٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة وأقام البرهان عليه، بقي الأمر من جانبهم إما الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم يأتوا إلا بقولهم {ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كيف سمى قولهم {ٱقْتُلُوهُ } جواباً مع أنه ليس بجواب؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف، مع أن السيف ليس بجواب، وإنما معناه لا أقابله بالجواب، وإنما أقابله بالسيف فكذلك قالوا لا تجيبوا عن براهينه واقتلوه أو حرقوه الثاني هو أن الله أراد بيان ضلالهم وهو أنهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب، فتبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا وذلك لأن من لا يجيب غيره ويسكت، لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، أما إذا أجاب بجواب فاسد، علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه. المسألة الثانية: القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه والمأمورون بقولهم اقتلوه أيضاً هم، فيكون الآمر نفس المأمور؟ فنقول الجواب عنه: من وجهين أحدهما: أن كل واحد منهم قال لمن عداه اقتلوه، فحصل الأمر من كل واحد وصار المأمور كل واحد ولا اتحاد، لأن كل واحد أمر غيره وثانيهما: هو أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر والرؤساء، فإذا قال أعيان بلد كلاما يقال اتفق أهل البلدة على هذا ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذال، فكان جواب قومه وهم الرؤساء أن قالوا لأتباعهم وأعوانهم اقتلوه، لأن الجواب لا يباشره إلا الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع. المسألة الثالثة: {أَوْ } يذكر بين أمرين الثاني منهما ينفك عن الأول كما يقال زوج أو فرد، ويقال هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولا يصح أن يقال هذا حيوان أو إنسان إذ يفهم منه أنه يقول هو حيوان فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان وهو محال لكن التحريق مشتمل على القتل فقوله اقتلوه أو حرقوه كقول القائل حيوان أو إنسان، الجواب عنه: من وجهين أحدهما: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع ويكون {أَوْ } مستعملا في موضع بل، كما يقول القائل أعطيته ديناراً أو دينارين، وكما يقول القائل أعطه ديناراً بل دينارين قال الله تعالى: { أية : قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } تفسير : [المزمل: 2 ـ 4] فكذلك ههنا اقتلوه أو زيدوا على القتل وحرقوه الجواب الثاني: هو أنا نسلم ما ذكرتم والأمر هنا كذلك، لأن التحريق فعل مفض إلى القتل وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقى غيره في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال احترق فلان وأحرقه فلان وما مات، فكذلك ههنا قالوا اقتلوه أو لا تعجلوا قتله وعذبوه بالنار، وإن ترك مقالته فخلوا سبيله وإن أصر فخلوا في النار مقيله. ثم قال تعالى: {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ } اختلف العقلاء في كيفية الإنجاء، بعضهم قال برد النار وهو الأصح الموافق لقوله تعالى: { أية : يٰنَارُ كُونِى بَرْداً } تفسير : [الأنبياء: 69] وبعضهم قال خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار وقال بعضهم ترك إبراهيم على ما هو عليه والنار على ما كانت عليه ومنع أذى النار عنه، والكل ممكن والله قادر عليه، وأنكر بعض الأطباء الكل، أما سلب الحرارة عن النار، قالوا الحرارة في النار ذاتية كالزوجية في الأربعة لا يمكن أن تفارقها، وأما خلق كيفية تستبرد النار فلأن المزاج الإنساني له طرفا تفريط وإفراط، فلو خرج عنهما لا يبقى إنساناً أو لا يعيش. مثلا المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنساناً فإن صار أحد عشر لا يكون إنساناً وإن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنساناً فإذا صارت أربعة لا يبقى إنساناً لكن البرودة التي يستبرد معها النار مزاج السمندل فلو حصل في الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة للمزاج، وأما الثالث فمحال أن تكون القطنة في النار والنار كما هي، والقطنة كما هي ولا تحترق، فنقول الآية رد عليهم والعقل موافق للنقل، أما الأول فلوجهين أحدهما: أن الحرارة في النار تقبل الاشتداد والضعف، فإن النار في الفحم إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد وإن لم ينفخ لا يشتد لكن الضعف هو عدم بعض من الحرارة التي كانت في النار، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم بعض آخر من ذلك عليها إلى أن ينتهي إلى حد لا يؤذي الإنسان، ولا كذلك الزوجية فإنها لا تشتد ولا تضعف والثاني: وهو أن في أصول الطب ذكر أن النار لها كيفية حارة كما أن الماء له كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه البرودة وهو ماء فكذلك النار تزول عنها الحرارة وتبقى ناراً وهو نور غير محرق، وأما الثاني فأيضاً ممكن وقولهم مدفوع من وجهين أحدهما: منع أصلهم من كون النفس تابعة للمزاج بل الله قادر على أن يخلق النفس الإنسانية في المزاج الذي مثل مزاج الجمد وثانيهما: أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال لأن الكيفية التي ذكرناها تكون في ظاهر كالأجزاء الرشية عليه ولا يتأدى إلى القلب والأعضاء الرئيسة، ألا ترى أن الإنسان إذا مس الجمد زماناً ثم مس جمرة نار لا تؤثر النار في إحراق يده مثل ما تؤثر في إحراق يد من أخرج يده من جيبه، ولهذا تحترق يده قبل يد هذا. فإذا جاز وجود كيفية في ظاهر جلد الإنسان تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زماناً فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية لحظة فلحظة حتى لا تحترق، وأما الثالث: فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد ونحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز والمعجز ينبغي أن يكون خارقاً للعادة. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني في إنجائه من النار لآيات، وهنا مسائل: المسألة الأولى: قال في إنجاء نوح وأصحاب السفينة { أية : جَعَلْنَـٰهَا ءايَةً } تفسير : [العنكبوت: 15] وقال ههنا {لآيَاتٍ } بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شيء تتسع له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام الله إياه بالاتخاذ وقت الحاجة، فإنه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما في الغيب، وبسبب أن الله صان السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه آيات. المسألة الثانية: قال هناك { أية : آية لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [العنكبوت:15] وقال ههنا {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواماً حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار (فإنه) لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق، وفيه لطيفة: وهي أن الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون. المسألة الثالثة: قال هناك {جَعَلْنَـٰهَا } وقال ههنا {جَعَلْنَـٰهُ } لأن السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ودفعهم الحق بالباطل: أنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم، {أية : قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} تفسير : [الصافات: 97 ــــ 98] وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم، فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وخرج منها سالماً بعد ما مكث فيها أياماً، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماماً؛ فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان. وقوله تعالى: {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْنَّارِ} أي: سلمه منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يقول لقومه مقرعاً لهم، وموبخاً على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا؛ صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب مودة بينكم على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع، فمعناه إنما اتخاذكم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط، {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضاً وشنآناً ثم، {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} أي: تتجاحدون ما كان بينكم، {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع، {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 38] وقال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] وقال ههنا: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} الآية، أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله، وهذا حال الكافرين، وأما المؤمنون، فبخلاف ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو عاصم الثقفي، حدثنا الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي عن أبيه عن جده، عن أم هانىء أخت علي بن أبي طالب قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان؟ قالت: الله ورسوله أعلم، ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد فيشرئبون قال أبو عاصم: يرفعون رؤوسهم ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم قال فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا يعني: المظالم ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب».
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ } التي قذفوه فيها بأن جعلها عليه { أية : بَرْداً وَسَلَٰمَاً } تفسير : [69:21] {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في إنجائه منها {لأَيَٰتٍ } هي عدم تأثيرها فيه مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدّقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ} قال ابن إسحاق: آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخيه وآمنت به سارة وكانت بنت عمه. {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} يعني مهاجر عن الظالمين. وفيما هاجر إليه قولان: أحدهما: أنه هاجر إلى حرّان، قاله كعب الأحبار. الثاني: أنه هاجر من كوثي وهو من سواد الكوفة إلى أرض الشام، قاله قتادة. قوله تعالى: {وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} فيه ستة أقاويل: أحدها: الذكر الحسن، قاله ابن عباس. الثاني: رضا أهل الأديان، قاله قتادة. الثالث: النية الصالحة التي اكتسب بها الأجر في الآخرة، قاله الحسن. الرابع: لسان صدق، قاله عكرمة. الخامس: ما أوتي في الدنيا من الأجر، رواه ابن برزة. السادس: الولد الصالح، حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي حتى أن أكثر الأنبياء من ولده. ويحتمل سابعاً: أنه بقاء الصلاة عند قبره وليس ذلك لغيره من الأنبياء.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور "جوابَ" بالنصب، وقرأ الحسن "جوابُ" بالرفع، وكذلك قرأ سالم الأفطس، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم لما بين إبراهيم الحجج وأوضح أمر الدين رجعوا معه إلى الغلبة والقهر والغشم وعدوا عن طريق الاحتجاج حين لم يكن لهم قبل به فتآمروا في قتله أو تحريقه بالنار، وأنفذوا أمر تحريقه حسبما قد اقتص في غير هذا الموضع، "وأنجاه الله" تعالى من نارهم بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، قال كعب الأحبار: ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أوثقوه به، وجعل ذلك آية وعبرة ودليلاً على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم عليه السلام قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعض وحفظاً لموداتهم ومحباتهم الدنياوية، وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضاً ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه "مودةٌ" بالرفع "بينَكم" بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل "مودةُ" بترك التنوين والرفع "بينِكم" بالخفض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية أبي زيد "مودةً بينَكم" بالتنوين والنصب ونصب "بين"، وقرأ حمزة "مودةَ" بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى "بين"، فأما قراءتا الرفع في "مودة" فوجههما أن يكون "ما" بمعنى الذي وفي قوله {اتخذتم} ضمير عائد على الذي، وهذا الضمير هو مفعول أول لـ {اتخذتم}، و {أوثاناً} مفعول ثان، و"مودة" خبر "إن" في قراءة من نونها، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون "ما" كافة ولا يكون في قوله {اتخذتم} ضمير ويكون قوله {أوثاناً} مفعولاً لقوله {اتخذتم} ثم يقتصر عليه، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه، كما يقدر قوله تعالى {أية : إن الذين اتخذوا العجل} تفسير : [الأعراف: 152] أي إلهاً {أية : سينالهم غضب} تفسير : [الأعراف: 152]، ويكون قوله "مودةٌ" خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في تسمية الأوثان "مودة" أو يكون ذلك على حذف مضاف، وأما من نصب مودة فعلى أن "ما" كافة وعلى خلو {اتخذتم} من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما تقدم ويكون نصب "المودة" على المفعول من أجله، ومن أضاف "المودة" إلى "البين" في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء، ومن نصب "بينَكم" في قراءتي الرفع والنصب في "مودة" فكذلك يحتمل أن ينتصب انتصاب الظروف ويكون معلقاً بـ "مودة" وكذلك {في الحياة الدنيا} ظرف أيضاً متعلق بـ"مودة" وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا لواحد منهما لم يجز ذلك، تقول رأيت زيداً أمس في السوق ولا تقول رأيت زيداً أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الظرفين جزءاً للآخر، رأيت زيداً أمس عشية، ويجوز أن ينتصب "بينكم" على أنه صفة لـ "مودة" فهنا محذوف مقدر تقديره "مودة" ثابتة "بينكم"، وفي الظرف ضمير عائد على "مودة" لما حذفت ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه، وقوله {في الحياة الدنيا} ظرف في موضع الحال من الضمير الكائن في {بينكم} بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة بـ "مودة" وجاز تعلقها بها، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها، وإن وصفت فلا يمتنع أن يعمل معنى الفعل إلا في المفعول، فأما في الظرف والحال فيعمل، قال مكي: ويجوز أن يكون {في الحياة} صفة ثابتة لـ "مودة" ويكون فيها مقدر مستقر وفيها ضمير ثان عائد إلى "مودة" فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في الحياة الدنيا. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون قوله "مودة" في قراءة من نصب مفعولاً ثانياً لقوله {اتخذتم} ويكون في ذلك اتساع فتأمله، وفي مصحف أبي بن كعب "مودة بينهم" بالهاء وفي مصحف ابن مسعود "إنما مودّة بينكم".
البقاعي
تفسير : ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسلام، وزاد هذا ما ترى من التهديد الشديد، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسلام دالاً على أنه لا أحد يعجزه، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم، مشيراً إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما يقتضيه إيذاناً بالعناد، والإصرار على سوء الاعتقاد، فقال: {فما كان جواب قومه} أي الذين يرجى قبولهم لنصحه علماً منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته {إلا أن قالوا} بأعظم فظاظة {اقتلوه} أي بالسيف {أو حرقوه} أي بالنار. ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني، ولم يكن له فيهم نصير، أشار إليه سبحانه بقوله ناسقاً له على ما تقديره: فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه من المجرمين، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطباً إلى أن ملأ ما بين الجبال، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال، وقذفوه فيها بالمنجنيق {فأنجاه الله} بما له من كمال العظمة إنجاء وحيّاً من غير احتياج إلى تدريج {من النار} أي من إحراقها وأذاها، ونفعته بأن أحرقت وثاقه. ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات، وأمور معجزات، عظم أمرها سبحانه بقوله مؤكداً لمزيد التنويه بذكرها، وتنزيلاً في توقفهم عما دعت إليه الآيات الظاهرة من الإيمان منزلة المنكر لها: {إن في ذلك} أي ما ذكر من أمره وما خللت به قصته من الحكم {لآيات} أي براهين قاطعة في الدلالة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني، لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما مر عليها من طائر، ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ذلك. ولما كان ما للشيء إنما هو في الحقيقة ما ينفعه، وكان قد حجبها سبحانه بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال نور العقل، قال: {لقوم يؤمنون*} أي يقبلون على استعمال نور العقل الذي وهبهموه الله فيصدقون بالغيب حتى صار الإيمان -بكثرة ما صقلوا مرائي قلوبهم بالنظر في أسبابه - لهم خلقاً بحيث إنهم في كل لحظة يجددون الترقي في مراتبه، والتنقل في أخبيته ومضاربه. ولما تقدم سلبه النفع عن هذه الأوثان، أشار هنا إلى نفع يعقب من الضر ما لا نسبة له منه، فليس حينئذ بنفع، فقال تعالى: {وقال} أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره، مؤكداً لأجل ما أشار إليه مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها: {إنما اتخذتم} أي أخذتم باصطناع وتكلف، وأشار لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله: {من دون الله} أي الذي كل شيء تحت قهره، ولا كلفة - في اعتقاد كونه رباً - باحتياج إلى مقدمة جعل وصنعة ولا غير ذلك، وقال: {أوثاناً} إشارة إلى تكثرها الذي هو مناف لرتبة الإلهية؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله: {مودة} أي لأجل مودة - عند من نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب أو نوّن وهم الباقون {بينكم} من خفضه على الاتساع ورفع "مودة" وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى: هي مودة البين الجامع لكم بمعنى مودتكم على وجه أبلغ، لأن المودة إذا كانت لبين جامع الناس كانت لأولئك الناس بطريق الأولى، ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب فالمعنى: لأجل المودة، ومن نصبها ونوّن وهم نافع وابن عامر وأبو جعفر وشعبة فالبين عنده ظرف {في الحياة الدنيا} بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جداً، لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس، بما فيها من الإلباس، وعظيم البأس. ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضر، ذكر ما يعقبه من الضر البالغ، فقال معبراً بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم، وإلى أنه جعل لهم في الحياة أمداً يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم: {ثم يوم القيامة} ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة {يكفر بعضكم ببعض} فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة، ولعن القادة الأتباع، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ولا نفع لها، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها، وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم {ويلعن بعضكم بعضاً} على ما ذكر {ومأواكم} جميعاً أنتم والأوثان {النار} لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها {وما لكم} وأعرق في النفي فقال: {من ناصرين*} أصلاً يحمونكم منها، ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفاً من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان. ولما كان في سياق الابتلاء، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه، بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم، وأهلك أعدائهم، فلم يكن لهم من ناصرين فقال: {فآمن له} أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات {لوط} أي ابن أخيه هاران وحده، وهو أول من صدقه من الرجال {وقال} أي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مؤكداً لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها: {إني مهاجر} أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز {إلى ربي} أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير، ولا من ترجى نصرته، ولا من تنفع مودته، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده، والاعتماد عليه دون ما سواه، فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة، فكانت له هجرتان، وهو أول من هاجر في الله، قال مقاتل: وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي قربه، فقال مؤكداً تسكيناً لمن عساه يتبعه وتهويناً عليه لفراق ما ألفت النفوس من أنه لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف: {إنه هو} أي وحده {العزيز} أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه {الحكيم*} فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرض له بإذلال، بفعل أو مقال، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان جديراً بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقاً بنفعي من ذوي رحمي وحبي. ولما كان التقدير: فأعززناه كما ظن بنا إعزازاً أحكمناه حتى استمر في عقبه إلى القيامة، عطف عليه قوله: {ووهبنا له} أي بجليل قدرتنا شكراً على هجرته {إسحاق} من زوجته سارة عليها السلام التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس بكبرها، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام لتعقيبه للهبة هناك على الهجرة بالفاء {ويعقوب} من ولده إسحاق عليهما الصلاة والسلام. ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسلام بفراقه مع أمه رضي الله عنهما ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها، لم يذكره تصريحاً في سياق الامتنان، وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسلام لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك، ولأن المنة به - لكون أمه عجوزاً وعقيماً - أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام تلويحاً في قوله: {وجعلنا} أي بعزتنا وحكمتنا {في ذريته} من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {النبوة} فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه، ومتى صحت هذه المناسبة لزم قطعاً أن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه أعرى ذكر هذه السورة منه، ويكون كأنه قيل: إنا بشرناه بما يسرّ به من إسحاق بعد أن أمرناه بما يضر من إسماعيل عليهما السلام فصبر في محنة الضراء، وشكر في محنة السراء {والكتاب} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، وأفرد ليدل - مع تناوله بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها، أو كان راجعاً إليه، ولو جمع لم يفد هذا المعنى {وآتيناه أجره} على هجرته {في الدنيا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق، ورغد العيش، وكثرة الخدم، والولد في الشيخوخة، وكثرة النسل، والثناء الحسن، والمحبة من جميع الخلق، وغير ذلك. ولما كان الكافر يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكداً لا تدارك له، اقتضى الحال التأكيد في قوله: {وإنه في الآخرة} أي التي هي الدار وموضع الاستقرار {لمن الصالحين*} الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة.
القشيري
تفسير : لمَّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد، والسفاهة والتوبيخ، والله تعالى صرف عنه كَيْدَهم، وكفاه مَكْرَهم، وأفلج عليهم حُجَّته، وأظهر للكافة عجزَهم، وأَخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللَّعْنِ والطردِ، وفنون الهوان والخزْي.
اسماعيل حقي
تفسير : {فما كان جواب قومه} اى قال ابراهيم عليه السلام اعبدوا الله واتقوه فما كان جواب قومه آخر الامر وهو بالنصب على انه خبر كان واسمها قوله {الا ان قالوا} الا قول بعضهم لبعض {اقتلوه} اصل القتل ازالة الورح عن الجسد كالموت لكن اذا اعتبر بفعل المتولى لذلك يقال قتل واذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت {او حرقوه} التحريق [نيك سوزانيدن] والفرق بين التحريق والاحراق وبين الحرق ان الاول ايقاع ذات لهب فى الشىء ومنه استعير احرقنى بلومه اذا بالغ فى اذيته بلوم والثانى ايقاع حرارة فى الشىء من غير لهيب كحرق الثوب بالدق كما فى المفرادت وفيه تسفيه لهم حيث اجابوا من احتج عليهم بان يقتل او يحرق وهكذا ديدن كل محجوج مغلوب {فانجاه الله من النار} الفاء فصيحة اى فالقوه فى النار فانجاه الله من اذاها بان جعلها عليه بردا وسلاما روى انه لم ينتفع يومئذ بالنار فى موضع اصلا وذلك لذهاب حرها {ان فى ذلك} اى فى انجائه منها {لآيات} بينة عجيبة هى حفظه تعالى اياه من حرها واخمادها مع عظمها فى زمان يسير يعنى عقيب احتراق الحبل الذى اوثقوه به لانه مااحرقت منه النار الا وثاقه وانشىء روض فى مكانها يعنى كل وريحان {لقوم يؤمنون} لانهم المنتفعون بالتفحص عنها والتأمل فيها واما الكافرون فمحرومون من الفوز بمغانم آثارها. وفيه اشارة الى دعوة ابراهيم الروح نمرود النفس وصفاتها الى الله تعالى ونهيهم عن عبادة الهوى والدنيا وماسوى الله والى اجابتهم اياه من لؤم طبعهم وغاية سفههم لقولهم اقتلوه بسيف الكفر والشرك او اقدوا عليه نار الشهوات والاخلاق الذميمة وحرقوه بها فخلص الله جوهر الروحية من حرقة النار الشهوات والاخلاق الذميمة ومتعه بالخصائص المودعة فيها مما لم يكن فى جبلة الروح مر كوزا وكان به محتاجا فى سيره الى الله ولهذه الاستفاده بعث الى اسفل سافلين القالب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مودَّةَ بينكم}: مَنْ نَصَبَها: فله وجهان؛ أحدهما: على التعليل، أي لتوادوا بينكم، والمفعول الثاني محذوف، أي: اتخذتم أوثاناً آلهة. والثاني على المفعول الثاني لاتخذتم، كقوله:{أية : اتخذ آلهه هواه} تفسير : [الفرقان: 43]. و(ما): كافة، أي: اتخذتم الأوثان سَبَبَ المودَّةِ على حَذْفِ مضاف، أو: اتخذتموها مَوْدُودَةً بينكم. و(بينكم): نصب على الظرفية؛ نعت لمودة، أي: حاصلة بينكم. ومن رفع: فله وجهان؛ إما خبر إن، و(ما) موصولة، أو: عن مبتدأ محذوف، أي: هي مودة بينكم، و(بينكم): مضاف إليه ما قبله. يقول الحق جل جلاله: {فما كان جوابَ قومه}؛ قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الله {إلا أن قالوا اقتلوه أو حَرِّقوه}، قاله بعضهم لبعض، أو: قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعاً في الحكم القائلين. فاتفقوا على تحريقه، {فأنجاه الله من النار} حين قذفوه فيها؛ بأن جعلها برداً وسلاماً. وتقدم في الأنبياء تمام القصة. {إن في ذلك}؛ فيما فعلوه به وفعلناه {لآياتٍ} دالةً على عظم قدرته {لقوم يؤمنون}؛ لأنهم المنتفعون بالفصح عنها والتأمل فيها. رُوي أنه لم ينتفع بها في تلك الأيام أحد لذهاب حرها؛ لأن كل نار سمعت الخطاب فامتثلت. {وقال} إبراهيمُ لقومه: {إِنما اتخذتم من دون الله أوثاناً}؛ أصناماً آلهة {مودَّةَ بينكم في الحياة الدنيا} أي: لتوادوا بينكم في الحياة الدنيا، وتواصلوا؛ لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها كما تتفق الناس على مذهب أو طريق، فيكون ذلك سبب تحابهم. أو: إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة، أو اتخذتموها مودودة ومحبوبة بينكم، أو: إن التي اتخذتموها أوثاناً تعبدونها هي مودة بينكم في الدنيا، {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} أي: تتبرأ الأصنام من عابديها؛ كقوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}تفسير : [الزخرف: 67]. {ويلعن بعضُكم بعضاً} ، فتلعن الأتباعُ الرؤساء:؛ {ومأواكم النار} أي: مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع. {وما لكم من ناصرين} يحصنونكم منها. الإشارة: الإنكار على أهل الخصوصية سنَّة الله في خلقه، فلا يأنف منها إلا جاهل، والاجتماع على التودد على غير ذكر الله ومحبته وما يقرب إليه، كله يؤدي إلى التباغض والتلاعن يوم القيامة؛ {الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، وهم المتحابون في الله، والمجتمعون على ذكر الله والعلم به. والله تعالى أعلم.
الأعقم
تفسير : {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه} لما أعجزتهم الحجة عدلوا إلى الوعيد والحريق، وهكذا حال الجاهلية والمبتدعة إذا أعيتهم الحجَّة عدلوا إلى السفاهة والوعيد {فأنجاه الله من النار} أي خلصه من الحريق، وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي في النار وذلك لذهاب حرها {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي في نجاته في النار وهو في وسطها حجة على نبوته، وخصّ المؤمنين لأنهم ينتفعون بها ويتفكرون {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا} يعني الذين اتخذتم هذه الأوثان وعبدتموها مودة بينكم تعاقبون على عبادتها، وقيل: إنكم لم تعبدوها بحجة وإنما عبدتموها اتباعاً لأسلافكم ورؤسائكم لتدوم بينكم المودة في الدنيا {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} قيل: يتبرأ المعبود من عبادتها والعابدون من معبودها وهو الاتباع من المتبوعين والمتبوع من الاتباع وصار بعضكم أعداء لبعض {ويلعن بعضكم بعضاً} أي يدعو بعضكم على بعض {ومأواكم النار} أي يصدكم إلى النار {وما لكم من ناصرين} ثم عطف تعالى قصة لوط، قوله تعالى: {فآمن له لوط} وهو ابن أخت إبراهيم وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه {وقال} يعني إبراهيم {إني مهاجر} من كوثى وهو سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين، ومن ثم قال: لكل نبي مهاجرٌ ولإبراهيم مهاجران، وكان معه في هجرته لوط وامرأته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة {إلى ربي} إلى حيث أمرني بالهجرة إليه {إنه هو العزيز} الذي يمنعني من أعدائي {الحكيم} الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي {ووهبنا له اسحاق} أي أعطيناه إسحاق وهو ابنه من سارة {ويعقوب} ابن اسحاق {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان {وآتيناه أجره في الدنيا} الثناء الحسن والولد الصالح {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي معهم وفي جملتهم وهم الأنبياء.
اطفيش
تفسير : {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} القول اسم كان والجواب خبر لما وقرىء برفع جواب على العكس قال ذلك بعضهم لبعض فأسند القول اليهم وروي ان الرؤساء قالوا ذلك للاتباع فأسند القول اليهم، وقاله واحد وأسند اليهم وذلك لرضاهم. {فَأَنجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ} من احراقها بأن جعلها بردا وسلاما ولم تحرق الا وثاقه وروي انه لم ينتفع احد بالنار في ذلك اليوم الذي القى في النار لزوال حرها. {إِنَّ فِي ذّلِكَ} الاتجاه. {لآيَاتٍ} منها عدم تأثير النار فيه مع عظمها وانشاء روض مكانها وغير ذلك. {لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ} بتوحيد الله وقدرته.
الالوسي
تفسير : {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } بالنصب على أنه خبر {كان} واسمها قوله تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ }. وقرأ الحسن وسالم الأفطس بالرفع على العكس، وقد مر ما فيه في نظائره، والمراد بالقتل ما كان بسيف ونحوه فتظهر مقابلة الإحراق له، ولا حاجة إلى جعل أو بمعنى بل، والآمرون بذلك إما بعضهم لبعض أو كبرائهم قالوا لأتباعهم: اقتلوه فتستريحوا منه عاجلاً أو حرقوه بالنار فإما أن يرجع إلى دينكم إذا مضته / النار وإما أن يموت بها إن أصر على قوله ودينه، وأياً ما كان ففيه إسناد ما للبعض إلى الكل، وجاء هنا الترديد بين قتله عليه السلام وإحراقه فقد يكون ذلك من قائلين ناس أشاروا بالقتل وناس بالإحراق، وفي اقترب قالوا حرقوه اقتصروا على أحد الشيئين وهو الذي فعلوه رموه عليه السلام في النار ولم يقتلوه ثم إنه ليس المراد أنهم لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن حججه عليه السلام إلا هذه المقالة الشنيعة كما هو المتبادر من ظاهر النظم الكريم، بل إن ذلك هو الذي استقر عليه جوابهم بعد اللتيا والتي في المرة الأخيرة، وإلا فقد صدر عنهم من الخرافات والأباطيل ما لا يحصى. {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ } الفاء فصيحة أي فألقوه في النار فأنجاه الله تعالى منها بأن جعلها سبحانه عليه برداً وسلاماً حسبما بين في مواضع أخر، وقد مر بيان كيفية إلقائه عليه السلام فيها وإنجائه تعالى إياه منها، وكان ذلك في كوثى من سواد الكوفة، وكونه في المكان المشهور اليوم من أرض الرهى وعنده صورة المنجنيق وماء فيه سمك لا يصطاد ولا يؤكل حرمة له لا أصل له {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في إنجائه عليه السلام منها {لأَيَـٰتٍ } بينة عجيبة وهي حفظه تعالى إياه من حرها وإخمادها في زمان يسير وإنشاء روض في مكانها. وعن كعب أنه لم يحترق بالنار إلا الحبل الذي أوثقوه عليه السلام به، ولولا وقوع اسم الإشارة في أثناء القصة لكان الأولى كونه إشارة إلى ما تضمنته {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالفحص عنها، والتأمل فيها.
ابن عاشور
تفسير : لما تمّ الاعتراض الواقع في خلال قصة إبراهيم عاد الكلام إلى بقية القصة بذكر ما أجابه به قومه. والفاء تفريع على جملة {أية : إذ قال لقومه اعبدوا الله}تفسير : [العنكبوت: 16]. وجيء بصيغة حصر الجواب في قولهم {اقتلوه أو حرِّقوه} للدلالة على أنهم لم يترددوا في جوابه وكانت كلمتهم واحدة في تكذيبه وإتلافه وهذا من تصلبهم في كفرهم. ثم ترددوا في طريق إهلاكه بين القتل بالسيف والإتلاف بالإحراق ثم استقر أمرهم على إحراقه لما دل عليه قوله تعالى {فأنجاه الله من النار} و{جواب قومه} خبر {كان} واسمها {أن قالوا}. وغالب الاستعمال أن يؤخر اسمها إذا كان {أن} المصدرية وصلتها كما تقدم في قوله تعالى {أية : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}تفسير : في آخر سورة [النور: 51]، ولذلك لم يقرأ الاسم الموالي لفعل الكون في أمثالها في غير القراءات الشاذة إلا منصوباً. وقد أجمل إنجاؤه من النار هنا وهو مفصل في سورة الأنبياء. والإشارة بــــ {ذلك} إلى الإنجاء المأخوذ من {فأنجاه الله من النار} وجعل ذلك الإنجاء آيات ولم يجعل آية واحدة لأنه آية لكل من شهده من قومه ولأنه يدل على قدرة الله، وكرامة رسوله، وتصديق وعده، وإهانة عدوه، وأن المخلوقات كلها جليلها وحقيرها مسخرة لقدرة الله تعالى. وجيء بلفظ {قوم يؤمنون} ليدل على أن إيمانهم متمكن منهم ومن مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. فذلك آيات على عظيم عناية الله تعالى برسله فصدَّق أهل الإيمان في مختلف العصور. ففي قوله {لقوم يؤمنون} تعريض بأن تلك الآيات لم يصدق بها قوم إبراهيم لشدة مكابرتهم وكون الإيمان لا يخالط عقولهم.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام، على قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} تفسير : [الأعراف: 38] الآية. وفي سورة الفرقان وغير ذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فما كان جواب قومه: أي قوم إبراهيم عليه السلام. إلا أن قالوا اقتلوه: أي إلا قولهم اقتلوه أو احرقوه. إن في ذلك لآيات: أي في كون النار لم تحرق الخليل ويخرج منها سالماً. لقوم يؤمنون: لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالآيات لحياة قلوبهم. أوثاناً مودة بينكم: أي اتخذتم أوثانكم آلهة تتوادون من أجل عبادتها وتتحابون لذلك. في الحياة الدنيا: أي هذا التوادد والتحاب على الآلهة في الحياة الدنيا فقط أما الآخرة فلا. يكفر بعضكم ببعض: أي يكفر المتبوعون بأتباعهم ويتبرأون منهم. ويلعن بعضكم بعضاً: يلعن الأتباع القادة الذين اتبعوهم في الباطل. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه لمَّا أفحمهم بالحجة وبين لهم باطلهم وكشف لهم عن جهلهم وضلالهم لجأوا كعادة الطغاة من أهل الكفر والباطل إلى التهديد بالقوة فقالوا ما أخبر به تعالى عنهم: أي {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} فما كان جوابهم أي عما سمعوا من الحجج والبراهين على بطلان الشرك وصحة التوحيد {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} أي إلا قولهم اقتلوا إبراهيم بالسيف ونحوه أو حرقوه بالنار، ونفذوا جريمتهم بالفعل وأوقدوا النار وألقوه فيها، وقال الله جل جلاله للنار {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت كما أُمرت وخرج إبراهيم سالماً لم تحرق النار سوى كتافه الذي شد به يداه ورجلاه. وهو ما دل عليه قوله تعالى {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي في كون النار لم تحرق إبراهيم فيتخلف طبعها وتصبح برداً وسلاماً على إبراهيم فلم تحرقه، (آيات) أي دلائل قدرة الله تعالى ورحمته وحكمته ولكن تلك الآيات لا ينتفع بها غير المؤمنين، لأنهم أموات لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون. أما المؤمنون فهم أحياء فينتفعون بما يسمعون ويبصرون لأن الإِيمان بمثابة الروح في البدن فإن وجد في القلب حيي الجسم وان فارقه فالجسم ميت فلا العين تبصر الأحداث ولا الأذن تسمع الآيات. وقوله: {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} هذا من جملة قول إبراهيم لقومه وهو يعظهم ويرشدهم فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها وهي أنهم ما اتخذذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب من أجلها، فيقيمون الأعياد لها ويجتمعون حولها فيأكلون ويشربون لا أنهم حقيقة يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها بأيديهم ونصبوها تماثيل في سوح دورهم وأمام منازلهم و {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي في الآخرة فالعكس هو الذي سيحدث لهم حيث {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي يكفر المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم وهم الأتباع من الدهماء وعوام الناس، {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} كل من الأتباع والمتبوعين يطلب بعد الآخر عنه، وعدم الاعتراف به وذلك عند معاينة العذاب ولم تبق تلك الروابط والصلات التي كانت لهم في هذه الحياة!! وقوله: {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي ومقركم الذي يؤويكم جميعاً فتستقرون فيه هو النار {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} بعد أن أذلكم الله الذي أشركتم به أوثاناً، فجعلتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير أن الظَّلمَة سنتهم أنهم إذا أعيتهم الحجج يلجأون إلى استعمال القوة. 2- في عدم إحراق النار دليل على أن الله تعالى قادر على إبطال السنن إذا شاء ذلك، ومن هنا تكون الكرامات والمعجزات إذْ هي خوارق للعادات. 3- بيان أن الخرافيين في اجتماعهم على البدع لم يكن ذلك عن علم بنفع البدعة وإنما لعنصر التوادد والتعارف والتلاقي على الأكل والشرب كما قال إبراهيم لقومه {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَنْجَاهُ} {لآيَاتٍ} (24) - فَلَمْ يَكُنْ لِقومِ إِبراهيمَ مِنْ جَوابٍ يَرُدُّونَ بهِ عَلَى الحُجَجِ الدَّامِغَةِ التي جَاءَهُمْ بها إبراهيمُ علَى فَسَادِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وَعبَادَتِهِم الأَصْنَامَ، إِلا قَوْلُ بَعضِهِمْ لِبَعْضٍ: اقتُلُوا إِبراهيمَ أَوِ احْرُقُوهُ في النَّارِ، ثُمّ اسَتْقَرَّ رَأْيهُمْ على أَنْ يَحْرُقُوهُ، وَجَمَعُوا لهُ حَطَباً كَثيراً، وَأَشْعَلُوا النَّارَ فِيهِ، وَقَذَفُوا إِبراهيمَ في النَّارِ، فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنهَا بأَنْ أَمَرَ النَّارَ بأَنْ تَكُونَ بْرداً وَسَلاَماً عليهِ. وَفِي إِنجاءِ إِبراهيمَ مِمَّا أَرَادَهُ بهِ قَوْمُهُ، لآَيَةٌ عَظِيمةٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، ولُطْفِهِ بِعِبَادِهِ، لِقَومٍ يَعْقِلُونَ، وَيَتَفَكَّرُونَ، وَيُؤْمِنُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كنا ننتظر منهم جواباً منطقياً، بعد أنْ دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وبيَّن لهم بطلان عبادة آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، كان عليهم أن يجادلوه، وأن يدافعوا عن آلهتهم، وأن يُظهِروا حجتهم في عبادتهم. إنما يأتي جوابهم دالاً على إفلاسهم {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ..} [العنكبوت: 24] أهذا جواب على ما قيل لكم؟ إنه مجرد هروب من المواجهة، وإفلاس في الحجة، إنه جواب مَنْ لم يجد جواباً، وليس لديه إلا التهديد والتلويح بالقوة وبالبطش، فهذه لغة مَنْ لا حجة عنده. لكن، لماذا سمَّاه القرآن جواباً؟ قالوا: لأنهم لو لم يتكلموا بهذا الكلام لقيل عنهم أنهم لم يلتفتوا إلى كلام نبيهم ولم يأبهوا به، وأن كلامه لا وزنَ له، ولا يُرَد عليه، فإنْ كان كلامهم لا يُعَد جواباً فهو في صورة الجواب، وإنْ كان جواباً فاسداً. وقولهم: {ٱقْتُلُوهُ ..} [العنكبوت: 24] نعلم أن القتل هو هدم البنية هدماً يتبعه خروج الروح لأنها لا تجد بنية سليمة تسكنها، أما الموت فتخرج الروح أولاً، ثم تهدم البنية حين تتحلل في التراب، إذن: فهما سواء في أنهما هلاك. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي تضيء، فالكهرباء لا توجد في اللمبة، إنما في شيء خارج عنها، لكن يظهر أثر الكهرباء في اللمبة إنْ كانت سليمة صالحة لاستقبال التيار، فإنْ كسرتها فلا تجد فيها أثراً للكهرباء ولا تضيء، وقد تمنع عنها الكهرباء وهي سليمة. ثم قالوا {أَوْ حَرِّقُوهُ ..} [العنكبوت: 24] وهل التحريق بعد القتل يُعَد ارتقاءً في العقوبة؟ لا شكَّ أن القتل أبلغ من التحريق، فقد يُحرق شخص، وتتم نجدته وإسعافه فلا يموت، فالقتل تأكيد للموت، أمّا التحريق فلا يعني بالضرورة الموت، فلماذا لم يقولوا فقط اقتلوه وتنتهي المسألة، أو يُصعدوا العقوبة فيقولوا: حرِّقوه أو اقتلوه؟ إنهم بدأوا بأقصى ما عندهم من عقوبة لشدة حَنَقهم عليه فقالوا {ٱقْتُلُوهُ ..} [العنكبوت: 24] ثم تراءى لهم رأي آخر: ولماذا لا نحرقه بالنار، فربما يعود ويرجع عن دعوته حينما يجد ألم التحريق، وهذا يُعَد كسباً لهم، وتُحسَب الجولة لصالحهم. لكن مَن الذي قال {ٱقْتُلُوهُ ..} [العنكبوت: 24]؟ من الآمر بالقتل، ومَنِ المأمور؟ لقد اتفقوا جميعاً على قتله، فالآمر والمأمور سواء، وهذا واضح من الآية: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ..} [العنكبوت: 24] فالقوم جميعاً تواطئوا على هذه المسألة. أو أن الآمر هم رؤساء القوم وكبارهم الذين يأتمر الناس بأمرهم، أما التنفيذ فمهمة الأتباع. ونحن نرى ثورة الجمهور وانفعاله حينما تقع جريمة مثلاً، فالكل يغضب ويقول: اقتلوه، اسجنوه، فكلهم قائل، وكلهم مقول له. ثم يقول سبحانه {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ..} [العنكبوت: 24] وهنا يعترض الفلاسفة: كيف والنار من طبيعتها الإحراق؟ كيف يتخلف هذا القانون؟ لكن كيف تكون معجزة إنْ لم تأْتِ على هذه الصورة؟ إن الحق سبحانه خلق الخَلْق وجعل فيه نواميس تفعل فعلها وتؤدي مهمتها تلقائياً، فالأرض مثلاً حينما تحرثها، وتلقى فيها الحَبَّ، ثم ترويها، الناموس أن تنبت، وحتى لا يظن ظانٌّ أن الكون إنما يسير على وَفْق هذه النواميس، لا وَفْقَ قدرة الله نجد أنه سبحانه يخرق هذه النواميس ليثبت لنا قيوميته على خَلْقه وطلاقة قدرته فيه. لذلك إن لم يكُنْ لك رزق في حرثك هذا، فلا ينبت النبات، أو ينبت ثم تصيبه آفة أو إعصار فيُهلكه قبل استوائه. إذن: فالمسألة قيومية لله تعالى وليست (ميكانيكا). وقد خرق الله نواميس الكون لموسى - عليه السلام - حينما ضرب البحر، فصار كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، وتحولت سيولة الماء إلى جبل صلب. وخرق نواميس الكون لإبراهيم حينما قال للنار: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. وخرق النواميس ليثبت الإعجاز، وليثبت أن يد الله تعالى لا تزال مسيطرة على مُلْكه سبحانه، لا أنه خلق النواميس وتركها تعمل في الكون دون تدخُّل منه سبحانه كما يقول الفلاسفة، فالحق سبحانه خلق النواميس لتفعل، ولكن قيوميته تعالى وقدرته تُعطِّل النواميس. {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] ونذكر في قصة السفينة أن الله تعالى قال عنها: {أية : وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [العنكبوت: 15] آية وهنا قال {لآيَاتٍ ..} [العنكبوت: 24] وهناك قال {أية : لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [العنكبوت: 15] وهنا قال: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] فالاختلاف إذن بين السياقين في أمرين: قال في السفينة {أية : آيَةً ..} تفسير : [العنكبوت: 15] لأن العجيب في أمر السفينة ليس في صناعتها، فمَنَ رآها يمكن أنْ يصنع مثلها، إنما الآية فيها أن الله تعالى أعلمه بها قبل الحاجة إليها، ثم منع عنها الزوابع والأعاصير أن تلعب بها وتُغرق ركابها. أمّا في مسألة الإحراق فعجائب كثيرة وآيات شتى، فكان من الممكن ألاَّ يمكنهم الله منه، وكان من الممكن بعد أن أمسكوا به وألقوه في النار أنْ يُنزل الله مطراً يطفىء نارهم وينجو إبراهيم، أو يسخر له من القوم أهل رأفة ورحمة ينقذونه من الإلقاء في النار. لكن لم يحدث شيء من هذا، حيث أمكنهم الله منه حتى ألقوه في النار وهي مشتعلة، وهو مُوثق بالحبال، ومع ذلك لم تُصِبه النار بسوء، وظهرتْ الآيات بينات واضحات أمام أعين الجميع. الأمر الآخر: قال هناك {أية : لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [العنكبوت: 15] لأن السفينة حينما رسَتْ ونجا ركابها ظلَّتْ السفينة باقية في مكانها يراها الناس جميعاً ويتأملونها، فقد كان لها أثر باقٍ قائم مُشَاهد. أمّا في مسألة إبراهيم - عليه السلام - فقال {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] لأن نجاة إبراهيم - عليه السلام - كانت عبرة لمن شاهدها فقط، ونحن نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، ونحن مؤمنون بالله، فهي آيات للمؤمنين بالله لا للعالمين. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً ...}.
الجيلاني
تفسير : وبعدما بلغ الخليل - صلوات الرحمن وسلام عليه - في الدعوة والإرشاد، وأيده بأنواع المواعظ والتذكيرات والرموز و الإشارات، ونبذ من الوعيدات والإنذارات رجاء أن يتنبهوا منها ويتفطنوا به اعلى ما هو الحق {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} بعد استماعهم مقالاه تفصيلاً {إِلاَّ أَن قَالُواْ} متفقين مجتمعين: {ٱقْتُلُوهُ} حداً، فإنه قد أعرض عن دينكم وانصرف عن آلهتكم وشفعاءكم {أَوْ حَرِّقُوهُ} فإنه جدير بالإحراق؛ لعظم جرمه وكبر ذنبه، وبعدما اتفقوا على حرقه أو قدوا ناراً عظيمة بحيث لا يمكن التقرب إليها إلا بمسافة بعيدة، فوضعوه في المنجنيق، فرموه بها إليها {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ} الرقيب المطلع على إخلاص عباده وأخلصه {مِنَ} حرق {ٱلنَّارِ} وجعلها له برداً وسلاماً {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الإنجاء والإنقاذ مع أن طبع النار الإحراق والإفناء {لآيَاتٍ} عظام ودلائل جسام على كمال قدرة الله وحوله وقوته {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] بوحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته؛ لأ،هم هم المنتفعون بأمثال هذه الشواهد والبراهين. وبعدما أنجاه الله منها {وَ} أيس من إيمان قومه {قَالَ} لهم موبخاً عليهم وموعداً لهم بوحي الله وإلهامه: {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ} وأخذتم {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المتوحد بالألوهية والربوبية {أَوْثَاناً} آلهة: لتكونوا أسباباً لكم توجب {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} وتوقع المحبة والمؤاخاة بين أظهركم {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بأن تجتمعوا عندها وتعتكفوا حولها، وتتقربوا إليها بالهدايا والقرابين {ثُمَّ} اعلموا أيها الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال والجهل بالله وبقدره وقدر حوله وقوته {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة للعرض والجزاء وحساب ماصدر عنكم في دار الابتلاء {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ} يعني: يقع التناكر والتخاصم بينكم، فيكفر بعضكم ببعض {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي: كل منكم ومن معبودكم يتلاعنون ويتخاصمون حال كونكم متبرئين كل منكم عن صحابه تابعاً ومتبوعاً، عابداً ومعبوداً {وَ} بالجملة: {مَأْوَاكُمُ} ومرجعكم إليها أنتم وآلهتكم جميعاً، خالدون فيها لا نجاة لكم منها بأعمالكم وأفعالكم {ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] ليشفعوا لكم وينقذوكم منها بشفاعتهم. وبعدما أنجى سبحانه خليله - صلوات الرحمن عليه وسلامه - من النار، وخرج منها سالماً سوياً بلا لحوق ضرر {فَآمَنَ لَهُ} ابن أخيه {لُوطٌ} وهو أول من آمن به وأنكره غيره، ونسبوه إلى السحر والشعبذة وأنواع الخرافات {وَ} لما أيس الخليل عن إيمانهم {قَالَ} للوط وزوجته سارة ابنة عمه: {إِنِّي} بعدما أيست عن إيمان هؤلاء الجهلة الضالين، ونجوت عن مكائدهم {مُهَاجِرٌ} مبعد منهم {إِلَىٰ} أرضٍ أمرني {رَبِّيۤ} للهجرة إليها، وأوحاني أن أذهب نحوها، فعليَّ أن امتثل لأمره وأمضي على موجب حكمه {إِنَّهُ} سبحانه في ذاته وأسمائه وأفعاله {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على جميع ما جرى عليه مشيئته وقضاءه {ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] المتقن في جميع ما صدر عنه إرادة واختياراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فما كان مجاوبة قوم إبراهيم إبراهيم حين دعاهم إلى ربه قبول دعوته، والاهتداء بنصحه، ورؤية نعمة اللّه عليهم بإرساله إليهم، وإنما كان مجاوبتهم له شر مجاوبة. { قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ } أشنع القتلات، وهم أناس مقتدرون، لهم السلطان، فألقوه في النار { فَأَنْجَاهُ اللَّهُ } منها. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيعلمون صحة ما جاءت به الرسل، وبِرَّهُمْ ونصحهم، وبطلان قول من خالفهم وناقضهم، وأن المعارضين للرسل كأنهم تواصوا وحث بعضهم بعضا على التكذيب. { وَقَالَ } لهم إبراهيم في جملة ما قاله من نصحه: { إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: غاية ذلك، مودة في الدنيا ستنقطع وتضمحل، { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } أي: يتبرأ كل من العابدين والمعبودين من الآخر { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } فكيف تتعلقون بمن يعلم أنه سيتبرأ من عابديه ويلعنهم؟ " و " أن مأوى الجميع، العابدين والمعبودين " النَّار " وليس أحد ينصرهم من عذاب اللّه، ولا يدفع عنهم عقابه.
النسائي
تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [24]]
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):