Verse. 3363 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِاٰيٰتِ اللہِ وَلِقَاۗىِٕہٖۗ اُولٰۗىِٕكَ يَىِٕسُوْا مِنْ رَّحْمَتِيْ وَاُولٰۗىِٕكَ لَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۲۳
Waallatheena kafaroo biayati Allahi waliqaihi olaika yaisoo min rahmatee waolaika lahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين كفروا بآيات الله ولقائه» أي القرآن والبعث «أولئك يئسوا من رحمتي» أي جنتي «وأولئك لهم عذاب أليم» مؤلم.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان وهدد من خالفه على سبيل التفصيل فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَائِهِ } إشارة إلى الكفار بالله، فإن لله في كل شيء آية دالة على وحدانيته، فإذا أشرك كفر بآيات الله وإشارة إلى المنكر للحشر فإن من أنكره كفر بلقاء الله فقال: {أُوْلَـئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } لما أشركوا أخرجوا أنفسهم عن محل الرحمة لأن من يكون له جهة واحدة تدفع حاجته لا غير يرحم، وإذا كان له جهات متعددة لا يبقى محلاً للرحمة، فإذا جعلوا لهم آلهة لم يعترفوا بالحاجة إلى طريق متعين فييأسوا من رحمة الله، ولما أنكروا الحشر وقالوا لا عذاب فناسب تعذيبهم تحقيقاً للأمر عليهم، وهذا كما أن الملك إذا قال أعذب من يخالفني فأنكره بعيد عنه وقال هو لا يصل إلي، فإذا أحضر بين يديه يحسن منه أن يعذبه ويقول هل قدرت وهل عذبت أم لا، فإذن تبين أن عدم الرحمة يناسب الإشراك، والعذاب الأليم يناسب إنكار الحشر. ثم إن في الآية فوائد إحداها: قوله: {أُوْلَـئِكَ يَئِسُواْ } حتى يكون منبئاً عن حصر الناس فيهم وقال أيضاً {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } لذلك، ولو قال: أولئك الذين كفروا بآيات الله ولقائه يئسوا من رحمتي ولهم عذاب أليم، ما كان يحصل هذه الفائدة فإن قال قائل لو اكتفي بقوله {أُوْلَـٰئِكَ } مرة واحدة كان يكفي في إفادة ما ذكر، ثم قلنا لا وذلك لأنه لو قال أولئك يئسوا ولهم عذاب، كان يذهب وهم أحد إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم ولكن واحداً منهما وحده يمكن أن يوجد في غيرهم، فإذا قال أولئك يئسوا وأولئك لهم عذاب أفاد أن كل واحد لا يوجد إلا فيهم الثانية: عند ذكر الرحمة أضافها إلى نفسه فقال رحمتي وعند العذاب لم يضفه لسبق رحمته وإعلاماً لعباده بعمومها لهم ولزومها له الثالثة: أضاف اليأس إليهم بقوله: {أُوْلَـئِكَ يَئِسُواْ } فحرمها عليهم ولو طمعوا لأباحها لهم، فلو قال قائل ما ذكرت من مقابلة الأمرين وهما اليأس والعذاب بأمرين وهما الكفر بالآيات والكفر باللقاء يقتضي أن لا يكون العذاب الأليم لمن كفر بالله واعترف بالحشر، أو لا يكون اليأس لمن كفر بالحشر وآمن بالله فنقول: معنى الآية أنهم يئسوا ولهم عذاب أليم زائد بسبب كفرهم بالحشر، ولا شك أن التعذيب بسبب الكفر بالحشر لا يكون إلا للكافر بالحشر، وأما الآخر فالكافر بالحشر لا يكون مؤمناً بالله لأن الإيمان به لا يصح إلا إذا صدقه فيما قاله والحشر من جملة ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَائِهِ } أي القرآن والبعث {أُوْلَٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } أي جنتي {وَأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.

النسفي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته {وَلِقَائِهِ أُوْلَـئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } جنتي {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ } قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعاً في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ } حين قذفوه فيها {إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما فعلوا به وفعلنا {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } روي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب حرها {وَقَالَ } إبراهيم لقومه {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} حمزة وحفص، {مودةً بينكم} مدني وشامي وحماد ويحيي وخلف {مودة بينكم} مكي وبصري وعلي، {مودةٌ بينكم} الشمني والبرجمي، النصب على وجهين على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وأن يكون مفعولاً ثانياً كقوله {أية : ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ }تفسير : [الجاثية: 23] و «ما» كافة أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف، أو اتخذتموها مودة بينكم أي مودة بينكم كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 165] وفي الرفع وجهان: أن يكون خبراً لـ {إن} و «ما» موصولة، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة {بينكم}، والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة. ومن أضاف المودة جعل بينكم اسماً لا ظرفاً كقوله {أية : شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ }تفسير : [المائدة: 106] ومن نوّن {مودة} ونصب {بينكم} فعلى الظرف {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } تتبرأ الأصنام من عابديها {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يوم القيامة يقوم بينكم التلاعن فيلعن الأتباع القادة. {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } ثمة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} أي بالقرآن وبالبعث {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} (جنَّتي) {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يوم القيامة فإن قيل: هلا اكتفي بقوله: "أَولَئكَ" مرة واحدة؟ فالجواب: أن ذلك لِفائدة وهو أنه لو قال أولئك يئسوا وهم في عذاب أليم ذهب (ذاهب) إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم. (و) أضاف الرحمة إلى نفسه في قوله تعالى: {يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} وأضاف اليأس إليهم بقوله: "يَئِسُوا" إعلاماً لعباده بعُمُومِ رحمته. قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} العامة على نصبه والحسن وسالم الأفْطَس برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم وتحذيرهم وهي معترضة في قصة "إبراهيم" صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة "إبراهيم" فقال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}. لما أقام إبراهيم صلوات الله عليه بالبرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم {ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} فإن قيل: كيف سمى قولهم: اقتلوه جواباً مع أنه ليس بجواب؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه خرج مَخْرَجَ كلام متكبر، كما يقول المَلِكُ لرسول خَصْمِهِ: جوابكُمُ السيفُ، مع أن السيفَ ليس بجوابِهِ وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف. وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان (ضلالتهم) وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبيّن أنهم لم يكن لهم جوابٌ أصلا، وذلك أن من لا يجيبُ غيره ويسكت لا يعلم (أنه لا يقدر أم لا) لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجوابٍ فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه. فصل "أو" تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال: "زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ"، ويقال: هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولايصح أن يقال: "هذا حيوان أو إنسان" إذ يفهم منه أن يقول: هذا حيوان، فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق مشتمل على القتل، فقوله: "اقتلوه أو حرقوه" كقولك: هذا إنسان أو حيوان. فالجواب عن هذا من وَجْهَيْنِ. أحَدهمَا: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك: أعطه ديناراً أو دينَارَيْنِ. قال تعالى: {أية : قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}تفسير : [المزمل: 2-4] فكذا هاهنا قال: اقتلوه أو زيدواعلى القتل لأن التحريق قتلٌ وزيادة. الثاني: سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل مفض إلى القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال: احترق فلانٌ، وأحرق وما مات. فكذلك هاهنا قال: اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعَذَّبُوه بالنار، فإن ترك مقالته فخلو سبيله وإن أصرَّ فاتركوه في النار. قوله تعالى: {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ}، قيل: بردت النار وقيل: خلق في إبراهيم صلوات الله (وسلامه) عليه كيفية اسْتَبْرَدَتِ النارَ. وقيل: ترك إبراهيم (على) ما كان عليه (والنار على ما كانت عليه) وَمنع أذى النار عنه، والْكُلّ ممكنٌ والله قادر عليه. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك "آية للعالمين" في إنجاء نوح صلوات الله (وسلامه) عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما الحكمة؟ فالجواب: إن إنجاء السفينة شيء يتسع له العقول، فلم يكن فيه من الآية إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه لآيات فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هناك: "آيةٌ لِلْعَالِمِينَ" وقال هنا "لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" فخص الآيات بالمؤمنين؟ فالجواب: أن السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر (لمن بعده) إلا بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة (وهو) أن الله تعالى لما بَرَّد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، فإن قيل: لم قال هناك: "جَعَلْنَاها"، (وقال هنا جَعَلْنَاهُ)؟ فالجواب: لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح (سفهاً) فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه (آية) إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق الطوفان حتى يصير آيةً. قوله: "إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ" في "ما" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و "أَوْثَانًا" مفعول ثان، والخبر "مَوَدَّةُ" في قراءة من رفع كما سيأتي، والتقدير: إنْ الذي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثَاناً مودةٌ أي ذو مودة أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب "مَوَدَّةً" أي الذي اتخذتموه أوثاناً لأجل المودة لا تنفعكم، أو يكون "عليكم" لدلالة قوله: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ}. والثاني: أن تجعل "ما" كافة، و "أوثاناً" مفعول به، والاتخاذ هنا يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فمن رفع "مودة" كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة "لأوثاناً"، أو مستأنفة، ومن نصب كانت مفعولاً به، أو بإضمار "أعْنِي". الثالث: أن تجعل "ما" مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافاً من الأول أي أن سبب اتخاذكم أوثاناً من دون الله (مودة فيمن رفع مودة، ويجوزأن لا يقدر بل يجعل نفس الاتحاد) هو المودة مبالغة (و) في قراءة من نصب يكون الخبر محذوفاً على ما مَرَّ في الوجْهِ الأوّل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع "مَوَدَّةُ" غير منونة، وجر "بَيْنِكُمْ"، ونافع وابن عامِرٍ وأبو بكر بنصب "مَوَدَّةً" (منونة ونصب "بَيْنَكُمْ" وحمزة وحفص بنصب "مودةً") غير منونة وجر بَيْنِكُمْ، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضاً تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولاً ثانياً على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف كقولهم: "يا سارقَ الليلةَ أهْل الدَّارِ" من صبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع "مودة" غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة "مودة" للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بالفتح إذا جعلنا (بَيْنَكُمْ) فاعلاً، وأما "في الحياة" ففيه أوجُهٌ: أحدها: أنه هو وبينكم متعلقان "بمودة" إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد لاختلافهما. الثاني: أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان لـ "المودة". الثالث: أن يتعلق "بَيْنِكُمْ" "بِمودّة" و "في الحياة" صفة لمودة، ولا يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف، والفرق بينه وبين الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن عطية جوز ذلك هو وغيره، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع. الخامس: أن يتعلق "في الحياة" بنفس "بينكم" لأنه بمعنى الفعل، (إذ) التقدير: اجتماعكم ووصلكم. السادس: أن يكون حالاً من نفس "دينكم". السابع: أن يكون "بيْنكم" صفة المودة و "في الحياة"، حال من الضمير المستكن فيه. الثامن: أن يتعلق "في الحياة" "باتخذتم" على أن يكون "ما" كافة و "مودة" منصوبة، قال أبو البقاء: لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة (بالخبر). قوله: "وقال" يعني إبراهيم {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ}، فعلى قراءة رفع "مودة" وخفض "بينكم" بالإضافة يكون المعنى: اتخذتم من دون الله أوثاناً وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض "مودة" من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب "مودة" ونونها ونصب "بينكم" فالمعنى: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتوادُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ} تتبرأ الأوثان من عبادة عابديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة. ومأواكم النار جميعاً، العابدون والمعبودون {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}. فإن قيل: (قال قبل هذا) ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير على لفظ الواحد. وقال هنا: {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} على لفظ الجمع فما الحكمة فيه؟ فالجواب: أنهم لما أرادوا إحراق إبراهِيمَ عليه (الصلاة و) السلام، قالوا: نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى (عنهم): حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم، فقال: أنتم ادَّعَيْتُم أن لهؤلاء ناصرينَ فما لكم كلكم أي الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى الجنس بقوله: "ولا نصير".

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي بدلائلِه التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ الدَّالَّةِ على ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه فيدخلُ فيها النَّشأةُ الأُولى الدَّالَّة على تحقُّق البعثِ والآياتُ النَّاطقةُ به دُخولاً أولياً. وتخصيصُها بدلائلَ وحدانيتِه تعالى لا يناسبُ المقامَ {وَلِقَائِهِ} الذي تنطقُ به تلك الآياتُ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصُوفون بما ذُكر مِن الكفر بآياتِه تعالى ولقائِه {يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى} أي يـيأسون منها يومَ القيامةِ. وصيغةُ الماضي للدِّلالة على تحقُّقِه أو يئسوا منها في الدُّنيا لإنكارِهم البعثَ والجزاءَ {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وفي تكرير اسمِ الإشارة وتكريرِ الإسناد وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالأليمِ من الدِّلالةِ على كمالِ فظاعةِ حالِهم ما لا يخفى، أي أولئك الموصُوفون بالكفر بآياتِ الله تعالى ولقائِه وباليأس من رحمتِه الممتازون بذلك عن سائر الكَفَرة لهم بسبب تلك الأوصافِ القبـيحةِ عذابٌ لا يُقَادر قَدرُه في الشِّدَّةِ والإيلامِ {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كان واسمُها قولُه تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ} وقُرىء بالرَّفعِ على العكسِ. وقد مرَّ ما فيهِ في نظائِره، وليس المرادُ أنَّه لم يصدر عنُهم بصددِ الجوابِ عن حُججِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ إلا هذه المقالةُ الشَّنيعةُ كما هو المتبادَرُ من ظاهر النَّظْمِ الكريمِ بل إنَّ ذلك هو الذي استقرَّ عليه جوابُهم بعد اللَّتيا والِّتي في المرَّةِ الأخيرةِ وإلا فقد صدرَ عنُهم من الخُرافاتِ والأباطيلِ ما لا يُحصى {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} الفاءُ فصيحةٌ أي فألقَوه في النَّار فأنجاهُ الله تعالى منها بأنْ جعلَها عليه الصَّلاة والسَّلام بَرداً وسلاماً حسبما بُـيِّن في مواضعَ أُخَرَ، وقد مرَّ في سورة الأنبـياءِ بـيانُ كيفَّيةِ إلقائِه عليه الصَّلاة والسَّلام فيها وإنجائِه بدعائه تعالى إيَّاه تفصيلاً. قيل لم ينتفعْ يومئذٍ بالنَّارِ في موضعٍ أصلاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في إنجائِه منها {لآيَاتٍ} بـينةً عجيبةً هي حفظُه تعالى إيَّاه من حرِّها وإخمادِها في زمانٍ يسيرٍ وإنشاءُ رَوْضٍ في مكانِها {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وأما مَن عداهُم فهم عن اجتلائِها غافلون ومن الفوزِ بمغانمِ آثارِها محرومون. {وَقَالَ} أي إبراهيُم عليهِ السَّلامُ مُخاطباً لهم {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا} أي لتتوادُّوا بـينكم وتتواصلُوا لاجتماعِكم على عبادتِها وائتلافِكم، وثَاني مفعولَيْ اتخذتُم محذوفٌ أي أوثاناً آلهةً ويجوزُ أن يكونَ مودَّةَ هو المفعولَ بتقديرِ المُضافِ أو بتأويلِها بالمودودةِ أو بجعلها نفسَ المودَّةِ مُبالغةً أي اتخذتُم أوثاناً سببَ المودَّة بـينكم أو مودودةً أو نفسَ المودَّة. وقُرىء مودةً منونةً منصوبةً ناصبةَ الظَّرفِ وقُرئت بالرَّفعِ والإضافةِ على أنَّها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هي مودودةٌ أو نفسُ المودةِ أو سببُ مودةِ بـينكم. والجملةُ صفةٌ أوثاناً أو خبرُ إنَّ على أنَّ ما مصدريةٌ أو موصولهٌ قد حُذف عائدُها وهو المفعولُ الأولُ وقُرئت مرفوعةً منوَّنةً ومضافةً بفتحِ بـينَكم كما قُرىء {أية : لقد تقطَّع بـينكم} تفسير : [سورة الأنعام: الآية 94] على أحدِ الوجهينِ وقُرىء إنمَّا مودةُ بـينكم والمعنى أنَّ اتخاذكم إيَّاها مودةَ بـينكم ليس إلاَّ في الحياة وقد أجريتم أحكامه حيث فعلتُم بـي ما فعلتُم لأجلِ مودَّتِكم لها انتصاراً منِّي كما يُنبىءُ عنه قولُه تعالى وانصُروا آلهتكم. {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} تنْقلَبُ الأمورُ ويتبدَّلُ التوادُّ تباغُضاً والتَّلاطف تلاعُناً حيث {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ} وهو العَبَدةُ {بِبَعْضِ} وهم الأوثانُ {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي يلعنُ كلُّ فريقٍ منكم ومن الأوثانِ حيث يُنطقها الله تعالى الفريقَ الآخرَ {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي هي لُكم الذي تأوون إليه ولا ترجعونَ منه أبداً {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ} يُخلِّصونكُم منها كما خلَّصني ربِّـي من النَّارِ التي ألقيتُموني فيها. وجمعَ النَّاصرَ لوقوعِه في مُقابلة الجمعِ أي ما لأحدٍ منكُم من ناصرٍ أصلاً.

القشيري

تفسير : تعجلت عقوبتهم بأنْ يئسوا من رحمته... ولا عقوبةَ أشدُّ من هذا.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كفروا بآيات الله} اى بدلائله التكوينية والتنزيلية الدالة على ذاته وصفاته وافعاله فيدخل فيه النشأة الاولى الدالة على تحقق البعث والآيات الناطقة به دخولا اوليا. قال فى كشف الاسرار الكفر بآيات الله ان لايستدل بها عليه وتنسيب الى غيره ويجحد موضع النعمة فيها {ولقائه} الذى تنطق به تلك الآيات ومعنى الكفر بلقاء الله جحود الورود عليه وانكار البعث وقيام الساعة والحساب والجنة والنار {اولئك} الموصوفون بما ذكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه {يئسوا من رحمتى} اليأس انتفاء الطمع كما فى المفردات: وبالفارسية [نوميدشدن] كما فى تاج المصادر اى ييأسون منها يوم القيامة وصيغة الماضى للدلالة على تحققه او يئسوا منها فى الدنيا لانكارهم البعث والجزاء {واولئك} الموصوفون بالكفر بالآيات واللقاء وباليأس من الرحمة الممتازون بذلك عن سائر الكفرة {لهم} بسبب تلك الاوصاف القبيحة {عذاب اليم} لايقادر قدره فى الشدة والايلام. قال فى كشف الاسرار [بدانكه تأثير رحمت الله درحق بند كان بيش از تأثير غضب است ودرقرآن ذكر صفات رحمت يبيش از ذكر صفات غضب است ودر خبرست كه (سبقت رحمتى غضبى) اين رحمت وغضب هر دوصفت حق است وروا نباسدكه كويى يكى بيش است ويكى بس يايكى ييش است ويكى كم زيراكه اكر يكى بيش كويى ديكررا نقصان لازم آيد واكر يكى را بيش كويى ديكررا حدوث لازم آيد بس مراد ازين تأثير ورحمت است يعنى بيشى كرد تأثير رحمت من بر تأثير غضب من تأثير غضب اوسهت نوميدى كافران از رحمت اوتا مى كويد جل جلاله {اولئك يئسوا من رحمتى} وتأثير رحمت اوست اميد مؤمنان بمغفرت او دل نهادن بررحمت او تا ميكويد] عز وجل {أية : اولئك يرجون رحمة الله}تفسير : فينبغى للمؤمن ان لاييأس من رحمته وان لا يأمن من عذابه فان كلا من اليأس والامن كفر بل يكون راجيا خائفا واما الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف واذا ترقى العبد عن حالة الخوف والرجاء يعرض له حالتا القبض والبسط فالقبض للعارف كالخوف للمستأنف والبسط له كالرجاء له. والفرق بينهما ان الخوف والرجاء يتعلقان بامر مستقبل مكروه او محبوب فالقبض والبسط بامر حاضر فى الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبى فتارة يغلب القبض فيقول ذلى كذل اذل اليهود واليه الاشارة بالابداء فى الآية واخرى يغلب البسط فيقول اين السموات والارضون حتى احملهما على شعرة جفن عينى واليه الاشارة بالاعادة فى الآية ومن هذه القبيل ماقال عليه السلام "حديث : ليت رب محمد لم يخلق محمدا"تفسير : وماقال "حديث : انا سيد ولد آدم"تفسير : وفى قوله تعالى {أية : أولم يروا}تفسير : الخ اشارة الى انه تعالى كما بدأ خلق الخلق باخراجهم من العدم الى الوجود الى عالم الارواح ثم اهبطهم من عالم الارواح الى عالم الاشباح عابرين على الملكوت والنفوس السماوية والافلاك والانجم وفلك الاثير والهواء والبحار وكرة الارض ثم على المركبات والمعادن والنبات والحيوان الى ان بلغ اسفل سافلين الموجودات وهو القالب الانسانى كما قال {أية : ثم رددناه اسفل سافلين}تفسير : اى بتدبير النفخة الخاصة كما قال {أية : ونفخت فيه}تفسير : فكذلك يعيده بجذبات العناية الى الحضرة راجعا من حيث هبط عابرا على المنازل والمقامات التى كانت على ممره بقطع تعلق نظره الى خواص هذه المنازل وترك الانتفاع بها فانه حالة العبور على هذه المنازل استعار خواصها وبعض اجزائها منها لاستكمال الوجود الانسانى روحانيا وجسمانيا فصار محجوبا مبعدا عن الحضرة فعند رجوعه الى الحضرة بجذبة ارجعى يرد فى كل منزل مااستعار منه فان العارية مردودة الى ان يعاد الى العدم بلا انانية بتصرف جذبة العناية وهو معنى الفناء فى الله: قال المولى الجامى شعر : طى كن بساط كون كه اين كعبه مراد باشد وراى كون ومكان جند مرحله تفسير : وقال الشيخ المغربى شعر : زتنكناى جسد جون برون نهى قدمى بجز حظيره قدسى بادشاه مبرش تفسير : وفى المثنوى شعر : از جمادى مردم نامى شدم وزنما مردم بحيوان بر زدم مردم از حيوانى وآدم شدم بس جه ترسم كى زمردن كم شدم جمله ديكر بميرم از بشر تا بر آرم از ملائك باوسر وزملك هم بايدم جستن ز جو كل شىء هالك الا وجهه بار ديكر از ملك قربان شوم آنجه اندر وهم نايد آن يوم بس عدم كردم عدم جون ارغنون كويدم كانا اليه راجعون تفسير : وفى قوله {والذين كفروا} الخ اشارة الى الطائفة من ارباب الطلب واصحاب السلوك العابرين على بعض المقامات المشاهدين آثار شواهد الحق الذين كوشفوا ببعض الاسرار ثم ادركتهم العزة بحجاب الغيرة فابتلاهم الله للغيرة بالالتفات الى الغير فحجبوا بعد ان كوشفوا وستروا بعد ان تجردوا واستدرجوا بعد ان رفعوا وبعدوا بعد ان قربوا وردوا بعد ان دعوا فحاروا بعد ان كاروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور كذا فى التأويلات النجمية

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} من حيث انّها آيات من الآيات التّكوينيّة فى الآفاق والانفس واعظمها الآيات العظمى من الانبياء والاولياء (ع) والآيات التّدوينيّة من الكتب السّماويّة واحكام النّبوّة والرّسالة، وهذا ابتداء كلام من الله ان لم يكن سابقه من الله {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} هذا مقابل لقوله: الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات (الآية) لكن مقابلته له فى اللّفظ وعطفه عليه بعيد بحسب اللّفظ، وقوله: اولئك يئسوا من رحمتى دعاءٌ عليهم او اخبار بانّه ينبغى ان يئسوا، او اخبار بانّهم يائسون بالفعل من رحمته {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} قوم ابراهيم (ع) {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} كما سبق قصّته فأجمعوا ان يحرّقوه فجمعوا الحطب اكثر ما يكون ثمّ اوقدوا النّار ثمّ اسقطوه فيها {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} على ما سبق تفصيله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الانجاء {لآيَاتٍ} دالاّت على مبدءٍ عليمٍ حكيمٍ قادرٍ محيطٍ {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} باحدى البيعتين او لقوم يذعنون بالله وملائكته وكتبه ورسله (ع) واليوم الآخر.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ} آياته سبحانه القرآن اي دلائل وجوده ووحدانيته ولقائه الخروج بالبعث. {أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي} جنتي اذا جاء يوم القيامة او اذا ماتوا تيقنوا منها لعدم علمهم لها وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع بعد ولا بد مبالغة او يئسوا منها في الدنيا بمعنى انهم لا يقرون بها فضلا عن ان يطمع فيها او شبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يقر بها وييئس منها وعن قتادة: ذم الله قوما هانوا عليه فقال {أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي} وقال {أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون }تفسير : فينبغي للمؤمن ويجب ان يطمع في رحمة الله ويخاف سخطه. {وَأُلَئِكَ لَهُمْ عّذابٌ أَلِيمٌ} مؤلم لكفرهم قال الشيخ هود رحمه الله: ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : خمس من لقي الله بهن مستيقنا عاملا دخل الجنة من شهد ان لا اله الا الله محمد رسول الله وأيقن بالموت والحساب والبعث وعمل بما أيقن من ذلك ".

اطفيش

تفسير : {والَّذين كفَروا بآيات الله} دلائل وحدانيته وكتبه المصرحة بالبعث (ولقائه) الحضور لحسابه {أولئك يئسُوا مِنْ رحْمَتى} اى ييئسون، لكن عبر بالماضى لتحقق الوقوع، كأنه قد قامت الساعة، وحصل إياسهم، فهو يخبر به، والا فهم في الدينا منكرون للبعث، فلا يتصور رجاء منهم للخير، ولا إياس، وذلك وعيد او شبه نفيهم لرحمة الاخرة لكفرهم بالاخرة باياس من اقربها، ولم يرجها لجامع الامتناع، وسماه اياسا، واشتق يئس على التبعية، ويضعف ان يقال لما لم يتحقق إياسهم لرجاء الايمان، ما داموا احياء، شبهوا بمن مات كافراً فتحقق البعث وأيس، او من فرض آيسا، وليس في اضافة الرحمة الى ضمير الله تعالى ما يمنع ان يكون في قل خطاباً له صلى الله عليه وسلم، بأن يحكى كلام الله عز وجل. {وأولئك} اعاد الاشارة لتاكيد قبحهم {لَهُم عذابٌ أليمٌ فما كانَ جَوابَ} خبر كان واسمها ان قالوا بالتاويل {قومه} قوم ابراهيم {إلاَّ أنْ قالُوا اقتْلُوه} بنحو السيف والخنق {أو حَرقُوه} قائلة نمرود او هيون رجل من اكاد فارس، خسف به وبداره الارض، او الجماعة من رؤسائهم او عامتهم، اذ رضوا وفعلوا، وقال بعض لبعض فبعض من الرؤساء قال اقتلوه، وبعض قال حرقوه، او قالوا ذلك على التخيير، وهو المتبادر، وقيل او بمعنى بل، ويقويه الاقتصار في السورة الاخرى على حرقوه، والحصر باعتبار ما استقر عليه جوابهم، والا فقد اجبابوه قبل بأباطيل كثيرة، {فأنجاه} فألقوه في النار ليحترق فيستريحوا منه، وان لم يمت اذعن اليهم فأنجاه {الله من النار} حر النار لم تصب الا كتافه لينفك منه، وهى نار واحدة، برد وسلام له، ومحرقة لكتافه، وذلك في ارض كوتى من سواد الكوفة. {إن في ذلك} في انجائه منها {لآيات} عجيبة حفظه من حرها، وعدم تضرره بالوقوع من عال، وإيراق أعوادها وخشبها، وإثمار كل بثمره، وعبارة بعض انشاء روض في مكانها {لِقوْمٍ يؤمنُون} وغيرهم، وخصهم بالذكر لانهم المنتفعون بالتأمل فيها.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي بدلائله التكوينية والتنزيلية الدالة على ذاته وصفاته وأفعاله، فيدخل فيها النشأة الأولى الدالة على صحة البعث والآيات الناطقة به دخولاً أولياً، وتخصيصها بدلائل وحدانيته تعالى لا يناسب المقام {وَلِقَائِهِ } الذي تنطق به تلك الآيات {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه عز وجل {يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } أي ييأسون منها يوم القيامة على أنه وعيد، وإلا فالكافر لا يوصف باليأس في الدنيا لأنه لا رجاء له، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، وجوز أن يكون المراد إظهار مباينة حالهم وحال المؤمنين لأن حال المؤمن الرجاء والخشية وحال الكافر الاغترار واليأس فهو لا يخطر بباله رجاءً ولا خوفاً؛ إن أخطر المخوف بباله كان حاله اليأس بدل الخوف وإن أخطر المرجو كان حاله الاغترار بدل الرجاء، فكأنه تنصيص على كفرهم وتعريف لحالهم، وأن يكون الكلام على الاستعارة. شبهوا بالآيسين من الرحمة وهم الذين ماتوا على الكفر لأنه ما دامت الحياة لا يتحقق اليأس من الرحمة لرجاء الإيمان، أو من قدر آيساً من الرحمة على الفرض دلالة على توغلهم في الكفر وعدم ارعوائهم. وقرأ الذماري وأبو جعفر، {ييسوا} بغير همز بل بياء بدل الهمزة. {وَأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في تكرير اسم الإشارة وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالأليم من الدلالة على فظاعة حالهم ما لا يخفى. لكن قال الإمام: ((إنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه عز وجل دون العذاب ليؤذن بأن رحمته جل وعلا سبقت غضبه سبحانه))، وأنت تعلم أن في الآية على هذا دلالة على سوء حالهم أيضاً لإفادتها أنهم حرموا تلك الرحمة العظيمة بما ارتكبوه من العظائم.

ابن عاشور

تفسير : بيان لما في قوله {أية : يعذب من يشاء ويرحم من يشاء}تفسير : [العنكبوت: 21] وإنما عطف لما فيه من زيادة الإخبار بأنهم لا ينالهم الله برحمة وأنه يصيبهم بعذاب أليم. والكُفر بآيات الله: هو كفرهم بالقرآن. والكفر بلقائه: إنكارُ البعث. واسم الإشارة يفيد أن ما سيذكره بعده نالهم من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة من أوصاف، أي أنهم استحقوا اليأس من الرحمة وإصابتهم بالعذاب الأليم لأجل كفرهم بالقرآن وإنكارهم البعث على أسلوب {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وأخبر عن يأسهم من رحمة الله بالفعل الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه. والمعنى: أولئك سييأسون من رحمة الله لا محالة. والتعبير بالاسم الظاهر في قوله {بآيات الله} دون ضمير التكلم للتنويه بشأن الآيات حيث أضيفت إلى الاسم الجليل لما في الاسم الجليل من التذكير بأنه حقيق بأن لا يُكفر بآياته. والعدول إلى التكلم في قوله {رحمتي} التفات عاد به أسلوب الكلام إلى مقتضى الظاهر، وإعادة اسم الإشارة لتأكيد التنبيه على استحقاقهم ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِ} {َلِقَآئِهِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {يَئِسُواْ} (23) - وَالذِين كَفَرُوا بالدَّلائِلِ التي نَصَبَها اللهُ تَعَالى فِي الكَوْنِ، لِلدَّلاَلَةِ عَلَى وِجْودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَالدَّّلائِلِ التي أَنزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ للإِرْشَادِ، ولِهِدَايَةِ الخَلْقِ إِلى سَبِيلِ اللهِ، وَجَحَدُوا بِلِقَاءِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَنْكَرُوا البَعْثَ والحِسَابَ، أُولئِكَ لا مَطْمَعَ لَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللهِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَخَافُوا عِقَابَهُ، وَلمْ يَرْجُوا ثَوَابَهُ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فإنْ أصرَّ الكافر على كُفْره وعبادته للأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولم تُجْدِ معه موعظة ولا تذكير فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة الله؛ لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء وكفر بي، فليس له مَنْ يحميه مني، ولا مَنْ ينصره من الأصنام التي عبدها، فليس له إلا اليأس. واليأس: قَطْع الرجاء من الأمر، وقد قطع رجاء الكافرين؛ لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر، وكفروا بمَنْ بيده النفع، وبيده الضُّر. وقلنا: إن المراد بآيات الله إما الآيات الكونية التي تُثبت قدرة الله، وتلفت إلى حكمة الخالق - عز وجل - كالليل والنهار والشمس والقمر، أو آيات المعجزات التي تصاحب الرسل؛ ليؤيدهم الله بها ويُظهِر صِدْقهم في البلاغ عن الله؛ فكفروا بآيات القرآن الحاملة للأحكام. وقد كفر هؤلاء بكل هذه الآيات، فلم يُصدِّقوا منها شيئاً، وما داموا قد كفروا بهذه الآيات، وكفروا أيضاً بلقاء الله في الآخرة؛ فرحمة الله بعيدة عنهم، وهم يائسون منها. لذلك كانت عاقبتهم {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: 23] ثم يقول الحق سبحانه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى من هم الذين زال عنهم الخير، وحصل لهم الشر، وأنهم الذين كفروا به وبرسله، وبما جاءوهم به، وكذبوا بلقاء اللّه، فليس عندهم إلا الدنيا، فلذلك قدموا على ما أقدموا عليه من الشرك والمعاصي، لأنه ليس في قلوبهم ما يخوفهم من عاقبة ذلك، ولهذا قال تعالى: { أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي } أي: فلذلك لم يعلموا سببا واحدا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالا والإياس من رحمة اللّه من أعظم المحاذير، وهو نوعان: إياس الكفار منها، وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس العصاة، بسبب كثرة جناياتهم أوحشتهم، فملكت قلوبهم، فأحدث لها الإياس، { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: مؤلم موجع. وكأن هذه الآيات معترضات بين كلام إبراهيم عليه السلام لقومه، وردهم عليه، واللّه أعلم بذلك.