، ولا قادرة على شئ ما او ان كنتم تميزون الخير والشر.
الالوسي
تفسير : {وَإِبْرٰهِيمَ } نصب بإضمار اذكر معطوفاً على ما قبله عطف القصة على القصة فلا ضير في اختلافهما خبراً وإنشاءاً و(إذ) في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } بدل اشتمال منه لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد جوز ذلك الزمخشري وابن عطية، وتعقب ذلك أبو حيان بأن إذ لا تتصرف فلا تكون مفعولاً به والبدلية تقتضي ذلك. ثم ذكر أن إذ إن كانت ظرفاً لما مضى لا يصح أن تكون معمولة لاذكر لأن المستقبل / لا يقع في الماضي فلا يجوز قم أمس، وإذا خلعت من الظرفية الماضوية وتصرف فيها جاز أن تكون مفعولاً به ومعمولاً لاذكر، وجوز غير واحد أن يكون نصباً بالعطف على {أية : نُوحاً}تفسير : [العنكبوت: 14] فكأنه قيل: وأرسلنا إبراهيم فإذ حينئذ ظرف للإرسال، والمعنى على ما قيل أرسلناه حين تكامل عقله وقدر على النظر والاستدلال وترقى من رتبة الكمال إلى درجة التكميل حيث تصدى لإرشاد الخلق إلى طرق الحق، وهذا على ما قاله بعض المحققين لما أن القول المذكور في حيز إذ إنما كان منه عليه السلام بعدما راهق قبل الإرسال، وأنت تعلم أن قوله تعالى: {أية : وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : [العنكبوت: 18] الخ إذا كان من قوله عليه السلام لقومه كالنص في أن القول المحكي عنه عليه السلام كان بعد الإرسال؛ وفي «الحواشي السعدية» أن ذلك إشارة إلى دفع ما عسى أن يقال: الدعوة تكون بعد الإرسال والمفهوم من الآية تقدمها عليه، وحاصله أنه ليس المراد من الدعوة ما هو نتيجة الإرسال بل ما هو نتيجة كمال العقل وتمام النظر، مع أن دلالة الآية على تقدمها غير مسلمة ففي الوقت سعة، ويجوز أن يكون القصد هو الدلالة على مبادرته عليه السلام للامتثال اهـ فتدبر. وجوز أبو البقاء، وابن عطية أن يكون نصباً بالعطف على مفعول {أية : أَنْجَيْنَاهُ} تفسير : [العنكبوت: 15] وهو كما ترى، والأوفق بما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـاهُمْ شُعَيْباً }تفسير : [العنكبوت: 36] أن يكون النصب بالعطف على نوحاً. وقرأ أبو حنيفة، والنخعي وأبو جعفر وإبراهيم بالرفع على أن التقدير ومن المرسلين إبراهيم، وقيل: التقدير ومما ينبغي ذكره إبراهيم، وقيل: التقدير وممن أنجينا إبراهيم، وعلى الأول المعول لدلالة ما قبل وما بعد عليه، ويتعلق بذلك المحذوف {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ}. {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحده {وَٱتَّقُوهُ } أن تشركوا به سبحانه شيئاً {ذٰلِكُمْ } أي ما ذكر من العبادة والتقوى {خَيْرٌ لَّكُمْ } من كل شيء فيه خيرية مما أنتم عليه على تقدير الخيرية فيه على زعمكم، ويجوز كون خير صفة لا اسم تفضيل {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي الخير والشر وتميزون أحدهما من الآخر، أو إن كنتم تعلمون شيئاً من الأشياء بوجه من الوجوه فإن ذلك كاف في الحكم بخيرية ما ذكر من العبادة والتقوى.
ابن عاشور
تفسير : انتقل من خبر نوح إلى خبر إبراهيم لمناسبة إنجاء إبراهيم من النار كإنجاء نوح من الماء. وفيه تنبيه إلى عظم القدرة إذ أنجت من الماء ومن النار. و{إبراهيم} عطف على {أية : نوحاً}تفسير : [العنكبوت: 14]. والتقدير: وأرسلنا إبراهيم. و {إذ} ظرف متعلق بــــ (أرسلنا) المقدَّر، أي في وقت قوله لقومه {اعبدوا الله} الخ وهو أول زمن دعوته. واقتضى قوله {اعبدوا الله} أنهم لم يكونوا عابدين لله أصلاً. وجملة {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} تعليل للأمر بعبادة الله. وقد أجمل الخبر في هذه الجملة وفُصل بقوله {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً} الآية. ومعنى {إن كنتم تعلمون} إن كنتم تعلمون أدلة اختصاص الله بالإلهية فمفعول العلم محذوف لدلالة ما قبله عليه. ويجوز جعل فعل {تعلمون} منزلاً منزلة اللازم، أي إن كنتم أهل علم ونظر. وجملة {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً} تعليل لجملة {اعبدوا الله}. وقَصْرُهم على عبادة الأوثان يجوز أن يكون قصراً على عبادتهم الأوثان، أي دون أن يعبدوا الله فهو قصر حقيقي إذ كان قوم إبراهيم لا يعبدون الله فالقصر منصب على قوله {من دون الله} أي إنما تعبدون غير الله وبذلك يكون {من دون الله} حالاً من {أوثاناً}، أي حال كونها معبودة من دون الله، وهذا مقابل قوله {اعبدوا الله} دون أن يقول لهم: لا تعبدوا إلا الله؛ لكن قوم إبراهيم قد وصفوا بالشرك في قوله تعالى في سورة [الأنعام: 78]{أية : قال يا قوم إني بريء مما تشركون}تفسير : فهم مثل مشركي العرب، فالقصر منصب على عبادتهم الموصوفة بالوثنية، أي ما تعبدون إلا صُوراً لا إدراك لها، فيكون قصر قلب لإبطال اعتقادهم إلهية تلك الصور كما قال تعالى {أية : قال أتعبدون ما تنحتون}تفسير : [الصافات: 95]. وعلى كلا الوجهين يتخرج معنى قوله {من دون الله} فإن {دون} يجوز أن تكون بمعنى (غير) فتكون {من} زائدة، والمعنى: تعبدون أوثاناً غير الله. ويجوز أن تكون كلمة {دون} اسماً للمكان المباعد فهي إذن مستعارة لمعنى المخالفة فتكون {من} ابتدائية، والمعنى: تعبدون أوثاناً موصوفة بأنها مخالفة لصفات الله. والأوثان: جمع وثن بفتحتين، وهو صورة من حجر أو خشب مجسمة على صورة إنسان أو حيوان. والوثن أخص من الصنم لأن الصنم يطلق على حجارة غير مصورة مثل أكثر أصنام العرب كصنم ذي الخلصة لخثعم، وكانت أصنام قوم إبراهيم صوراً قال تعالى {أية : قال أتعبدون ما تنحتون}تفسير : [الصافات: 95]. وتقدم وصف أصنامهم في سورة الأنبياء. و {تخلُقون} مضارع خلق الخبر، أي اختلقه، أي كذبه ووضعه، أي وتضعون لها أخباراً ومناقب وأعمالا مكذوبة موهومة. والإفك: الكذب. وتقدم في قوله {أية : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}تفسير : في سورة [النور: 11]. وجملة {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً} إن كان قوم إبراهيم يعترفون لله تعالى بالإلهية والخلق والرزق ولكنهم يجعلون له شركاء في العبادة ليكونوا لهم شفعاء كحال مشركي العرب تكون الجملة تعليلاً لجملة {اعبدوا الله واتقوه} أي هو المستحق للعبادة التي هي شكر على نعمه، وإن كان قومه لا يثبتون إلهية لغير أصنامهم كانت جملة {إن الذين تعبدون من دون الله} مستأنفة ابتدائية إبطالاً لاعتقادهم أن آلهتهم ترزقهم، ويرجح هذا الاحتمال التفريعُ في قوله {فابتغوا عند الله الرزق}. وقد تقدم في سورة الشعراء التردد في حال إشراك قوم إبراهيم وكذلك في سورة الأنبياء. وتنكير {رِزقاً} في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق ولو قليلاً. وتفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من أصنامهم أو تذكير بأن الرازق هو الله، فابتغاء الرزق منه يقتضي تخصيصه بالعبادة كما دل عليه عطف {واعبدوه واشكروا له}. وقد سلك إبراهيم مسلك الاستدلال بالنعم الحسية لأن إثباتها أقرب إلى أذهان العموم. و {عند} ظرف مكان وهو مجاز. شبّه طلب الرزق من الله بالبحث عن شيء في مكان يختص به فاستعير له {عند} الدالة على المكان المختص بما يضاف إليه الظرف. وعُدّي الشكر باللام جرياً على أكثر استعماله في كلام العرب لقصد إفادة ما في اللام من معنى الاختصاص أي الاستحقاق. ولام التعريف في {الرزق} لام الجنس المفيدة للاستغراق بمعونة المقام، أي فاطلبوا كل رزق قلّ أو كثر من الله دون غيره. والمعرّف بلام الجنس في قوة النكرة فكأنه قيل: فابتغوا عند الله رزقاً، ولذلك لم تكن إعادة لفظ الرزق بالتعريف مقتضية كونه غير الأول، فلا تنطبق هنا قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى. وجملة {إليه ترجعون} تعليل للأمر بعبادته وشكره، أي لأنه الذي يجازي على ذلك ثواباً وعلى ضده عقاباً إذ إلى الله لا إلى غيره مرجعكم بعد الموت. وفي هذا إدماج تعليل بالعبادة بإثبات البعث.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- واذكر - أيها الرسول - قصة إبراهيم حين دعا قومه إلى توحيد الله وطاعته، وَنَبَّهَهُم إلى أن الإيمان خير لهم من الكفر إن كانوا من ذوى العلم والعقل. 17- وقال لهم: أنتم لا تعبدون من دون الله إلا تماثيل وأصناماً تصنعونها بأيديكم، وتختلقون الكذب فتسمونها آلهة. وأن هذه الأوثان التى تعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تضر ولا تستطيع لكم رزقاً، فالتمسوا الرزق من الله - وحده - وخُصُّوه بالعبادة والشكر له على أنعمه، فإليه مصيركم أجمعين فيجازيكم على أعمالكم. 18- وإن تستمروا على تكذيبى فلن تضرونى، فقد أبلغتكم أن الرسل قبلى كذبتهم أممهم وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم إذ أهلكهم الله بسبب تكذيبهم، فليس على الرسول إلا أن يبلغ فى وضوح رسالته إلى قومه. 19- قد رأوا وعلموا أن الله يُبدئ الخلق ثم يُعيده، فكيف ينكرون البعث فى اليوم الآخر للحساب والجزاء؟ إن الإعادة على الله أسهل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإبراهيم: أي واذكر إبراهيم على قراءة النصب لإِبراهيم، وعلى قراءة الرفع: ومن المرسلين إبراهيم. اعبدوا الله واتقوه: أي آمنوا به ووحدوه في عبادته واتقوا أن تشركوا به وتعصوه. أوثاناً: أصناماً وأحجاراً وصُوَراً وتماثيل. وتخلقون إفكاً: أي تختلقون الكذب فتقولون في الأصنام والأوثان آلهة وتعبدونها. فابتغوا عند الله الرزق: أي اطلبوا الرزق من الله الخلاق العليم لا من الأصنام والتماثيل المصنوعة المنحوتة بأيدي الرجال بالمعاول والفؤوس. واعبدوه: أي بالإِيمان به وتوحيده واشكروه بطاعته. وإن تكذبوا: أي يا أهل مكة بعد هذا الذي عرضنا عليكم من الآيات والعبر فقد كذب أمم من قبلكم. وما على الرسول: أي محمد صلى الله عليه وسلم. إلا البلاغ المبين: وقد بلغ وبين فبرئت ذمته وأنتم المكذبون ستحل بكم نقمة الله. معنى الآيات: هذا القصص معطوف على قصص نوح لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولتذكير قريش بأنها في إصرارها على الشرك والتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم صائرة إلى ما صار إليه المكذبون من قبل إن لم تتب إلى الله وترجع إليه بالإِيمان والطاعة وترك الشرك والمعاصي قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ} أي واذكر يا رسولنا إبراهيم خليلنا {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} البابليين ومن بينهم والده آزَرْ يا قوم {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي بتوحيده في عبادته {وَٱتَّقُوهُ} بترك الشرك والعصيان وإلا حلَّت بكم عقوبته ونزل بكم عذابه وقوله {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الإِيمان والتوحيد والطاعة خير لكم من الكفر والشرك والعصيان. إذ الأول يجلب الخير والثاني يجلب الشر {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الخير والشر وتفرقون بينهما وقوله عليه السلام {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} يخبرهم معرفاً لهم بخطئهم فيقول {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أي أصناماً وتماثيل وعبادة الأصنام والأوثان عبادة باطلة لا تجلب لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً. إن الذي يجب أن يعبد الله الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت السميع البصير. أما الأوثان فلا شيء في عبادتها إلا الضلال واتباع الهوى. وقوله لهم {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} أي وتصنعون كذباً تختلقونه اختلاقاً عندما تقولون في التماثيل والأصنام إنها آلهة. وقوله عليه السلام لقومه {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} يخبرهم عليه السلام معرفاً لهم بحقيقة هم عنها غافلون وهي أن الذين يعبدونهم من دون الله لا يملكون لهم رزقاً لأنهم لا يقدرون على ذلك فما الفائدة إذاً من عبادتهم وما الحاجة الداعية إليها لولا الغفلة والجهل، ولما أبطل لهم عبادة الأصنام أرشدهم إلى عبادة الله الواحد القهار فقال {فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} إن كنتم عبدتم الأصنام لذلك فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فاطلبوا عنده الرزق فإنه مالكه والقادر على إعطائه {وَٱعْبُدُوهُ} بالإِيمان به وبرسوله وبتوحيده {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} يرزقكم ويحفظ عليكم الرزق وقوله {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ذكّرهم بعلة غفلتهم ومَصْدَر جهلهم وهي كفرهم بالبعث فأعلمهم أنهم إليه تعالى لا إلى غيره يرجعون. إذاً فليتعرفوا إليه ويعبدوه طلباً لرضاه وإكرامهم يوم يلقونه. وقوله تعالى {وَإِن تُكَذِّبُواْ} أي يا أهل مكة رسولنا وتنكروا وحينا وتكفروا بلقائنا فلستم وحدكم في ذلك. {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} قوم نوح وعاد وفرعون وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وغيرهم {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ} أي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ المبين وقد بلغكم وأنتم الآن بين خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تتعظوا بما أسمعناكم وأريناكم من آياتنا فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا فتكملوا وتسعدوا وإما أن تبقوا على إصراركم على الشرك والكفر والعصيان فسوف يحل بكم ما حل بأمثالكم، إذ كفاركم ليسوا بخير من كفار أولئكم الذين انتقم الله منهم وأذاقهم سوء العذاب. هذا ما دلت عليه الآية [18] وهي معترضة بين الآيات التي اشتملت على قصص إبراهيم عليه السلام. وسر الاعتراض هو وجود فرصة في سياق الكلام قد تلفت أنظار القوم وتأخذ بقلوبهم إذ الآيات كلها مسوقة لهدايتهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب عبادة الله وتقواه طلباً للنجاة من الخسران في الدارين. 2- بطلان عبادة غير الله ووجوب عبادة الله عن طريق الأدلة العقلية. 3- ما عبد الناس الأوثان إلا من جهلهم وفقرهم فلذا يجب أن يعلموا أن الله هو ربهم المستحق لعبادتهم وأن الله تعالى هو الذي يسد فقرهم ويرزقهم ومن عداه لا يملك ذلك لهم. 4- وجوب شكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وبطاعته وصرف النعم فيما من أجله أنعم بها على عبده. 5- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيب المشركين من أهل مكة.
القطان
تفسير : تخلقون افكا: تختلقون كذبا. فابتغوا: فاطلبوا. مرت قصةُ إبراهيم في عدد من السور وستأتي ايضا، وفي إيراد هذا القصص تثبيتٌ للنبي عليه الصلاة والسلام وان النتيجة هي النصرُ له باذن الله. أذكُر أيها الرسول قصة ابراهيم حين دعا قومه الى توحيد الله، ثم أرشدهم الى فضلِ ما يدعوهم اليه وفسادِ ما هم عليه، بعبادتهم الأصنامَ التي يصنعونها بأيديهم، وقال لهم إن هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تضر، ولا تعطيكم رزقاً، فاطلبوا الرزق من الله وحده، واعبدوه واشكروه، فإليه مصيركم أجمعين. وان تستمروا على الكذب، فقد كذّبت الأمم السابقةُ رسلَها، وما ضر ذلك الرسلَ شيئا، وليس على الرسول الا تبليغ الرسالة بأمانة ووضوح.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (16) - واذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَومِكَ قِصَّةَ أَبيهِمْ إِبراهِيمَ عَليهِ السَّلامُ إِذْ آتاهُ اللهُ رُشْدَهُ مُنْذُ صِغْرِهِ، فَكَمُلَ عَقْلُهُ، وأَخَذَ في دَعْوَةِ قَوْمِهِ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإِلى الإِخْلاَصِ فِي تَقوَى اللهِ في السِّرِّ والعَلَنِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّ الإِيمَانَ خَيْرٌ لهُم مِنَ الكُفْرِ إِنْ كَانُوا مِنْ ذَوِي العِلمِ والفَهْمِ، وإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بهِ فَازُوا بالخَيرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الواو هنا لعطف الجمل، فالآية - معطوفة على {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً ..} تفسير : [العنكبوت: 14] إذن: فنوح وإبراهيم واقعتان مفعولاً به للفعل أرسلنا، وللسائل أنْ يسأل: لماذا لم تُنوَّن إبراهيم كما نُوِّنت نوح؟ لم تُنوَّن كلمة إبراهيم؛ لأنها اسم ممنوع من الصرف - أي من التنوين - لأنه اسم أعجمي. ونلحظ في هذه المسألة أن جميع أسماء الأنبياء أسماء أعجمية تُمنع من الصرف، ما عدا الأسماء التي تبدأ بهذه الحروف (صن شمله) وهي على الترتيب: صالح، نوح، شعيب، محمد، لوط، هود. فهذه الأسماء مصروفة مُنوَّنة، عليهم جميعاً الصلاة والسلام. والمعنى: {وَإِبْرَاهِيمَ ..} [العنكبوت: 16] يعني: واذكر إبراهيم {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ..} [العنكبوت: 16] وقلنا: العبادة أنْ يطيع العابدُ المعبودَ في أوامره ونواهيه، إذن: لو جاء مَنْ يدَّعي الألوهية، وليس له أمر نؤديه، أو نهي نمتنع عنه فلا يصلح إلهاً. لذلك كذب الذين قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3] لأنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأنها ليست لها أوامر ولا نواه، فألوهيتهم (منظرية) بلا تكليف، فأول الأدلة على بطلان عبادة هذه الآلهة المدَّعاة أنها آلهة بلا منهج. ثم عطف الأمر {وَٱتَّقُوهُ ..} [العنكبوت: 16] على {ٱعْبُدُواْ ..} [العنكبوت: 16] والتقوى من معانيها أنْ تطيع الأوامر، وتجتنب النواهي، فهي مرادفة للعبادة، لكن إنْ عطفت على العبادة فتعني: نفِّذوا الأمر لتتقوا غضب الله، اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية. وسبق أنْ قلنا: إن لله تعالى صفات جلال: كالقهار، الجبار، المنتقم، المذلّ .. إلخ. وصفات جمال: كالغفار، الرحمن، الرحيم، التواب، وبالتقوى تنال متعلقات صفات الجمال، وتمنع نفسك وتحميها من متعلقات صفات الجلال. وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 16] ذلكم، أي ما تقدَّم من الأمر بالعبادة والتقوى خير لكم، فإنْ لم تعلموا هذه القضية فلا خيرَ في علمكم، كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [الروم: 6-7]. فالعلم الحقيقي هو العلم بقضايا الآخرة، العلم بالأحكام وبالمنهج الذي يعطيك الخير الحقيقي طويل الأمد على خلاف علم الدنيا فإنْ نلتَ منه خيراً، فهو خير موقوت بعمرك فيها. وسبق أنْ قُلْنا: إن العلم هو إدراك قضية كونية تستطيع أن تدلل عليها، وهذا يشمل كل معلومة في الحياة. أي: العلم المادي التجريبي وآثار هذا العلم في الدنيا، أما العلم السامي الأعلى فأنْ تعلم المراد من الله لك، وهذا للآخرة. واقرأ في ذلك مثلاً قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تفسير : [فاطر: 27-28]. فذكر سبحانه علم النبات والجماد و {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [فاطر: 28] أي: علم الإنسانيات {أية : وَٱلدَّوَآبِّ ..} تفسير : [فاطر: 28] علم الحيوان، وهكذا جمع كل الأنواع والأجناس، ثم قال سبحانه: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..} تفسير : [فاطر: 28] مع أنه سبحانه لم يذكر هنا أيَّ حكم شرعي. إذن: المراد هنا العلماء الذين يستنبطون قضية يقينية في الوجود، كهذه الاكتشافات التي تخدم حركة الحياة، وتدلُّ الناس على قدرة الله، وبديع صُنْعه تعالى، وتُذكِّرهم به سبحانه. وتأمل في نفسك مثلاً وَضْع القصبة الهوائية بجوار البلعوم، وكيف أنك لو شرقت بنصف حبة أرز لا تستريح إلا بإخراجها، وتأمل، وَضْع اللهاة وكيف تعمل تلقائياً دون قَصْد منك أو تحكم فيها. تأمل الأهداب في القصبة الهوائية، وكيف أنها تتحرك لأعلى تُخرج ما يدخل من الطعام لو اختلَّ توازن اللهاة، فلم تُحكِم سدَّ القصبة الهوائية أثناءَ البلع. تأمل حين تكون جالساً مطمئناً لا يقلقك شيء، ثم في لحظة تجد نفسك محتاجاً لدورة المياه، ماذا حدث؟ ذلك لأن في مجرى الأمعاء ما يشبه (السقاطة) التي تُخرج الفضلات بقدر، فإذا زادتْ عما يمكن لك تحمله، فلا بُدَّ من قضاء الحاجة والتخلص من هذه الفضلات الزائدة. تأمل الأنف وما فيه من شعيرات في مدخل الهواء ومُخَاط بالداخل، وأنها جُعلت هكذا لحكمة، فالشعيرات تحجز ما يعلَق بالهواء من الغبار، ثم يلتقط المخاط الغبارَ الدقيق الذي لا يعلق بالشعيرات ليدخل الهواء الرئتين نقياً صافياً، تأمل الأذن من الخارج وما فيها من تعاريج مختلفة الاتجاهات، لتصدَّ الهواء، وتمنعه من مواجهة فتحة الأذن. والآيات في جسم الإنسان كثيرة وفوق الحَصْر، ولا سبيلَ إلى معرفتها إلا باستنباط العلماء لها، وكشفهم عنها، وهذا من نشاطات الذهن البشري، أما العلم الذي يخرج عن نطاق الذِّهْن البشري فهو نازل من أعلى، وهو قانون الصيانة الذي جعله الخالق سبحانه لحماية الخَلْق، فالذي يأخذ بالعلم الدنيوي التجريبي فقط يُحرَم من الخير الباقي؛ لأن قصارى ما يعطيك علم المادة في البشر أنْ يُرفه حياتك المادية، أمّا علم الآخرة فيُرفِّه حياتك الدنيا ويبقى لك في الآخرة. إذن: فقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [العنكبوت: 16] أي: قانون الصيانة الرباني بافعل كذا ولا تفعل كذا، وإياك أنْ تنقل مدلول (افعل) في (لا تفعل) أو مدلول (لا تفعل) في (افعل)، وقد شبَّهنا هذا القانون (بالكتالوج) الذي يجعله الصانع لحماية الصنعة المادية لتؤدي مهمتها على أكمل وجه، كذلك منهج الله بالنسبة للخَلْق، فإنْ لم تعلموا هذه القضية فلن ينفعكم علم بعد ذلك. يقول سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. إذن: فالخير الباقي هو الخير في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى أنه أرسل خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قومه، يدعوهم إلى الله، فقال [لهم]: { اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحِّدوه، وأخلصوا له العبادة، وامتثلوا ما أمركم به، { وَاتَّقُوهُ } أن يغضب عليكم، فيعذبكم، وذلك بترك ما يغضبه من المعاصي، { ذَلِكُمْ } أي: عبادة الله وتقواه { خَيْرٌ لَكُمْ } من ترك ذلك، وهذا من باب إطلاق " أفعل التفضيل " بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن ترك عبادة الله، وترك تقواه، لا خير فيه بوجه، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس، لأنه لا سبيل إلى نيل كرامته في الدنيا والآخرة إلا بذلك، وكل خير يوجد في الدنيا والآخرة، فإنه من آثار عبادة الله وتقواه. { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ذلك، فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار، فلما أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبيَّن لهم نقصها وعدم استحقاقها للعبودية، فقال: { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك، { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } في نقصه، وأنه ليس فيه ما يدعو إلى عبادته، { لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } فكأنه قيل: قد بان لنا أن هذه الأوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن من هذا وصفه، لا يستحق أدنى أدنى أدنى مثقال مثقال مثقال ذرة من العبادة والتأله، والقلوب لا بد أن تطلب معبودا تألهه وتسأله حوائجها، فقال -حاثا لهم على من يستحق العبادة- { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } فإنه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه { وَاعْبُدُوهُ } وحده لا شريك له، لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير، { وَاشْكُرُوا لَهُ } وحده، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها. { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم، فاحذروا القدوم عليه وأنتم على شرككم، وارغبوا فيما يقربكم إليه، ويثيبكم -عند القدوم- عليه. { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } يوم القيامة { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }. كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }. تفسير : { قُلْ } لهم، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء: { سِيرُوا فِي الأرْضِ } بأبدانكم وقلوبكم { فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } فإنكم ستجدون أمما من الآدميين والحيوانات، لا تزال توجد شيئا فشيئا، وتجدون النبات والأشجار، كيف تحدث وقتا بعد وقت، وتجدون السحاب والرياح ونحوها، مستمرة في تجددها، بل الخلق دائما في بدء وإعادة، فانظر إليهم وقت موتتهم الصغرى -النوم- وقد هجم عليهم الليل بظلامه، فسكنت منهم الحركات، وانقطعت منهم الأصوات، وصاروا في فرشهم ومأواهم كالميتين، ثم إنهم لم يزالوا على ذلك طول ليلهم، حتى انفلق الإصباح، فانتبهوا من رقدتهم، وبعثوا من موتتهم، قائلين: " الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ". ولهذا قال: { ثُمَّ اللَّهُ } بعد الإعادة { يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ } وهي النشأة التي لا تقبل موتا ولا نوما، وإنما هو الخلود والدوام في إحدى الدارين. { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى لا يعجزها شيء وكما قدر بها على ابتداء الخلق، فقدرته على الإعادة من باب أولى وأحرى. { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ } أي: هو المنفرد بالحكم الجزائي، وهو إثابة الطائعين ورحمتهم، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم. { وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } أي: ترجعون إلى الدار، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا من أسباب عذابه، وهي المعاصي. { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } أي: يا هؤلاء المكذبون، المتجرؤن على المعاصي، لا تحسبوا أنه مغفول عنكم، أو معجزون للّه في الأرض ولا في السماء، فلا تغرنكم قدرتكم وما زينت لكم أنفسكم وخدعتكم، من النجاة من عذاب الله، فلستم بمعجزين الله في جميع أقطار العالم. { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاكم، فيحصل لكم مصالح دينكم ودنياكم، { وَلا نَصِيرٍ } ينصركم، فيدفع عنكم المكاره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):