Verse. 3359 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

اَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللہُ الْخَــلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُہٗ۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكَ عَلَي اللہِ يَسِيْرٌ۝۱۹
Awalam yaraw kayfa yubdio Allahu alkhalqa thumma yuAAeeduhu inna thalika AAala Allahi yaseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَو لم يروْا» بالياء والتاء ينظروا «كيف يُبدئ الله الخلق» هو بضم أوله وقرأ بفتحة من بدأ وأبدأ بمعنى أي يخلقهم ابتداءً «ثم» هو «يعيده» أي الخلق كما بدأه «إن ذلك» المذكور من الخلق الأول والثاني «على الله يسير» فكيف ينكرون الثاني.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الأصل الأول وهو التوحيد وأشار إلى الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وقد ذكرنا مراراً أن الأصول الثلاثة لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض في الذكر الإلهي، فأينما يذكر الله تعالى منها اثنين يذكر الثالث. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإنسان متى رأى بدء الخلق حتى يقال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ }؟ فنقول المراد العلم الواضح الذي كالرؤية والعاقل بعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول، فهو من الله هذا إن قلنا إن المراد إثبات نفس الخلق، وإن قلنا إن المراد بالبدء خلق الآدمي أولاً وبالإعادة خلقه ثانياً، فنقول العاقل لا يخفى عليه أن خالق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام، ويخلقه من نطفة في غاية الإتقان والإحكام، فذلك الذي خلق أولاً معلوم ظاهر فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، وقال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أي ألم يعلموا علماً ظاهراً واضحاً {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ } يخلقه من تراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب ينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسبة إليكم، فإن من نحت حجارات ووضع شيئاً بجنب شيء ففرقه أمر ما فإنه يقول وضعه شيئاً بجنب شيء في هذه النوبة أسهل علي لأن الحجارات منحوتة، ومعلوم أن آية واحدة منها تصلح لأن تكون بجنب الأخرى، وعلى هذا المخرج خرج كلام الله في قوله { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ } تفسير : [الروم: 27] وإليه الإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ }. المسألة الثانية: قال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ } علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق وما قال: أو لم يروا أن الله خلق، أو بدأ الخلق، والكيفية غير معلومة؟ فنقول هذا القدر من الكيفية معلوم، وهو أنه خلقه ولم يكن شيئاً مذكوراً، وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة فإن الإعادة مثله. المسألة الثالثة: لم قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } فأبرز اسمه مرة أخرى، ولم يقل إن ذلك عليه يسير كما قال ثم يعيده من غير إبراز؟ نقول مع إقامة البرهان على أنه يسير فأكده بإظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكون ذلك يسيراً، فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه الحي القادر، بقدرة كاملة، لا يعجزه شيء، العالم بعلم محيط بذرات كل جسم، نافذ الإرادة لا رادَّ لما أراده، يقطع بجواز الإعادة.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ} من مادة ومن غيرها، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء على تقدير القول وقرىء «يبدأ». {ثُمَّ يُعِيدُهُ} إخبار بالإِعادة بعد الموت معطوف على {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} لا على {يُبْدِىء}، فإن الرؤية غير واقعة عليه ويجوز أن تؤول الإِعادة بأن ينشىء في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات والثمار ونحوهما وتعطف على {يُبْدِىء}. {إِنَّ ذٰلِكَ} الإِشارة إلى الإِعادة أو إلى ما ذكر من الأمرين. {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء. {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} حكاية كلام الله لإِبراهيم أو محمد عليهما الصلاة والسلام. {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} على اختلاف الأجناس والأحوال. {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} بعد النشأة الأولى التي هي الإِداء، فإنه والإِعادة نشأتان من حيث أن كلاً اختراع وإخراج من العدم، والإِفصاح باسم الله مع إيقاعه مبتدأ بعد إضماره في بدأ والقياس الاقتصار عليه للدلالة على أن المقصود بيان الإِعادة، وأن من عرف بالقدرة على الإِبداء ينبغي أن يحكم له بالقدرة على الإِعادة لأنها أهون والكلام في العطف ما مر، وقرىء «النشاءة» كالرآفة. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لأن قدرته لذاته ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى. {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} تعذيبه. {وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ} رحمته. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} تردون. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} ربكم عن إدراككم. {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاء} إن فررتم من قضائه بالتواري في الأرض أو الهبوط في مهاويها، والتحصن {فِى ٱلسَّمَاء } أو القلاع الذاهبة فيها وقيل ولا من في السماء كقول حسان:شعر : أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُم وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء تفسير : {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} بدلائل وحدانيته أو بكتبه. {وَلِقَائِهِ} بالبعث. {أُوْلَـئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى} أي ييأسون منها يوم القيامة، فعبر عنه بالماضي للتحقق والمبالغة، أو أيسوا في الدنيا لإنكار البعث والجزاء. {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بكفرهم. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} قوم إبراهيم له. وقرىء بالرفع على أنه الاسم والخبر. {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ} وكان ذلك قول بعضهم لكن لما قيل فيهم ورضي به الباقون أسند إلى كلهم. {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} أي فقذفوه في النار فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} في إنجائه منها. {لآيَاتٍ} هي حفظه من أذى النار وإخمادها مع عظمها في زمان يسر وإنشاء روض مكانها. {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم المنتفعون بالتفحص عنها والتأمل فيها. {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، وثاني مفعولي {ٱتَّخَذْتُمْ } محذوف ويجوز أن تكون مودة المفعول الثاني بتقدير مضاف أي اتخذتم أوثان سبب المودة بينكم أو بتأويلها بالمودودة، وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم والوجه ما سبق، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم، والجملة صفة {أَوْثَـٰناً} أو خبر إن على {إِنَّمَا } مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول، وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح {بَيْنِكُمْ} كما قرىء {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94] وقرىء «إنما مودة بينكم». {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم، أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله تعالى: {أية : وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }تفسير : [مريم: 82] {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ} يخلصونكم منها. {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } هو ابن أخيه وأول من آمن به، وقيل إنه آمن به حين رأى النار لم تحرقه. {وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ} من قومي. {إِلَىٰ رَبّى } إلى حيث أمرني. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي يمنعني من أعدائي. {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. روي أنه هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط وامرأته سارة ابنة عمه إلى حران، ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} ولداً ونافلة حين أيس من الولادة من عجوز عاقر ولذلك لم يذكر إسماعيل. {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ } فكثر منهم الأنبياء. {وَٱلْكِتَـٰبَ} يريد به الجنس ليتناول الكتب الأربعة. {وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ} على هجرته إلينا. {فِى ٱلدُّنْيَا} بإعطاء الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وإنماء أهل الملل إليه والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر. {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} لفي عداد الكاملين في الصلاح.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الخليل عليه السلام: أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم؛ من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، ثم وجدوا وصاروا أناساً سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه، يسير لديه، ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن فيكون، ولهذا قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] ثم قال تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةِ} أي: يوم القيامة، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِىۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53] وكقوله تعالى: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} تفسير : [الطور: 35 ــــ 36]. وقوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} أي: هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل؛ لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة؛ كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: «حديث : إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم» تفسير : ولهذا قال تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي: ترجعون يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلْسَمَآءِ} أي: لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه، {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} أي: جحدوها، وكفروا بالمعاد، {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى} أي: لا نصيب لهم فيها، {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع شديد في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : وقال تعالى في قومه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } بالياء والتاء ينظروا {كَيْفَ يُبْدِىءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ} هو بضم أوله، وقرىء بفتحه من بدأ وأبدأ بمعنى أي يخلقهم ابتداء {ثُمَّ } هو {يُعِيدُهُ } أي الخلق كما بدأهم {إِنَّ ذٰلِكَ } المذكور من الخلق الأول والثاني {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } فكيف ينكرون الثاني؟.

النسفي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء: كوفي غير حفص {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ } أي قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله {ثُمَّ يُعِيدُهُ } ليس بمعطوف على {يبدىء} وليست الرؤية واقعة عليه وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله {كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ } [العنكبوت: 20] على البدء دون الإنشاء بل هو معطوف على جملة قوله {أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق} {إِنَّ ذٰلِكَ } أي الإعادة {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } سهل {قُلْ } يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن قل {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ } على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة، وبدأ وأبدأ بمعنى {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ } أي البعث. وبالمد حيث كان: مكي وأبو عمرو. وهذا دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال «كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة» لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى ينشيء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } قادر {يُعَذّبُ مَن يَشَاء } بالخذلان {وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } بالهداية أو بالحرص والقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع وبملازمة السنة {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } تردون وترجعون {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه {فِى ٱلأَرْضِ} الفسيحة {وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ } يتولى أموركم {وَلاَ نَصِيرٍ } ولا ناصر يمنعكم من عذابي.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {أولم يروا} قيل هذه الآيات إلى قوله فما كان جواب قومه يحتمل أن تكون من تمام قول إبراهيم لقومه وقيل إنها وقعت معترضة في قصة إبراهيم وهي في تذكير أهل مكة وتحذيرهم ومعنى أو لم يروا أو لم يعلموا {كيف يبدىء الله الخلق} أي يخلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة {ثم يعيده} أي في الآخرة عند البعث {إن ذلك على الله يسير} أي الخلق الأول والخلق الثاني {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم {ثم الله ينشىء النشأة الآخرة} أي ثم إن الله الذي خلقهم ينشئهم نشأة ثانية بعد الموت والمعنى فكما لم يتعذر عليه إحداثهم مبدئاً كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيداً بعد الموت ثانياً {إن الله على كل شيء قدير} أي من البداءة والإعادة {يعذب من يشاء} عدلاً منه {ويرحم من يشاء} تفضلاً {وإليه تقلبون} أي تردون {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} قيل معناه ولا من في السماء بمعجزين والمعنى أنه لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء وقيل معنى قوله ولا في السماء لو كنتم فيها {وما لكم من دون الله من ولي} أي يمنعكم مني {ولا نصير} أي ينصركم من عذابي {والذين كفروا بآيات الله} يعني القرآن {ولقائه} أي البعث {أولئك يئسوا من رحمتي} يعني الجنة {وأولئك لهم عذاب أليم} فهذا آخر الآيات في تذكير أهل مكة ثم عاد إلى قصة إبراهيم عليه السلام فقال تعالى {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو احرقوه} قال ذلك بعضهم لبعض وقيل قال الرؤساء للأتباع {اقتلوه أو حرقوه} {فأنجاه الله من النار} أي بأن جعلها برداً وسلاماً قيل إن في ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} يصدقون {وقال} يعني إبراهيم لقومه {إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا} أي ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة وقيل معناه إنكم تتوادون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} تتبرأ الأوثان من عابديها وتتبرأ القادة من الأتباع ويلعن الأتباع القادة {ومأواكم النار} يعني العابدين والمعبودين جميعاً {وما لكم من ناصرين} أي مانعين من عذابه {فآمن له لوط} أي صدقه برسالته لما رأى معجزاته وهو أول من صدق إبراهيم وأما في أصل التوحيد فإنه كان مؤمناً لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر {وقال} يعني إبراهيم {إني مهاجر إلى ربي} إلى حيث أمرني ربي فهاجر من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم هاجر إلى الشام ومعه لوط وامرأته سارة وهو أول من هاجر إلى الله تعالى وترك بلده وسار إلى حيث أمره الله بالمهاجرة إليه. قيل هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة {إنه هو العزيز} أي الذي لا يغلب والذي يمنعني من أعدائي {الحكيم} الذي لا يأمرني إلا بما يصلحني. قوله تعالى {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} يقال إن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد إبراهيم إلا من نسله {وآتيناه أجره في الدنيا} هو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه ويحبونه ويحبون الصلاة عليه والذرية الطيبة والنبوة من نسله هذا له في الدنيا {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس مثل آدم ونوح. قوله عز وجل {ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة} أي الفعلة القبيحة {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي لم يفعلها أحد من قبلكم ثم فسر الفاحشة فقال {أئنكم لتأتون الرجال} يعني أنكم تقضون الشهوة من الرجال {وتقطعون السبيل} وذلك أنهم كانوا يأتون الفاحشة بمن مر بهم من المسافرين فترك الناس الممر بهم لأجل ذلك وقيل معناه تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء {وتأتون في ناديكم المنكر} أي مجالسكم والنادي مجلس القوم ومتحدثهم عن أم هانىء بنت أبي طالب "حديث : عن النبي صلى الله عليه سلم في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال "كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون منهم""تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب الحذف هو رمي الحصى بين الأصابع قيل إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه قال: أنا أولى به وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم وقيل إنهم كانوا يجامعون بعضهم بعضاً في مجالسهم وقيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم وعن عبدالله بن سلام كان يبزق بعضهم على بعض. وقيل كان أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار والصفير والحذف والرمي بالجلاهق واللوطية {فما كان جواب قومه} أي لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح {إلا أن قالوا} أي استهزاء {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} أي إن العذاب نازل بنا فعند ذلك

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ...} الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات؛ وإعادته؛ ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج, بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، و{ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةَ}: نشأةُ القيام من القبور. وقوله تعالى: {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاءِ...} الآية، قال ابن زيد: لا يعجزه أهلُ الأرض في الأرض، ولا أهلُ السَّمَاءِ في السماء؛ إن عصوه. وقيل: معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها. وقيل: المعنى: ليس للبشر حيلةٌ إلى صعودٍ أو نزول؛ يفلتون بها. قال قتادة: ذَمَّ اللّه قوماً هانوا عليه؛ فقال: {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي...} الآية. قال * ع *: وما تَقَدَّمَ من قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ...} إلى هذه الآيةِ المستأَنفةِ؛ يُحْتَمَلُ أَن يكونَ خطاباً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويكون ٱعتراضاً في قصَّة إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يكونَ خطاباً لإبراهيم عليه السلام؛ ومجاورة لقومه؛ وعند آخر ذلك ذكر جواب قومه. وقوله تعالى: {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} أي بأن جعلها برداً وسلاماً. قال كعب الأحبار ـــ رضي اللّه عنه ـــ: ولم تحرقِ النارُ إلا الحبلَ الذي أوثقوه به؛ وجعل سبحانه ذلك آية، وعبرةً، ودليلاً على توحيده لِمن شرح صدره؛ ويسره للإيمان. ثم ذكر تعالى أن إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ قررهم على أنَّ اتخاذَهم الأوثانَ؛ إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعضٍ؛ وحفظاً لمودتهم الدنيوية؛ وأنهم يوم القيامة يَجْحَدُ بعضُهم بعضاً، ويتَلاَعَنُون؛ لأن توادَّهم كان على غير تقوى، {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف:67].

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ} قرأ الأخوان وأبو بكر بالخطاب، على خطاب "إبراهيم" لقومه بذلك، والباقون بالغيبة، ردّاً على الأمم المكذبة. قوله: "كَيْفَ يُبْدِىءُ"، العامة على ضم الياء من "أَبْدَأَ" والزُّبَيْرِيُّ، وعيسى، وأبو عمرو بخلاف عنه يَبْدَأُ مضارع بَدَأَ. وقد صرح بماضيه هنا حيث قال: {كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}، وقرأ الزهري: "كيف يبدأ" بألف (صريحة وهو تخفيف على غير قياس، وقياسه بين بين وهو في الشذوذ كقوله: شعر : 4027 -....................... فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ تفسير : فصل المعنى: أو لم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة ثم علقه، ثم مضغة. فإن قيل: متى رأى الإنسان بَدْءَ الخلق، حتى يقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ}؟ فالجواب: إن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول، فهو من الله، هذا إن قلنا: إن المراد إتيان نفس الخلق وإن قلنا: إن المراد بالمبتدأ خلق الآدمي أولاً، وبالإعادة خلقه ثانياً، فنقول: العاقل لا يخفى عليه أن خلق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام، والخلقة من نظفة في غاية الإتقان والإحكام فذاك الذي خلق أولاً معلوم ظاهر، فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، وقال: {أو لم يروا} أي أو لم يعلموا علماً ظاهراً واضحاً كيف يبدأ الله الخلق وهو من غذاءٍ هو من ماءٍ وتراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب وينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسب إليكم فإن من نحت حجارة حتى صارت أصناماً ثم كسرها وفرقها فإن وضعه شيئاً بجنب شيء في هذه النوبة أسهل، لأن الحجارة منحوته معلومة. فإن قيل: علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق، ولم يقل: أو لم يروا أن الله خلق او بدأ الخلق والكيفية غير معلومة. فالجواب: هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئاً مذكوراً، وأنه خلقه من نطفة من غذاء هو من ماء وتراب، وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة. فإن قيل: قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أبرز اسمه مرة أخرى ولم يقل: إن ذلك عَلَيْهِ يسير كما قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} من غير إبراز. فالجواب: أنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه، فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكَوْنِ ذلك يسيراً فإن الإنسان إذا سمع لفظ "الله" وفهم معناه أنه الحَيُّ القادر بقُدْرَةٍ كاملة لا يعجزه شيء محيط بذرات كل جسم نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة. قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بَدَأ بخلقهم. فإن قيل: أبرز اسم "الله" في الآية الأولى عند البدء، فقال: {كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ} وأضمره عند الإعادة، وهاهنا أضمره عند البداء، وأبرزه عند الإعادة فقال: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ}. فالجواب: أنه في الآية الأولى: لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البداء فقال: {كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، كقول: ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً، ولا يحتاج إلى إظهار اسم "زيد" اكتفاء الأول. وفي الثانية: كان ذكر البداء مسنداً إلى الله فاكتفى به، ولم يبرزه، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً، فقال: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ} مع أنه كان يكفي أن يقول: "ثم ينشىء" النشأة الآخرة لحكمة بالغة وهي أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه، حتى يفهم المسمى به صفات كماله، ونعوت جلاله، فيقطع بجواز الإعادة فقال: "ثم الله" مظهراً لينفع في ذهن الإنسان جلّ اسمه كمال قدرته، وشمول علمه، ونفوذ إرادته، فيعترف بوقوع بدئه، وجواز إعادته، فإن قيل: فلم لم يقل: "ثُم اللَّهُ يعيده" بعين ما ذكرت من الحكمة فنقول: لوجهين. أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: {يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ}، ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق، وأما هنا فلم يذكر غير البدء فأظهره. وثانيهما: أن الدليل هنا تم على جواز الإعادة لأن الدليل منحصر في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53] ففي الآية الأولى أشار إلى الدليل الحاصل للإنسان من نفسه، وفي الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق، لقوله: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} وعندها تم الدليلان فأكده بإظهار نفسه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني فلم يقل: "ثم الله يعيده" فإن قيل: قال في الأولى: {أَوَلَم يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ} بلفظ المستقبل وهاهنا قال: {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ} بلفظ الماضي، فما الحكمة؟ فالجواب: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم، وهو يوجب العلم ببدء الخلق (وأما الدليل الثاني فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق) فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ خلقاً، وتحصل من هذا القدر بأنه "ينشىء" فإن قيل: قال في هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وقال في الأولى: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} (فما فائدته). فالجواب: فيه فائدتان: أحدهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التام، ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التام لأنه بالنظر في نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده (منه) فتم علمه (بـ) أن الله على كل شيء قدير، أن كل شيء من الله، فقال عند تمام الدليل: إن الله على كل شيء قدير، وقال عند الدليل الواحد إن ذلك على الله يسير وهو الإعادة. الفائدة الثانية: أن العلم الأول أتم، وإن (كان) الثاني أعم، وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً به، بدليل قولك لمن يحمل مائة مَنٍّ أنه قادر عليه، ولا يقول: إنه سهل عليه فإذا سئلت عن حمله عشر (أمنات) يقول ذلك سهل يسير، فنقول كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ليعلموا أنه مقدور، ونفس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة. قوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو النَّشَاءةَ، بالمد هنا، والنجم، والواقعة والباقون بالقصر، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، وانتصابهما على المصدر المحذوف الزوائد والأصل: الإنشاءة، أو على حذف العامل، أي ينشىء فتُنَشَّئُونَ النَّشْأَةَ، وهي مرسومة بالألف وهو يقوي قراءة المد والمعنى ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثُها مبتدئاً لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً. وقوله: "ثم يُعِيدُه"، {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ} مستأنفات من إخبار الله تعالى، فليس الأول داخلاً في حيز الرؤية، ولا الثاني في حيز النظر، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. الذي دَاخَلَهم فيه الشكُّ كان بعث الخَلْق، فاحتجَّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السَّنةِ بعد تقضِّيها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وبَيَّنَ أن جَمْعَ أجزاءِ المكلَّفين بعد انقضاض البِنية كإعادة فصول السنة؛ فكما أن ذلك سائغٌ في قدرته غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فكذلك بعثُ الخَلْق. وكما في فصول السنة تتكرر أحوالُ العِبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة.. كذلك تتكرر عليهم الأحوال. وأربابُ القلوبِ تتعاقب أحوالُهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأُنْس. ثم في التجلي والسَّتْر، ثم في البقاء والفناء، ثم في السُكْر والصحو.. وأمثال هذا كثير. وفي هذا المعنى قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا: شعر : كــلُّ نَهــرٍ فيــه مــاءٌ قــد جَـــرَى فإليــه المــاءُ يومــاً سيعـــود

اسماعيل حقي

تفسير : {أولم يرو كيف يبدىء الله الخلق} اعتراض بين طرفى قصة ابراهيم عليه السلام لتذكير اهل مكة وانكار تكذيبهم بالبعث مع وضوح دليله والهمزة لانكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها والواو للعطف على مقدر وابداء الخلق اظهارهم من العدم الى الوجود ثم من الوجود الغيبى الى الوجود العينى. قال الامام الغزالى رحمه الله الايجاد اذا لم يكن مسبوقا بمثله يسمى ابداء وان كان مسبوقا بمثله يسمى اعادة والله تعالى بدأ خلق الانسان ثم هو يعيدهم اى يرجعهم ويردهم بعد العدم الى الوجود ويحشرهم والاشياء كلها منه بدت واليه تعود. ومعنى الآية ألم ينظروا اى اهل مكة وكفار قريش ولم يعلموا علما جاريا مجرى الرؤية فى الجلاء والظهور كيفية خلق الله ابتداء من مادة ومن غير مادة اى قد علموا {ثم يعيده} اى يرده الى الوجود عطف على أولم يروا لا على يبدأ لعدم قوع الرؤية عليه فهو اخبار بانه تعالى يعيد الخلق قياسا على الابداء وقد جوز العطف على يبدأ بتأويل الاعادة بانشائه تعالى كل سنة ماانشأه فى السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما فان ذلك مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه من غير ريب: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بامرش وجود از عدم نقس بست كه داند جزاو كردن از نيست هست دكرره بكتم عدم در برد واز آنجا بصحراى محشر برد تفسير : {ان ذلك} اى ماذكر من الاعادة {على الله يسير} سهل لانصب فيه: وبالفارسية [آسانست] اذ لايفتقر فى فعله الى شىء من الاسباب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: (يُعيده): عطف على الجلمة، لا على (يبدئ)؛ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تُعْلَمُ بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون (ثم يعيده): عطفاً على (يبدئ). يقول الحق جل جلاله: {أَوَلَم يروا} أي: كفار قريش {كيف يُبدىءُ اللهُ الخلقَ} أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، {ثم يُعيده} بالبعث؛ للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي دَاخَلَهم في الشكُّ هو بعث الخلَق، فاحتجَّ عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغٌ في قدرته، كذلك بُعث الخلق. هـ. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولد ولداً آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف "يعيد" على "يبدئ". {إن ذلك على الله يسيرٌ} أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. {قُلْ سيروا في الأرض} أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، {فانظروا كيف بدأَ الخلقَ} على كثرتهم، واختلافْ أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: {ثم الله ينشىءُ النشأةَ الآخرةَ} أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه؛ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة, فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي يُنشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. {إن الله على كل شيءٍ قديرٌ}؛ فلا يعجزه شيء. {يُعذِّب من يشاء} بعدله {ويرحم من يشاء} بفضله، أو: يُعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يُعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يُعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يُعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. {وإليه تقلبون}؛ تُردون للحساب والعقاب. {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، {في الأرض} الفسيحة، {ولا في السماء} التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. {وما لكم من دون الله من وليٍّ} يتولى أموركم، {ولا نصير}؛ ولا ناصر يمنعكم من عذابه. {والذين كفروا بآيات الله}؛ بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، {ولقائه}؛ وكفروا بلقائه، {أولئك يئِسُوا من رحمتي}؛ جنتي، {وأولئك لهم عذابٌ أليم} موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أَوَلَمْ ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحقُّ تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتُها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يُبطن ما ظهر، ويُظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لُب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} قرئ بالغيبة على تقدير القول او على كونه ابتداء كلامٍ من الله معترض بين الحكاية، وقرئ بالخطاب على انّه من الحكاية وموافق لسابقه او على انّه ابتداء كلام من الله معترض {كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعنى كيف يبدأ الله الخلق من العناصر او من عالم الارواح ثمّ يعيده الى العناصر او ثمّ يعيده اليه ورؤيتهم لذلك برؤية انّهم لم يكونوا فى اوّل خلقتهم على شيءٍ من صفات الاخروييّن ويتدرّجون فى صفات الكمال ويستكملون بصفات الرّوحانيّين، او المعنى على التّوبيخ يعنى ينبغى لهم ان يستكملوا نفوسهم حتّى يشاهدوا اعادة الله ايّاهم {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ} خطابٌ لابراهيم او ابتداء كلامٍ خطابٌ لمحمّد (ص) {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ارض الطّبع، او ارض القرآن والاخبار، او ارض سير الامم الماضية، او ارض وجودكم حتّى تشاهدوا حال المكذّبين والمصدّقين، او تعلموا حالهم من مشاهدة آثارهم، او تشاهدوا ابداء الخلق واعادته {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} يعنى حتّى تعلموا انّ الله ينشئ النّشأة الآخرة فان شهود الابداء يؤدّى الى العلم بالنّشأة الآخرة كما قال: لقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكّرون {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فما لهم ينكرون الاعادة مع انّها مشهودة لهم.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىءُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي أولم يعلموا وذلك انهم قد اقروا بأن الله جل وعلا هو الذي أبدأ الخلق وانما انكروا البعث ويجوز ان يكون الرؤية بصرية باعتبار ان الذي ابدأه الله قد رأوه بعيونهم وهو بنوا آدم وغيرهم او باعتبار ان المراد بالذي ابدأه الله هو النبات او يقاس غيره عليه فكما يبدأ الله النبات بعد كونه معدوما كذلك يبعث الخلق والله سبحانه يبدىء الخلق من شيء ومن غير شيء وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر {أولم تروا} بالمثناة الفوقية على تقدير القول أي قال ابراهيم لقومه الم تروا وان جعلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتج لتقدير القول بل خطاب من الله تعالى لقومه ويبدىء بمعنى يوجد ويظهر وقرىء {يبدأ} بفتح الياء والدال من بدأ الشيء بمعنى ابدأته والاعادة البعث والعطف يتم على جملة {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ} الخ فليست الروئية متسلطة عليه لأن البعث لم يقع فضلا عن ان يروه فلا يعطف على {كَيْفَ يُبْدِىءُ الله الخَلْقَ} اللهم الا ان يقال الرؤية بصرية وان البعث لكثرة دلائله ووضوحها كأنه جسم حاضر يرى أو أن يقال الرؤية علمية وأن البعث لكثرة دلائله ووضوحها يجب الاقرار به وان لا ينكر او ان يقال الابداء والاعادة ابداء ثبات وثمار وغيرها في سنة واعادة مثل ذلك في اخرى وأجاز بعضهم كون المعطوف عليه محذوف أي يبديه ثم يعيده وبعضهم كون ثم للاستئناف. {إِنَّ ذَلِكَ} المذكور من الابداء والاعادة. {عَلَى اللهِ يَسيرٌ} اذ لا يحتاج فيه على اي شيء.

اطفيش

تفسير : {أوَ لَمْ يروْا} الم تتامل قريش واتباعهم ولم يروا، اى لم يعلموا او لم يروا بأبصارهم ما يتوصلون به الى العلم، أو الواو للأمم، وعلى كل حال الآية وعظ لقريش وأتباعهم {كَيفَ يبدئ اللهُ الخَلق} من مادة، ومن غير مادة، {ثمَّ يُعيدهُ} عطف على يبدى، فانهم يشاهدون بابصارهم، ويعلمون ما خلق في السنة، وأقل واكثر من الثمار وغيرها من الحيوان، والليل والنهار، وما خلق بعدها، وأجاز بعض ان تكون الاعادة بمعنى البعث، فيكون العطف على لم يروا، باعتبار انسحاب الاستفهام قبله، والرؤية العلم. {إنَّ ذلك} ما ذكر من الاعادة، او من البدء والاعادة، ويجوز ان يكون التذكير للاشارة المصدر بعيد مقدراً بلا تاء مضاف هكذا ان اعادة كقوله تعالى: "أية : وإقام الصلاة "تفسير : [الأنبياء: 73، النور: 37] بكسر الهمزة {على الله يسير} اذ لا يحتاج الى شئ خارج عن ذاته.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ } الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دليله، والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها، والواو للعطف على / مقدر أي ألم ينظروا ولم يعلموا كيفية خلق الله تعالى الخلق ابتداءً من مادة ومن غير مادة أي قد علموا ذلك. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بخلاف عنه {ألم تروا } بتاء الخطاب، وهو على ما قال هذا البعض لتشديد الإنكار وتأكيده ولا يحتاج عليه إلى تقدير قول، ومن لم يجعل ذلك كلاماً مستأنفاً مسوقاً من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث قال: إن الخطاب على تقدير القول أي قال لهم رسلهم: ألم تروا. ووجه ذلك بأنه جعل ضمير {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } على قراءة الغيبة لأمم في قوله تعالى: {أية : أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ }تفسير : [العنكبوت: 18] فيجعل في قراءة الخطاب له أيضاً ليتحد معنى القراءتين، وحينئذٍ يحتاج لتقدير القول ليحكى خطاب رسلهم معهم إذ لا مجال للخطاب بدونه. وقيل: إن ذاك لأنه لا يجوز أن يكون الخطاب لمنكري الإعادة من أمة إبراهيم أو نبينا عليهما الصلاة والسلام وهم المخاطبون بقوله تعالى: {أية : وَإِن تُكَذّبُواْ } تفسير : [العنكبوت: 18] لأن الاستفهام للإنكار أي قد رأوا فلا يلائم قوله تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ}تفسير : [العنكبوت: 20] الخ لأن المخاطبين فيها هم المخاطبون أولاً، يعني إن كانت الرؤية علمية فالأمر بالسير والنظر لا يناسب لمن حصل له العلم بكيفية الخلق، والقول بأن الأول دليل أنفسي، والثاني آفاقي مخالف للظاهر من وجوه اهـ فتدبر، ولعل الأظهر والأبعد عن القيل والقال في نظم الآيات ما نقلناه عن بعض المحققين. وقرأ الزبيري وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه {كَيْفَ يَبْدَأُ } على أنه مضارع بدأ الثلاثي مع إبدال الهمزة ألفاً كما ذكره الهمداني. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُهُ } عطف على {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } لا على {يبدىء} لأن الرؤية إن كانت بصرية فهي واقعة على الإبداء دون الإعادة فلو عطف عليه لم يصح وكذا إذا كانت علمية لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوماً لهم كان تحصيلاً للحاصل. وجوز العطف عليه بتأويل الإعادة بإنشائه تعالى كل سنة مثل ما أنشأه سبحانه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما فإن ذلك مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه على ما قيل من غير ريب، وعن مقاتل أن الخلق هنا الليل والنهار وليس بشيء {إِنَّ ذٰلِكَ } أي ما ذكر من الإعادة، وجوز أن يكون المشار إليه ما ذكر من الأمرين {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } إذ لا يحتاج فعله تعالى إلى شيء خارج عن ذاته عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : يجري هذا الكلام على الوجهين المذكورين في قوله {أية : وإن تكذبوا}تفسير : [ العنكبوت: 18]. ويترجح أن هذا مسوق من جانب الله تعالى إلى المشركين بأن الجمهور قرأوا {أو لم يروا} بياء الغيبة ولم يجر مثل قوله {أية : وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم}تفسير : [ العنكبوت: 18]. ومناسبة التعرض لهذا هو ما جرى من الإشارة إلى البعث في قوله {أية : إليه ترجعون}تفسير : [العنكبوت: 17] تنظيراً لحال مشركي العرب بحال قوم إبراهيم. وقرأ الجمهور {أو لم يروا} بياء الغائب والضمير عائد إلى {أية : الذين كفروا}تفسير : [ العنكبوت: 12] في قوله {أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا}تفسير : [العنكبوت: 12]، أو إلى معلوم من سياق الكلام. وعلى وجه أن يكون قوله {أية : وإن تكذبوا}تفسير : [العنكبوت: 18] الخ خارجاً عن مقالة إبراهيم يكون ضمير الغائب في {أو لم يروا} التفاتاً. والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لنكتة إبعادهم عن شرف الحضور بعد الإخبار عنهم بأنهم مُكذبون. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {أو لم تروا} بالفوقية على طريقة {أية : وإن تُكذبوا}تفسير : [العنكبوت: 18] على الوجهين المذكورين. والهمزة للاستفهام الإنكاري عن عدم الرؤية، نزلوا منزلة من لم ير فأنكر عليهم. والرؤية يجوز أن تكون بصرية، والاستدلال بما هو مشاهد من تجدد المخلوقات في كل حين بالولادة وبروز النبات دليل واضح لكل ذي بصر. وإبداء الخلق: بَدْؤُه وإيجاده بعد أن لم يكن موجوداً. يقال: أبدأ بهمزة في أوله وبدأ بدونها وقد وردا معاً في هذه الآية إذ قال {كيف يُبدىء الله الخلق} ثم قال {أية : فانظروا كيف بدأ الخلق}تفسير : [العنكبوت: 20] ولم يجىء في أسمائه تعالى إلا المُبْدِىء دون البادىء. وأحسب أنه لا يقال (أبدأ) بهمز في أوله إلا إذا كان معطوفاً عليه (يُعيد) ولم أر من قيده بهذا. و{الخلق}: مصدر بمعنى المفعول، أي المخلوق كقوله تعالى {أية : هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}تفسير : [لقمان: 11]. وجيء {يبدىء} بصيغة المضارع لإفادة تجدد بدء الخلق كلما وجه الناظر بصره في المخلوقات، والجملة انتهت بقوله {يبدىء الله الخلق}. وأما جملة {ثم يعيده} فهي مستأنفة ابتدائية فليست معمولة لفعل {يروا} لأن إعادة الخلق بعد انعدامه ليست مرئية لهم ولا هم يظنونها فتعين أن تكون جملة {ثم يعيده} مستقلة معترضة بين جملة {أو لم يروا} وجملة {قل سيروا في الأرض}. و {ثم} للتراخي الرتبي لأن أمر إعادة الخلق أهمّ وأرفع رتبة من بدئه لأنه غير مشاهد ولأنهم ينكرونه ولا ينكرون بدء الخلق قال في «الكشاف»: هو كقولك: "ما زلت أوثر فلاناً وأستخلفه على من أخلِّفه» يعني فجملة: وأستخلفه، ليست معطوفة على جملة: أوثر، ولا داخلة في خبر: ما زلت، لأنك تقوله قبل أن تستخلفه فضلاً عن تكرر الاستخلاف منك. هذه طريقة «الكشاف» وهو يجعل موقع {ثم يعيده} كموقع التفريع على الاستفهام الإنكاري. واعلم أن هذين الفعلين (يبدىء ويعيد) وما تصرف منهما مما جرى استعمالهما متزاوجين بمنزلة الاتباع كقوله تعالى {أية : وما يبدىء الباطل وما يُعيد}تفسير : في سورة [سبأ: 49]. قال في «الكشاف» في سورة سبأ: فجعلوا قولهم: لا يبدىء ولا يعيد، مثلاً في الهلاك، ومنه قول عبيد: شعر : فاليوم لا يبدي ولا يعيد تفسير : ويقال: أبدأ وأعاد بمعنى تصرف تصرفاً واسعاً، قال بشار: شعر : فهمومي مُظِلة بادِئاتتٍ وعودا تفسير : ويجوز أن تكون الرؤية علمية متعدية إلى مفعولين: أنكر عليهم تركهم النظر والاستدلال الموصّل إلى علم كيف يُبدىء الله الخلق ثم يعيده لأن أدلة بدء الخلق تفضي بالناظر إلى العلم بأن الله يعيد الخلق فتكون {ثم} عاطفة فعل {يعيده} على فعل {يبدىء} والجميع داخل في حيز الإنكار. و {كيف} اسم استفهام وهي معلِّقة فعل {يروا} عن العمل في معموله أو معموليه. والمعنى: ألم يتأملوا في هذا السؤال، أي في الجواب عنه. والاستفهام بـــ {كيف} مستعمل في التنبيه ولفت النظر لا في طلب الإخبار. وجملة {إن ذلك على الله يسير} مبينة لما تضمنه الاستفهام من إنكار عدم الرؤية المؤدية إلى العلم بوقوع الإعادة، إذ أحالوها مع أن إعادة الخلق إن لم تكن أيسر من الإعادة في العرف فلا أقل من كونها مساوية لها وهذا كقوله تعالى {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}تفسير : [الروم: 27]. والإشارة بــــ {ذلك} إلى المصدر المفاد من {يعيده} مثل عود الضمير على نظيره في قوله {أية : وهو أهون عليه}تفسير : [ الروم: 27]. ووجه توكيد الجملة بــــ {إن} ردُّ دعواهم أنه مستحيل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أولم يروا: أي ينظروا بأبصارهم فيعلموا بقلوبهم. يبدئ الله الخلق: أي كيف يخلق المخلوق ابتداء. ثم يعيده: أي ثم هو تعالى يعيده بعد بدئه وإفنائه يعيده لأن الإِعادة أهون من البدء وقد بدأ وأفنى فهو بالضرورة قادر على الإِعادة. إن ذلك: أي أن الخلق الأول والثاني هو الإعادة. على الله يسير: أي سهل لا صعوبة فيه، فكيف إذاً ينكر المشركون البعث. قل سيروا في الأرض: أي قل يا رسولنا لقومك المكذبين بالبعث سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق وأنشأه، تستدلون بذلك على قدرته على البعث الآخر. ثم الله ينشئ النشأة الآخرة: أي يحيي الناس بعد موتهم وهو البعث الآخر الذي أنكره الجاهلون. وإليه تقلبون: أي ترجعون إليه لا إلى غيره أحياء كما كنتم فيحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم، الحسنة بخير منها والسيئة بمثلها جزاء عادلاً. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء: أي بغالبين ولا فائتين بالهروب فإن الله غالبكم. وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير: ليس لكم من ولي يتولاكم ولا نصير ينصركم من الله تعالى. يئسوا من رحمتي: أي من دخول الجنة لأنهم كافرون أعظم كفر وهو التكذيب بالقرآن والبعث الآخر. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير أصول الدين التوحيد والنبوة والبعث وقد قررت الآيات السابقة أصلي التوحيد والنبوة المحمدية وفي هذه الآيات تقرير الأصل الثالث وهو البعث والجزاء في الدار الآخرة. قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي أولئك المنكرون للبعث، أيكذبون؟، ولم ينظروا كيف يبدئ الله الخلق أي خلق الإِنسان، فإن ذلك دال على إعادته متى أراد الله الخالق ذلك، ثم هو تعالى يعيده متى شاء، {إِنَّ ذٰلِكَ} أي الخلق والإِعادة بعد الفناء والبلى {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} سهل لا يتعذر عليه أبداً. وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل يا رسولنا للمكذبين بالبعث الآخر {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} شرقاً وغرباً {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ} تعالى خلق تلك المخلوقات التي تشاهدونها من أرض، وسماء، وأنهار، وأشجار، وحيوان، وإنسان، إنها كلها كانت عدماً فأنشأها الله تعالى ثم هو سيفنيها {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} وذلك بأن يعيد حياة الإنسان ليحاسبه على كسبه في الدنيا ويجزيه به خيراً أو شراً، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إذاً فلا يستنكر عليه إعادة الناس أحياء بعد نهاية هذه الحياة الدنيا ليحاسبهم ويجزيهم بما كانوا يعملون. وقوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} هذه فائدة وحكمة البعث الآخرة وهي المجازاة على العمل في هذه الحياة فيعذب أهل الكفر به وبرسوله والذين لم يزكوا أنفسهم بالإِيمان وصالح الأعمال فيدخلهم جهنم دار الشقاء والعذاب ويرحم أهل الإِيمان والتقوى الذين زكوا أنفسهم بالإِيمان والصالحات. وقوله: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي إلى الله ربكم ترجعون بعد الموت والفناء وإنشاء النشأة الآخرة وقوله {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي الله تعالى {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} بل أنتم مقهورون له خاضعون لسلطانه لا يمكنكم الهرب منه ولا الخلاص بحال من الأحوال. وليس لكم من دونه تعالى ولي يتولاكم فيدفع عنكم العذاب ولا نصير ينصركم فلا تُغلَبون ولا تُعذبون وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التي جاءت بها رسله {وَلِقَآئِهِ} وهو البعث الآخر الموجب للوقوف بين يدي الله للسؤال والحساب والجزاء هذا إن كان للعبد ما يحاسب عليه من الخير، أما إن لم يكن له حسنات فإنه يُلقى في جهنم بلا حساب ولا وزن إذ ليس له من الصالحات ما يوزن له ويحاسب به، ولذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} أي المكذبون بآيات الله ولقائه {يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} إذ تكذيبهم بالقرآن مانع من الإِيمان والعمل الصالح وتكذيبهم بيوم القيامة مانع لهم أن يتخلوا عن الشرك والمعاصي، أو يعملوا صالحاً من الصالحات لتكذيبهم بالجزاء، فهم يائسون من الجنة. {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع وهو عذاب النار في جهنم والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب استعمال العقل للاستدلال على الغائب بالحاضر وعلى المعدوم بالموجود. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء وذكر أدلتها التفصيلية. 3- تقرير عجز الإنسان التام وأنه لا مهرب له من الله تعالى ربه ومالكه وهي حال تستدعي الفرار إلى الله اليوم بالإِيمان والتقوى. 4- إنذار المكذبين بأنهم إن ماتوا على التكذيب بالبعث لا يدخلون الجنة بحال، وسيعذبون في نار جهنم أشد العذاب.

القطان

تفسير : يبدىء الخلق: يخلقه اول مرة. ويعيده: في الآخرة يوم القيامة: ينشىء: يخلق. النشأة: الخلق. تقلبون: تردون بعد موتكم. من ولي: قريب. ولا نصير: ولا معين. في هذه الآية تكملةٌ لقصة إبراهيم فانه يقول لهم: ألم تروا كيف بدأ اللهُ الخلق؟ انه سيعيد الخلق يوم القيامة كما خلقه اول مرة. وذلك على الله يسير. ثم ارشدهم الى الاعتبار بما في هذه الأرض من دلائلَ وما في الآفاق من شواهد، وقال لهم: سيروا في هذه الأرض، ابحثوا فيها كيف بدأ الله الخلق، فانكم ستجدون الدلائلَ الكافية على كيفية تكوين الخلق كما بدأه الله، وهو سيعيد إنشاءه يوم القيامة. وهو حسب حكمته يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء بعدله في حكمه، إليه مرجعُكم جميعا يوم الحساب والجزاء. لستم أيها المكذِّبون بمعجزين اينما كنتم، ولا يستطيع أحدٌ نصركم. إن الذين كفروا بالدلائل التي بينّها الله في هذا الكون، وكذّبوا برسله وكتبه - انما يئسوا من رحمة الله، ولهم عذابٌ شديد مؤلم. فما كان جوابُ قوم إبراهيم على هذا الحوار العظيم إلا الامعان في الكفر، وقالوا: اقتلوا إبراهيم او احرقوه في النار، فأنجاه الله من النار وجعلها بردا وسلاما، وإن في ذلك لدلائل واضحة لمن يصدق بالله. وقال ابراهيم لقومه: انما اتخذتم هذه الأصنامَ تعبدونها من دون الله، لا اعتقاداً واقتناعا بعبادتها، وانما يجاملُ فيها بعضكم بعضا. ان مودّة بعضكم بعضا هي التي دعتكم الى عبادتها، لكن هذه المودة ستنقلب الى عداوةٍ يوم القيامة، حيث يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، ومصيركم جميعا الى النار. وآمن لوط واجاب دعوته وكان ابن اخيه، وقال: إني مهاجر الى بلاد الشام. ووهب الله لابراهيم اسحاق ويعقوب وجعلَ من نسله النبوةَ، وأحسنَ إليه جزاء عمله، في الدنيا وفي الآخرة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: ألم تروا بالتاء. والباقون: الم يروا بالياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: النشَاءة بفتح الشين ومدها. والباقون: النشْأة: بسكون الشين. قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: مودةُ بينِكم برفع مودة وجر بينكم بالاضافة، وقرأ نافع وابو بكر وابن عامر: مودةً بينكم بنصب مودة منونا ونصب بينكم. وقرأ حفص عن عاصم وحمزة: مودةَ بينِكم بنصب مودة وخفض بينكم بالاضافة وهي قراءة المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : (19) - ثُمَّ لَفَتَ إِبراهِيمُ عَليهِ السَّلامُ، نَظَرَ قَومِهِ إلى الأَدِلَّةِ عَلَى وَقُوعِ البَعْثِ بَعدَ المَوتِ بمَا يُشَاهِدُونَهُ في أَنْفُسِهِمْ مِنْ خَلْقِ اللهِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ أَنْ لمْ يكُونُوا شَيْئاً مَذْكُوراً، ثُمَّ أوجَدَهُم وجَعَلهم أُناساً ذَوي سَمْعٍ وَبَصَرٍ، فالذي يَبْدَأُ هذا قَادِرٌ عَلى إِعَادَتِهِ، لأَنَّ الإِعَادَةَ أسْهَلُ مِنَ الابتِدَاءِ، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرَى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخطاب هنا مُوجَّه إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين كذبوا من قبل، وأنتم الذين تكذبون الآن، فأين عقولكم؟ لو استعملتم عقولكم في تأمل الكون الذي تعيشون فيه، والذي طرأتُم عليه، وقد أُعِدَّ لكم بكل مُقوِّمات حياتكم. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ..} [العنكبوت: 19] ويرى هنا بمعنى يعلم، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] أي: ألم تعلم؛ لأن رسول الله لم يَرَ حادثة الفيل، وعدل عن (تعلم) إلى (ترى) ليلفت أنظارنا إلى أن إخبار الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أوثق له من رؤيته بعينه. ومن ذلك قول الصِّدِّيق أبي بكر لما سمع بحادث الإسراء والمعراج قال: "إنْ كان قال فقد صدق". والهمزة في {أَوَلَمْ يَرَوْاْ ..} [العنكبوت: 19] استفهام للتقرير، كما تقول لولدك: ألم تَرَ إلى فلان الذي أهمل دروسه، تريد أنْ تنكر عليه أنْ يُهمل هو أيضاً، فتقرره بعاقبة الإهمال، وتدعه ينطقه بلسانه، فيقول لك: الذي أهمل دروسه رَسَب. وكما تقول لمَنْ أنكر جميلك: ألم أُحسِن إليك بكذا وكذا، فيُقِر بها هو بدل أنْ تعددها له أنت، فهذا أبلغ في الاعتراف. فساعة يأتي بعد الهمزة نَفْي يسمونه استفهاماً إنكارياً، تنكر ما هم عليه، وتريد أن تقررهم بما يقابله. والنفي بعد الإنكار نفي للنفي، ونفي النفي إثبات. فالمعنى: أيكذبون ولم يَرَوْا ما حدث للأمم المكذِّبة من قبل؟ أيكذبون ولم يَروْا آيات الله، وقدرته شائعة في الوجود كله؟ لقد كان عليهم أن ينظروا نظرة اعتبار ليعلموا مَنْ خلق هذا الخَلْق، وإنك لو سألتهم: مَنْ خلق هذا الكون لا يجدون جواباً، ولا يملكون إلا أنْ يقولوا: الله، كما حكى القرآن: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25]. لكن، كيف يُقِرُّون بهذه الحقيقة ويعترفون بها، مع أنهم كافرون بالله؟ قالوا: لأنها مسألة أظهر مَن أنْ ينكرها منكر، فكل صاحب صنعة مهما كانت ضئيلة يفخر بها وينسبها إلى نفسه، بل وينسب إلى نفسه ما لم يصنع، فما بالك بكَوْنِ أُعِدَّ بهذه الدقة وبهذه العظمة، ولم يدعه أحد لنفسه؟ والدعْوى تثبت لصاحبها ما لم يَقُمْ لها معارض. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه قبل أن يقول لا إله إلا أنا، وقبل أن يطلبها منا شهد بها لنفسه تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18]؛ لأن هذه الشهادة هي التي ستجعله يقول للشيء: كُنْ فيكون، ولو لم يكُنْ يؤمن بأنه إله ما قالها. والحق سبحانه يقول: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [العنكبوت: 19] كيف ونحن لم نَر الإعادة، فضلاً عن رؤيتنا للبدء؟ قالوا: نرى البدء والإعادة في مظاهر الوجود من حولنا، فنراها في الزرع مثلاً، وكيف أن الله تعالى يُحيي الأرض بالنبات، ثم يأتي وقت الحصاد فيحصد ويتناثر منه الحَبّ أو البذور التي تعيد الدورة من جديد. والوردة تجد فيها رطوبة ونضارة وألواناً بديعة ورائحة زكية، فإذا قُطِفَتْ تبخَّر منها الماء، فجفَّتْ وتفتتت، وذهبت رائحتها في الجو، ثم تخلفها وردة أخرى جديدة، وهكذا. انظر مثلاً إلى دورة الماء في الكون: هل زادتْ كمية الماء التي خلقها الله في الكون حين أعدَّه لحياة الإنسان منذ خلق آدم وحواء؟ الماء هو هو حتى الآن، مع ما حدث من زيادة في عدد السكان؛ لأن عناصر الكون هي هي منذ خلقها الله، لكن لها دورة تسير فيها بين بَدْء وإعادة. واقرأ إن شئت قوله تعالى: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 9-10]. فكأن قوت العالم من الزرع وغيره مُعَدٌّ منذ بَدْء الخليقة، وإلى أنْ تقوم الساعة لا يزيد، لكنه يدور في دورة طبيعية. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19] أيهما: الخَلْق أم الإعادة؟ أما الخلق فقد أقرُّوا به، ولا جدالَ فيه، إذن: فالكلام عن الإعادة، وهل الذي خلق من عدم يعجز عن إعادة ما خلق؟ الخَلْق الأول من عدم، أما الإعادة فمن موجود، فأيهما أهون في عُرْفكم وحسب منطقكم؟ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} تفسير : [الروم: 27] مع أن الحق سبحانه لا يُقال في حَقِّه: هذا هيِّن، وهذا أهون؛ لكنه سبحانه يخاطبنا بما تفهمه عقولنا. ثم يخاطب الحق سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} إلى كمال قدرته ومتانة حكمه وحكمته {كَيْفَ يُبْدِئُ} أي: يظهر ويبدع {ٱللَّهُ} القادر المقتدر {ٱلْخَلْقَ} أي: جميع المخلوقات والموجودات من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة {ثُمَّ يُعِيدُهُ} ويعدمه كما برأه وأظهره على مقتضى النشأتين نزولاً وعروجاً، هبوطاً وصعوداً، ظهوراً وبطوناً، مداً وقبضاً، نشراً وطياً، لطفاً وقهراً، جمالاً وجلالاً {إِنَّ ذٰلِكَ} التبديل والتحويل {عَلَى ٱللَّهِ} المتجلي في الأكوان في كل آن في شأن {يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19] إذ لا يعرضه العسر والفتور، ولا يلحقه العجز والقصور ولا يبرمه مر الدهور وكر الشهور. وإن أنكروا لك ولم يقبلوا منك تنويرك الذي جئت به {قُلْ} لهم يا أكمل الحلم والخلة: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} سير معتبر خبير {فَٱنظُرُواْ} بنظر الاعتبار والاستبصار {كَيْفَ بَدَأَ} وأظهر {ٱلْخَلْقَ} في أقطار الآفاق ونشرهم فيها وبسطهم عليها بامتداد أظلال أسمائه وصفاته {ثُمَّ ٱللَّهُ} القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء بالاختيار والاستقلال {يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} المقابلة لنشأة الظهور والإبداع، وهي نشأة الكمون والإخفاء والفناء والإفناء، بأن قبض سبحانه بمقتضى قهره وجلاله جميع ما امتد من أضلال، وطوى نحوه ما نشر من آثار الأوصاف والأسماء {إِنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مقدرواته ومراداته {قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20] لا تنتهي قدرته عند مقدورٍ، بل له أن يتصرف فيه كيف شاء ومتى أراد أزلاً وأبداً. ومن كمال قدرته ومقتضى حكمته ومشيئته: {يُعَذِّبُ} من عباده {مَن يَشَآءُ} لا ملجأ لهم دونه ولا مرجع لهم سواه؛ إذ {وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} برحمته الواسعة أيضاً كذلك على مقتضى لطفه وجماله {وَ} لا ملجأ لهم دونه ولا مرجع لهم؛ إذ {إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود معه {تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21] انقلاب الزبد هواء والأمواج ماء. {وَ} إذا ثبت أن منقلبكم إليه ومرجعكم نحوه، فعليكم الإطاعة والإيمان بالله وبوحدانيته طوعاً بلا تذبذب وتلعثم؛ إذ {مَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} على إدراككم وأخذكم {فِي ٱلأَرْضِ} لو تحصنتم فيها {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} لو تدليتهم إليها؛ إذ الكل في قبضته وقدرته وتحت تصرفه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {وَ} بالجملة: {مَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المعيد المبدئ، المحيي المميت {مِن وَلِيٍّ} يولي أموركم بالاستقلال ويتصرف فيكم بالإرادة والاختيار {وَلاَ نَصِيرٍ} [العنكبوت: 22] ينصركم على أعدائكم ويدفع ضررهم عنكم. ثم قال سبحانه؛ حثاً لهم إلى الإيمان وترغيباً لهم إلى التوحيد والعرفان: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على عظمة ذاته وكما أسمائه وصفاته {وَلِقَآئِهِ} أي: أنكروا بلقائه الموعود لأرباب الكشف والشهود {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المطرودون عن ساحة عز القبول هم الذين {يَئِسُواْ} وقنطوا {مِن رَّحْمَتِي} مع سعتها ووفورها {وَأُوْلَـٰئِكَ} المردودون في تيه الغفلة والضلال {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: 23] في النشأة الأولى والأخرى، لا يرجرى نجاتهم وخلاصهم أصلاً.