Verse. 3358 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَاِنْ تُكَذِّبُوْا فَقَدْ كَذَّبَ اُمَمٌ مِّنْ قَبْلِكُمْ۝۰ۭ وَمَا عَلَي الرَّسُوْلِ اِلَّا الْبَلٰغُ الْمُبِيْنُ۝۱۸
Wain tukaththiboo faqad kaththaba omamun min qablikum wama AAala alrrasooli illa albalaghu almubeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما تعبدون من دون الله» أي غيره «أوثانا وتخلقون إفكا» تقولون كذبا إن الأوثان شركاء الله «إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا» لا يقدرون أن يرزقوكم «فابتغوا عند الله الرزق» اطلبوه منه «واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون».

18

Tafseer

الرازي

تفسير : لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال: {وَإِن تُكَذّبُواْ } وفي المخاطب في هذه الآية وجهان: أحدهما: أنه قوم إبراهيم والآية حكاية عن قوم إبراهيم كأن إبراهيم قال لقومه: {إن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } وأنا أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان والثاني: أنه خطاب مع قوم محمد عليه السلام ووجهه أن الحكايات أكثرها إنما تكون لمقاصد لكنها تنسى لطيب الحكاية ولهذا كثيراً ما يقول الحاكي لأي شيء حكيت هذه الحكاية فالنبـي عليه السلام كان مقصوده تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفاً من التعذيب، فقال في أثناء حكايتهم يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام وأهلكوا فإن كذبتم أخاف عليكم ما جاء على غيركم، وعلى الوجه الأول في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن قوله: {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ } كيف يفهم، مع أن إبراهيم لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمة واحدة؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن قبل نوح كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم والثاني: أن نوحاً عاش ألفاً وأكثر وكان القرن يموت ويجيء أولاده والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الاتباع فكفى بقوم نوح أمماً. المسألة الثانية: ما {ٱلْبَلَـٰغُ } وما {ٱلْمُبِينُ }؟ فنقول البلاغ هو ذكر المسائل، والإبانة هي إقامة البرهان عليه. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لأن الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فإنه لم يأت بالبلاغ المبين، فلا يكون آتياً بما عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن تُكَذّبُواْ } أي تكذبوني يا أهل مكة {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } من قبلي {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } إلا البلاغ البيّن في هاتين القصتين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عطية

تفسير : في قوله تعالى {وإن تكذبوا} الآية وعيد، أي قد كذب غيركم وعذب وإنما على الرسول البلاغ، وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه "أو لم تروا" بالتاء، وقرأ الباقون "أو لم يروا" بالياء، الأولى على المخاطبة والثانية على الحكاية عن الغائب. وقرأ الجمهور "يبدىء" وقرأ عيسى وأبو عمرو بخلاف والزهري "يبدأ" وهذه الإحالة على ما يظهر مع الأحيان من إحياء الأرض والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور والحشر، ويحتمل أن يريد {أو لم يروا} بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعد الله الأجسام بعد الموت وهو تأويل قتادة، وقال الربيع ابن أنس: كيف يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده إلى أحوال أخر حتى إلى التراب، وقال مقاتل {الخلق} في هذه الآية الليل والنهار، ثم أمر تعالى نبيه، ويحتمل أن يكون إبراهيم، ويحتمل أن يكون محمداً، إن كان في قصة إبراهيم اعتراض بين كلامين بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج بالسير في الأرض والنظر في كل قطر وفي كل أمة قديماً وحديثاً، فإن ذلك يوجد أن لا خالق إلا الله تعالى ولا يبتدىء بالخلق سواه، ثم ساق على جهة الخبر أن الله تعالى يعيد وينشيء نشأة القيام من القبور، وقرأت فرقة "النشأة"، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "النشاءة" على وزن الفعالة وهي قراءة الأعرج، وهذا كما تقول رأفة ورآفة، وقرأ الباقون "النشأة" على وزن الفعلة، وقرأ الزهري "النشّة" بشين مشددة في جميع القرآن، والبعث من القبور يقوم دليل العقل على جوازه وأخبرت الشرائع وقوعه ووجوده.

النسفي

تفسير : {وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } أي وإن تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم وما ضروهم وإنما ضروا أنفسهم حيث حل بهم العذاب بسبب تكذيبهم، وأما الرسول فقد تم أمره حيث بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته، أو وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب. وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله {فما كان جواب قومه} محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم. وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول «مكة وزيد قائم خير بلاد الله». قلت: نعم وبيانه أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم عليه السلام كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله {وإن تكذبوا} على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمداً فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله {فقد كذب أمم من قبلكم} لا بد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده وصفة قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، عطف عليه قوله: {وإن تكذبوا} والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير معطوف معروف {فقد} أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه {كذب أمم} في الأزمان الكائنة {من قبلكم} كثيرة، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع للرسول وهلاك العاصي له، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم {وما على الرسول} أن يقهركم على التصديق، بل ما عليه {إلا البلاغ المبين*} الموضح مع - ظهوره في نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه شك، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية. ولما كان التقدير: ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ فيكفيكم ذلك زاجراً، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكراً قوله: {أو لم يروا} بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جرياً على النسق السابق، وبالغيب للباقين، إعراضاً للإيذان بالغضب {كيف يبدئ الله} أي الذي له كل كمال {الخلق} أي يجدد إبداءه في كل لحظة، وهو بالضم من أبدأ، وقرىء بالفتح من بدأ، وهما معاً بمعنى الإنشاء من العدم؛ قال القزاز: أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته، والله المبدىء أي الذي بدأ الخلق، يقال: بدأهم وأبدأهم، وفي القاموس: بدأ الله الخلق: خلقهم كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان للإبداء والإعادة في النبات، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله - {ثم يعيده} أي يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفاً على {يبدئ} ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته، فقال ذاكراً نتيجة الأمر السابق: {إن ذلك} أي الإبداء والإعادة، وأكد لأجل إنكارهم {على الله يسير*} لأنه الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص. ولما ساق العزيزالجليل هذا الدليل، عما حاج به قومه الخليل، انتهزت الفرصة في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل ما شاكلها، فحصل الاستعداد للتصريح بأمر المعاد، فصرح به، كان ذلك فخراً عظيماً، ومفصلاً بيناً جسيماً، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب، فانتهزت فرصته واقتحمت لجته، كما هي عادة البلغاء، ودأب الفصحاء الحكماء، لأن ذلك كله إنما سيق تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعظاً لقومه فقيل: {قل} أي يا محمد لهؤلاء الذين تقيدوا بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته أصلاً: قد ثبت أن هذا كلام الله لما ثبت من عجزكم عن معارضته، فثبت أن هذا الدليل كلام أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنتم مصرحون بتقليد الآباء غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة أصلاً فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم، ولما أقام على ذلك من الأدلة التي لا مراء فيها قال: أو {سيروا} إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه السلام، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع {في الأرض} إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم. ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة إلى تفريغ الفكر وتوجيه كل الذهن إلى الاستدلال عليها، عبر بالفاء المعقبة فقال: {فانظروا} أي نظر اعتبار {كيف بدأ} أي ربكم الذي خلقكم ورزقكم {الخلق} من الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار، وغيرها مما تضمنته الجبال والسهول والأوعار، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان، فتقريرهم على الإعادة فيه حسن. ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة، لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصل، وكانوا بها مكذبين، بين الاهتمام بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة، وأضمره في سياق البداءة لإقرارهم له بها، إشارة إلى أنه باطن في هذه الدار، ظاهر بجميع الصفات في تلك، فقال: {ثم الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا يفوته شيء، المتردي بالجلال، فاخشوا سطوته، واتقوا عقوبته ونقمته {ينشئ النشأة الآخرة} بعد النشأة الأولى. ثم علل ذلك بقوله مؤكداً تنزيلاً لهم منزلة المنكر لإنكارهم البعث: {إن الله} فكرر ذكره تنبيهاً بعد التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا مطلق غير مقيد بجهة من الجهات، ولا مشروط بأمر من الأمور {على كل شيء قدير*} لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة. ولما ثبت ذلك، أنتج لا محالة قوله: مهدداً بعد البيان الذي ليس بعده إلا العناد: {يعذب} بعدله {من يشاء} أي منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة، فلا يقدر أحد بشفاعة ولا غيرها على الحماية منه {ويرحم} بفضله {من يشاء} فلا يقدر أحد على أن يمسه بسوء {وإليه} أي وحده {تقلبون*} أي بعد موتكم بأيسر سعي. ولما لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا ممانعتهم منها، أبطلها على تقدير ادعائهم لها فقال: {وما أنتم} أي أجمعون العرب وغيرهم {بمعجزين} أي بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم {في الأرض} كيفما تقلبتم في ظاهرها وباطنها. ولما كان الكلام هنا له أتم نظر إلى ما بعد البعث، وكانت الأحوال هناك خارجة عما يستقل به العقل، وكان أثر القدرة أتم وأكمل، وأهم وأشمل، وكان بعض الأرواح يكون في السماء بعد الموت قال: {ولا في السماء} أي لو فرض انكم وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله، لأن الكل بعض ملكه، فكيف يعجزه من في ملكه، ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمرود في بنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من قبلها ومن بعدها. ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم، وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم، صرح بنفيه فقال: {وما لكم} أي أجمعين أنتم وغيركم أيها المحشورون، وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله: {من دون الله} أي الذي هو أعظم من كل عظيم؛ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: {من ولي} أي قريب يحميكم لأجل القرابة {ولا نصير*} لشيء غير ذلك لأنه لا كفوء له. ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه أولئك يرجون رحمتي وأولئك لهم نعيم مقيم، وكان قد أمرهم بالاستدلال، وهددهم ليرجعوا عن الضلال، بما أبقى للرجال بعض المحال، أتبعه ما قطعه، فقال عاطفاً على ذلك المقدر: {والذين كفروا} أي ستروا ما أظهرته لهم أنوار العقول {بآيات الله} أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها {ولقائه} بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل على قدرته عليه بما لا أجلى منه {أولئك} أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم المحطوطون عن رتبة الإنسان، بل رتبة مطلق الحيوان {يئسوا} أي تحقق يأسهم من الآن، بل من الأزل، لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوماً؛ ولا قال أحد منهم {رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين}. ولما كان أكثرهم متعنتاً، بين أن المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات إلى أسلوب التلكم، تنبيهاً لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال: {من رحمتي} أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم؛ وكرر الإشارة تفخيماً للأمر فقال: {وأولئك} أي الذين ليس بعد بعدهم بعد، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال: {لهم عذاب أليم*} أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة.

القشيري

تفسير : وبالُ التكذيب عائدٌ على المُكَذِّب، وليس على الرسول - بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كي يكون مُبَيِّناً - شيءٌ آخر. وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام. وفيما حلَّ بالمكذِّبين من العقوبة ما ينبغي أن يكون عِبْرَةً لِمَنْ بعدهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان تكذبوا} اى وان تكذبونى فيما اخبرتكم به من انكم اليه ترجعون {فقد كذب امم من قبلكم} تعليل للجواب اى فلا تضروننى بتكذيبكم فان من قبلكم من الامم قد كذبوا من قبلى من الرسل وهم شيت وادريس ونوح فما ضرهم تكذيبهم شيئا وانما ضر انفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبهم {وما على الرسول الا البلاغ المبين} اى التبليغ الذى لايبقى معه شك وما عليه ان يصدق ولا يكذب البتة وقد خرجت عن عهدة التبليغ بما لامزيد عليه فلا يضرنى تكذيبكم بعد ذلك اصلا وكل احد بعد ذلك مأخوذ بعمله. قال فى الاسئلة المقحمة معنى البلاغ هو القاء المعنى الى النفس على سبيل الافهام وان لم يفهم السامع فقد حصل منى ذلك الابلاغ والاسماع والافهام من الله تعالى شعر : بيش وحى حق اكر كرسرنهد كبريا از فضل خود سمعش دهد جزمكر جانى كه شدبى نور وفر همجو ماهى كنك بد از اصل كر تفسير : وفى الآية تسلية للرسول عليه السلام ودعاء له الى الصبر وزجر لمخالفيه فيما فعلوا من التكذيب والجحود فعلى المؤمن الطاعة والتقوى وقبول وصية الملك الاقوى فان التقوى خير المزاد يوم التلاق وسبب النجاة وجالبة الارزاق واعظم اسباب التقوى التوحيد وهو اساس الايمان ومفتاح الجنان ومغلاق النيران ـ حديث : روى ـ ان عمر رضى الله عنه مر بعثمان رضى الله عنه وسلم عليه فلم يرد سلامه فشكا الى ابى بكر رضى الله عنه فقال لعله لعذر ثم ارسل الى عثمان وسأل عن ذلك فقال لم اسمع كلامه فانى كنت فى امر وهو انا صاحبنا النبى زمانا فلم نسأل عما تفتح به الجنان وتغلق ابواب النيران فقال ابو بكر رضى الله عنه سألت عن ذلك من النبى صلى الله عليه وسلم فقال "هى الكلمة التى عرضتها على عمى ابى طالب فابى لا اله الا الله محمد رسول الله"تفسير : وذكر الله اكثر الاشياء تأثيرا فاذكروا الله ذكرا كثيرا. قال السرى رحمه الله صحبت زنجيا فى البرية فرأيته كلما ذكر الله تغير لونه وابيض فقلت ياهذا أرى عجبا فقال ياأخى اما انك لو ذكرت الله تغيرت صفتك. قال الحكيم الترمذى رحمه الله ذكر الله يرطب اللسان فاذا خلا عن الذكر اصابته حرارة النفس ونار الشهوة فتعس ويبس وامتنعت الاعضاء عن الطاعة كالشجرة اليابسة لا تصلح الا للقطع وتصير وقود النار وبالتوحيد تحصل الطهارة التامة عن لوث الشرك والسوى فالنفس تدعو مع الشيطان الى اسفل السافلين والله تعالى يدعو بلسان نبيه الى اعلى عليين وقد دعا الانبياء كلهم فقبحوا الاوثان والشرك والدنيا وحسنوا عبادة الله والتوحيد والاخرى ورغبوا الى الشكر والطاعة فى الدنيا التى هى الساعة بل كلمح البصر لايرى لها اثر ولا يسمع لها خبر فالعاقل يستمع الى الداعى الحق ولايكذب الخبر الصدق فيصل بالتصديق والقبول والرضى الى الدرجات العلى والراحة العظمى شعر : مده براحت فانى حيات باقى را بمحنت دوسه روز ازغم ابد بكريز

الجنابذي

تفسير : {وَإِن تُكَذِّبُواْ} يجوز فيه الوجهان ايضاً، ويجوز ان يكون هذا ابتداء كلام وخطاب من الله تعالى لامّة محمّد (ص) ومعترضة بين حكايات قول ابراهيم (ع) يعنى ان تكذّبوا فلا غرو فيه فانّ هذا ديدن اسناخكم من القديم {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} اى تبليغ رسالته {ٱلْمُبِينُ} وليس عليه حفظكم من التّكذيب وسائر المعاصى.

فرات الكوفي

تفسير : {وما على الرسول إلا البلاغ المبين18} فرات قال: حدثني محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً: عن ابن عمر [رضي الله عنه. ر] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته: حديث : أيها الناس لا تسبوا علياً ولا تحسدوه [أ: ولا تحدوه] فإنه ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي فأحبوه بحبي [ب: لحبي. إياه. أ، ب] وأكرموه لكرامتي وأطيعوه لله ولرسوله واسترشدوه توفقوا وترشدوا فإنه الدليل لكم على الله بعدي فقد بينت لكم أمر علي [ب: أمره] فاعقلوه {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} .

اطفيش

تفسير : {وَإِن تُكَذِّبُوا} اي تكذبوني وذلك من كلام ابراهيم عليه السلام الى قوله {عذاب أليم} من ذلك ما هو مقول له ومنه ما هو من كلام الله جل وعلا تتميما لقصة ابراهيم وتقريرا لها وذلك اعتراض بذكر شأن النبي صلى الله عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم اي وان تكذبوا يا قريش محمدا رسولكم فقد كذب أمم ممن قبلكم رسلهم ورجع التكذيب وبالا عليهم فذلك اعتراض بين طرف قصة ابراهيم وهو ترجعون وطرفها الآخر وهو {فما كان جواب} الخ. تسليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتوسيع عنه بأن اباه خليل الله كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من اشراك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال ابراهيم في قومه. {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ قَبْلِكُمْ} رسلهم من قبلي. فكان تكذيبهم وبالا عليهم لا على رسلهم فكذا تكذيبهم وان كان ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بأمم واضح وان كان في ابراهيم عليه السلام فالمراد بالأمم امة شيث وامة ادريس وامة نوح وغيرهم وكفى بأمة نوح عليه السلام فانها أمم مكذبة ولقد عاش ادريس الف سنة وآمن به الف انسان على عدد سنينه وباقيهم وأعقابهم مكذبون واذا جعلنا ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم وقومه فالتقدير فان تكذبوا يا قريش محمدا رسولكم فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم من قبله. {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا البَلاغُ} بأن يفعل سبب بلوغ الرسالة اليكم او البلاغ بمعنى التبليغ فيكون اسم مصدر. {المُبِينُ} المزيل للشبه او الواضح الذي تزول به وليس وبواجب عليه ان تصدقوه ولا ان يكرهكم وله اسوة فيمن كذب قبله قال بعضهم: هذه منسوخة بالقتال وفيه ما في امثاله من البحث وقد مر ويأتي ايضا.

اطفيش

تفسير : {وإن تكذَّبُوا} تكذبونى فى اخبارى لكم بالبعث، والجواب محذوف اى لم يضرنى تكذبيكم ناب عنه قوله: {فقَد كذَّب أممٌ مِن قبلكُم} اى لانه كذب امم من قبلكم رسلهم، فلم يضر تكذيبهم رسلهم كقوم شيث، وقوم ادريس، وقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وانما ضروا انفسهم اذ عذبوا لتكذيبهم {وما على الرسول} جنس الرسل {إلاَّ البلاغ} اى تحصيل البلاغ، او اسم مصدر بمعنىالتبليغ {المبين} المزيل للشك، او الواضح، وقد بلغتكم البلاغ المبين، وهذا اخر كلام ابراهيم هنا، ويأتى جواب قومه في قوله: "أية : فما كان جواب قومه" تفسير : [العنكبوت: 24، 29] ويأتى كلام له اخر في قوله: {أية : وقال إنَّما اتخذتم} تفسير : [العنكبوت: 25] الخ، وفي قوله: "أية : وقال إني مهاجر"تفسير : [العنكبوت: 26] او هذا الاخير للوط عليهما السلام، وقيل: (وان تكذبوا) كلام من الله عز وجل، خاطب به قريشاً تنفيساً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذ كذبوه وأصروا، كما ان قصة ابراهيم كلها تسلية له صلى الله عليهما وسلم.

الالوسي

تفسير : {وَإِن تُكَذّبُواْ } عطف على مقدر تقديره فإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة الدارين وإن تكذبوا أي تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه تعالى ترجعون بالبعث {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } وهذا تعليل للجواب في الحقيقة، والأصل فلا تضرونني بتكذيبكم فإنه قد كذب أمم قبلكم رسلهم وهم شيث وإدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام فلم يضرهم تكذيبهم شيئاً وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم إياي {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي التبليغ الذي لا يبقى معه شك وما عليه أن يصدقه قومه البتة وقد خرجت عن عهدة التبليغ بما لا مزيد عليه فلا يضرني تكذيبكم بعد ذلك أصلاً. وهذه الآية أعني {وَإِن تُكَذّبُواْ } الخ على ما ذكرنا من جملة قصة إبراهيم عليه السلام وكذا ما بعد على ما قيل إلى قوله تعالى: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ }تفسير : [العنكبوت: 24] وجوز أن يكون ذلك اعتراضاً بذكر شأن النبـي صلى الله عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم توسط بين طرفي القصة من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفيس عنه بأن أباه خليل الرحمن كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، قالوا: وفي {وَإِن تُكَذّبُواْ } اعتراضية، والخطاب منه تعالى أو من النبـي صلى الله عليه وسلم على معنى وقل لقريش {إن تُكَذّبُواْ } الخ. وذهب بعض المحققين إلى أن قوله تعالى: {إن تُكَذّبُواْ } الخ من كلام إبراهيم عليه السلام، وقوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ...}.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون هذه الجملة من بقية مقالة إبراهيم عليه السلام بأن يكون رأى منهم مخائل التكذيب ففرض وقوعه، أو يكون سبق تكذيبهم إياه مقالته هذه، فيكون الغرض من هذه الجملة لازم الخبر وهو أن تكذيبهم إياه ليس بعجيب فلا يضيره ولا يحسبوا أنهم يضيرونه به ويتشفون منه فإن ذلك قد انتاب الرسل قبله من أممهم، ولذلك أجمع القراء على قراءة فعل {تكذّبوا} بتاء الخطاب ولم يختلفوا فيه اختلافهم في قراءة قوله {أية : أولم يروا كيف يُبدىء الله الخلق}تفسير : [ العنكبوت: 19] الخ. ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية واعترض هذا الكلام بين كلام إبراهيم وجواب قومه، فهو كلام موجه من جانب الله تعالى إلى المشركين التفت به من الغيبة إلى الخطاب تسجيلاً عليهم، والمقصود منه بيان فائدة سوق قصة نوح وإبراهيم وأن للرسول صلى الله عليه وسلم إسوة برسل الأمم الذين قبله وخاصة إبراهيم جدّ العرب المقصودين بالخطاب على هذا الوجه. وجملة {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} إعلام للمخاطبين بأن تكذيبهم لا يلحقه منه ما فيه تشف منه؛ فإن كان من كلام إبراهيم فالمراد بالرسول إبراهيم سلك مسلك الإظهار في مقام الإضمار لإيذان عنوان الرسول بأن واجبه إبلاغ ما أرسل به بيّناً واضحاً، وإن كان من خطاب الله مشركي قريش فالمراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد غلب عليه هذا الوصف في القرآن مع الإيذان بأن عنوان الرسالة لا يقتضي إلا التبليغ الواضح.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (18) - وَقَالَ إِبراهِيمُ، عَلَيهِ السَّلامُ، مُتَابِعاً نُصْحَ قَوْمِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ فَقَدْ كَذَّبَتْ أُمَمٌ أُخْرَى قَبْلَكُمْ رُسُلَهَا، وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الهَلاَكِ والدَّمَارِ، وَكَيفَ أَخَذَهُُمُ اللهُ بِعَذَابِهِ، وَمَهَمَّةُ الرَّسُولِ هيَ إِبْلاغُ النَّاسِ مَا أَمَرهُ رَبُّهُ بإِبلاغِهِ إِليهِمْ فَاحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا مِنَ السُّعَدَاءِ المُستَجِيبِينَ لأَمرِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُكَذِّبُواْ ..} [العنكبوت: 18] أي: ما قلنا لكم وما جاءكم به رسولنا؛ لأن تصديقه سيُدخلكم مدخل التكليف، ويحملكم مشقة المنهج، وسيُضيِّق عليكم منطقة الاختيار، والحق سبحانه قد شرَّفك حين أعطاك حرية الاختيار، في حين أن الكون كله لا اختيارَ له؛ لأنه تنازل عن اختياره لاختيار ربه. كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فالكون كله مسخر يؤدي مهمته، كما يقول سبحانه: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. وقال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18] فالقاعدة عامة، لا استثناء فيها، إلا عند الإنسان، فمنهم الطائع ومنهم العاصي. فالمعنى: {وَإِن تُكَذِّبُواْ ..} [العنكبوت: 18] فلستم بدعاً في التكذيب {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ..} [العنكبوت: 18] لكن يجب عليكم أن تتنبهوا إلى ما صنع بالأمم المكذِّبة، وكيف كانت عاقبتهم، فاحذروا أنْ يُصيبكم ما أصابهم، هذه هي المسألة التي ينبغي عليكم التنبُّه لها. وهنا وقف بعض المتمحكين يقول: كيف يقول القرآن في خطاب قوم إبراهيم {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ..} [العنكبوت: 18] مع أنه لم يسبقهم إلا أمة واحدة هي أمة نوح عليه السلام؟ يظنون أنهم وجدوا مأخذاً على القرآن. ونقول: نعم، كانت أمة نوح هي أمة الرسالة المقصودة بالإيمان، لكن جاء قبلها آدم وشيث وإدريس، وكانوا جميعاً في أمم سابقة على إبراهيم، أو نقول: لأن مدة بقاء نوح في قومه طالت حتى أخذت ألف سنة من عمر الزمان، وهذه الفترة تشمل قُرَابة العشرة أجيال، والجيل - كما قالوا - مائة سنة، كل منها أمة بذاتها. ثم يقول تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [العنكبوت: 18] فمهمته مجرد البلاغ. يؤمن به مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، الرسول لن نعطيه مكافأة أو عمولة على كل مَنْ يؤمن به، فإياكم أنْ تظنوا أنكم بكفركم تُقلِّلون من مكافأة النبي - خاصة وقد كانوا كارهين له - فالمعنى: عليَّ البلاغ فحسب، وقد بلَّغت فسآخذ جزائي وأجري من ربي، فأنتم لا تكيدونني بكفركم، بل تكيدون أنفسكم. لذلك كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحزن أشد الحزن، ويألم إنْ تفلَّت من يده واحد من أمته فكفر، حتى خاطبه ربه: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [البقرة: 272]. وخاطبه بقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. وحين نزل عليه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-5] انتهز النبي هذه الفرصة ودعا ربه: إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار؛ ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم مُحبٌّ لأمته، حريص عليهم، رؤوف رحيم بهم: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. ووصف الحق سبحانه البلاغ بأنه مبين، أي: واضح ظاهر؛ لأن من البلاغ ما يكون مجرد عرض للمسألة دون تأكيد وإظهار للحجة التي تؤيد البلاغ. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ...}.