٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني لما رأى لوط معجزته آمن {وقال} إبراهيم {إِنّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّى } أي إلى حيث أمرني بالتوجه إليه {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعزته، وحكيم لا يأمرني إلا بما يوافق لكمال حكمته، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } أي بعد ما رأى منه المعجز القاهر ودرجة لوط كانت عالية، وبقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ألا ترى أن أبا بكر لما قبل دين محمد صلى الله عليه وسلم وكان نير القلب قبله قبل الكل، من غير سماع تكلم الحصى ولا رؤية انشقاق القمر، فنقول إن لوطاً لما رأى معجزته آمن برسالته، وإما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن مقالته، وإليه أشار بقوله: {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } وما قال فآمن لوط. المسألة الثانية: ما تعلق قوله وقال: {إِنّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّى } بما تقدم؟ فنقول بما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي حيث رأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق وهو عبث أو يسكت والسكوت دليل الرضا فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة. المسألة الثالثة: قال: {مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّى } ولم يقل مهاجر إلى حيث أمرني ربـي مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة، فنقول قوله: مهاجر إلى حيث أمرني ربـي ليس في الإخلاص كقوله: {إِلَىٰ رَبّى } لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى الموضع الفلاني، ثم إن واحداً منهم سافر إليه لغرض (في) نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصاً لوجهه فقال: {مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبّى } يعني توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة إنما هو طلب لله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} لُوطٌ أوّل من صدّق إبراهيم حين رأى النار عليه برداً وسلاماً. قال ابن إسحاق آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخته، وآمنت به سارّة وكانت بنت عمه. {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} قال النّخعيّ وقتادة: الذي قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} هو إبراهيم عليه السلام. قال قتادة: هاجر من كوثا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حرّان ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران ابن تارخ، وامرأته سارة. قال الكلبي: هاجر من أرض حرّان إلى فلسطين. وهو أوّل من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} لوط عليه السلام. ذكر البيهقي عن قتادة قال: أوّل من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول: حديث : خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد رأيت خَتَنك ومعه امرأته. قال: «على أي حال رأيتهما» قالت: رأيته وقد حمل امرأته على حمار من هذه الدَّبَّابة وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صحبهما الله إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط» تفسير : قال البيهقي: هذا في الهجرة الأولى، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إِلَىٰ رَبِّيۤ} أي إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم. وتقدم الكلام في الهجرة في «النساء» وغيرها. قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} أي منّ الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ولداً ويعقوب ولد ولدٍ. وإنما وهب له إسحاق من بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق. {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من صلبه، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل (والفرقان). فهو عبارة عن الجمع. فالتوراة أُنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده؛ والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} يعني اجتماع أهل الملل عليه؛ قاله عكرمة. وروى سفيان عن حميد بن قيس قال: أمر سعيد بن جبير إنساناً أن يسأل عكرمة عن قوله جل ثناؤه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} فقال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه وتقول هو منا؛ فقال سعيد بن جبير: صدق. وقال قتادة: هو مثل قوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} تفسير : [النحل: 122] أي عاقبة وعملاً صالحاً وثناء حسناً. وذلك أن أهل كل دين يتولونه. وقيل: {آتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} أن أكثر الأنبياء من ولده. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} ليس {فِي الآخِرةِ} داخلاً في الصلة وإنما هو تبيين. وقد مضى في «البقرة» بيانه. وكل هذا حثٌّ على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدين الحق.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم: أنه آمن له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون: هو لوط بن هاران بن آزر، يعني: ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة إبراهيم الخليل، لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح: أن إبراهيم حين مر على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: أختي، ثم جاء إليها، فقال لها: إني قد قلت له: إنك أختي، فلا تكذبيني؛ فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا ــــ والله أعلم ــــ أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطاً عليه السلام آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم، وأقام بها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي. وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} يحتمل عود الضمير في قوله: {لَهُ لُوطٌ وَقَالَ} على لوط؛ لأنه هو أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم، قال ابن عباس والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: {فَـآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي: من قومه، ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين، والتمكن من ذلك، ولهذا قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقال قتادة: هاجروا جميعاً من كوثى، وهي من سواد الكوفة، إلى الشام. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم، وتقذرهم روح الله عز وجل، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم».تفسير : وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث، فرواه مطولاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمرعن قتادة عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام، فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل، فانتبذ الناس، وعليه خميصة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف، أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف منهم» تفسير : قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن، قطع، كلما خرج منهم قرن، قطع ــــ حتى عدها زيادة على عشرين مرة ــــ كلما خرج منهم قرن، قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم» تفسير : ورواه الإمام أحمد عن أبي داود وعبد الصمد، كلاهما عن هشام الدستوائي عن قتادة به، وقد رواه أبو داود في "سننه" فقال في كتاب الجهاد (باب ما جاء في سكنى الشام): حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا، وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن، والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم، لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله تعالى» تفسير : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم، حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها» تفسير : ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يخرج قوم من أمتي يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ــــ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: ــــ يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا، فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا، فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا، فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن، قتله الله» تفسير : فردد ذلك رسول لله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة وأكثر، وأنا أسمع. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا أبو الحسن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، وهشام بن عمار الدمشقيان، قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي عن نافع، وقال أبو النضر: عمن حدثه عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى الإ شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم» تفسير : غريب من حديث نافع، والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ. وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} كقوله: {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 49] أي: أنه لما فارق قومه، أقر الله عينه بوجود ولد صالح نبي، وولد له ولد صالح نبي في حياة جده، وكذلك قال تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} تفسير : [الأنبياء: 72] أي: زيادة؛ كما قال تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] أي: يولد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقر به أعينكما، وكون يعقوب ولد لإسحاق نص عليه القرآن، وثبتت به السنة النبوية، قال الله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا} تفسير : [البقرة: 133] الآية، وفي "الصحيحين": «حديث : أن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام» تفسير : فأما ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} قال: هما ولدا إبراهيم، فمعناه: أن ولد الولد بمنزلة الولد؛ فإن هذا الأمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} هذه خلعة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلاً، وجعله للناس إماماً أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم عليه السلام إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشراً بالنبي العربي القرشي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام. وقوله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: {وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ} أي قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه، ولهذا قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} وكما قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} - إلى قوله - {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَئَامَنَ لَهُ } صدّق بإبراهيم {لُوطٌ} وهو ابن أخيه هاران {وَقَالَ } إبراهيم {إِنّى مُهَاجِرٌ } من قومي {إِلَىٰ رَبِّى } أي إلى حيث أمرني ربي وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في خلقه.
ابن عطية
تفسير : {فآمن} معناه فصدق وهو فعل يتعدى بالباء وباللام والقائل {إني مهاجر} هو إبراهيم عليه السلام قاله قتادة والنخعي. وقالت فرقة: هو لوط عليه السلام، ومما صح من القصص أن إبراهيم ولوطاً هاجرا من قريتهما كوثا وهي في سواد الكوفة من أرض بابل إلى بلاد الشام فلسطين وغيرها، وقال ابن جريج: إلى حران، ثم أمرا بعد إلى الشام وفي هذه الهجرة كانت سارة في صحبة إبراهيم واعتراهما أمر الملك، والمهاجر، النازع عن الأمر وهو في عرف الشريعة من ترك وطنه رغبة في رضى الله تعالى، وقد ذهب بهذا الاسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وقوله {العزيز الحكيم} مع الهجرة إليه، صفتان بليغتان يقتضي استحقاق التوكل عليه، وفي قوله {إلى ربي}، حذف مضاف كأنه يقول إلى رضى ربي أو نحو هذا، و {إسحاق} بن إبراهيم هو الذي بشر به في شيخه، وبشر بـ {يعقوب} من ورائه فهو ولد إسحاق، {والكتاب} اسم الجنس أي جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم جميع الكتب المنزلة التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وعيسى عليه السلام من ذريته، وقوله {أجره في الدنيا}، يريد في حياته وبحيث أدرك ذلك وسر به، والأجر الذي آتاه الله هو العافية من النار ومن الملك الجائر والعمل الصالح والثناء الحسن قاله مجاهد، وأن كل أمة تتولاه، قاله ابن جريج، والولد الذي قرت به العين بحسب طاعة الله، قاله الحسن ثم أخبر عنه أنه في الآخرة في عداد الصالحين الذين نالوا رضى الله وفازوا برحمته وكرامته العليا، وقوله تعالى {ولوطاً} نصب بفعل مضمر تقديره واذكر لوطاً، و {الفاحشة} إتيان الرجال في الأدبار وهي معصية ابتدعها قوم لوط.
ابن عبد السلام
تفسير : {لُوطٌ} كان ابن أخيه وآمنت به سارة وكانت بنت عمه، أو كانت سارة أخت لوط. {مُهَاجِرٌ} للظالمين. فهاجر من الجزيرة إلى حَرَّان، أو من كوثى وهي سواد الكوفة إلى الشام.
النسفي
تفسير : {فَـئَامَنَ لَهُ } لإبراهيم عليه السلام {لُوطٌ } هو ابن أخي إبراهيم وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه {وَقَالَ } إبراهيم {إِنّى مُهَاجِرٌ } من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين وهي من برية الشام، ومن ثم قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان. وكان معه في هجرته لوط وسارة وقد تزوجها إبراهيم {إِلَىٰ رَبّى } إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي يمنعني من أعدائي {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يأمرني إلا بما هو خير {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ } ولداً {وَيَعْقُوبَ } ولد ولد ولم يذكر إسماعيل لشهرته {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ } أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء {وَٱلْكِتَـٰبَ} والمراد به الجنس يعني التوراة والإنجيل والزبور والفرقان {وَءاتَيْنَاهُ } أي إبراهيم {أَجْرُهُ } الثناء الحسن والصلاة عليه إلى آخر الدهر ومحبة أهل الملل له، أو هو بقاء ضيافته عند قبره وليس ذلك لغيره {فِى ٱلدُّنْيَا } فيه دليل على أنه تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي من أهل الجنة: عن الحسن {وَلُوطاً } أي واذكر لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } الفعلة البالغة في القبح وهي اللواطة {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة كأن قائلاً قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحداً قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينزل ذكر على ذكر قبل قوم لوط
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ} معناه: صدق، وآمن: يتعدى باللام والباء، والقائل {إِنِّي مُهَاجِرٌ} هو إبراهيم عليه السلام. قاله قتادةُ والنخعيُّ؛ وقالت فرقةٌ: هو لوط ـــ عليه السلام ـــ. وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا...} الآية، الأجرُ الذي آتاهُ اللّه في الدنيا: العافيةُ من النار ومن المَلِكِ الجائرِ. والعملُ الصالحُ؛ أو الثناءُ الحسنُ؛ قاله مجاهد ويدخل في عموم اللفظ غيرُ ما ذُكِرَ. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: في عداد الصالحين الذين نالوا رضا اللّه عز وجل، وقول لوط عليه السلام: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ}، قالت فرقة: كان قطعُ الطريقِ بالسلب فاشياً فيهم، وقيل غيرُ هذا، والنادي، المجلس الذي يجتمع الناس فيه. واخْتُلِفَ في هذا المُنْكَرِ الذي يأتونه في ناديهم: فقالت فرقة: كانوا يحذفونَ الناسَ بالحصباءِ؛ ويَسْتَخِفُّونَ بالغريب والخاطر عليهم؛ وروته أم هانىءٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم: وَكَانَتْ خُلقهُمْ مُهْمَلَةً؛ لاَ يَرْبِطُهُمْ دِينٌ؛ وَلاَ مُرُوءَةٌ، وقال مجاهد: كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ؛ وبعضُهُمْ يَرَىٰ بَعْضاً. وقال ابن عباس: كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّراً والرجزُ: العذابُ. وقوله تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا}؛ أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية: موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سُخْط اللّه تعالى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم، وكان ابن أخيه وقال إبراهيم: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} إلى حيث أمرني ربي بالتوجه إليه من "كوثا" وهو من سواد الكوفة إلى "حران ثم إلى الشام ومعه" لوط "وامرأته" سارة "وهو أول من هاجر". وقال مقاتل: هاجر إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) وهو ابن خَمْسٍ وسبعينَ سنةً. ثم قال: "إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعونه، و"حكيم" لا يأمرني إلا بما يوافق الحكمة. (فإن قيل): قوله {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي بعد ما رأى منه العجز القاهر، ودرجة لوط كانت عالية فبقاؤه إلى هذه الوقت مما ينقص من الدرجة، ألا ترى إلى أبي بكر - رضي الله عنه - لما قبل دين محمد - صلى الله عليه وسلم - كان قبوله قبل الكل من غير سماع تكلم الحَصَى، ولا رُؤية انْشِقَاق القَمَر. فالجواب: أن لوطاً لما رأى معجزته آمن برسالته، وأما بالوحدانية فآمن مِن حيث سمع مقالته، ولهذا قال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}، ولم يقل: "فآمن لوط". فإن قيل: ما وجه تعلق قوله: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} بما تقدم؟ فنقول: لما بالغ إبراهيم في الإرشاد، ولم يهتدِ قومه وحصل اليأس الكلي، ورأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسد، لأنه إذا دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع في علمه، فيصير كمن يقول للحجر صدق، وهو عبث والسكوت دليل الرضا فيقال: إنه صار منا، ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} ولم يقل: "مهاجر إلى حيثُ أمرني ربي" مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة. فالجواب: أن قوله "إِلَى حيث أمَرَنِي رَبِّي" ليس في الإخلاص، كقوله: "إلَى رَبِّي" لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى موضع ثم إن واحداً منهم عاد إلى ذلك الموضع لغرض (في) نفسه يصيبه، فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصاً لوجهه، وقال: {مهاجر إلى ربي} يعني: توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة، إنما طلب لله. قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ}، قِيلَ: إن الله لم يبعث نبياً بعد "إبراهيم" إلا من نَسْلِهِ، {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} وهو الثناء الحسن، وكل الأديان يقولون به، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: إنه رأى مكانه في الجنة {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس: "مثل آدم، ونوح" وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدّل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما عذبه قومه بالنار كان وحيداً فريداً، فبدل الله وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كانت أقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم "آزر" بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين، وهم ذريته الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له، ولا مال، وهم غاية اللذة في الدنيا آتاه الله أجره في المال والجاه وكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدَدَهُ حتى قيل: إنه كان له اثنا عشر ألف كلبٍ حارس بأطواق ذهب وأما الجاه فصار (بحيث تقرن) الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، وصار معروفاً وشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}تفسير : [الأنبياء: 60]، هذا الكلام لا يقال إلا في مخمول من الناس. فإن قيل: إنَّ إسماعيلَ كان من أولاده الصالحين (وكان قد) سلم لأمر الله بالذبح، وانْقَادَ لحكم الله ولم يذكر. فالجواب: هو مذكور في قوله: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} (و) لكن لم يصرح باسْمِهِ؛ لأنه كان بين فضله معه بهبته الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو الأكبر، ومن الأحفاد واحداً كما يقال القائل: إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء، والملك الفلاني، والأمير الفلاني، ولا يعدد الكل لأنه ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصه، ولولا ذكر غيره لفهم منه التعديد، واستيعاب الكل فيُظَنّ أنه ليس معه غير المذكور. فإن قيل: إن الله تعالى لما جعل في ذريته النبوة أجابه لدعائه، والوالد يجب أن يسوي بين ولده فكيف صارت النبوة في ولد "إسحاق" أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل؟ فالجواب: أن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى (يوم) القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقِسْم الأول من الزمان بعث الله تعالى (فيه) أنبياء فيهم فضائلُ جمّة، وجاءوا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام، (ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده إسماعيل واحداً اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد عليه السلام) وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين إسماعيل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولا يَبْعُدُ أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار.
ابو السعود
تفسير : {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ} أي صدَّقه في جميع مقالاتِه لا في نُبُّوتِه وما دعا إليه من التَّوحيدِ فقط فإنَّه كان منزَّهاً عن الكُفر. وما قيل إنَّه آمنَ له حين رَأى النَّارَ لم تحرقْهُ ينبغي أنْ يُحملَ على ذكرنا أو على أنْ يُرادَ بالإيمانِ الرُّتبةَ العاليةَ منه وهي التي لا يرتقِي إليها إلاَّ همم الأفرادِ الكُمَّل. ولوطُ هو ابنُ أخيهِ عليهما السَّلامُ. {وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ} أي من قومِي {إِلَىٰ رَبّى} إلى حيثُ أمرني ربِّـي {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ على أمرِه فيمنعني من أعدائِي {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يفعلُ فعلاً إلاَّ وفيه حكمةٌ ومصلحةٌ فلا يأمرني إلا بما فيه خلاصي. رُوي أنَّه هاجر من كُوثَى سوادِ الكُوفةِ مع لوطَ وسارَّة ابنة عمِّه إلى حرَّانَ ثمَّ منها إلى الشأمِ فنزلَ فلسطينَ ونزل لوطُ سَدُومَ {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} ولداً ونافلةً حين أيسَ من عجوزٍ عاقرٍ {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ} فكثُر منهم الأنبـياءُ {وَٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسَ الكتابِ المتناولِ للكتبِ الأربعةِ {وآتيناه أجره} بمقابلة هجرتِه إلينا {فِى ٱلدُّنْيَا} بإعطاءِ الولد والذُّرية الطيبةِ واستمرار النُّبوة فهيم وانتماءِ أهل المللِ إليه والثناء والصَّلاة عليه إلى آخرِ الدَّهر {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي الكاملينَ في الصَّلاح {وَلُوطاً} منصوبٌ إمَّا بالعطفِ على نوحاً أو على إبراهيمَ والكلامُ في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} كالذي مرَّ في قصَّة إبراهيمَ عليه السَّلام {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ} أي الفعلةَ المُتناهيةَ في القُبح. وقُرىء أَئِنَّكم {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} استئنافٌ مقررٌ لكمالِ قُبحها، فإنَّ إجماعَ جميع أفرادِ العالمينَ على التَّحاشي عنها ليس إلا لكونِها مما تشمئزُّ منه الطِّباع وتنفرُ منه النُّفوسُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} [الآية: 26]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: إنى راجع إلى ربى من جميع مالى وقاصد إليه بالانفصال عمّا دونه ولا يصح لأحد الرجوع إليه وهو متعلق بشىء من الكون حتى ينفصل عن الأكوان أجمع ولا يتصل بها.
القشيري
تفسير : لا تَصِحُّ الهجرةُ إلى الله إلاّ بالتبرِّي - بالكمالِ - بالقلبِ عن غير الله. والهجرةُ بالنَّفْسِ يسيرةٌ بالإضافة إلى الهجرة بالقلب - وهي هجرة الخواص؛ وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجَمْعِ. والجمعُ بين التعريجِ في أوطان التفرقة والكوْنِ في مشاهد الجَمْعِ مُتنافٍ.
البقلي
تفسير : {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } عائن الحق {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ} من نفسى ومن الكون اليه بالانفصال عما دونه ولا يصح لاحد الرجوع اليه وهو متعلق بشئ من الكون حتى ينفصل عن الاكوان اجمع ولا تصل بها وقال ابن عطا اى راجع الى برى من جميع مالى وعلى الرجوع اليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فآمن له لوط} آمن له وآمن به متقارب فى المعنى ولوط ابن اخته: يعنى [خواهر زاده ابراهيم بود وبقولى برادر زاده او] والمعنى صدقه فى جميع مقالاته لا فى نبوته ومادعا اليه من التوحيد فقط فانه كان منزها عن الكفر وماقيل انه آمن له حين رأى النار لم تحرقه ينبغى ان يحمل على ماذكرنا او على انه يراد بالايمان الرتبة العالية منه وهى التى لايرتقى اليها الا همم الافراد وهو اول من آمن به {وقال} اى ابراهيم للوط وسارة وهى ابنة عمه وكانت آمنت به وكانت تحت نكاحه {انى مهاجر} اى تارك لقومى وذاهب {الى ربى} اى حيث امرنى. والمهاجرة [از زمينى شدن واز كسى ببريدن] ومنه الحديث "لايذكر الله الا مهاجرا" اى قلبه مهاجر للسانه غير مطابق له. قال فى المفردات الهجر والهجران مفارقة الانسان غيره اما بالبدن او باللسان او بالقلب. قال بعض العارفين انى راجع من نفسى ومن الكون اليه فالرجوع اليه بالانفصال عما دونه ولايصح لاحد الرجوع اليه وهو متعلق بشىء من الكون حتى ينفصل عن الاكوان اجمع ولايتصل بها: قال الكمال الخجندى شعر : وصل ميسر نشود جز بقطع قطع نخست ازهمه ببريدنست تفسير : {انه هو العزيز} الغالب على امره فيمنعنى من اعدائه {الحكيم} الذى لايفعل الا مافيه حكمة ومصلحة فلا يأمرنى الا بما فيه صلاحى ومن لم يقدر فى بلدة على طاعة الله فليخرج الى بلدة اخرى. وفى التأويلات النجمية {انه العزيز} اى ان الله اعز من ان يصل اليه احد الا بعد مفارقته لغيره {الحكيم} الذى لايقبل بمقتضى حكمته الا طيبا من لوث انانيته كما قال عليه السلام "حديث : ان الله طيب لايقبل الا الطيب"تفسير : انتهى ـ روى ـ ان ابراهيم عليه السلام او من هاجر ولكن نبى هجرة ولابراهيم هجرتان فانه هاجر من كوتى وهى قرية من سواد الكوفة مع لوط وسارة وهاجر الى حران ثم منها الى الشام فنزل فلسطين نزل لوط سدوم [صاحب كشاف آورده كه ابراهيم دروقت هجرت هفتاد وبنج ساله بود ودرهمين سال خدا اسماعيل را بوى دادازهاجركه كنيزك ساره فرزندى بخشيد جنانجه ميفرمايد]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فآمن} لإبراهيم، أي: انقاد {له لوطٌ}، وكان ابنَ أخيه، وأول من آمن به حين رأى النار لم تحرقه. {وقال} إبراهيم: {إني مهاجرٌ إلى ربي}؛ إلى حيث أمرني ربي بالهجرة، وهو الشام، فخرج من "كوثى"، وهي من سواد الكوفة، إلى حرّان، ثم منها إلى فلسطين، وهي من برية الشام، ونزل لوط بسدوم، ومِنْ ثَمَّ قالوا لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. وكان معه، في هجرته، لوط وسارة زوجته. وقيل: القائل: {إني مهاجرٌ إلى ربي} هو لوط، فأول من هاجر من الأنبياء إبراهيم ولوط. وذكر البيهقي: إن أول من هاجر منا في الإسلام بأهله: عثمان. ورفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. هـ. يعني: الهجرة إلى الحبشة. وكانت - فيما ذكر الواقدي - سنة خمس من البعثة، وأما الهجرة إلى المدينة؛ ففي البخاري عن البراء: أولُ من قَدِمَ المدينة من الصحابة، مهاجراً، مُصعبُ بن عُمير، وابن أم مكتوم، ثم جاء عمَّارُ، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم. {إنه هو العزيزُ} الذي يمنعني من أعدائي، {والحكيمُ} الذي لا يأمرني إلا بما هو خير لي. {ووهبنا له إسحاقَ} ولداً، {ويعقوبَ} وَلَدَ وَلَدٍ، ولم يذكر إسماعيل؛ لشهرته، أو: لأن إسحاق ولد بعد اليأس من عجوز عاقر، فَعَظُمَتْ المِنَّةُ به. {وجعلنا في ذريته النبوةَ} أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء، {والكتابَ} يريد به الجنسَ، ليتناول التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. {وآتيناه أجْرَه في الدنيا} أي: الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، أو: هو بقاء ضيافته عند قبره، وليس ذلك لغيره، أو: المال الحلال، واللفظ عام. وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعجل لأوليائه بعض الأجر في الدنيا، ولا يخل بعلو منصبهم {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لحضرتنا، والسكنى في جوارنا. أسكننا الله معهم في فسيح الجنان. آمين. الإشارة: الهجرة سُنَّة الخواص، وهي على قسمين: هجرة حسية وهجرة معنوية، فالحسية هي هجرة العبد من وطن تكثر فيه الغفلة والعوائق عن الله, أو الإذاية والإنكار, إلى وطن يجد فيه اليقظة وقلة العوائق. والهجرة المعنوية: هي هجرة القلب من وطن المعصية إلى وطن التوبة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن الحرص إلى وطن الزهد والقناعة، ومن وطن الحظوظ والشهوات إلى وطن العفة والحرية، ومن وطن الشواغل إلى وطن التفرغ، ومن وطن رؤية الحس إلى رؤية المعاني، وهذه نهاية الهجرة. قال القشيري: لا تَصحُّ الهجرةُ إلى الله إلا بالتبرِّي بالقلب من غير الله، والهجرةُ بالنفس يسيرةٌ بالنسبة إلى الهجرة بالقلب، وهي هجرة الخواص، وهي الهجرة عن أوطان التفرقة إلى ساحة الجمعِِ، والجمعُ بين التعريج في أوطان التفرقة والكونِ في مشاهدة الجمع متنافٍ. هـ. وقالَ في قوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي: للدنوِّ والقربة والتخصيص بالزلفة. هـ. ثم ذكر قصة لوط، فقال: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ...}
الطوسي
تفسير : ست آيات حجازي وخمس في ما عداه عدوا {السبيل} آية ولم يعدها الباقون. قرأ اهل الحجاز وابن عامر وحفص ويعقوب {إنكم لتأتون الفاحشة} بهمزة واحدة على الخبر. وقرأه اهل الكوفة. إلا حفصاً بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابو عمرو كذلك إلا انه بلين الثانية، ويفصل بينهما بألف، وأما {إنكم لتأتون الرجال} فانهم على اصولهم. حكى الله سبحانه ان ابراهيم لما دعا قومه إلى اخلاص عبادة الله وترك عبادة الاوثان، وقبح فعلهم في ذلك أنه صدّق به لوط عليه السلام وآمن به. وكان ابن اخته، فابراهيم خاله وهو قول ابن عباس وابن زيد والضحاك وجميع المفسرين. وقال لوط {إني مهاجر إلى ربي} معناه اي خارج من جملة الظالمين على جهة الهجر لهم لقبح أفعالهم إلى حيث أمرني ربي، ومن هذا هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة وإلى أرض الحبشة، لانهم هجروا ديارهم وأوطانهم لأذى المشركين لهم فأمروا بأن يخرجوا عنها. وقيل: هاجر ابراهيم ولوط من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى أرض الشام في قول قتادة. وقال {إنه هو العزيز الحكيم} الذي لا تضيع الطاعة عنده، العزيز الذي لا يذل من نصره. ثم قال {ووهبنا له} يعني لابراهيم {إسحاق ويعقوب، وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} قيل: إنما لم يذكر اسماعيل مع انه نبي معظم، لأنه قد دل عليه بقوله {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} فترك ذكر اسمه لانه يكفي فيه الدلالة عليه لشهرته وعظم شأنه، وذكر ولد ولده في سياقه ذكر ولده، لأنه يحسن اضافته اليه، لأنه الأب الاكبر له. وقوله {وآتيناه أجره في الدنيا} قال ابن عباس: الاجر في الدنيا الثناء الحسن، والولد الصالح، وقال الجبائي: هو ما أمر الله به المكلفين من تعظيم الأنبياء. قال البلخي: وذلك يدل على انه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب. و (الكتاب) أريد به الكتب، من التوراة والانجيل والزبور والقرآن، غير انه خرج مخرج الجنس. {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} اخبار منه تعالى أن ابراهيم مع انه آتاه أجره وثوابه في الدنيا إنه في الآخرة يحشره الله من جملة الصالحين العظيمي الاقدار، لما قاموا به من النبوة على ما أمر الله به، وقوله {ولوطاً إذ قال لقومه} يحتمل نصبه أيضاً بشيئين: احدهما - و (أرسلنا لوطاً) عطفاً على (نوحاً وابراهيم). والثاني - بتقدير واذكر لوطاً حين قال لقومه {إنكم لتأتون الفاحشة} من قرأ بلفظ الاستفهام أراد به الانكار دون الاستعلام. ومن قرأ على الخبر أراد إن لوطاً أخبرهم بذلك منكراً لفعلهم لا مفيداً لهم، لأنهم كانوا يعلمون ما فعلوه. والفاحشة - ها هنا - ما كانوا يفعلونه من اتيان الذكران في أدبارهم {ما سبقكم بها} بهذه الفاحشة أحد من الخلائق. ثم فسر ما أراد بالفاحشة فقال {إنكم لتأتون الرجال} يعني في أدبارهم، والفاحش الشنيع في القبح، فحش فلان يفحش فحشاً وتفاحش تفاحشاً إذا شنع في قبحه، وهو ظهوره بما تقتضي العقول بالبديهه ردّه وانكاره. وقوله {وتقطعون السبيل} قيل: انهم كانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال، وقيل: يقطعون سبيل الولد باتيان الذكران في الأدبار، وقيل: بالعمل الخبيث، لأنهم كانوا يطلبون الغرباء {وتأتون في ناديكم المنكر} قال ابن عباس: كانوا يضرطون في مجالسهم، وقال السدي: كانوا يحذفون من مرّ بهم. وقال مجاهد: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم. وقال الكلبي: منها الحذف، والصفير، ومضغ العلك، والرمي بالبندق، وحل ازرار القبا والقميص. وهي ثماني عشرة خصلة. وقال غيره: هي عشرة خصال. وقوله {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} حكاية عما قال قوم لوط في جوابه حين عجزوا عن مقاومته بالحجة وانهم قالوا له {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} في دعواك النبوة وأن الله أرسلك وأمرك بما تدعو اليه، فقال عند ذلك لوط {رب انصرني على القوم المفسدين} الذين فعلوا المعاصي وارتكبوا القبائح وأفسدوا في الارض والمعنى اكفني شرّهم وأذاهم، ويجوز أن يريد اهلكهم، وانزل عذابك عليهم.
الجنابذي
تفسير : {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ} من وطنى مع ابراهيم (ع) الى الشّام ومن موطن نفسى بايمانى على يد ابراهيم (ع) {إِلَىٰ رَبِّيۤ} فى الولاية وهو مقام القلب والعقل {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ} بعد هجرته الى الشّام ومكثه بها مدّة طويلةً {إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} بعد اسحاق (ع) {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} اى الرّسالة او جنس الكتاب السّماوىّ {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} بان صار عزيزاً فى الدّنيا واعطيناه اموالاً كثيرة من اموال الدّنيا وجعلنا له لسان صدقٍ فى الدّنيا بانّه ليس احد الاّ وهو يمدحه {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} الّذين لم يبق عليهم شوب فسادٍ.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَنَ لَهُ لُوطٌ} صدق برسالته لما رأى من معجزاته وهو اول من صدق بابراهيم من حيث الرسالة وأما الايمان بالله فهو مؤمن قبل ذلك لأن النبي لا يكون كافرا وذلك انه رأى النار لم تحرق ابراهيم فعلم انه نبي وهو ابن اخت ابراهيم. {وَقَالَ} ابراهيم عند قتادة والنخعي وقالت فرقة وقال لوط. {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} اي مهاجر من قومي اني حيث امرني ربي قيل هاجر الى الشام من العراق وروي انه هاجر من كوني وهي من سواد الكوفة الى حران ثم منها الى فلسطين ومن ثم قيل لكل نبي هجرة ولابراهيم هجرتان وكان معه في هجرته لوط وامرأته سارة بنت عمه وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة ونزل لوط سدوم وسكن ياء ربي غير رافع وأبي عمرو. {إِنُّهُ هُوَ العَزِيزُ} في ملكه يمنعني من اعدائي. {الحَكِيمُ} لا يأمرني الا بما فيه صلاحي وقيل ان ابراهيم اول من هاجر الى الله وترك بلده وسار الى حيث امره الله.
اطفيش
تفسير : {فآمن لَه لوُطٌ} اذعن له واظهر التوحيد السابق نصرة له، فان لوطا نبى، والنبى لا يكفر ولا يجهل قبل النبوءة، أو آمن ايماناً ليس له من قبل، وهو مرتبة عظيمة منه، او اذعن له باظهار ذلك حين راى النار لم تحرقه، أو ازداد ايماناً، استمر على ذلك له الى وقت نبوءتهما، وهو ابن اخت ابراهيم، فابراهيم خاله، وقيل: ابن اخيه هاران، فابراهيم عمه. {وقال} ابراهيم للوط {إنِّي مُهاجرٌ إلى ربِّي} الى حيث امرنى ربى، وعبادته سبحانه، او مهاجر قومى بقلبى ودينى ولسانى، وهو على ذلك من اول امره، ولكن اراد اظهار البقاء على ذلك، او الازدياد فيه، والاول اولى، كما روى انه هاجر من كوتى مع لوط وامراته سارة بنت عمه الى حمران، ثم منها الى الشام، نزل فلسطين، ونزل لوط سدوم، وهى المؤتفكه وبينهما مسيرة يوم وليلة، وعمر ابراهيم عليه السلام حينئذ خمس وسبعون سنة، وهو أول من هاجر في الله عز وجل، وقيل: ضمير قال للوط وهو ضعيف، لأن الضمائر قبل وبعد لأبراهيم {إنَّه هو العَزيزُ} الغالب فيمنعنى من اعدائى {الحكِيمُ} أفعاله وأقواله حكمة ومصلحة فأنال صلاحي معه.
الالوسي
تفسير : {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } أي صدقه عليه السلام في جميع مقالاته أو بنبوته حين ادعاها لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد ولم يكن كذلك قبل، فإنه عليه السلام كان متنزهاً عن الكفر، وما قيل: إنه آمن له عليه السلام حين رأى النار لم تحرقه ضعيف رواية وكذا دراية، لأنه بظاهره يقتضي عدم إيمانه قبل وهو غير لائق به عليه السلام، وحمله بعضهم على نحو ما ذكرنا أو على أن يراد بالإيمان الرتبة العالية منها وهي التي لا يرتقي إليها إلا الأفراد، ولوط على ما في «جامع الأصول» ابن أخيه هاران بن تارح، وذكر بعضهم أنه ابن أخته بالتاء الفوقية. {وَقَالَ } إبراهيم عليه السلام كما ذهب إليه قتادة والنخعي، وقيل: الضمير للوط عليه السلام وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك، والجملة استئناف بياني كأنه قيل: فماذا كان منه عليه السلام؟ فقيل: قال {إِنّى مُهَاجِرٌ } أي من قومي {إِلَىٰ رَبّى } أي إلى الجهة التي أمرني ربـي بالهجرة إليها، وقيل: إلى حيث لا أمنع عبادة ربـي، وقيل: المعنى مهاجر من خالفني من قومي متقرباً إلى ربـي. {إِنَّهُ } عز وجل {هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره فيمنعني من أعدائي {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يفعل فعلاً إلا وفيه حكمة ومصلحة فلا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. روي أنه عليه السلام هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط وسارة ابنة عمه إلى حران، ثم منها إلى الشام فنزل قرية من أرض فلسطين، ونزل لوط سذوم وهي المؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم عليهما السلام، وكان عمره إذ ذاك على ما في «الكشاف» و «البحر» خمساً وسبعين سنة، وهو أول من هاجر في الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} جملة معترضة بين الإخبار عن إبراهيم اعتراض التفريع، وأفادت الفاء مبادرة لوط بتصديق إبراهيم، والاقتصار على ذكر لوط يدل على أنه لم يؤمن به إلا لوط لأنه الرجل الفرد الذي آمن به وأما امرأة إبراهيم وامرأة لوط فلا يشملهما اسم القوم في قوله تعالى {أية : وإبراهيم إذ قال لقومه}تفسير : [ العنكبوت: 16] الآية لأن القوم خاص برجال القبيلة قال زهير: شعر : أقَوْمٌ آل حصن أم نساء تفسير : وفي التوراة أنه كانت معه زوجُهُ (سارة) وزوج لوط واسمها (ملكة). ولوط هو ابن (هاران) أخي إبراهيم، فلوط يومئذ من أمة إبراهيم عليهما السلام. {وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىۤ إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ}. عطف على جملة {أية : فأنجاه الله من النار}تفسير : [العنكبوت: 24]. فضمير {قال} عائد إلى إبراهيم، أي أعلن أنه مهاجر ديار قومه وذلك لأن الله أمره بمفارقة ديار أهل الكفر. وهذه أول هجرة لأجل الدين ولذلك جعلها هجرة إلى ربه. والمهاجرة مفاعلة من الهجر: وهو ترك شيء كان ملازماً له، والمفاعلة للمبالغة أو لأن الذي يهجر قومه يكونون هم قد هجروه أيضاً. وحرف {إلى} في قوله {إلى ربي} للانتهاء المجازي إذ جعل هجرته إلى الأرض التي أمره الله بأن يهاجر إليها كأنها هجرة إلى ذات الله تعالى فتكون {إلى} تخييلاً لاستعارة مكنية؛ أو جعل هجرته من المكان الذي لا يعبد أهله الله لطلب مكان ليس فيه مشركون بالله كأنه هجرة إلى الله، فتكون {إلى} على هذا الوجه مستعارة لمعنى لام التعليل استعارة تبعية. ورُشحت هذه الاستعارة على كلا الوجهين بقوله {إنه هو العزيز الحكيم}. وهي جملة واقعة موقع التعليل لمضمون {إني مهاجر إلى ربي} لأن من كان عزيزاً يعتز به جاره ونزيله. وإتباع وصف {العزيز} بــــ {الحكيم} لإفادة أن عزته محكمة واقعة موقعها المحمود عند العقلاء مثل نصر المظلوم، ونصر الداعي إلى الحق، ويجوز أن يكون {الحكيم} بمعنى الحاكم فيكون زيادة تأكيد معنى {العزيز}. وقد مضت قصة إبراهيم وقومه وبلادهم مفصلة في سورة الأنبياء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فآمن له لوط: أي آمن بإبراهيم لوط وهو ابن أخيه هاران ولم يؤمن من قومه سواه. مهاجر إلى ربي: أي إلى حيث أعبد ربي فلا أفتن في ديني. ووهبنا له إسحاق ويعقوب: أي هاجر لأجلنا فأكرمناه في دار هجرته فوهبنا له ذرية هم إسحاق الابن ويعقوب الحفيد. في ذريته النبوة والكتاب: فكل الأنبياء بعده من ذريته وكل الكتب التي أنزلت بعده فهي في ذريته. وآتيناه أجره في الدنيا: وذلك بالرزق الحسن والثناء الحسن على ألسنة كافة الناس من أهل الأديان الإِلهية. وإنه في الآخرة لمن الصالحين: أي هو أحدهم، فيكرم كما يكرمون بالدرجات العلا، والصالحون هم أنبياء الله ورسله وأولياؤه وصالحو عباده. معنى الآيات: هذا آخر قصص إبراهيم الخليل في هذا السياق الكريم فأخبر تعالى أن إبراهيم بعد الجهاد الطويل في الدعوة إلى عبادة الرحمن الرحيم لم يؤمن له ولم يتابعه على الحق الذي دعا إليه إلا لوط بن هاران أخيه فقال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ} أي إبراهيم {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} فترك بلاد قومه من سواد العراق وارتحل إلى أرض الشام فأكرمه الله تعالى جزاء هجرته إلى ربه عز وجل بما أخبر به في هذا السياق حيث قال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} وهبه أي أعطاه ولده إسحاق بن سارة وولد إسحق وهو يعقوب، وجعل كافة الأنبياء من ذريته وجعل الكتاب فيهم أيضاً فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى وهم من ذرية إبراهيم، والقرآن الكريم أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وقول إبراهيم هو كما قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} وصف ربه بالعزة والحكمة. فقال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي الغالب القاهر {ٱلْحَكِيمُ} الذي وضع كل شيء في موضعه، ودلائل العزة ان أنجى إبراهيم من أيدي الظلمة الطغاة ومن مظاهر الحكمة أن نقله من أرض لا خير فيها إلى أرض كلها خير وأكرمه فيها بما ذكر في قوله {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} حيث رزقه أطيب الأرزاق في دار هجرته ورزقه الثناء الحسن من كل أهل الأديان الإِلهية كاليهودية والنصرانية، والإِسلام وهو خاتم الأديان هذا في الدنيا أما في الآخرة فإنه من الصالحين ذوي الدرجات العلا والمنازل العالية في مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حصيلة دعوة إبراهيم كذا سنة وأنها كانت إيمان واحد بها وهو لوط عليه السلام وفي هذا تسلية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. 2- بيان إكرام الله تعالى لمن يهاجر إليه ويترك أهله وداره. 3- بيان ما أكرم الله تعالى به إبراهيم من خير الدنيا والآخرة جزاء صبره على دعوة الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَآمَنَ} (26) - فَآمَنَ لُوطٌ بِدَعْوَةِ إبراهِيمَ، عَلَيهِمَا السَّلامُ، وَقَالَ إِبراهِيم: إِني مُهَاجِرٌ إِلى الجِهَةِ التي أَمَرني اللهُ بالهِجْرَةِ إِليها، لدَعوَةِ النَّاس إِلى الله فيها، وَهُوَ تَعَالى العَزيزُ الجَانِبِ، الذي يَمْنَعُني مِمَّا يُرِيدُهُ بِي أَعدَائِي، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. (وقولُه تَعَالَى: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} يَحْتَمِلُ عَودَهُ إِلى لُوطٍ عَلَى أَنَّهُ أَقربُ المَذْكُورِينَ، كَمَا يَحْتَمِلُ عَوَدَهُ عَلَى إِبراهيمَ وَهُوَ المَحْكِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الأَقربُ لأَنَّ الحَديثَ عَنْهُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن قوم إبراهيم - عليه السلام - ظلوا على كفرهم، والذي آمن به لوط - عليه السلام - وكان ابن أخيه، وكانوا في العراق، ثم سينتقلون بعد ذلك إلى الشام. وكلمة {فَآمَنَ لَهُ ..} [العنكبوت: 26] حين نتتبع كلمة آمن في القرآن الكريم نجد أنها تدور حول الأمن والطمأنينة والراحة والهدوء، لكنها تختلف في المدلولات حسب اختلاف موقعها الإعرابي، فهنا {فَآمَنَ لَهُ ..} [العنكبوت: 26] وهل يؤمن لوط لإبراهيم؟ والإيمان كما نقول يؤمن بالله فما دام السياق {فَآمَنَ لَهُ ..} [العنكبوت: 26] فلا بُد أن المعنى مختلف، ولا يقصد هنا الإيمان بالله. ومعنى (آمن) هنا كما في قوله تعالى عن قريش: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4] فالفعل هنا مُتعدٍّ، فالذي آمن الله، آمن قريشاً من الخوف. وكذلك في قوله تعالى: {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ..} تفسير : [يوسف: 64] ومعنى {فَآمَنَ لَهُ ..} [العنكبوت: 26] أي: صدقه. ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 17] أي: بمصدِّق، أما آمنت بالله: اعتقدت وجوده بصفات الكمال المطلق فيه سبحانه. ولوط لا يصدق بإبراهيم، إلا إذا كان مؤمناً بإله أرسله، فكأنه آمن بالله ثم صدَّقه فيما جاء به وقصة لوط عليه السلام لها موضع آخر فُصِّلَت فيه، إنما جاء ذكره هنا؛ لأنه حصيلة الصفقة الجدلية والجهادية بين إبراهيم وقومه، فبعد أنْ دعاهم إلى الله ما آمن له إلا لوط ابن أخيه. وأذكر أن الشيخ موسى - رحمه الله عليه - وكان يُدرس لنا التفسير، وجاءت قصة لوط عليه السلام فقلت له: لماذا ننسب رذيلة قوم لوط إليه فنقول: لوطي. وما جاء لوط إلا ليحارب هذه الرذيلة ويقضي عليها؟ فقال الشيخ: فماذا نقول عنها إذن؟ قلت: إن اللغة العربية واسعة الاشتقاق، فمثلاً عند النسب إلى عبد الأشهل قالوا: أشهلي، ولعبد العزيز قالوا: عبدزي، ولبختنصر قالوا: بختي، والآن نقول في النسب إلى دار العلوم دَرْعمي .. إلخ فلماذا لا نتبع هذه الطريقة؟ فنأخذ القاف المفتوحة، والواو الساكنة من قوم، ونأخذ الطاء من لوط، ثم ياء النسب فنقول (قوْطي) ونُجنِّب نبي الله لوطاً عليه السلام أن ننسب إليه ما لا يليق أن يُنسب إليه. وقد حضرت احتفالاً لتكريم طه حسين، فكان مما قلته في تكريمه: (لك في العلم مبدأ طَحْسَني)؛ لأنه كثيراً ما نجد بين العلماء اسم طه، واسم حسين. إذن: فقوله تعالى {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ..} [العنكبوت: 26] جاءت جملة اعتراضية في قصة إبراهيم عليه السلام؛ لأنه المحصلة النهائية لدعوة إبراهيم في قومه؛ لذلك يعود السياق مرة أخرى إلى إبراهيم {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ..} [العنكبوت: 26] أي: منصرف عن هذا المكان؛ لأنه غير صالح لاستتباب الدعوة. ومادة هجر وما يُشتق منها تدلُّ على ترْك شيء إلى شيء آخر، لكن هَجَرَ تعني أن سبب الهَجْر منك وبرغبتك، إنما هاجر فيها مفاعلة مثل شارك وقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، إنما هاجر منها إلى المدينة. وهذا يعني أنه لم يهاجر برغبته، إنما آذاه قومه واضطروه للخروج من بلده، إذن: فلهم دَخْل في الهجرة، وهم طرف ثَانٍ فيها. لذلك يقول المتنبي: شعر : إذَا ترحّلْتَ عَنْ قوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا أَلاَّ تُفارِقَهُم فالرَّاحِلُونَ هُمُو تفسير : ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة أنْ يسمي نقلة رسول الله من مكة إلى المدينة هجرة من الثلاثي، ولا يقول مهاجرة؛ لأنه ساعة يهاجر يكره المكان الذي تركه، لكن هنا قال في الفعل: هاجر. وفي الاسم قال: هجرة ولم يقل مهاجرة. وسبق أنْ ذكرنا أن هجرة المؤمنين الأولى إلى الحبشة كانت هجرة لدار أمن فحسب، لا دار إيمان، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وجَّههم إلى الحبشة بالذات قال: "حديث : لأن فيها ملكاً لا يُظْلم عنده أحد ". تفسير : وكأنه صلى الله عليه وسلم بُسِطت له خريطة الأرض كلها، فاختار منها هذه البقعة؛ لأنه قد تبيَّن له أنها دار أمن لمن آمن من صحابته، أمّا الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان، بدليل ما رأيناه من مواقف الأنصار مع المهاجرين. وهنا يقول إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ..} [العنكبوت: 26] فالمكان إذن غير مقصود له، إنما وجهة ربي هي المقصودة، وإلا فَلَك أن تقول: كيف تهاجر إلى ربك، وربك في كل مكان هنا وهناك؟ فالمعنى: مهاجر امتثالاً لأمر ربي ومتوجه وجهة هو آمر بها؛ لأنه من الممكن أن تنتقل من مكان إلى مكان بأمر رئيسك مثلاً، وقد كانت لك رغبة في الانتقال إلى هذا المكان فترحب بالموضوع؛ لأنه حقق رغبة في نفسك، فأنت - إذن - لا تذهب لأمر صدر لك، إنما لرغبة عندك. لذلك جاء في الحديث: "حديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". تفسير : فالمعنى {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ..} [العنكبوت: 26] يعني: ليس الانتقال على رغبتي وحَسْب هواي، إنما حسب الوجهة التي يُوجِّهني إليها ربي. وأذكر أنه كان لهذه المسألة واقع في تاريخنا، وكنا جماعة من سبعين رجلاً، وقد صدر منا أمر لا يناسب رئيسنا، فأصدر قراراً بنقلنا جميعاً وشتَّتنا من أماكننا، فذهبنا عند التنفيذ نستعطفه عَلَّه يرجع في قراره، لكنه صمم عليه، وقال: كيف أكون رئيساً ولا أستطيع إنفاذ أمري على المرؤوسين؟ فقال له أحدنا وكان جريئاً: سنذهب إلى حيث شئتَ، لكن اعلموا أنكم لن تذهبوا بنا إلى مكان ليس فيه الله. وكانت هذه هي كلمة الحق التي هزَّتْ الرجل، وأعادت إليه صوابه، فالحق له صَوْلة، وفعلاً سارت الأمور كما نريد، وتنازل الرئيس عن قراره. فمعنى: {مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ..} [العنكبوت: 26] أن ربي هو الذي يُوجِّهني، وهو سبحانه في كل مكان. يؤيد ذلك قوله سبحانه: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 115] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني ما وجَّهتكم في صلاتكم إلى الكعبة إلا لأؤكد هذا المعنى: لأنك تتجه إليها من أي مكان كنت، ومن أية جهة فحيثما توجهتَ فهي قبلتُك. ثم يقول: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] اختار الخليل إبراهيم - عليه السلام - من صفات ربه {ٱلْعَزِيزُ ..} [العنكبوت: 26] أي: الذي لا يُغلب وهو يَغْلب. وهذه الصفة تناسب ما كان من محاولة إحراقه، وكأنه يقول للقوم: أنا ذاهب إلى حضن مَنْ لا يُغْلب. و{ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] أي: في تصرفاته، فلا بُدَّ أنه سبحانه سينقلني إلى مكان يناسب دعوتي، وأناس يستحقون هذه الدعوة بما لديهم من آذان صاغية للحق، وقلوب وأفئدة متشوقة إليه، وتنتظر كلمة الحق التي أعرضتم أنتم عنها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّي مُهَاجِرٌ} معناه خارجٌ من دارِ قَومي.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحدكم إذا لعن الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لله" {أية : وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [العنكبوت: 25] يعني: مأوى النفس والدنيا {أية : وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25] في الخلاص من العذاب وبقوله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] يشير إلى إيمان لوط القلب لأجله أي لعلاج إبراهيم الروح؛ لأنه لا يتخلص من أذى نمرود النفس وصفاتها إلا بعد إيمان القلب؛ لأن بنور الإيمان تندفع ظلمات النفس وصفاتها عن الروح فيستعد للمهاجرة إلى الله وذلك قوله: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} [العنكبوت: 26] وهجرته إلى ربه بقطع تعلقاته عما سوى الله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] أي: إن الله هو أعز من أن يصل إليه أحد إلا بعد مفارقته عن غيره {ٱلْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26] الذي لا يقبل بمقتضى حكمته إلا طيباً من لوث أنانيته كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب ". تفسير : وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ} [العنكبوت: 27] يشير إلى أن الروح إذا هاجر بالسر والنفس متوجهاً إلى ربه يعب له {إِسْحَاقَ} الخفي، ومن تولده {وَيَعْقُوبَ} الإخلاص {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] ذرية روح الخفي والنفس وبالقلب أي: نجعلهم مجال الوحي والإلهام، إشارات الحق تعالى ومعادن العلوم وينابيع الحكمة وخزائن الأسرار والحقائق {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} [العنكبوت: 27] من المواهب الربانية واللذائذ الروحانية والاحتفاظ بلطائف الحظوظ النفسانية محفوظاً عن آفاتها، وتبعها بقوله: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة. [العنكبوت: 28-40] ثم أخبر عن تفرق قوم [لوط] من التمرد بقوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} [العنكبوت: 28] إلى قوله: {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وقومه إشارة في تحقيقها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لم يزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو قومه، وهم مستمرون على عنادهم، إلا أنه آمن له بدعوته لوط، الذي نبأه اللّه، وأرسله إلى قومه كما سيأتي ذكره. { وَقَالَ } إبراهيم حين رأى أن دعوة قومه لا تفيدهم شيئا: { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } أي: هاجر أرض السوء، ومهاجر إلى الأرض المباركة، وهي الشام، { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ } أي: الذي له القوة، وهو يقدر على هدايتكم، ولكنه حَكِيمٌ ما اقتضت حكمته ذلك، ولما اعتزلهم وفارقهم، وهم بحالهم، لم يذكر اللّه عنهم أنه أهلكهم بعذاب، بل ذكر اعتزاله إياهم، وهجرته من بين أظهرهم. فأما ما يذكر في الإسرائيليات، أن اللّه تعالى فتح على قومه باب البعوض، فشرب دماءهم، وأكل لحومهم، وأتلفهم عن آخرهم، فهذا يتوقف الجزم به على الدليل الشرعي، ولم يوجد، فلو كان اللّه استأصلهم بالعذاب لذكره كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة، ولكن لعل من أسرار ذلك، أن الخليل عليه السلام من أرحم الخلق وأفضلهم [وأحلمهم] وأجلهم، فلم يدع على قومه كما دعا غيره، ولم يكن اللّه ليجري بسببه عذابا عاما. ومما يدل على ذلك، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط، وجادلهم، ودافع عنهم، وهم ليسوا قومه، واللّه أعلم بالحال. { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } أي: بعد ما هاجر إلى الشام { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد صلى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا [من] أعظم المناقب والمفاخر، أن تكون مواد الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريَّته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون. { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } من الزوجة الجميلة فائقة الجمال، والرزق الواسع، والأولاد، الذين بهم قرت عينه، ومعرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه. { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } بل هو ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم أفضل الصالحين على الإطلاق، وأعلاهم منزلة، فجمع اللّه له بين سعادة الدنيا والآخرة. __________
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):