Verse. 3365 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَقَالَ اِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ اَوْثَانًا۝۰ۙ مَّوَدَّۃَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۚ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَّيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا۝۰ۡوَّمَاْوٰىكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّنْ نّٰصِرِيْنَ۝۲۵ۤۙ
Waqala innama ittakhathtum min dooni Allahi awthanan mawaddata baynikum fee alhayati alddunya thumma yawma alqiyamati yakfuru baAAdukum bibaAAdin wayalAAanu baAAdukum baAAdan wamawakumu alnnaru wama lakum min nasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال» إبراهيم «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا» تعبدونها وما مصدرية «مودةُ بينكم» خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له وما كافة المعنى تواددتم على عبادتها «في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض» يتبرأ القادة من الأتباع «ويلعن بعضكم بعضاً» يلعن الأتباع القادة «ومأواكم» مصيركم جميعاً «النار وما لكم من ناصرين» مانعين منها.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار وبيان فساد ما هم عليه، وقال إذا بينت لكم فساد مذهبكم وما كان لكم جواب ولا ترجعون عنه، فليس هذا إلا تقليداً، فإن بين بعضكم وبعض مودة فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة والطريقة أو بينكم وبين آبائكم مودة فورثتموهم وأخذتم مقالتهم ولزمتم ضلالتهم وجهالتهم فقوله: {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ... مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } يعني ليس بدليل أصلا وفيه وجه آخر وهو تحقيق دقيق، وهو أن يقال قوله: {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ... مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } أي مودة بين الأوثان وبين عبدتها، وتلك المودة هي أن الإنسان مشتمل على جسم وعقل، ولجسمه لذات جسمانية ولعقله لذات عقلية، ثم إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية، ومن غلبت عليه العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين قوم من الأكابر في مجمع يحصل ما فيه لذة جسمه من الأكل وإراقة الماء وغيرهما ولا يلتفت إلى اللذة العقلية من حسن السيرة وحمد الأوصاف ومكرمة الأخلاق. والعاقل يحمل الألم الجسماني ويحصل اللذة العقلية، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة وخرج منه ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة والألم العقلي. إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ولا تحتهم، ولا يمينهم ولا يسارهم، ولا قدامهم ولا وراءهم، ولا يكون جسماً من الأجسام، ولا شيئاً يدخل في الأوهام، ورأوا الأجسام المناسبة للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين الأوثان، ثم قال تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } يعني يوم يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي، ويقول المعبود ما هؤلاء عبدتي ويلعن بعضكم بعضاً، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني، ويقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك، ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى: {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } ثم قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره فأنتم في النار ولا ناصر لكم، وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال قبل هذا { أية : وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } تفسير : [العنكبوت:22] على لفظ الواحد، وقال ههنا على لفظ الجمع {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ننصر آلهتنا كما حكى الله تعالى عنهم { أية : حَرّقُوهُ وَٱنصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 68] فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم ولهم، أي للأوثان وعبدتها من ناصرين، وأما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله: {وَلاَ نَصِيرٍ }. المسألة الثانية: قال هناك {مَالَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } وما ذكر الولي ههنا فنقول: قد بينا أن المراد بالولي الشفيع يعني ليس لكم شافع ولا نصير دافع، وههنا لما كان الخطاب دخل فيه الأوثان أي ما لكم كلكم لم يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم شافع لأنهم كانوا يدعون أن آلهتهم شفعاء، كما قال تعالى عنهم: { أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا } تفسير : [يونس: 18] والشفيع لا يكون له شفيع، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه لاعترافهم به، وأما هناك فكان الكلام معهم وهم كانوا يدعون أن لأنفسهم شفعاء فنفى. المسألة الثالثة: قال هناك {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ ٱللَّهِ } فذكر على معنى الاستثناء فيفهم أن لهم ناصراً وولياً هو الله وليس لهم غيره ولي وناصر وقال ههنا {مَا لَكُم مّنْ نَّـٰصِرِينَ } من غير استثناء فنقول كان ذلك وارداً على أنهم في الدنيا فقال لهم في الدنيا، لا تظنوا أنكم تعجزون الله فما لكم أحد ينصركم، بل الله تعالى ينصركم إن تبتم، فهو ناصر معد لكم متى أردتم استنصرتموه بالتوبة وهذا يوم القيامة كما قال تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } وعدم الناصر عام لأن التوبة في ذلك اليوم لا تقبل فسواء تابوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم الله ولا ناصر لهم غيره فلا ناصر لهم مطلقاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ } إبراهيم {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰناً } تعبدونها و ما مصدرية {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له و ما كافة المعنى: تواددتم على عبادتها {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } يتبرأ القادة من الأتباع {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } يلعن الأتباع القادة {وَمَأْوَٰكُمُ } مصيركم جميعا {ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن نَّٰصِرِينَ } مانعين منها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال} ابراهيم مخاطبا لقومه {انما اتخذتم من دون الله اوثانا} اى اتخذتموها آلهة لا لحجة قامت بذلك بل {مودة بينكم} اى لتتوادوا بينكم وتتلاطفوا لاجتماعكم على عبادتها {فى الحياة الدنيا} يعنى مدة بقائكم فى الدنيا: وبالفارسية [ميخاهيد تاشمارا درعبادت آن ابتان اجتماعى باشد ودوستى بايكديكرتايكديكررا اتباع ميكنيد وبرآن اتباع دوست يكديكر ميشويد همجنانكه مؤمنان در عبادت الله بايكديكر مهر دارند ودوستى وتا در دنيا باشيد آن دوستى باقيست] {ثم يوم القيامة} بعد الخروج من الدنيا تنقل الامور ويتبدل التواد تباغضا والتلاطف تلاعنا حيث {يكفر بعضكم} وهم العبدة {ببعض} وهم الاوثان {ويلعن بعضكم بعضا} اى يلعن ويشتم كل فريق منكم ومن الاوثان حيث ينطقها الله الفريق الآخر واللعن طرد وابعاد على سبيل السخط وهو من الانسان دعاء على غيره. وفى التأويلات النجمية تكفر النفس بشهوات الدنيا اذا شاهدت وبال استعمالها وخسران حرمانها من شهوات الجنة وتعلن على الدنيا لانها كانت سببا لشقاوتها وتلعن الدنيا عليها كما عليه السلام "حديث : ان احدكم اذا لعن الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لله"تفسير : {ومأواكم} جميعا العابدون والمعبودون والتابعون والمتبعون {النار} اى هى منزلكم الذى تأوون اليه ولاترجعون منه ابدا {ومالكم من ناصرين} يخلصونكم منها كما خلصنى ربى من النار التى القيتمونى فيها وجمع الناصر لوقوعه فى مقابلة الجمع اى وما لاحد منكم من ناصر اصلا شعر : جون بت سنكين شمارا قبله شد لعنت وكورى شمارا ظاهر شد نيست هركز ازخدا نفرت شما شد محرم جنت ورحمت شما

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ} ابراهيم (ع) او قال الله {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قرئ مودة بينكم بالنّصب والاضافة وبالرّفع والاضافة وبالنّصب منوّنةً وبنصب بينكم يعنى انّ اتّخاذ الاوثان آلهةً ليس عن اعتقادٍ دينىٍّ وطلب شفيعٍ اخروىٍّ وخوف عقابٍ الهىٍّ بل محض المودّة الدّنيويّة وان يحبّكم اقرانكم ورؤساكم مثل اكثر المتزهّدين فى دين الاسلام يتجشّمون مرارة الزّهد وتعب منع النّفس عن لذائذها محض المراياة والصّيت وان يقولوا فى حقّه {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ} بعض العابدين {بِبَعْضٍ} آخر منهم، او بعض العابدين والمعبودين ببعضٍ آخر منهم، او يكفر العابدون بالمعبودين {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} او يكفّر كلّ بعضٍ من العابدين والمعبودين بكلّ بعضٍ ويلعن كلّ بعضٍ كلّ بعضٍ فانّ العابدين لمّا كان عبادتهم للاصنام مودّة بينهم فى الحيٰوة الدّنيا ولم يكن فى عبادتهم جهةٌ آلهيّةٌ بل كان عبادتهم لها ساترة للجهة الالهيّة ويظهر يوم القيامة انّ توادّهم وعبادتهم كانت مانعةً لهم عن موائدهم الاخرويّة ومؤدّية لهم الى العذاب الاليم كانت تورث بغض كلٍّ للآخر ولعن كلٍّ للآخر والمعبودون ينكرون عبادتهم لهم وينسبونهم الى الاهوية والجنّة ويلعنونهم لانّهم يلعنهم الّلاعنون {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} الاقتصار ههنا على النّاصر لانّ فى النّار ليس الاّ النّصرة ان كانوا ينصرون وامّا الولاية فانّها بعد الخروج من النّار.

الهواري

تفسير : {وَقَالَ} إبراهيم {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: يوادّ بعضكم بعضاً، أي: يحبّ بعضكم بعضاً على عبادة الأوثان في الحياة الدنيا. {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ} أي: بولاية بعضكم بعضاً وقال بعضهم: يتبرّأ بعضكم من بعض {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}. قال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي: فصدّقه لوط {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} يقوله إبراهيم {إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} هاجر من أرض العراق إلى أرض الشام. قال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ} فكان أول كتاب أنزل بعد كتاب موسى وما بعده من الكتب. قال: {وَءَاتَيْنَاهُ} أي: أعطيناه {أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} فليس من أهل دين إلا وهم يتولّونه ويحبونه. وهو مثل قوله: (أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ) تفسير : [الصافات: 108]. قال: {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} أي: لمن أهل الجنة. قوله: {وَلُوطاً} أي: وأرسلنا لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ} أي: المعصية، وهي إتيان الرجال في أدبارهم. {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ} أي: من عالم أهل زمانهم. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} في أدبارهم، وهذا على الاستفهام، أي: إنكم تفعلون ذلك. قال: {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} أي: على الغرباء، فتأتونهم في أدبارهم، وكانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء. وكانوا يتعرّضون الطريق ويأخذون الغرباء ولا يفعله بعضهم ببعض. قال: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ} أي: الفاحشة، يعني فعلهم ذلك. قال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وذلك لما كان يعدهم به من العذاب.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ} ابراهيم لقومه. {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} المفعول الثاني محذوف أي آلهة وما كافة ومودة مفعول لأجله يعني لتتحابوا وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها ويجوز ان يكون مفعولا ثانيا بتقدير مضاف اي ذات مودة او بمعنى اسم مفعول اي مودودة وقرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي ورويس بالرفع ولأضافة لبين على انها خبر لمحذوف اي هي مودة اي ذات مودة او مودودة والجملة نعت لأوثانا او خبر لأن على ان ما مصدرية اي اتخاذكم من دون الله اوثانا الهة مودة او اسم موصول محذوف الرابط اي ان الذي اتخذتموه من دون الله اوثانا مودة فعلى هذا يكون المحذوف هو المفعول الاول ويقدر مضاف ايضا اي ذو مودة او سبب مودة او المعنى مودود وقرىء برفع مودة منونة وبرفعها مضافة لبين مع فتح بين للبناء وقرأه حفص وحمزة بالنصب وجر بين على الاضافة وقرىء (انما مودتكم بينكم) وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وعن عصام {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} بفتح بينكم مع الاضافة. {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً} بعد مودتهم في الدنيا ولا ينفع بعضهم بعضا او يقع الكفر والتلاعن بين الاصنام وعبدتها وبين العبدة بان تلعن الرؤوس الاتباع والاتباع الرؤوس ويتكافروا. {وَمَأوَاكُمُ} مصيركم. {النَّارُ} لعابدين والمعبودين. {وَمَالَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} مانعين من العذاب.

اطفيش

تفسير : {وقالَ} إبراهيم {إنما اتخذتم مِن دُون الله أوثاناً مودَّة بينكُم في الحياة الدُّنيا} المحصور فيه مودة، اى ما اتخذتم من دون الله اوثاناً الا مودة، والمفعول الثاني محذوف، أى ما اتخذتم من دون الله اوثانا آلهة ومن دون الله حال من اوثانا، ويجوز كونه نعتاً للمفعول الثانى مقدماً على الاول، أى آلهة ثابتة من دون الله، ومودة مفعول من أجله، وبينكم متعلق به، او بمحذوف نعت لمودة، والمعنى جمع بينكم الاجتماع على الاوثان بالعبادة لها، والانفاق للمال عليها، او رأيتم بعض من تحبونه اتخذها، فاتخذتموها تبعا له لحبكم له، ويقال: أصل الصنم ان اناسا صالحين ماتوا، فصورهم حباً لهم، وعظموا صورهم، وما زالوا يزدادون تعظيمها حتى عبدوها، وألغى قولهم: "أية : ليقربونا إلى الله زُلفى"تفسير : [الزمر: 3] لانه لا ينصت اليه من له ادنى عقل. {ويَوْم القيامة يكْفُر بعْضُكم ببعْضٍ ويلْعَن بعضُكم بعْضاً} الخطاب للكفار وحدهم، يبرأ بعض من بعض يوم القيامة، ويتناكرون ويتباغضون بعد تحابهم في الدنيا، ويلعن بعض بعضاً يوم القيامة، كما ان الخطاب في بينكم واتخذتم لهم، وقيل: الخطاب لهم وللاوثان تغليباً للمخاطب المذكر، عن من لا يخاطب، وليس بعاقل، وهو الاوثان، وعلى هذا يخلق الله تعالى الحياة، والعقل والنطق للاوثان، فتكفر بعبادها وتلعنهم، ويكفرون بها، ويلعنونها، والاول اولى للخطاب السابق ولقوله: {ومأواكم} مرجعكم {النار وما لكم من ناصرين} فانه اظهر فيهم لا في الاوثان، ولو كان تقرن الاوثان بهم في النار، لكن الخطاب بمأواكم انسب لهم، على ان قوله: {وما لكم من ناصرين} لا يناسب الاوثان، ولو رد اليهم وحدهم وما قبله على الشركة كان تفكيك الضمائر.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ } إبراهيم عليه السلام مخاطباً لهم بعد أن أنجاه الله تعالى من النار. {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها وائتلافكم كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، فالمفعول له غاية مترتبة على الفعل ومعلول له في الخارج، أو المعنى إن مودة بعضكم بعضاً هي التي دعتكم إلى اتخاذها بأن رأيتم بعض من تودّونه اتخذها فاتخذتموها موافقة له لمودتكم إياه، وهذا كما يرى الإنسان من يوده يفعل شيئاً فيفعله مودّة له، فالمفعول له على هذا علة باعثة على الفعل وليس معلولاً له في الخارج، والمراد نفي أن يكون فيها نفع أو ضر وأن الداعي لاتخاذها رجاء النفع أو خوف الضر، وكأنه لم يعتبر ما جعلوه علة لاتخاذها علة وهو ما أشاروا إليه في قولهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى }تفسير : [الزمر: 3] للإشارة إلى أن ذلك لكونه أمراً موهوماً لا حقيقة له مما لا ينبغي أن يكون علة باعثة وسبباً حاملاً لمن له أدنى عقل. وقال بعضهم: يجوز أن يكون المخاطبون في هذه الآية أناساً مخصوصين، والقائلون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } أناساً غيرهم، وقيل: إنّ الأوثان أول ما اتخذت بسبب المودة، وذلك أنه كان أناس صالحون فماتوا وأسف عليهم أهل زمانهم فصورا حجاراً بصورهم حباً لهم فكانوا يعظمونها في الجملة ولم يزل تعظيمها يزداد جيلاً فجيلاً حتى عبدت، فالآية إشارة إلى ذلك، والمعنى إنما اتخذ أسلافكم من دون الله أوثاناً الخ، ومثله في القرآن الكريم كثير. وثاني مفعولي {اتخذتم} محذوف تقديره آلهة. وقال مكي: يجوز أن يكون اتخذ متعدياً إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } تفسير : [الأعراف: 152] ورد بأنه مما حذف مفعوله الثاني أيضاً، وجوز أن يكون {مودة} هو المفعول الثاني بتقدير مضاف أي ذات مودة وكونها ذات مودة باعتبار كونها سبب المودة، وظاهر كلام الكشاف أن المضاف المحذوف / هو لفظ سبب، وقد يستغنى عن التقدير بتأويل مودة بمودودة، أو بجعلها نفس المودة مبالغة، واعترض جعل {مودة} المفعول الثاني بأنه معرفة بالإضافة إلى المضاف إلى الضمير والمفعول الأول نكرة وذلك غير جائز لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر. وأجيب بأنه لا يلزم من غير جواز ذلك في أصلهما عدم جوازه فيهما، وإذا سلم اللزوم فلا يسلم كون المفعول الثاني هنا معرفة بالإضافة لما أنها على الاتساع فهي من قبيل الإضافة اللفظية التي لا تفيد تعريفاً وإنما تفيد تخفيفاً في اللفظ، كذا قيل وهو كما ترى. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر {مَّوَدَّةَ } بالنصب والتنوين بينكم بالنصب، والوجه أن مودة منصوب على أحد الوجهين السابقين و {بَيْنِكُمْ } منصوب به أو بمحذوف وقع صفة له، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس {مودَّةُ بَيْنِكُمْ } برفع مودة مضافة إلى بين وخفض بين بالإضافة، وخرج الرفع على أن مودة خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة على أحد التأويلات المعروفة؛ والجملة صفة {أوثاناً}، وجوز كونها المفعول الثاني أو على أنها خبر إن على أن ما مصدرية، أي إن اتخاذكم، أو موصولة قد حذف عائدها وهو المفعول الأول، أي إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثاناً مودة بينكم، ويجري فيه التأويلات التي أشرنا إليها. وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وأبو عمرو في رواية الأصمعي والأعشى عن أبـي بكر {مودّةٌ } بالرفع والتنوين {بَيْنَكُم } بالنصب، ووجه كل معلوم مما مر. وروي عن عاصم {مودةُ } بالرفع من غير تنوين و {بَيْنَكم } بفتح النون، جعله مبنياً لإضافته إلى لازم البناء فمحله الجر بإضافة مودة إليه، ولذا سقط التنوين منها. وفي قوله تعالى: {فِي ٱلْحَيَـٰوةِ ٱلدُّنْيَا } على هذه القراءات والأوجه فيها أوجه من الإعراب ذكرها أبو البقاء. الأول: أن يتعلق باتخذتم على جعل (ما) كافة ونصب (مودة) لا على جعلها موصولة أو مصدرية، ورفع مودة لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في حيز الصلة بالخبر. الثاني: أن يتعلق بنفس مودة إذا لم يجعل بين صفة لها بناءً على أن المصدر إذا وصف لا يعمل مطلقاً، وأجاز ابن عطية هذا التعلق وإن جعل بين صفة لما أنه يتسع بالظرف ما لم يتسع في غيره، فيجوز عمل المصدر به بعد الوصف. الثالث: أن يتعلق بنفس {بينكم} لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم. الرابع: أن يجعل حالاً من بينكم لتعرفه بالإضافة. وتعقب أبو حيان هذين الوجهين بعد نقلهما عن أبـي البقاء كما ذكرنا بأنهما إعرابان لا يتعقلان. الخامس: أن يجعل صفة ثانية لمودة إذا نونت وجعل {بينكم} صفة لها، وأجاز ذلك مكي وأبو حيان أيضاً. السادس: أن يتعلق بمودة ويجعل {بينكم} ظرفاً متعلقاً بها أيضاً، وعمل (مودة) في ظرفين لاختلافهما. السابع: أن يجعل حالاً من الضمير في {بينكم} إذا جعل وصفاً لمودة والعامل الظرف لأن العامل في ذي الحال هو العامل في الحال، ولا يجوز أن يكون العامل مودة لذلك. وقال مكي: لأنك قد وصفتها ومعمول المصدر متصل به فيكون قد فرقت بين الصلة والموصول بالصفة. وعن ابن مسعود أنه قرأ {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً إِنَّمَا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } بزيادة {إِنَّمَا } بعد أوثاناً ورفع {مودة} بلا تنوين وجر بين بالإضافة وخرجت على أن مودة مبتدأ و{في الحياة الدنيا} خبره، والمعنى إنما توادكم عليها أو مودتكم إياها كائن أو كائنة في الحياة الدنيا. {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يتبدل الحال حيث {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ } وهم العبدة {بِبَعْضِ } وهم الأوثان {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يلعن كل فريق منكم ومن الأوثان حيث ينطقها الله تعالى الفريق / الآخر، وفيه تغليب الخطاب وضمير العقلاء، وجوز أن يكون الخطاب للعبدة لا غير، والمراد بكفر بعضهم ببعض التناكر أي ثم يوم القيامة يظهر التناكر والتلاعن بينكم أيتها العبدة للأوثان. {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي هي منزلكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه أبداً. {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } يخلصونكم منها كما خلصني ربـي من النار التي ألقيتموني فيها، وجمع الناصرين لوقوعه في مقابلة الجمع، أي ما لأحد منكم من ناصر أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون مقالته هذه سابقة على إلقائه في النار وأن تكون بعد أن أنجاه الله من النار. والأظهر من ترتيب الكلام أنها كانت بعد أن أنجاه الله من النار، أراد به إعلان مكابرتهم الحق وإصرارهم على عبادة الأوثان بعد وضوح الحجة عليهم بمعجزة سلامته من حرق النار. وتقدم ذكر الأوثان قريباً. ومحط القصر بــــ {إنما} هو المفعول لأجله؛ أما قصر المعبودات من دون الله على كونها أوثاناً فقد سبق في قوله {أية : إنما تعبدون من دون الله أوثاناً}تفسير : [العنكبوت: 17] أي ما اتخذتم أوثاناً إلا لأجل مودّة بعضكم بعضاً. ووجه الحصر أنه لم تبق لهم شبهة في عبادة الأوثان بعد مشاهدة دلالة صدق الرسول الذي جاء بإبطالها فتمحض أن يكون سبب بقائهم على عبادة الأوثان هو مودة بعضهم بعضاً الداعية لإباية المخالفة. والمودة: المحبة والإلف. ويتعين أن يكون ضمير {بينكم} شاملاً للأوثان. والمودة: المحبة. فهؤلاء القوم يحب بعضهم بعضاً فلا يخالفه وإن لاح له أنه على ضلال، ويحبون الأوثان فلا يتركون عبادتها وإن ظهرت لبعضهم دلالة بطلان إلهيتها قال تعالى {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحب الله}تفسير : [البقرة: 165]. قال الفخر: أي مودة بين الأوثان وعبدتها فإن من غلبت عليه اللذات الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين مجمع من الأكابر لا يلتفت إلى اللذة العقلية من الحياء وحسن السيرة بل يحصِّل ما فيه لذة جسمه. فهم كانوا قليلي العقول فغلبت عليهم اللذات الجسمية فلم يتسع عقلهم لمعبود غير جسماني ورأوا تلك الأصنام مُزينة بألوان وجواهر فأحبوها. وفعل {اتخذتم} مراد به الاستمرار والبقاء على اتخاذها بعد وضوح حجة بطلان استحقاقها العبادة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف {مودة} منصوباً منوناً بدون إضافة، و{بينكم} منصوباً على الظرفية. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب {مودة} منصوباً غير منون بل مضافاً إلى {بينكم}، و{بينكم} مجرور أو هو من إضافة المظروف إلى الظرف. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب مرفوعاً مضافاً على أن تكون (ما) في {إنما} موصولة وحقها أن تكتب مفصولة، و {مودة} خبر (إن) تكون كتابة {إنما} متصلة من قبيل الرسم غير القياسي فيكون الإخبار عنها بأنها مودة إخباراً مجازياً عقلياً باعتبار أن الاتخاذ سبب عن المودة. ولما في المجاز من المبالغة كان فيه تأكيد للخبر بعد تأكيده بــــ (إن) فيقوم التأكيدان مقام الحصر إذ ليس الحصر إلا تأكيداً على تأكيد كما قال السكاكي، أي لأنه بمنزلة إعادة الخبر حيث يُثبت ثم يؤكد بنفي ما عداه. والخبر مستعمل في غير إفادة الحكم بل في التنبيه على الخطأ بقرينة قوله عقبه {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً}. ونظيره جملة صلة الموصول في قول عبدة بن الطبيب: شعر : إن الذين تَروْنهم إخوانَكم يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا تفسير : ولما كان في قوله {مودة بينكم} شائبة ثبوت منفعة لهم في عبادة الأوثان إذ يكتسبون بذلك مودة بينهم تلذ لنفوسهم قرنه بقوله {في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} الخ تنبيهاً لسوء عاقبة هذه المودة وإزالة للغرور والغفلة، ليعلموا أن اللذات العاجلة لا عِبرة بها إن كانت تُعقِب ندامة آجلة. ومعنى {يكفر بعضكم ببعض} أن المخاطبين يكفرون بالأصنام التي كانوا يعبدونها إذ يجحدون يوم القيامة أنهم كانوا يعبدونها. ومعنى {ويلعن بعضكم بعضاً} أن المخاطبين يلعن كل واحد منهم الآخرين؛ إما لأن الملعونين غرّوا اللاعنين فسوّلوا لهم اتخاذ الأصنام، وإما لأنهم وافقوهم على ذلك. وهذه مخاز تلحق بعضهم من بعض، ثم ذكر ما يعمهم من عذاب الخزي بقوله {ومأواكم النار}. ثم ذكر ما يعمهم جميعاً من انعدام النصير فقال {وما لكم من ناصرين} فنفى عنهم جنس الناصر. وهو من يزيل عنهم ذلك الخزي. وجيء في نفي الناصر بصيغة الجمع هنا خلافاً لقوله آنفاً {أية : وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير}تفسير : [العنكبوت: 22] لأنهم لما تألبوا على إبراهيم وتجمعوا لنصرة أصنامهم كان جزاؤهم حرمانهم من النصراء مطابقة بين الجزاء والحالة التي جوزوا عليها. على أن المفرد والجمع في حيّز النفي سواء في إفادة نفي كل فرد من الجنس.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 25- وقال إبراهيم لقومه: لم تعبدوا إلا آلهة باطلة عبادتها. ثم يتبدل الحال يوم القيامة، فيتبرأ القادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة، ومصيركم جميعاً النار، وليس لكم ناصر يمنعكم من دخولها. 26- وكان أول من أجاب دعوة إبراهيم إلى الحق "لوط" فصدق وكان موحداً من قبل، وقال إبراهيم - مطيعاً لأمر الله -: إنى مهاجر إلى الجهة التى أمرنى ربى بالهجرة إليها والقيام بالدعوة إلى الله فيها. وهو العزيز الذى يمنعنى من أعدائى، الحكيم الذى لا يأمرنى إلا بما هو خير. 27- ومَنَّ الله على إبراهيم بإسحاق ولده وبيعقوب حفيده، وكرَّمه بأن جعل النبوات فى ذريته، وأنزل عليهم الكتب السماوية، وجزاه الله أحسن الجزاء فى الدنيا، وهو فى الآخرة من خيار الصالحين. 28- واذكر - أيها الرسول - إذ أرسلنا لوطاً إلى قومه، فدعاهم إلى توحيد الله وطاعته، وأنكر عليهم العمل الفاحش الذى كانوا يفعلونه ولم يسبقهم إلى فعله أحد من خلق الله. 29- إن ما تفعلونه منكر مُهلك. فإنكم تفعلون الفاحشة بالرجال، وتقطعون سبيل النسل، فيكون المآل الفناء. وترتكبون فى مجتمعاتكم المنكرات دون خوف من الله ولا حياء فيما بينكم. فلم يستمع له قومه، ولم يكن لهم جواب غير السخرية به، وطلبوا منه أن يُعجِّل بعذاب الله الذي يُهددهم به إن كان صادقاً فيما يقول. 30- فاستعان لوط عليهم بالله، وطلب أن ينصره على قومه المفسدين فى الأرض.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَوْثَاناً} {ٱلْحَيَاةِ} {ٱلْقِيَامَةِ} {مَأْوَاكُمُ} {نَّاصِرِينَ} (25) - وَقَالَ لَهُمْ إِبرَاهِيمُ عليهِ السَّلامُ، مُقَرِّعاً ومُوَبِّخاً عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ في عِبَادَتِهِم الأَوثَانَ: إِنَّكُمْ إِنَّما اجْتَمَعْتُمْ عَلى عِبادَتِها فِي الدُّنيا للصَّدَاقةِ، والإِلفةِ التي تَقُومُ بَينَكُمْ، لا لِقِيامِ دَليلٍ عِنْدَكُمْ عَلَى صِحَّةِ عِبَادَتِها، وَلَمْ يُنكِرْ بعضُكُمْ عَلى بَعْضٍ عِبَادَةَ هذهِ الأصنامِ مُراعاةً لهذِهِ المَوَدَّةِ. ثُمَّ تَنْعَكِسُ الحَالُ في الآخِرَةِ فَتُصْبحُ هذِهِ المَوَدَّةُ والصَّدَاقَةُ بُغْضاً وَشَنآناً، وَيَجْحَدُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ الأَتْبَاعُ مِنْكُم المَتْبُوعِينَ، ويَلْعَنُ المَتْبُوعُونَ الأَتْبَاعَ، وَسَيكُونُ مَأْوَاكُمْ جَميعاً النَّارَ، ولَيْسَ لَكُمْ مَنْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ عَذَابِ الله تَعَالَى. مَوَدَّةَ بَيْنكُمْ - لِلتَّوَادِّ والتَّواصُل بَيْنَكُمْ لاجْتِمَاعِكُمْ عَلَى عِبَادَتِها. مَأْوَاكُمُ النَّارُ - مَنْزِلُكُمُ الذِي تأْوُونَ إِليهِ النَّارُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المعنى: إنْ كنتم لم تؤمنوا بالآيات الكونية الدالة على قدرة الله، ولم تؤمنوا بالمعجزة التي رأيتموها حين نجاني ربي من النار، وكان عليكم أنْ تؤمنوا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، فلماذا إصراركم على الكفر؟ فلا بُدَّ أنكم كفرتم بالله وعبدتم الأصنام، لا لأنكم مقتنعون بعبادتها، ولا لأنها تستحق العبادة، إنما عبدتموها {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [العنكبوت: 25] يعني: نفاقاً ينافق به بعضكم بعضاً ومجاملة؛ لأنكم رأيتم رؤوس القوم فيكم يعبدونها فقلَّدتموهم دون اقتناع منكم بما تعبدون، أو مودةً لآبائكم الأولين، وسَيْراً على نهجهم، كما حكى القرآن: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]. وفي آية أخرى {أية : قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ..} تفسير : [المائدة: 104]. لكن هذه المودة وهذه المجاملة وهذا النفاق عمرها (الحياة الدنيا) فحسب، وفي الآخرة ستتقطع بينكم هذه المودات: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ..} تفسير : [الزخرف: 67] يعني: ستنقلب هذه المودة وهذه المجاملة إلى عداوة، بل وإلى معركة حكاها القرآن: {أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ..} تفسير : [فصلت: 29]. وقال: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة: 166]. ويقرر هنا أيضاً هذه الحقيقة: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] ذلك لأن المقدمات التي سبقتْ كانت تقتضي أنْ يؤمنوا، فما كان منهم إلا الإصرار على الكفر. وفي الوقت الذي تنقلب فيه مودة الكافرين عداوةً تنقلب عداوة المؤمنين الذين تعاونوا على الطاعة إلى حُبٍّ ومودة، فيقول المؤمن لأخيه الذي جَرَّه إلى الطاعة وحمله عليها - على كُرْه منه وضيق - جزاك الله خيراً لقد أنقذتني. ولا ينتهي الأمر عند هذه العقوبة التي يُوقعونها بأنفسهم من التبرؤ واللعن، بل ينصرفون إلى عقوبة أشدّ {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] ونلحظ هنا أن الحق سبحانه لم يقُلْ: وما لكم من دون الله؛ لأن الكلام في الآخرة حيث لا توبةَ لهم ولا رجوعَ، فقد انتفى أن يكون لهم ولي أو نصير من الله. كذلك لا ناصرَ لهم من أوليائهم الذين عبدوهم من دون الله حيث يطلبون النُّصْرة من أحجار وأصنام، لا تنطق ولا تجيب. وهكذا تنتهي هذه اللقطة السريعة من قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وله تاريخ طويل، وهو شيخ المرسلين وأبو الأنبياء، وإنْ أردتَ أن تحكي قصته لأخذتْ منك وقتاً طويلاً، ويكفي أن الله تعالى قال عنه: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..} تفسير : [النحل: 120]. ثم يقول الحق سبحانه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ ...}.