Verse. 3360 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

قُلْ سِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَانْظُرُوْا كَيْفَ بَدَاَ الْخَــلْقَ ثُمَّ اللہُ يُنْشِئُ النَّشْاَۃَ الْاٰخِرَۃَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۲۰ۚ
Qul seeroo fee alardi faonthuroo kayfa badaa alkhalqa thumma Allahu yunshio alnnashata alakhirata inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» لمن كان قبلكم وأماتهم «ثم الله ينشئ النَّشأةَ الآخرة» مداً وقصراً مع سكون الشين «إن الله على كل شيءٍ قدير» ومنه البدء والإعادة.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي وهو الحاصل من غير طلب فقال {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه، وقال في هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكري، وهذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئاً من غير تعليم وإقامة برهان له، وبعضهم لا يفهم إلا بإبانة وبعضهم لا يفهمه أصلاً فقال: إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض، أي سيروا فكركم في الأرض وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية وفي هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه؟ نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين، والرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية، يقال نظرت فرأيت والمفضي إلى الشيء دون ذلك الشيء، فقال في الأول أما حصلت لكم الرؤية فانظروا في الأرض لتحصل لكم الرؤية. المسألة الثانية: ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفي الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل، وإن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكرياً فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق، وأما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به. المسألة الثالثة: أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ } وأضمره عند الإعادة وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء} لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البدء فقال: {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ } ثم قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ } كما يقول القائل ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً ولا يحتاج إلى إظهار اسم زيد اكتفاء بالأول، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسنداً إلى الله فاكتفى به ولم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد، اسمع مني كيف خرج، ولا يظهر اسم زيد، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً حيث قال: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء } مع أنه كان يكفي أن يقول: ثم ينشيء النشأة الآخرة، فلحكمة بالغة وهي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسماً من يفهم المسمى به بصفات كماله ونعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال الله مظهراً مبرزاً ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته، فإن قيل فلم لم يقل ثم الله يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة؟ نقول لوجهين أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ } ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق وأما ههنا فلم يكن مذكوراً عند البدء فأظهره وثانيهما: أن الدليل ههنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: { أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] وفي الآية الأولى أشار إلى الدليل النفسي الحاصل لهذا الإنسان من نفسه، وفي الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } وعندهما تم الدليلان، فأكده بإظهار اسمه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني، فلم يقل ثم الله يعيده. المسألة الرابعة: في الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء } وههنا قال بلفظ الماضي فقال: {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ } ولم يقل كيف يبدأ، فنقول الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم الحدسي وهو في كل حال يوجب العلم ببدء الخلق، فقال إن كان ليس لكم علم بأن الله في كل حال يبدأ خلقاً فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ خلقاً، ويحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشيء كما بدأ ذلك. المسألة الخامسة: قال في هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ } وقال في الآية الأولى {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } وفيه فائدتان إحداهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي، وهو وإن كان موجبه العلم الحدسي التام ولكن عند انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام، لأنه بالنظر في نفسه علم نفسه وحاجته إلى الله ووجوده منه، وبالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه ووجوده منه، فتم علمه بأن كل شيء من الله فقال عند تمام ذكر الدليلين {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ } وقال عند الدليل الواحد {إِنَّ ذٰلِكَ } وهو إعادته {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } الثانية: هي أنا بينا أن العلم الأول أتم وإن كان الثاني أعم وكون الأمر يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل أن القائل يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه، فإذا سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه يسير، فنقول قال الله تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور، ونفس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم؛ لتعلموا بذلك كمال قدرة الله. {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} وقرأ أبو عمرو وابن كثير: {النَّشَاءَةَ} بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفةِ والرآفةِ وشبهه. الجوهري: أنشأه الله خلقه، والاسم النشأة والنشاءة بالمدّ عن أبي عمرو بن العلاء. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي بعدله. {وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} أي بفضله. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} ترجعون وتردون. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} قال الفرّاء: معناه ولا من في السماء بمعجزين الله وهو غامض في العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني. وهو كقول حسان:شعر : فمن يَهْجو رسول اللَّهِ منكم ويمَدحُهُ ويَنصرُه سَواءُ تفسير : أراد ومَن يمدحه وينصره سواء؛ فأضمر مَن؛ وقاله عبد الرحمن بن زيد. ونظيره قوله سبحانه: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] أي مَن له. والمعنى إن الله لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء إن عصوه. وقال قُطْرُب: ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا، بمعنى لا يفوتني بالبصرة لو صار أليها. وقيل: لا يستطيعون هرباً في الأرض ولا في السماء. وقال المبرّد: والمعنى ولا مَن في السماء على مَن ليست موصولة ولكن تكون نكرة و{فِي السَّمَاءِ} صفة لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. وردّ ذلك عليّ بن سليمان. وقال: لا يجوز. وقال: إن مَن إذا كانت نكرة فلا بد من وصفها فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة؛ قال: والمعنى إن الناس خوطبوا بما يعقلون؛ والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله؛ كما قال: {أية : وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء: 78]. {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} ويجوز {نَصِيرٌ} بالرفع على الموضع، وتكون {مِن} زائدة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} أي بالقرآن أو بما نصب من الأدلة والأعلام. {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} أي من الجنة ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. وهذه الآيات اعتراض من الله تعالى تذكيراً وتحذيراً لأهل مكة. ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم. فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} حين دعاهم إلى الله تعالى {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} ثم اتفقوا على تحريقه {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} أي من إذايتها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها {لآيَاتٍ}. وقراءة العامة {جَوَابَ} بنصب الباء على أنه خبر كان و{أَنْ قَالُوا} في محل الرفع اسم كان. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار: {جَوَابُ} بالرفع على أنه اسم {كان} و{أَنْ} في موضع الخبر نصباً. {وَقَالَ} إبراهيم {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقرأ حفص وحمزة: {مَوَدَّة بَيْنِكُمْ}. وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {مَوَدَّةٌ بَيْنِكُمْ}. والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثاب والأعمش: {مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمْ}. الباقون. {مَوَدَّةُ بَيْنَكُمْ}. فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه؛ ذكر الزجاج منها وجهين: أحدهما: أن المودة ارتفعت على خبر إنّ وتكون {ما} بمعنى الذي. والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثاناً مودّةُ بينِكم. والوجه الآخر: أن يكون على إضمار مبتدأ أي هي مودّةُ أو تلك مودّةُ بينِكم. والمعنى آلهتكم أو جماعتكم مودّةُ بينِكم. قال ابن الأنباري: {أَوْثَاناً} وقف حسن لمن رفع المودّة بإضمار ذلك مودّة بينكم، ومن رفع المودّة على أنها خبر إنّ لم يقف. والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون {مَوَدَّةُ} رفعاً بالابتداء و{فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا} خبره؛ فأما إضافة {مَوَدَّةُ} إلى {بَيْنِكُمْ} فإنه جعل {بَيْنِكُمْ} اسماً غير ظرف، والنحويون يقولون جعله مفعولاً على السعة. وحكى سيبويه: يا سارق الليلة أهل الدار. ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف؛ لعلةٍ ليس هذا موضع ذكرها. ومن رفع {مَوَدَّةٌ} ونوّنها فعلى معنى ما ذكر، و{بَيْنَكُمْ} بالنصب ظرفاً. ومن نصب {مَوَدَّةَ} ولم ينوّنها جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل {إنما} حرفاً واحداً ولم يجعلها بمعنى الذي. ويجوز نصب المودّة على أنه مفعول من أجله كما تقول: جئتك ابتغاء الخير، وقصدت فلاناً مودّة له {بينِكم} بالخفض. ومن نوّن {مَوَدَّةً} ونصبها فعلى ما ذكر {بَيْنَكُمْ} بالنصب من غير إضافة، قال ابن الأنباري: ومن قرأ: {مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ} و{مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} لم يقف على الأوثان، ووقف على الحياة الدنيا. ومعنى الآية جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تتبرأ الأوثان من عبّادها والرؤساء من السفلة كما قال الله عز وجل: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} هو خطاب لعبدة الأوثان الرؤساء منهم والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان كقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأًرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ } لمن كان قبلكم وأماتهم {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةَ } مَدّاً وقصراً مع سكون الشين {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } ومنه البدء والإِعادة.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أمرٌ لإبراهيمَ عليه السَّلام أنْ يقولَ لهم ذلك أي سِيروا فيها {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} أي كيف خلقَهم ابتداءً على أطوارٍ مختلفةٍ وطبائعَ متغايرةٍ وأخلاقٍ شتَّى فإنَّ ترتيبَ النَّظر على السَّيرِ في الأرضِ مؤذنٌ بتتبعِ أحوالِ أصنافِ الخلق القاطنينَ في أقطارِها {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} بعدَ النَّشأةِ الأُولى التي شاهدتُموها. والتَّعبـيرُ عن الإعادةِ التي هي محلُّ النزاعِ بالنَّشأةِ الآخرةِ المشعرةِ بكون البدِء نشأةً أولى للتَّنبـيهِ على أنَّهما شأنٌ واحدٌ من شؤونِ الله تعالى حقيقةً وإسماً من حيثُ إنَّ كلاًّ منهما اختراعٌ وإخراجٌ من العدمِ إلى الوجودِ ولا فرقَ بـينَهما إلا بالأوليةِ والآخريةِ. وقُرىء النَّشاءَة بالمدِّ وهما لُغتانِ كالرَّأفةِ والرَّآفةِ ومحلها النَّصبُ على أنَّها مصدرٌ مؤكِّدٌ ليُنشىء بحذف الزَّوائد والأصلُ الإنشاءةِ أو بحذف العاملِ أي ينشىء فيشأون النَّشأةَ الآخرةَ كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }تفسير : [سورة آل عمران: الآية 37] والجملةُ معطوفةٌ على جُملةِ سيروا في الأرض داخلةٌ معها في حيِّز القول. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ وإيقاعُه مبتدأً مع إضمارِه في بدأ لإبرازِ مزيدِ الاعتناءِ ببـيانِ تحقُّق الإعادةِ بالإشارة إلى عِلَّة الحُكم وتكريرِ الإسنادِ. وقولُه تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} تعليلٌ لما قبله بطريقِ التَّحقيق فإنَّ من علِم قدرتَهُ تعالى على جميعِ الأشياءِ التي من جُملتِها الإعادةُ لا يتصوَّر أنْ يترددَ في قدرتِه عليها ولا في وقوعِها بعد ما أخبر به {يُعَذّبُ} أي بعد النَّشأةِ الآخرةِ {مَن يَشَآء} أن يعذبه وهم المنكرون لها حَتماً {وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء} أنْ يرحمَه وهم المصدِّقُون بها والجملةُ تكملة لما قبلها. وتقديمُ التَّعذيبِ لما أنَّ التَّرهيبَ أنسبُ بالمقام من الترَّغيبِ {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} عند ذلك لا إلى غيرهِ فيفعلُ بكم ما يشاءُ من التَّعذيبِ والرَّحمةِ {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} له تعالى عن إجراءِ حُكمه وقَضائه عليكم {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} أي بالتَّواري في الأرضِ أو الهبوطِ في مَهَاويها ولا بالتَّحصُّنِ في السَّماءِ التي هي أفسحُ منها لو استطعتُم الرُّقيَّ فيها كما في قولِه تعالى: {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فَٱنفُذُواْ }تفسير : [سورة الرحمن: الآية 33] أو القلاعِ الذَّاهبةِ فيها وقيل في السَّماء صفةٌ لمحذوفٍ معطوفٍ على أنتُم أي ولا من في السَّماءِ {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} يحرسكم ممَّا يُصيبكم من بلاءٍ يظهرُ من الأرضِ أو ينزلُ من السَّماءِ ويدفعُه عنكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يامحمد لمنكرى البعث {سيروا فى الارض} سافروا فى اقطارها {فانظروا كيف بدأ الخلق} خلقهم ابتداء على كثرتهم مع اختلاف الاشكال والافعال والاحوال {ثم الله ينشىء النشأة الآخرة} يقال نشأ نشأة حيى وربا وشب. قال الراغب الانشاء ايجاد الشىء وتربيته واكثر مايقال ذلك فى الحيوان انتهى والنشأة مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد والاصل الانشاءة او بحذف العامل اى ينشىء فينشأون النشأة الآخرة كما فى قوله تعالى {وانبتها نباتا حسنا} اى فنبتت نباتا حسنا والنشأة الآخرة هى النشأة الثانية هى نشأة القيام من القبور والجملة معطوفة على جملة سيروا فى الارض داخلة معها فى حيز القول وعطف الاخبار على الانشاء جائز فيما له محل من الاعراب وانما لم تعطف على قوله بدأ الخلق لان النظر غير واقع على انشاء النشأة الاخرى فان الفكر يكون فى الدليل لا فى النتيجة. والمعنى ثم الله يوجد الايجاد الآخر ويحيى الحياة الثانية اى بعد النشأة الاولى التى شاهدتموها وهى الابداء فانه والاعادة نشأتان من حيث ان كلا اختراع واخراج من العدم الى الوجود: وبالفارسية [بس الله باز فردا بآفرينش بسين خلق را زنده كند وظاهر كرداند آفريدن ديكررا ملخص سخن آنست كه جون بديديد وبدانستيد كه خالق همه در ا بتداء الله است حجت لازم شود برشما دراعات وبضرورت دانيد آنكه مبدىء خلائق است ميتواند آنكه معيد ايشان باشد] {ان الله على كل شىء قدير} لان قدرته لذاته ونسبة ذاته الى كل الممكنات على سواء فيقدر على النشأة الآخرة كما قدر على النشأة الاولى

اطفيش

تفسير : {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} هذه حكاية كلام الله حكاه ابراهيم عليه السلام لقومه كما يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام الله على هذه الطريقة او ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطاب قومه. {فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ} ابتداء. {الخَلْقَ} على اختلاف أجناسه وأحواله تستدلون على بدأه إياهم بالنظر الى ديارهم وآثارهم. {ثُمَّ اللهُ يُنشِىءُ} فيه ما مر في ثم يعيده. {النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} وهي البعث والنشأة الأولى هي الابداء وكل منهما اخراج من عدم لوجود لكن الآخرة انشاء بعد انشاء والأولى انشاء لا بعد انشاء وفي قوله {ثُمَّ اللهُ يُنشِيءُ} اقامة الظاهر مقام الضمير بعد الاكتفاء بالضمير في قوله {كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ} ومقتضى الظاهر ان يقال فانظروا كيف بدأ الله في قوله {يبدوء الله الخلق} وهو كلام في الابداء ناسب ان يذكر في الاعادة التي هي محل التردد والانكار كما يقول زيد الذي اكرمك هو زيد الذي ضربك فكأنه قيل الله الذي قدر على الابداء وابداء هو الله الذي يحكم له بالقدرة على الاعادة واذا لم تعجزه النشأة الأولى لم تعجزه الثانية لأنها فيما يظهر للخلق اهون ولو كانتا عند الله سواء وحذف مفعول ينشيء للتعميم او للعلم قال الامام ابو عمرو الداني قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي هذا وفي النجم والواقعة النشأة بفتح الشين بعدها الف اي بوزن الصلاة وقرأ {النأشة} بتقديم الهمزة الساكنة على الشين وبتقديم الف كذلك كالرأفة والرافة ومن نسب احداهما لابن كثير وأبي عمرو فقد خطأ وقريء النشأة بسكون الشين وبهمزة فألف. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} من ابداء واعادة وغيرهما لأنه قادر لذاته لا لعارض فالممكنات في درته سواء.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لقومك، وزعم بعض ان التقدير قال الله لابراهيم: قل لقومك {سيروا} سيحوا لتعتبروا {في الارض} بأرجلكم او بالركوب، واجيز ان يكون سيروا بقلوبكم سير تفكر لا انتقال جسم، كما ان الانبياء في الارض، وقلوبهم جائلة في الملكوت {فانْظُروا كَيفَ بدأ الخَلْق} على اختلاف بالاجناس والأطوال والاعراض والالوان، والصحة والضعف والطبائع وغير ذلك، وهذه لكيفية غير الكيفية السابقة التي هي بالمادة وغير المادة في قوله: "أية : كيف يُبدئ الله الخلق ثم يعيده " تفسير : [العنكبوت: 19] والمضارع هنالك للتجدد او الاستحضار ما مضى كانه حاضر، لما لا يخفى من ان ابداء الشئ بعد عدمه، اغرب في القدرة من جعله أطواراً مختلفة، كما اشار الى تلك الغرابة بغرابة اللفظ، وهو يبدئ مضارع ابدأَ، فان الاشهر بدأ يبدأ الثلاثي، لكن المناسبة يعيد الرباعى، كما حذف ياء يسرى حذفاً غريباً مناسباً لسريان الليل في الغرابة، ومن ذلك الجنس كتابة الف ابن بين علمين اذا كان اول السطر، كما ينطق به همزة اذا ابتدئ به نطقاً، او وجه التغاير ان الابداء هنالك علمى على ما مر والبدء هنا عينيى، او هنالك نفسى، وهنا افقى. {ثُمَّ الله} لم يقل هو لمزيد التاكيد {ينشئ النشأة الآخرة} يحدثكم الاحداثة الاخرة وهى البعث، والاولى هي الخلقة الاولى، والابداء والاعادة كلاهما اخراج من العدم الى الوجود، والاولى دليل على الثانية كيف يحكم باستحالة الثانية عقلا من يقر بالاولى، كما حكم بعض الكفار او كيف يستبعدها، كما اجازها بعض الكفار، واستبعدها بل قد خلق اشياء لا من شئ، ولا فرق بين خلق الشئ لا من شئ، وبين رد ما فنى، واما ما كان من شئ فاولى لبادئ الرأي كما ان رد ما كان لبادئ الرأي اسهل، والكل عند الله سواء، واحتج الله تعالى بذلك في قوله: "أية : يا أيها الناس إنْ كنتم في ريب من البعث " تفسير : [الحج: 5] وما بقى يخلق الله فيه الروح، وما فنى كله يرد كله، ويخلق فيه الروح، وما فنى بعضه وبقى بعضه، يرده الله فيه ما فنى ويخلق الروح فى الكل، كما شاهد في حمار الرجل الذي مر على قرية. وزعم بعض ان ما فنى من بعض او كل يد الله مثله لا نفسه، ولم يصح عند اصحابنا حديث البخارى ومسلم ان كل ابن آدم يفنى الاعجم الذنب، فانه يبقى، ومنه يبنى، وكذا تأوله بعض قومنا، وأطال ولا بأس به الا ان زعم احد انه لا يقدر على انشائه الا بذلك فقد اشرك والنشأة مفعول مطلق قائم مقام الانشاءة، والعطف على سيروا عطف اخبار على انشاء لجوازه اجماعاً فيما فيه القول لا على بدأ، لانه سلط عليه النظر، والنظر بالعين لا بتصور في البعث من الآن، والنظر بمعنى العلم لا يتصور في البعث، بل في دليله {إنَّ الله على كل شئ قدير} لا يعجزه ممكن ولا يصعب عليه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول لقومه ذلك عند بعض المحققين، وكذا جعله من جعل جميع ما تقدم من قصة إبراهيم عليه السلام، ومن جعل قوله تعالى: {أية : وَإِن تُكَذّبُواْ }تفسير : [العنكبوت: 18] إلى قوله تعالى: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } تفسير : [العنكبوت: 24] اعتراضاً جعل هذا أمراً لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لقريش. وجوز أن يجعل نظم الآيات السابقة على ما نقل عن بعض المحققين ويجعل هذا أمراً للنبـي عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك لهم فإنهم مثل قوم إبراهيم عليه السلام والأمم الذين من قبلهم في التكذيب بالبعث والإنكار له، وما في حيز هذا القول متضمن ما يدل على صحته، وعدم اتحاده مع ما سبق لا يضر. وأياً ما كان فإضافة الرحمة إلى ضمير المتكلم فيما يأتي إن شاء الله تعالى لما أن ذلك حكاية كلامه عز وجل على وجهه ومثله في القرآن الكريم كثير، والسير كما قال الراغب: المضي في الأرض، وعليه يكون في الآية تجريد، والظاهر أن المراد به المضي بالجسم، وجوز أن يراد به إجالة الفكر. وحمل على ذلك فيما يروى في وصف الأنبياء عليهم السلام أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة، ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة المتوصل / بها إلى الثواب، والمعنى على ما قلنا أولاً امضوا في الأرض وسيحوا فيها. {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ } الله تعالى {ٱلْخَلْقِ } أي كيف خلقهم ابتداءً على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى، فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها، وعلى هذا تتغاير الكيفية في الآية السابقة والكيفية في هذه الآية لما أن الأولى كما علمت باعتبار المادة وعدمها وهذه باعتبار تغاير الأحوال. ولعل التعبير في الآية الأولى بالمضارع أعني {يبديء} دون الماضي كما هنا لاستحضار الصورة الماضية لما أن بدء الخلق من مادة وغيرها أغرب من بدء الخلق على أطوار مختلفة على معنى أن خلق الأشياء أغرب من جعل أطوارها مختلفة، وأنت إذا لاحظت أن خلق الأشياء يعود في الآخرة إلى إيجادها من كتم العدم من غير سبق مادة دفعاً للتسلسل وأن جعل أطوارها مختلفة إنما هو بعد سبق المادة ولو سبقاً ذاتياً وهو ما قام به الاختلاف أعني ذوات الأشياء لا تشك في أن الأول أغرب من الثاني، ولذا ترى التمدح بأصل الخلق في القرآن العظيم أكثر من التمدح بالجعل المذكور. وقد وافق الصيغة في الإشعار بالغرابة بناء الفعل من باب الإفعال فإنه غير مستعمل ولذا قالوا: إنه مخل بالفصاحة لولا وقوعه مع {أية : يُعِيدُ }تفسير : [العنكبوت: 19]، ومما يقرب من هذا السر ما قيل في وجه حذف الياء من {يسر} في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ }تفسير : [الفجر: 4] من أن ذلك لأن الليل يسري فيه لا يسري أي ليدل مخالفة الظاهر في اللفظ على مخالفته في المعنى وهو معنى دقيق. وقيل في وجه التعبير بما ذكر إفادة الاستمرار التجددي وهو بناءً على المعنى الثاني في الآية. وقال بعضهم في تغاير الدليلين: إن هذا عيني وذلك علمي أو هذا آفاقي والأول أنفسي. وقرأ الزهري {كَيْفَ بَدَاَ ٱلْخَلْقَ } بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفاً ثم حذفها في الوصل. قال أبو حيان: وهو تخفيف غير قياسي كما قال:شعر : فارعي فزارة لا هناك المرتعتفسير : ، وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين. {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةَ } أي بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها والنشأة الإيجاد والخلق، والتعبير عن الإعادة التي هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى للتنبيه على أنهما شأن واحد من شؤون الله تعالى حقيقة واسماً من حيث أن كلاً منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ولا فرق بينهما إلا بالأولية والأخروية كذا قيل. والظاهر أنه مبني على أن الجسد يعدم الكلية ثم يعاد خلقاً جديداً لا أنه تتفرق أجزاؤه ثم تجمع بعد تفرقها وإلى كل ذهب بعض، والأدلة متعارضة، والمسألة كما قال ابن الهمام عند المحققين ظنية. وفي كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» لحجة الإسلام الغزالي فإن قيل: فما تقولون أتعدم الجواهر والأعراض ثم تعادان جميعاً أو تعدم الأعراض دون الجواهر وإنما تعاد الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن ولكن ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات انتهى، وذهب ابن الهمام إلى أن الحق وقوع الكيفيتين إعادة ما انعدم بعينه وتأليف ما تفرق من الأجزاء، وقد يقال: إن بدء الإنسان ونحوه ليس اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة لما أنه مخلوق من التراب وسائر العناصر، والظاهر أن فناءه ليس عبارة عن صيرورته عدماً محضاً بل هو عبارة عن انحلاله إلى ما تركب منه ورجوع كل عنصر إلى عنصره. نعم لا شك في فناء بعض الأعراض وانعدامها بالكلية، وقد يستثنى منه بعض الأجزاء فلا ينحل إلى ما منه التركيب بل يبقى على ما كان عليه وهو عجب الذنب لظاهر حديث «الصحيحين» «حديث : ليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب منه / يركب الخلق يوم القيامة» تفسير : وتأويله بما أوله به ملا صدرا في «أسفاره» مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وحينئذٍ فالإعادة تكون بتركيب ما انحل من العناصر وضمه إلى هذا الجزء فلا تكون اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة، لكن لكل من البدء والإعادة شبه تام بالاختراع والإخراج المذكور، وبه يصح أن يقال لكل اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود فلا تغفل، والجملة معطوفة على جملة {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } داخلة معها في حيز القول، ولا يضر تخالفهما خبراً وإنشاءاً فإنه جائز بعد القول وماله محل من الإعراب، ولا يصح عطفها على {بدأ الخلق} لأنها لا تصلح أن تكون موقعاً للنظ أما إن كان بمعنى الإبصار فظاهر وأما إن كان بمعنى التفكر فلأن التفكر في الدليل لا في النتيجة. وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع إضماره في {بدأ} لإبراز مزيد الاعتناء ببيان تحقق الإعادة بالإشارة إلى علة الحكم فإنه الاسم الجامع لصفات الكمال ونعوت الجلال وتكرير الإسناد ورد ما تقدم على مقتضى الظاهر فلا يحتاج للتوجيه، وكون المراد منه ليس إثبات الإعادة لمن أنكرها فلذا لم ينسج على هذا المنوال غير مسلم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير {النشاءة} بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة والقصر أشهر، ومحلها النصب على أنها مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل أي ينشىء فينشأون النشأة الآخرة نحو {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }تفسير : [نوح: 17]. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما قبله بطريق التحقيق فإن من علم قدرته عز وجل على جميع الممكنات التي من جملتها الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته سبحانه عليها ولا في وقوعها بعدما أخبر به، ثم اعلم أن أكثر المنكرين للبعث لا يقولون باستحالته كجمع النقيضين بل غاية ما عندهم استبعاده، والرد على هؤلاء بهذه الآيات ونحوها ظاهر لما فيها مما يزيل الاستبعاد من الإبداء الذي هو في الشاهد أشق من الإعادة، ومنهم من يقول باستحالته عقلاً فلا يصلح متعلقاً للقدرة، وهؤلاء هم القائلون باستحالة إعادة المعدوم، والرد عليهم بعد تسليم أن ما نحن فيه من إعادة المعدوم وليس من جمع المتفرق بإبطال ما استدلوا به على الاستحالة، وقد تكفلت الكتب الكلامية بذلك، وأما الرد عليهم بهذه الآيات ونحوها فلما فيها من الإشارة إلى تزييف أدلة الاستحالة فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض انتقالي من الإنكار عليهم ترك الاستدلال بما هو بمرأى منهم، إلى إرشادهم للاستدلال بما هو بعيد عنهم من أحوال إيجاد المخلوقات وتعاقب الأمم وخلف بعضها عن بعض، فإن تعوُّد الناس بما بين أيديهم يصرف عقولهم عن التأمل فيما وراء ذلك من دلائل دقائقها على ما تدل عليه، فلذلك أمر الله رسوله أن يدعوهم إلى السير في الأرض ليشاهدوا آثار خلق الله الأشياء من عدم فيوقنوا أن إعادتها بعد زوالها ليس بأعجب من ابتداء صنعها. وإنما أمر بالسير في الأرض لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمّة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوِيَّاتها ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها فيرى كثيراً من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جَوَلاناً لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه، لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائباً عن بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسيرُ في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة. وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل الماضي لأن السائر ليس له من قرار في طريقه فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها بعد أن لم تكن وأنه قادر على إيجاد أمثالها فهو بالأحرى قادر على إعادتها بعد عدمها. والاستدلال بالأفعال التي مضت أمكن لأن للشيء المتقرر تحققاً محسوساً. وجيء في هذا الاستدلال بفعل النظر لأن إدراك ما خلقه الله حاصل بطريق البصر وهو بفعل النظر أولى وأشهر لينتقل منه إلى إدراك أنه ينشىء النشأة الآخرة. ولذلك أعقب بجملة {ثم الله ينشىء النشأة الآخرة} فهي جملة مستقلة. (وثم) للترتيب الرتبي كما تقدم في قوله {أية : ثم يعيده}تفسير : [العنكبوت: 19]. وإظهار اسم الجلالة بعد تقدم ضميره في قوله {كيف بدأ الخلق} وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ثم ينشىء. قال في «الكشاف»: لأن الكلام كان واقعاً في الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فالذي لم يعجزه الإبداء فهو الذي وجب أن لا تُعجزه الإعادة. فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ اهــــ. يريد أن العدول عن الإضمار إلى الاسم الظاهر لتسجيل وقوع هذا الإنشاء الثاني، فتكون الجملة مستقلة حتى تكون عنوان اعتقاد بمنزلة المثل لأن في اسم الجلالة إحضاراً لجميع الصفات الذاتية التي بها التكوين، وليفيد وقوع المسند إليه مخبراً عنه بمسند فعلي معنى التقوي. وجملة {إن الله على كل شيء قدير} تذييل، أي قدير على البعث وعلى كل شيء إذا أراده. وإظهار اسم الجلالة لتكون جملة التذييل مستقلة بنفسها فتجري مجرى الأمثال. و {النشأة} بوزن فعلة: المرة من النّشء وهو الإيجاد، وكذلك قرأها الجمهور، عبر عنها بصيغة المرة لأنها نشأة دفعية تخالف النّشء الأول ويقال: النّشاءة بمد بعد الشين بوزن الكآبة ومثلها الرأفة والرءافة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {النشاءة} بالمدّ. ووصفها بــــ {الآخرة} إيماء بأنها مساوية للنشأة الأولى فلا شبهة لهم في إحالة وقوعها. وأما قوله تعالى {أية : ولقد علمتم النشأة الأولى}تفسير : [الواقعة: 62] فذلك على سبيل المشاكلة التقديرية لأن قوله قبله {أية : ونُنشئكم فيما لا تعلمون}تفسير : [الواقعة: 61] يتضمن النشأة الآخرة فعبر عن مقابلتها بالنشأة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20- قل - أيها الرسول - لهؤلاء المكذبين: امشوا فى الأرض، وتأملوا فيما أنشأ الله فيها من مختلف الكائنات، وانظروا إلى آثار من كان فيها قبلكم بعد أن ماتوا وخلت منهم ديارهم، واعلموا أن الله بقدرته سيعيد كل ذلك فى الآخرة بالبعث وهو الإنشاء الآخر، وكذلك شأنكم، إن الله - سبحانه - تام القدرة على كل شئ. 21- يعذب الله من يشاء بعد النشأة الآخرة وهم المنكرون لها، ويرحم من يشاء وهم المؤمنون المقرون بها، وإليه - وحده - مرجع الخلق جميعاً للحساب والجزاء. 22- ولستم - أيها المكذبون - بغالبين لقدرة الله، سواء أكنتم فى الأرض أم فى السماء، بل هى محيطة بكم، وليس لكم ولىٌّ يمنعكم من الله ولا نصير يدفع عنكم عذابه. 23- والذين كفروا بدلائل الله على وحدانيته، وكذَّبوا برسله وكتبه، وأنكروا البعث والحساب. هؤلاء ليس لهم مطمع فى رحمة الله وهؤلاء لهم عذاب شديد مؤلم. 24- لم يكن جواب قوم إبراهيم له - حين أمرهم بعبادة الله وترك ما هم عليه من عبادة الأوثان - إلا الإمعان فى الكفر، وقوْل بعضهم لبعض: اقتلوه أو حَرِّقوه، فألقوه فى النار، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، وأنجاه منها، إن فى إحباط كيدهم وإنجائه منها، وعدم تأثيرها فيه لدلائل واضحة لقوم يصدقون بتوحيد الله وقدرته.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةَ} (20) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالى إبرَاهيمَ بإِرْشَادِ المُكَذِّبينَ مِنْ قَومِهِ إِلى الاعْتِبارِ بمَا فِي الكَونِ منَ الآياتِ المُشَاهَدَةِ مِنْ خَلْقِ اللهِ الأَشياءَ والسَّمَاواتِ والأَرْضَ وَالجِبَالَ والنَّباتَاتِ... وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَها هُوَ اللهُ، وَهُوَ الذِي يَقُولُ للشَّيءِ كُنْ فَيَكُونُ. فَهُوَ قَادِرٌ عَلى إِعَادَةِ خَلقِ هذِهِ الأَشياءِ مرَّةً أُخْرى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السير: الانتقال من مكان إلى مكان، لكن نحن نسير في الأرض أم على الأرض؟ الحقيقة أننا كما قال سبحانه {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [العنكبوت: 20] أي: نسير فيها؛ لأن الغلاف الجوي المحيط بالأرض من الأرض، فبدونه لا تستقيم الحياة عليها، إذن: حين تسير تسير في الأرض فهي تحتك، وغلافها الجوي فوقك، فكأنك بداخلها. والعلة في السير {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ..} [العنكبوت: 20] وفي آية أخرى {أية : ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11]؛ لأن السير من أرض لأخرى له دافعان: إما للسياحة والتأمل والاعتبار، وإما للتجارة والاستثمار، إنْ ضاق رزقك في بلادك. فقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ ..} [العنكبوت: 20] أي: نظر اعتبار وتأمل. أما في {أية : ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11] فثم تفيد العطف والتراخي، كأنه سبحانه يقول لنا: سيروا في الأرض للاستثمار، ثم انظروا نظرة التأمل والاعتبار، ولا مانع من الجمع بين الغرضين. وتذكرون أن الحق سبحانه قال في السورة السابقة (القصص): {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ..} تفسير : [القصص: 85] والمراد بذلك الهجرة، وفي هذه السورة تأتي: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [العنكبوت: 56]. والمعنى: إن ضاق رزقك في مكان فاطلبه في مكان آخر، أو: إنْ لم تكُنْ الآيات الظاهرة لك كافية لتشبع عندك الرغبة في الاعتبار والتأمل فسِرْ في الأرض، فسوف تجد فيها كثيراً من الآيات والعِبَر في اختلاف الأجناس والبيئات والثمار والأجواء .. إلخ. لذلك يقول سبحانه: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. فالأرض كلها لله لا حدودَ فيها، ولا فواصلَ بينها، فلما قسَّمها الناس وجعلوا لها حدوداً تمنع الحركة فيها حدثت كثير من الإشكالات، وصَعُبَ على الناس التنقل للسياحة أو لطلب الرزق إنْ ضاق بأحد رزقه. وها هي السودان بجوارنا بها مساحات شاسعة من الأراضي الخِصْبة التي إنْ زُرِعت سدَّتْ حاجة العالم العربي كله، أنستطيع الذهاب لزراعتها؟ ساعتها سيقولون: جاءوا ليستعمرونا. لذلك لما أتيح لي التحدث في هيئة الأمم قلت: إنه لا يمكن أنْ تُحلَّ قضايا العالم الراهنة إلا إذا طبَّقنا مبدأ الخالق - عز وجل - وعُدْنا إلى منهجه الذي وضعه لتنظيم حياتنا، وكيف نضع بيننا هذه الحدود الحديدية والأسلاك الشائكة، وربنا يقول: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. فالأرض كلُّ الأرض للأنام كل الأنام، ويوم نحقق هذا المبدأ فلن يضيق الرزق بأحد، لأنه إنْ ضاقَ بك هنا طلبته هناك؛ لذلك أكثر الشكوى في عالم اليوم إمَّا من أرض بلا رجال، أو من رجال بلا أرض، فلماذا لا نُحدِث التكامل الذي أراده الله في كونه؟ إذن: فالسير هنا مترتب عليه الاعتبار {كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ ..} [العنكبوت: 20] وما دُمْنا قد آمنا بأن الله تعالى هو الخالق بداية، فإعادة الخَلْق أهون، كما قال سبحانه: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ..} تفسير : [ق: 15] فيشكُّوا في الخَلْق الآخر؟ لذلك يؤكد الخالق سبحانه هذه القدرة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وهذا الرجوع والعود معنى قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض الوجود الإنساني {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} بالعبور على المنازل المذكورة من العدم كذلك الرجوع بالعبور عليها أن يعود إلى العدم {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} بعد انخلاعه عنه من كسوة الأنانية يلبس خلعة الهوية لاختصاصه بمنزلة الخلافة. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20] إن الله قادر على أن يجعل المستقر لهذه الكرامة عند إظهار القهر لشر البرية {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [العنكبوت: 21] بعذاب البعد والقطيعة والهجران {وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} [العنكبوت: 21] بتجرده عن كسوة الوجود، وتوقده بالوحدانية في الوصول والوصال {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} [العنكبوت: 22] أرض البشرية {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [العنكبوت: 22] سماء الروحانية لاستجلاب مقامات قرب الملكوتية {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [العنكبوت: 22] تتولونه {وَلاَ نَصِيرٍ} [العنكبوت: 22] يستخلصكم عن بطشه بجذبة العناية إذ لم يعرفوا قدر هذه النعمة الجسمية، بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} [العنكبوت: 23] يشير إلى طائفة من أرباب الطلب وأصحاب السلوك العابرين على بعض المقامات، المشاهدين آثار شواهد الحق الكاشفين ببعض الأسرار، ثم أدركتهم القربة بحجاب العزة فابتلاهم الله للغيرة بالالتفات إلى الغير، فحجبوا بعد أن كوشفوا، واستتروا بعد أن تجردوا، واستدرجوا بعد أن رفعوا، وبعدوا بعد أن قربوا، وحاروا بعد أن كاروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور. ثم أخبر عن حالهم ومآلهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} [العنكبوت: 23] عند قسمة الرحمة على المرحومين دون المرجومين {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: 23] وهذا عذاب الطرد والهجران والقطيعة والحرمان. ثم أخبر عن جواب قوم إبراهيم له بغير الصواب بقوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: 24] يشير إلى أن من شأن إبراهيم الروح أن يدعو تمرود النفس وقومه أي: صفاتها إلى الله ونهاهم عن عبادة الأوثان من الهوى والدنيا وما سوى الله، وأن من شأن نمرود النفس الأمارة بالسوء وصفاتها أن يجيبوه من لوم طبعهم وغاية سفههم بقولهم: {ٱقْتُلُوهُ} بسيف الكفر والشرك وترك عبادة الله ولزوم عبادة غير الله، {أَوْ حَرِّقُوهُ} بنار الشهوات والأخلاق الذميمة، فإن هاتين الحالتين أسباب هلاكه مودعة فأوقدوا عليه نار الشهوات والأخلاق الذميمة {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} [العنكبوت: 24] وجعلها عليه برداً وسلاماً إذ أخلص جوهر الروحية من حرقة نار الشهوات والأخلاق، ومتعه بالخصائص المودعة فيها مما لم يكن في جِبلة الروح مركوزاً وكان به محتاجاً في سيره، ولهذه الاستفادة بعث إلى أسفل سافلين القالب {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [العنكبوت: 24] أي: في قصة إبراهيم وقومه {لآيَاتٍ} [العنكبوت: 24] لعبرة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] بحقائق القرآن وأسراره وأن له ظهراً وبطناً. وبقوله: {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [العنكبوت: 25] يشير إلى ما هو من خصائص إبراهيم الروح إذا كان مؤيداً بالتأييد الإلهي وإلهامات الحق؛ إذ عاين ما هو من مصالحه ومفاسده ولغيره منها في الدنيا والآخرة، ويرى أحوال الآخرة كأحوال الدنيا عياناً، وأن تحدثها النفس نصيحة لها، كما قال {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ} الهوى والدنيا معبوداً بخصوصية الظلومية والجهولية التي أنتم مجبولون عليها {مَّوَدَّةَ} طبيعية {بَيْنِكُمْ} أي: بين النفس وصفاتها وبين شهوات الدنيا في {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي من بقائكم في الدنيا {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [العنكبوت: 25] بعد الخروج عن الدنيا {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} [العنكبوت: 25] أي: يكفر النفس بشهوات الدنيا إذا شاهدت وبال استعمالها وخسران حرمانها عن شهوة الجنة {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25] أي: ويلعن النفس على الدنيا أنها كانت سبب شقاوتها ويلعن الدنيا عليها.