٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { أية : لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ } تفسير : [العنكبوت: 7] أن أثر رحمة الله في أمرين في الأمان من سوء العذاب والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعاً بحكم وعد الله نفي العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لإثباته الواحد، ولكن هذا ليس بواجب الحصول في الدنيا، فإن كثيراً ما يكون الكافر في رغد والمؤمن جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد في دعاء النبـي صلى الله عليه وسلم، قوله: «حديث : وقنا عذاب الفقر والنار»تفسير : فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل، وأما الثواب العاجل ففي قوله: { أية : رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً } تفسير : [البقرة: 201] إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد أولا دفع الله عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار، ولما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم عى التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب، أعطاه الجزاء الآخر، وهو الثواب العاجل وعدده عليه بقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } وفي الآية لطيفة: وهي أن الله بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيداً فريداً فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كان أولا قومه وأقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر، بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل الله فيهم النبوة والكتاب، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية اللذة الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه، فكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدده، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب، وأما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، فصار معروفاً بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً، حتى قال قائلهم: { أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الأنبياء: 60] وهذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس، ثم إن الله تعالى قال: {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجاً ليكثر من سيئاته بل هذا له عجالة وله في الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين، فإن كون العبد صالحاً أعلى مراتبه، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي، يقال الطعام بعد صالح، أي هو باق على ما ينبغي، ومن بقي على ما ينبغي لا يكون في عذاب، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين، وكان قد أسلم لأمر الله بالذبح وانقاد لحكم الله، فلم لم يذكر؟ فيقال هو مذكور في قوله: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ } ولكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله عليه بهبة الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو الأكبر، ومن الأحفاد واحداً وهو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء الملك الفلاني والأمير الفلاني ولا يعدد الكل لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل بالذكر، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين. المسألة الثانية: أن الله تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه والوالد يستحب منه أن يسوي بين ولديه، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل؟ فنقول: الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقسم الأول من الزمان بعث الله فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام، ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده الآخر وهو إسماعيل واحداً جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ } بعد إسمٰعيل {إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ } بعد إسحاق {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ } فكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذرّيته {وَٱلْكِتَٰبَ } بمعنى الكتب: أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان {وءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُ فِى ٱلدُّنْيَا } وهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } الذين لهم الدرجات العلى.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا} الذكر الحسن "ع"، أو رضا أهل الأديان به، أو النية الصالحة التي اكتسب بها آجر الآخرة "ح"، أو لسان صدق، أو ما أوتي في الدنيا من الأجر، أو الولد الصالح حتى إن أكثر الأنبياء من ولده.
القشيري
تفسير : لمَّا لم يُجِبْ قومُه، وبذل لهم النصح، ولم يدَّخر عنهم شيئاً من الشفقة - حقَّقَ اللَّهُ مرادَه في نَسْلِه، فوهب له أولادَه، وبارك فيهم، وجعل في ذريته الكتابَ، والنبوة، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالُهم للقبول، وأحوالهم للإقبال عليها، ونفوسُهم للقيام بعبادته، وأسرارُهم لمشاهدته، وقلوبهم لمعرفته. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} للدنوِّ والزلفة والتخصيص بالقربة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} اجر الخلة كشف المشاهدة والقربة فى الدنيا بالقلب والروح وفى الأخرة عيانا بالعين وذلك الصلاح الكل قال ابن عطا اعطيناه فى الدنيا المعرفة والتوكل وانه فى الأخرة لمن الراجعين الى مقام العارفين قال بعضهم اتيناه ثناء حسنا فى دنياه واتيناه ذكرا حسنا فى عقباه وهو ما خص به من انه خليل الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ووهبنا له} من عجوز عاقر وهى سارة {اسحاق} ولدا لصلبه اى من بعد اسماعيل من هاجر {ويعقوب} نافلة وهى ولد الولد حين ايس من الولادة. قال القاضى ولذلك لم يذكر اسماعيل يعنى ان المقام مقام الامتنان والامتنان لهما اكثر لما ذكر ـ روى ـ ان الله تعالى وهب له اربعة اولاد اسحاق من سارة واسماعيل من هاجر ومدين ومداين من غيرهما {وجعلنا فى ذريته} فى نسله يعنى من بنى اسماعيل وبنى اسرائيل {النبوة} فكثر منهم الانبياء يقال اخرج من ذريته الف نبى وكان شجرة الانبياء {والكتاب} اى جنس الكتاب المتناول الكتب الاربعة يعنى التوراة والانجيل والزبور والفرقان {وآتيناه اجره} بمقابلة هجرته الينا {فى الدنيا} باعطاء الولد فى غير اوانه والمال والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماء اهل الملل اليه والثناء والصلاة عليه الى آخر الدهر [ماوردى كويد مزداو دردنيا بقاء ضيافت اوست يعنى همجنانكه درحال حياة در مهما نخانه وى بساط دعوت انداخته حالا نيزهست وخاص وعام ازان مائده برفائده بهره مندند شعر : سفره اش مبسوط براهل جهان نعمتش مبذول شد بى امتنان تفسير : {وانه فى الآخرة لمن الصالحين} لفى عداد الكاملين فى الصلاح وهم الانبياء واتباعهم عليهم السلام. قال ابن عطاء اعطيناه فى الدنيا المعرفة والتوكل وانه فى الآخرة لمن الراجعين الى مقام العارفين وذلك بمقاساتهم الشدائد ظاهرا وباطنا كالهجرة ونحوها. اعلم ان الهجرة على قسمين صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال عليه السلام "حديث : لاهجرة بعد الفتح"تفسير : ومعنوية وهى السير من موطن النفس الى الله تعالى بفتح كعبة القلب وتخليصها من اصنام الشرك والهوى فيجرى حكمها الى يوم القيامة واذا سار الانسان من موطن النفس الى مقام القلب فكل مااراده يعطيه الله وهو الاجر الدنيوى كما قال ابو سعيد الخراز رحمه الله اقمنا بمكة ثلاثة ايام لم نأكل شيئا وكان بحذائنا فقير معه ركوة مغطاة بحشيش وربما اراه يأكل خبزا حوّ ارى فقلت له نحن ضيفك فقال نعم فلما كان وقت العشاء مسح يده على سارية فناولنى درهمين فاشترينا خبزا فقلت بم وصلت الى ذلك فقال ياابا سعيد بحرف واحد تخرج قدر الخلق من قلبك تصل الى حاجتك. ثم اعلم بان الله تعالى منّ على ابراهيم عليه السلام بهبة الولد والولد الصالح الذى يدعو لوالديه من الاجور الباقية الغير المنقطعة كالاوقاف الجارية والمصاحف المتلوة والاشجار المنتفع بها ونحوها وكذلك منّ عليه بان جعل فى ذريته النبوة. والاشارة فيه ان من السعادات ان يكون فى ذريته الرجل اهل الولاية الذين هم ورثة الانبياء فان بهم تقوم الدنيا والدين وتظهر الترقيات الصورية والمعنوية للمسلمين وتسطع الانوار الى جانب الارواح المقربين واعلى عليين فيحصل الفخر التام والشرف الشامل والانتفاع العام وهؤلاء ان كانوا من النسب الطينى فذاك وان كانوا من النسب الدينى فالاولاد الطيبون والاحفاد الطاهرون مطلقا من نعم الله الجليلة شعر : نعم الاله على العباد كثيرة واجلهن نجابة الاولاد تفسير : ربنا هب لنا من ازواجنا الخ
اطفيش
تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ} أي لابراهيم بعد اسماعيل. {إٍسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ} بعد اسحاق وذلك من عجوز عاقر حين آيس من الولادة ولإياسه من الولادة من عجوز عاقر لم يذكر اسماعيل وذلك لعدم اياسه من اسماعيل او لدخوله في قوله. {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتَهُ النًّبُوَّةَ} بأن كثرت فيهم مع شهرة أمره وعلو قدره. {وَالكِتَابَ} أل فيه للجنس فعم الكتب الاربعة. {وَآتَينَاهُ} على هجرته الينا. {أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} باعطاء الولد في غير وقته والذرية الطيبة ودوام النبوة وانتساب اهل الملل اليه فما ترى ملة الا وهي تنتسب اليه ودوام الصلاة عليه الى آخر الدهر وقيل آتيناه اجر ايمانه وخصاله المحمودة بأن انجيناه من النار. {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} الذين نالوا رضى الله اي هو في زمرتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما مثل آدم ونوح وآل للكمال في الصلاح.
اطفيش
تفسير : {وَوَهبنا له إسْحاق} ولداً له من عجوز عاقر {ويعْقُوب} نافلة ولد ولده، ولم يذكر سيدنا اسماعيل لان المقام للامتنان، وانما امتن عليه باسحاق، اذ ولدته من لا يرجو ولادتها لكبرها وعقرها، وجاء منه يعقوب، ولان اسماعيل ابتلى بفراقه، ووضعه في مكة مع امه دون انيس، مع انه قد لوح الى اسماعيل بقوله: {وجَعَلنا في ذُريَّته النبوَّة والكتاب} فان من اسماعيل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو اشهر الخلق، فسيدنا اسماعيل مشهور غالى القدر، فلم يصرح به لشهرته، والكتاب التوراة والزبور والانجيل والقرآن، أوحيت الى أنبيائهم من ذريته {وآتيناه أجْرهُ} على عمله {في الدُّنيا} من إنجائه من النار ومن نمرود ومثله، ومن الثناء الحسن اذ تذكره كل امة بخير، وتحبه ومن اعطاء الولد له، الذي قرت به عينه، وهو اسحاق، ومنه يعقوب، واستمرار النبوة فى ذريته وإراءة مكانه في الجنة، والصلاة عليه الى آخر الدهر، قيل وبقاء ضيافته عند قبره، وقيل اجره على هجرته الينا، فلا يعد فيها الانجاء من النار ونمرود لتقدمه عليها {وإنَّه في الآخرة لَمن الصالحين} فى درجة من كمل صلاحه ورسخ، فجمعت له الدنيا والاخرة، وفى متعلق باستقرار الخبر فى من الصالحين، قدم على العامل المعنوى للتوسع فى الظروف لا بالصالحين، لانه ليس المعنى ان صلاحه صدر منه في الآخرة.
الالوسي
تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } ولداً ونافلة حين أيس من عجوز عاقر، والجملة معطوفة على ما قبل ولا حاجة إلى عطفها على مقدر كأصلحنا أمره، ولم يذكر سبحانه إسماعيل عليه السلام، قيل لأن المقام مقام الامتنان وذكر الإحسان وذلك بإسحاق ويعقوب لما أشرنا إليه بخلاف إسماعيل، وقيل لأنه لا يناسب ذكره هٰهنا لأنه ابتلي بفراقه ووضعه بمكة مع أمه دون أنيس، وقال الزمخشري: إنه عليه السلام ذكر ضمناً وتلويحاً بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } ولم يصرح به لشهرة أمره وعلو قدره، هذا مع أن المخاطب نبينا صلى الله عليه وسلم وهو من أولاده وأعلم به، والمراد بالكتاب جنسه المتناول للكتب الأربعة {وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُ} على ما عمل لنا {فِى ٱلدُّنْيَا } قال مجاهد: بإنجائه من النار ومن الملك الجبار والثناء الحسن عليه بحيث يتولاه كل أمة، وضم إلى ذلك ابن جريج الولد الذي قرت به عينه. وقد يضم إلى ذلك أيضاً استمرار النبوة في ذريته، وقال السدي: إن ذلك إراءته عليه السلام مكانه من الجنة، وقال بعضهم: هو التوفيق لعمل الآخرة، وقيل: هو الصلاة عليه إلى آخر الدهر، وقال الماوردي: / هو بقاء ضيافته عند قبره وليس ذلك لنبـي غيره، ولا يخفى حال بعض هذه الأقوال، وذكر بعضهم أن المراد آتيناه أجره بمقابلة هجرته إلينا، وعليه لا يصح عد الإنجاء من النار من الأجر بل يعد إعطاء الولد والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم ونحوه ذلك مما كان له عليه السلام بعد الهجرة من الأجر، وعطف هذا وما بعده من قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي لفي عداد الكاملين في الصلاح من التعميم بعد التخصيص، كأنه لما عدد ما أنعم به عليه من النعم الدينية والدنيوية قال سبحانه: وجمعنا له مع ما ذكر خير الدارين.
ابن عاشور
تفسير : . هذا الكلام عُقبت به قصة إبراهيم تبياناً لفضلة إذ لا علاقة له بالقصة. والظاهر أن يكون المراد بــــ {ووهبنا}، و {جعلنا} الإعلام بذلك فيكون من تمام القصة كما في سورة هود. وتقدم نظير هذه الآية في الأنعام في ذكر فضائل إبراهيم. و {الكتاب} مراد به الجنس فالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن كتب نزلت في ذرية إبراهيم. {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لمن الصالحين}. جمع الله له أجرين: أجراً في الدنيا بنصره على أعدائه وبحسن السمعة وبث التوحيد ووفرة النسل، وأجراً في الآخرة وهو كونه في زمرة الصالحين، والتعريف للكمال، أي من كُمل الصالحين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ}. الضمير في قوله: ذريته راجع إلى إبراهيم. والمعنى: أن الأنبياء والمرسلين الذين أنزلت عليهم الكتب بعد إبراهيم كلهم من ذرية إبراهيم، وما ذكره هنا عن إبراهيم ذكر في سورة الحديد: أن نوحاً مشترك معه فيه، وذلك واضح لأن إبراهيم من ذرية نوح مع أن بعض الأنبياء من ذرية نوح دون إبراهيم، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} تفسير : [الحديد: 26]. قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أتى إبراهيم أجره أي جزاء عمله في الدنيا، وإنه في الآخرة أيضاً من الصالحين. وقال بعض أهل العلم: المراد بأجره في الدنيا: الثناء الحسن عليه في دار الدنيا من جميع أهل الملل على اختلافهم إلى كفار ومؤمنين. والثناء الحسن المذكور، هو لسان الصدق في قوله: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84] وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} تفسير : [مريم: 50] وقوله: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} لا يخفى أن الصلاح في الدنيا يظهر بالأعمال الحسنة، وسائر الطاعات، وأنه في الآخرة يظهر بالجزاء الحسن، وقد أثنى الله في هذه الآية الكريمة على نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد أثنى على إبراهيم أيضاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النحل: 120ـ122]
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْحَاقَ} {َٱلْكِتَابَ} {آتَيْنَاهُ} {ٱلصَّالِحِينَ} (27) - وَلَمَّا فَارَقَ إِبراهيمُ قَومَهُ أَقَرَّ اللهُ عَينَهُ بِوِلاَدَةِ ابنِهِ إِسْحَاقَ، وَجَعَلَهُ اللهُ نَبياً، ثُمَّ وُلِدَ لإِسْحَاقَ يَعْقُوبُ في حَيَاةِ إِبراهِيمَ، وَجَعَلَهُ اللهُ نَبِيّاً، أَيضاً. وَجعَلَ الأنبياءَ مِنْ ذُرِّيتِهِ، فَكَانَ أنبياءُ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ ذُرِّيَةِ يَعْقُوبَ، وآخِرُهُم عِيسَى، عليه السلام. وَكَانَ آخرُ الأَنبياءِ مُحَمَّدٌ، عليه السَّلام، مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ، عليه السلام. وَجَمَعَ اللهُ لإِبراهِيمَ سَعَادَةَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فَكَانَ لهُ في الدُّنيا الرِزْقُ الوَاسِعُ، والمَنْزلُ الرَحْبُ، والمَوْرِدُ العَذْبُ، والزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ، والثَّنَاءُ الجَمِيلُ، والذِّكْرُ الحَسَنُ، والذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ الوَفيرةُ العَدَدِ، وَجَعَلَهُ اللهُ قَائِماً بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَجَعَلَهُ اللهُ تَعَالى في الآخِرَةِ مِنْ ذَوي الدَّرَجَاتِ العَلِيَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وجاء وقت الجزاء لينال إبراهيم - عليه السلام - من ربه جزاء صبره على الابتلاء، وثباته على الإيمان، ألم يقُلْ لجبريل لما جاءه يعرض عليه المساعدة وهو في طريقه إلى النار: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: أما إليك فلا. لذلك يجازيه ربه، ويخرق له النواميس، ويواليه بالنعم والآلاء، حتى مدحه سبحانه بقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ ..} تفسير : [النحل: 120]. وكان عليه السلام رجلاً خاملاً في القوم، بدليل قولهم عنه لما حَطّم أصنامهم: {أية : قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 60] فهو غير مشهور بينهم، مُهْمَل الذكر، لا يعرفه أحد، فلما والى الله والاه وقال: لأجعلنك خليل الله وشيخ المرسلين ولأُجرينَّ ذِكْرك، بعد أنْ كنت مغموراً على كل لسان، وها نحن نذكره عليه السلام في التشهد في كل صلاة. واقرأ قول إبراهيم في دعائه لربه؛ ليؤكد هذا المعنى: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84] وكأنه يقول: يا رب إن قومي يستقلونني، فاجعل لي ذِكْراً عندك. ومعلوم أن للتناسل والتكاثر نواميسَ، فلما أنْ أنجبت السيدة هاجر إسماعيل - عليه السلام - غضبت الحرة سارة: كيف تنجب هاجر وهي الأَمَة وتتميز عليها، لكن كيف السبيل إلى الإنجاب وسِنُّها تسعون سنة، وسِنّ إبراهيم حينئذٍ مائة؟ قانون الطبيعة ونواميس الخَلْق تقول لا إنجاب في هذه السن، لكن سأخرق لك القانون، وأجعلك تُنجب هبة من عندي {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ..} [العنكبوت: 27] ثم {وَيَعْقُوبَ ..} [العنكبوت: 27]. وفي آية أخرى قال: {أية : وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ..} تفسير : [الأنبياء: 72]. أي: زيادة، لأنه صبر على ذَبْح إسماعيل، فقال له ربه: ارفع يدك فقد أديتَ ما عليك، ونجحت في الامتحان، فسوف أفديه لك، بل وأهبك أخاً له، وسأعطيك من ذريته يعقوب. وسأجعلهم فَضْلاً عن ذلك رسلاً {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ ..} [العنكبوت: 27] لذلك حين نستقرىء موكب الأنبياء نجد جمهرتهم من ذرية إبراهيم عليه السلام كل من جاء بعده من ذريته. والذرية المذكورة هنا يُرَاد بها إسحاق ويعقوب، وهما المُوهبَان من سارة، أمّا إسماعيل فجاء بالقانون العام الطبيعي الذي يشترك فيه إبراهيم وغيره. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - في هذه المسألة يُدلِّل على طلاقة القدرة بأسباب تظهر فيها قدرة المسبِّب، فيقول لإبراهيم: إن كان قومك قد كفروا بك ولم يؤمنوا، فسأهبُكَ ذرية ليست مؤمنة مهدية فحسب، إنما هادية للناس جميعاً. وإذا كانت ذرية إسحاق ويعقوب قد أخذتْ أربعة آلاف سنة من موكب النبوات، فقد جاء من ذرية إسماعيل خاتم الأنبياء وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم، وستظل رسالته باقية خالدة إلى يوم القيامة، فالرسل من ذرية إسحاق كانوا متفرقين في الأمم، ولهم أزمنة محددة، أما رسالة محمد فعامة للزمان وللمكان، لا معقِّبَ له برسول بعده إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَٱلْكِتَابَ ..} [العنكبوت: 27] أي: الكتب التي نزلتْ على الأنبياء من ذريته، وهي: القرآن والإنجيل والتوراة والزبور. ثم يقول سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا ..} [العنكبوت: 27] قالوا: إنه كان خامل الذّكْر فنبغ شأنه وعلا ذكْره، وكان فقيراً، فأغناه الله حتى حدَّث المحدِّثون عنه في السِّيَر أنه كان يملك من الماشية ما يسأم الإنسان أنْ يَعدَّها، وكان له من كلاب الحراسة اثنا عشر كلباً .. إلخ وهذا أجره في الدنيا فقط. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] يعني: لن نقول له أذهبت طيباتك في حياتك الدنيا، بل هو في الآخرة من الصالحين، وهذا مُتمنَّى الأنبياء. إذن: فأجْره في الدنيا لم يُنقص من أجره في الآخرة. لكن، لماذا وصف الله نبيه إبراهيم في الآخرة بأنه من الصالحين؟ قالوا: لأن إبراهيم أُثِر عنه ثلاث كلمات يسميها المتصيِّدون للأخطاء، ثلاث كذبات أو ذنوب: الأولى قوله لملك مصر لما سأله عن سارة قال: أختي، والثانية لما قال لقومه حينما دَعَوْه للخروج معهم لعيدهم: إني سقيم. والثالثة قوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا ..} تفسير : [الأنبياء: 63] أي: عندما حطَّم الأصنام. ويقول هؤلاء المتصيدون: إنها أقوال منافية لعصمة الأنبياء. لكن ما قولكم إنْ كان صاحب الأمر والحكم شهد له بالصلاح في الآخرة؟ ثم إن المتأمل في هذه الأقوال يجدها من قبيل المعاريض التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" تفسير : فقوله عن سارة: إنها أختي، هي فعلاً أخته في الإيمان، وربما لو قال زوجتي لقتله الملك ليتزوجها هو. أما قوله {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] فهو اعتذار عن مشهد كافر لا ينبغي للمؤمن حضوره، كما أن السُّقْم يكون للبدن، ويكون للقلب فيحتمل أن يكون قصده سقيم القلب لما يراه من كفر القوم. وقوله {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا ..} تفسير : [الأنبياء: 63] أراد به إظهار الحجة وإقامة الدليل على بطلان عبادة الأصنام، فأراد أنْ يُنطقهم هم بما يريد أن يقوله؛ ليقررهم بأنها أصنام لا تضر ولا تنفع ولا تتحرك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما خرج عليه السلام من سواد الكوفة مع لوط وزوجته وصل إلى حران، ثم منها إلى الشام، فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم، ثم لما استقر وتمن على فلسطين {وَهَبْنَا لَهُ} من كمال لطفنا معه وفضلنا إياه ابنه {إِسْحَاقَ} نافلة {وَيَعْقُوبَ} ليزول بهما كربة الغربة ووحشة الجلاء، مع أن هبة ولده إياه من محض الجود الإلهي على سبيل خرق العادة؛ إذ هو كبير السن وامرأته عاقر {وَ} أيضاً من كمال لطفنا معه {جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ} مستمرةً إلى الجزاء {وَٱلْكِتَابَ} أي: آتينا الكتاب لبعضٍ منهم؛ يعني: رسلهم، وإنما فعلنا معه كذلك؛ لئلا تنقطع سلسلة كرامتنا عنه، بل تستمر إلى انقراض العالم {وَ} بالجملة: بعدما هاجر إلينا الخليل بالكلية، وانخلع عن لوازم ناسوته بالمرة {آتَيْنَاهُ أَجْرَهُ} أي: أجر هجرته {فِي ٱلدُّنْيَا} على وجه لا ينقطع صيته عن الآفاق أبداً {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] لقبولنا، المقبولين في ساحة عز حضورنا. {وَ} أرسلنا أيضاً {لُوطاً} إلى قوم انحرفوا عن جادة الاستقامة، وضلوا عن سواء السبيل، اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ} لوط {لِقَوْمِهِ} بوحي الله إياه وإلهامه: {إِنَّكُمْ} أيها المفسدون المسرفون {لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} أي الفعلة التي {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا} بغاية قبحها وهجنتها ونهاية شنعتها {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحد {مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 28] من بني نوعكم، بل أنتم ابتدعتموها واخترعتموها من خباثة نفوسكم وشؤم شهوتكم. ثم وبخهم وقرعهم بهُجنة أفعالهم وأعمالهم فقال: {أَئِنَّكُمْ} أيها المفرطون في متابعة القوة الشهوية {لَتَأْتُونَ} وتطئون {ٱلرِّجَالَ} من أدبارهم وهم أمثالكم {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} أي: سبيل التناسل والتوالد، وتبطلون الحكمة البالغة الإلهية المتعلقة بإبقاء النوع {وَ} مع ذلك {تَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ} أي: مجالسكم ومحافلكم {ٱلْمُنْكَرَ} أي: الفعلة الذميمة، أي: تأتون بها على رءوس الملأ بلا مبالاة واستحياء وإخفاء، بل يتباهون بإظهارها، مع أن إعلان المنكرات من أعظم الجرائم وأقبح الفواحش عند الله وعند المؤمنين، سيما هذا المنكر المستبدع المستقذر {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} بعدما سمعوا منه التشنيع والتقبيح على أبلغ وجه وآكده {إِلاَّ أَن قَالُواْ} متهكمين له، مصرين على ما هم عليه من الفعلة الذميمة الشنيعة: {ٱئْتِنَا} يا لوط {بِعَذَابِ ٱللَّهِ} الذي ادعيت نزوله علينا بسبب فعلنا هذا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [العنكبوت: 29] في دعوك، فنحن لم نمتنع بهذياناتك عن فعلتنا هذا قط، ولم نقبل منك نصيحتك أصلاً. وبعدما أيس من صلاحهم وإصالحهم {قَالَ} مشتكياً، ملتجئاً نحوه، مستنصراً منه: {رَبِّ} يا من رباني على صفة الصلاح والنظافة {ٱنصُرْنِي} بحولك وقوتك بإنزال العذاب {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 30] المسرفين المفرطين في الإفساد، الخارجين على مقتضى حدودك.
همام الصنعاني
تفسير : 2244- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 27]، قال: وهي كقوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : : [النحل: 122]، قال: ويقال: ليس من أهْل دين إلاَّ وهم يَتَوَلَّونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):