٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : الإعراب في لوط، والتفسير كما ذكرنا في قوله: { أية : وَإِبْرٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } تفسير : [العنكبوت: 16] وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال إبراهيم لقومه {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وقال عن لوط ههنا أنه قال لقومه {لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } فنقول لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن الرسول لا بد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها ههنا ذكرها الله على سبيل الاختصار، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: { أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } تفسير : [الأعراف: 59] لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم. وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصاً بلوط، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك (في زمنه) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره. المسألة الثانية: لم سمى ذلك الفعل فاحشة؟ فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله في الإنسان، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب، فإنه لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي إلى بقاء النوع، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك، فلا يحصل مصلحة البقاء، فإذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة. المسألة الثالثة:الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } تفسير : [الإسراء: 32] واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه، فما شرع زاجراً هناك يشرع زاجراً ههنا، وهذا وإن كان قياساً إلا أن جامعه مستفاد من الآية، ووجه آخر، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلاً، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلاً وهو الرجم، وقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ } يحتمل وجهين أحدهما: أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر، والثاني: أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد، كما يقال إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم، ثم قال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ } بياناً لما ذكرنا، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى: { أية : أَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء } تفسير : [الأعراف: 81 ] يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله: {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار، وقوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } في التفسير، كقوله في قصة إبراهيم {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى:قال قوم إبراهيم { أية : ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ } تفسير : [العنكبوت: 24] وقال قوم لوط {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ } وما هددوه، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط، فإن لوطاً كان من قومه، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله: لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب، فإن كنت صادقاً فأتنا بالعذاب، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ } تفسير : [النمل: 56] وقال ههنا {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا } فكيف الجمع؟ فنقول لوط كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً عليهم التغيير والنهي والوعيد، فقالوا أولا ائتنا، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله {فَقَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ } فإن الله لا يحب المفسدين، حتى ينجز النصر. واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح: { أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } تفسير : [نوح: 27] يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله، بطلت المصلحة حالا ومآلا، فعدمهم صار خيراً، فطلب العذاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} قال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطاً أو أرسلنا لوطاً. قال: وهذا الوجه أحب إليّ. ويجوز أن يكون المعنى واذكر لوطاً إذ قال لقومه موبخاً أو محذراً {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} {أَئِنَّكُمْ} تقدم القراءة في هذا وبيانها في سورة «الأعراف». وتقدم قصة لوط وقومه في «الأعراف» و«هود» أيضاً. {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} قيل: كانوا قطاع الطريق؛ قاله ابن زيد. وقيل: كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة؛ حكاه ابن شجرة. وقيل: إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال قاله وهب بن منبّه. أي استغنوا بالرجال عن النساء. قلت: ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة، ويستغنون عن النساء بذلك. {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه؛ فقالت فرقة: كانوا يخذفون النساء بالحصى، ويستخفّون بالغريب والخاطر عليهم. وروته أم هانىء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.حديث : قالت أم هانىء: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال: «كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» تفسير : أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي والماوردي. وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف فإذا مرّ بهم عابر قذفوه فأيهم أصابه كان أولى به»تفسير : يعني يذهب به للفاحشة فذلك قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ}. وقالت عائشة وابن عباس والقاسم ابن أبي بَزّة والقاسم بن محمد: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال (منصور عن) مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً. وعن مجاهد: كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم. قال ابن عطية: وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالتناهي واجب. قال مكحول: في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحنّاء، وحلّ الإزار، وتنقيض الأصابع، والعمامة التي تلف حول الرأس، والتشابك، ورمي الجُلاهِق، والصفير والخذف، واللوطية. وعن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضاً، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون ويلعبون بالنَّرْد والشِّطْرَنج، ويلبسون المصبغات، ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويُطرِّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله وهم أوّل من ظهر على أيديهم اللوطية والسِّحاق. فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج فقالوا: {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر عليه. وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه. وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا. ثم استنصر لوط عليه السلام ربه فبعث عليهم ملائكة لعذابهم، فجاؤوا إبراهيم أوّلاً مبشرين بنصرة لوط على قومه، حسبما تقدّم بيانه في «هود» وغيرها. وقرأ الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي: {لَننَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} بالتخفيف. وشدّد الباقون. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: {إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ} بالتخفيف. وشدّد الباقون. وهما لغتان: أَنْجَى ونَجَّى بمعنى. وقد تقدّم. وقرأ ابن عامر: {إِنَّا مُنَزِّلُونَ} بالتشديد وهي قراءة ابن عباس. الباقون بالتخفيف. وقوله: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} قال قتادة: هي الحجارة التي أبقيت. وقاله أبو العالية. وقيل: إنه يرجم بها قوم من هذه الأمة. وقال ابن عباس: هي آثار منازلهم الخربة. وقال مجاهد: هو الماء الأسود على وجه الأرض. وكل ذلك باق فلا تعارض.
البيضاوي
تفسير : {وَلُوطاً} عطف على إبراهيم أو على ما عطف عليه. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةُ} الفعلة البالغة في القبح، وقرأَالحرميان وابن عامر وحفص بهمزة مكسورة على الخبر والباقون على الاستفهام وأجمعوا على الاستفهام في الثاني. {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع وتحاشت عنه النفوس حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق، أو تقطعون سبيل النسل بالإِعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث. {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ} في مجالسكم الغاصة بأهلها ولا يقال للنادى إلا لما فيه أهله. {ٱلْمُنْكَرَ} كالجماع والضراط وحل الإِزار وغيرها من القبائح عدم مبالاة بها. وقيل الحذف ورمي البنادق. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في استقباح ذلك أو في دعوى النبوة المفهومة من التوبيخ. {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى } بإنزال العذاب. {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ } باتباع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعاراً بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب. {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } بالبشارة بالولد والنافلة. {قَالُواْ إِنَّآ مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} قرية سدوم والإِضافة لفظية لأن المعنى على الاستقبال. {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } تعليل لإِهلاكهم لهم بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم الذي هو الكفر وأنواع المعاصي. {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً } اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم، أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي بين أظهرهم. {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ } تسليم لقوله مع ادعاء مزيد العلم به وأنهم ما كانوا غافلين عنه، وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه وأهله أو تأقيت الإِهلاك بإخراجهم منها، وفيه تأخير للبيان عن الخطاب. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } الباقين في العذاب أو القرية. {وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ} جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، و {أَن} صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. {وَقَالُواْ} لما رأوا فيه أثر الضجرة. {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} على تمكنهم منا. {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ} وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب «لننجينه» »ومنجوك« بالتخفيف ووافقهم أبو بكر وابن كثير في الثاني، وموضع الكاف الجر على المختار ونصب {أَهْلِكَ} بإضمار فعل أو بالعطف على محلها باعتبار الأصل. {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} عذاباً منها سمي بذلك لأنه يقلق المعذب من قولهم ارتجز إذا ارتجس أي اضطرب، وقرأ ابن عامر »مُنزِّلُونَ« بالتشديد. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فسقهم. {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءايَةً بَيّنَةً} هي حكايتها الشائعة أو آثار الديار الخربة، وقيل الحجارة الممطرة فإنها كانت باقية بعد وقيل بقية أنهارها المسودة. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، وهو متعلق بـ {تَّرَكْنَا} أو {ءايَةً}. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} وافعلوا ما ترجون به ثوابه فأقيم المسبب مقام السبب، وقيل إنه من الرجاء بمعنى الخوف. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الزلزلة الشديدة وقيل صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب ترجف لها. {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ} في بلدهم أو دورهم ولم يجمع لأمن اللبس. {جَـٰثِمِينَ } باركين على الركب ميتين. {وَعَاداً وَثَمُودَاْ} منصوبان بإضمار اذكر أو فعل دل عليه ما قبله مثل أهلكنا، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب {وَثَمُودَاْ} غير منصرف على تأويل القبيلة. {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ} أي تبين لهم بعض مساكنهم، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } من الكفر والمعاصي. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} السوي الذي بينه الرسل لهم. {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا، أو متبينين أن العذاب لا حق بهم بإخبار الرسل لهم ولكنهم لجوا حتى هلكوا. {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ} معطوف على عاداً وتقديم {قَـٰرُونُ } لشرف نسبه. {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ} فائتين بل أدركهم أمر الله من سبق طالبه إذا فاته. {فَكُلاًّ} من المذكورين. {أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} عاقبناه بذنبه. {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} ريحاً عاصفاً فيها حصباء، أو ملكاً رماهم بها كقوم لوط. {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } كمدين وثمود. {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} كقارون. {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} كقوم نوح وفرعون وقومه. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من عادته عز وجل. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالتعرض للعذاب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نبيه لوط عليه السلام، أنه أنكر على قومه سوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسوله، ويخالفون ويقطعون السبيل، أي يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} أي يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئاً من ذلك، فمن قائل كانوا يأتون بعضهم بعضاً في الملأ، قاله مجاهد، ومن قائل كانوا يتضارطون ويتضاحكون، قالته عائشة رضي الله عنها والقاسم، ومن قائل كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شراً من ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سماك بن حرب عن أبي صالح مولى أم هانىء عن أم هانىء قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال «حديث : يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» تفسير : ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن أبي يونس القشيري عن حاتم ابن أبي صغيرة به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير عن عمرو بن قيس عن الحكم عن مجاهد {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال: الصفير ولعب الحمام والجلاهق والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء. وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: {رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين {لَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ } أي أدبار الرجال {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلُوطاً } منصوب بالعطف على {نوحاً}، أو على إبراهيم، أو بتقدير: اذكر. قال الكسائي: المعنى: وأنجينا لوطاً، أو وأرسلنا لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ظرف للعامل في لوط {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر: «أئنكم» بالاستفهام. وقرأ الباقون بلا استفهام. والفاحشة: الخصلة المتناهية في القبح، وجملة: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } مقرّرة لكمال قبح هذه الخصلة، وأنهم منفردون بذلك لم يسبقهم إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم. ثم بيّن سبحانه هذه الفاحشة فقال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ } أي تلوطون بهم {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ } قيل: إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل بهذا السبب. قال الفراء: كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث. وقيل: كانوا يقطعون الطريق على المارّة بقتلهم ونهبهم. والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سبباً لقطع الطريق من غير تقييد بسبب خاص، وقيل: إن معنى قطع الطريق: قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } النادي والنديّ والمنتدى: مجلس القوم ومتحدّثهم. واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه: فقيل: كانوا يحذفون الناس بالحصباء، ويستخفون بالغريب. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً، وقيل: كانوا يلعبون بالحمام. وقيل: كانوا يخضبون أصابعهم بالحناء. وقيل: كانوا يناقرون بين الديكة، ويناطحون بين الكباش. وقيل: يلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات. قال الزجاج: وفي هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر وألا يجتمعوا على الهزؤ، والمناهي. ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلونه أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي فما أجابوا بشيء إلاّ بهذا القول رجوعاً منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية، وقد تقدّم في سورة النمل: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ } تفسير : [النمل: 56] وتقدّم في سورة الأعراف: {أية : وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ } تفسير : [الأعراف: 82] وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد، ومكرّرًا للنهي لهم والوعيد عليهم، فقالوا له أوّلاً: {ائتنا بعذاب الله} كما في هذه الآية، فلما كثر منه ذلك، ولم يسكت عنهم قالوا: {أخرجوهم} كما في الأعراف والنمل. وقيل: إنهم قالوا أوّلاً: {أخرجوهم من قريتكم} ثم قالوا ثانياً: {ائتنا بعذاب الله}. ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة عليهم من الله سبحانه فقال: {رَبّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ } بإنزال عذابك عليهم، وإفسادهم هو بما سبق من إتيان الرجال وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب الله سبحانه وبعث لعذابهم ملائكته وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم، ولهذا قال: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } أي بالبشارة بالولد وهو إسحاق، وبولد الولد وهو يعقوب {قَالُواْ إِنَّآ مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } أي قالوا لإبراهيم هذه المقالة. والقرية هي قرية سدوم التي كان فيها قوم لوط، وجملة: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } تعليل للإهلاك، أي إهلاكنا لهم بهذا السبب {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً } أي قال لهم إبراهيم: إن في هذه القرية التي أنتم مهلكوها لوطاً فكيف تهلكونها؟ {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا } من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط {لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ } من العذاب. قرأ الأعمش وحمزة ويعقوب والكسائي «لننجينه» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي الباقين في العذاب، وهو لفظ مشترك بين الماضي والباقي، وقد تقدّم تحقيقه، وقيل: المعنى: من الباقين في القرية التي سينزل بها العذاب، فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا. {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمُ } أي لما جاءت الرسل لوطاً بعد مفارقتهم إبراهيم سيىء بهم أي جاءه ما ساءه، وخاف منه؛ لأنه ظنهم من البشر، فخاف عليهم من قومه لكونهم في أحسن صورة من الصور البشرية، و«أن» في {أن جاءت} زائدة للتأكيد {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي عجز عن تدبيرهم وحزن وضاق صدره، وضيق الذراع كناية عن العجز، كما يقال: في الكناية عن الفقر: ضاقت يده، وقد تقدّم تفسير هذا مستوفى في سورة هود. ولما شاهدت الملائكة ما حلّ به من الحزن والتضجر، قالوا: {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } أي لا تخف علينا من قومك، ولا تحزن فإنهم لا يقدرون علينا {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } من العذاب الذي أمرنا الله بأن ننزله بهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ } أخبروا لوطاً بما جاؤوا به من إهلاك قومه وتنجيته وأهله إلاّ امرأته كما أخبروا بذلك إبراهيم، قرأ حمزة والكسائي وشعبة ويعقوب والأعمش: «منجوك» بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد. قال المبرد: الكاف في {منجوك} مخفوض ولم يجز عطف الظاهر على المضمر المخفوض، فحمل الثاني على المعنى وصار التقدير: وننجي أهلك: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مّنَ ٱلسَّمَاء } هذه الجملة مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص التنجية به وبأهله. والرجز: العذاب، أي: عذاباً من السماء، وهو: الرمي بالحجارة، وقيل: إحراقهم بنار نازلة من السماء. وقيل: هو الخسف والحصب كما في غير هذا الموضع، ومعنى كون الخسف من السماء أن الأمر به نزل من السماء. قرأ ابن عامر: «منزّلون» بالتشديد. وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون بالتخفيف، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } للسببية، أي لسبب فسقهم {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءايَةً بَيّنَةً } أي أبقينا من القرية علامة ودلالة بينة وهي الآثار التي بها من الحجارة رجموا بها، وخراب الديار. وقال مجاهد: هو الماء الأسود الباقي على وجه أرضهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ما ذكر، وخص من يعقل، لأنه الذي يفهم أن تلك الآثار عبرة يعتبر بها من يراها. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } أي وأرسلناه إليهم، وقد تقدّم ذكره وذكر نسبه وذكر قومه في سورة الأعراف وسورة هود {قَالَ يَـاقَوْم ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } أي أفردوه بالعبادة، وخصوه بها {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ } أي توقعوه، وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم. قال يونس النحوي: معناه: اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } العُثْو، والعثْي أشدّ الفساد. وقد تقدّم تفسيره {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } أي الزلزلة، وتقدّم في سورة هود: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ } تفسير : [هود: 67] أي صيحة جبريل، وهي سبب الرجفة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } أي أصبحوا في بلدهم أو منازلهم جاثمين على الركب ميتين. {وَعَاداً وَثَمُودَاْ } قال الكسائي: قال بعضهم هو راجع إلى أوّل السورة، أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عادًا وثمود، قال: وأحبّ إليّ أن يكون على {فأخذتهم الرجفة} أي وأخذت عاداً وثمود. وقال الزجاج: التقدير، وأهلكنا عادًا وثمود. وقيل: المعنى: واذكر عادًا وثمود إذ أرسلنا إليهم هوداً وصالحاً {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ } أي وقد ظهر لكم يا معاشر الكفار من مساكنهم بالحجر، والأحقاف آيات بينات تتعظون بها، وتتفكرون فيها، ففاعل تبين محذوف {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } التي يعملونها من الكفر، ومعاصي الله {فَصَدَّهُمْ } بهذا التزيين {عَنِ ٱلسَّبِيلِ } أي الطريق الواضح الموصل إلى الحق {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } أي أهل بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق بالاستدلال. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل: المعنى: كانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم معجبين بها يحسبون أنهم على هدى، ويرون أن أمرهم حقّ، فوصفهم بالاستبصار على هذا باعتبار ما عند أنفسهم. {وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ } قال الكسائي: إن شئت كان محمولاً على {عادًا} وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على {فصدّهم عن السبيل} أي وصدّ قارون وفرعون وهامان. وقيل: التقدير: وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } عن عبادة الله {وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ } أي فائتين، يقال: سبق طالبه: إذا فاته: وقيل: وما كانوا سابقين في الكفر، بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة. {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } أي عاقبنا بكفره وتكذيبه. قال الكسائي: {فكلاًّ أخذنا} أي فأخذنا كلاًّ بذنبه {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } أي ريحاً تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار فترجمهم بها، وهم قوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } وهم ثمود وأهل مدين {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } وهو قارون وأصحابه {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } وهم قوم نوح وقوم فرعون {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } بما فعل بهم، لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } باستمرارهم على الكفر وتكذيبهم للرسل وعملهم بمعاصي الله. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } قال: مجلسكم. وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن أمّ هانىء بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ } قال: «حديث : كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم»تفسير : . قال الترمذي: بعد إخراجه، وتحسينه: ولا نعرفه إلاّ من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف، وهو قول الله سبحانه: {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: هو الحذف. وأخرج عبد ابن حميد عن ابن عباس مثله. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة في الآية قالت: الضراط. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } قال: الصيحة، وفي قوله: {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } قال: في الضلالة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } قال: قوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ } قال: ثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } قال: قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } قال: قوم نوح.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} أي تنكحون الرجال. {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قطع الطريق على المسافر، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم بإتيان الفاحشة من الرجال قطعوا الناس عن الأسفار حذراً من فعلهم الخبيث، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال، قال وهب: استغنواْ عن النساء بالرجال. {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيِكُمُ الْمُنكَرَ} أي في مجالسكم المنكر فيه أربعة أوجه: أحدها: هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، قالته عائشة رضي الله عنها. الثاني: أنهم كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه روته أم هانىء عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: أنهم كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم، رواه منصور عن مجاهد. الرابع: هو الصفير ولعب الحمام والجلاهق والسحاق وحل أزرار القيان في المجلس، رواه الحاكم عن مجاهد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "وَلوطاً" إعرابه كإعراب إبراهيم {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ} قرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو بكر "أَئِنَّكُم" بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية {لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَة} وهو إتيان الرجال، {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا} يجوز أن تكون استثنافية جواباً لمن سأل عن ذلك وأن تكون حالية أي مبتدعين لها. فإن قيل: قال إبراهيم لقومه: "اعْبدُو اللَّهَ"، وقال لوطٌ لقومه هاهنا: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَة} ولم يأمرهم بالتوحيد، فما الحكمة؟ فالجواب: انه لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم كان لوط في زمن إبراهيم فلم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع الرسول لا بدّ أن يقول ذلك فحكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاخْتِصَار فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد، وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [هود: 61]؛ لأن ذلك قد أتى به إبراهيم، وسبقه فصار كالمختصِّ به، وأما المنعُ من علم قوم "لوط" فكان مختصاً "بلوط" فذكر كل واحد بما اختص به، وسبق به غَيْرَهُ. فصل دلت الآية على وجوب الحد في اللّواطة، لأنه سماها فاحشةً، وقد ثبت أن إتيان الفاحشة يوجب الحدّ، وأيضاً أن الله تعالى جعل عذاب من أتاها إمطارَ الحجارة عليهم عاجلاً وهو الرَّجْمُ. وتقدم الكلام على قوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ}. قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ}، قيل: كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين فترك الناس الممرّ بهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل بإتيان الرجال، كقوله: {أية : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [الأعراف: 81] و [النمل: 55]، {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال أبو العباس المَقَّرِيّ. ورد لفظ النادي في القرآن بإزاء معنيين: الأول: النادي مجلس القوم المحدد فيه لهذه الآية. والثاني: بمعنى الناصر، كقوله تعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}تفسير : [العلق: 17]، أي ناصره يعني أبا جهل. واعلم أن النادي (والنَّديّ) والمُنْتَدَى مجلس القوم ومُتَحَدَّثُهُمْ، روى أبو صالح مولى أُمِّ هانىء بنت أبي طالب قالت: حديث : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يخذُفُونَ أهلَ الطرق، ويسخرون منهم . تفسير : وروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصًى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفُوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثةَ دراهم، ولهم قاضي بذلك، وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم. وعن عبد الله بن سلام: يَبْزُقُ بعضُهم على بَعْض. وعن مكحول قال: من أخلاق قوم لوط مضغ العِلْكِ، وتطريق الأصابع بالحِنَّاء، وحل الإزار، والصَّفيرُ، والخَذْفُ، واللُّوطِيَّةُ. (قوله): {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ}، لما أنكر عليهم "لوط" ما يأتون به من القبائح إلا أَنْ قَالُوا له استهزاء {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال لوط: {رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} بتحقيق قولي في العذاب. فإن قيلَ: قال قوم "إبراهيم" اقتلوه أو حرّقوه، وقال قوم لوط {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} وما هددوه (مع) أن "إبْرَاهِيمَ" كان أعظم من "لوط" فإن لوطاً كان من قومه. فالجوابُ: أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله: "لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع ولا تَنْفَعُ، ولا تُغْنِي"، والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم، وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا: إنك تقول: إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول: لا نعذب فإن كنت صادقاً فأتِنَا بالعذَابِ.؟ فإن قيل: إن الله قال في موضع آخر: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ}تفسير : [النمل: 56]. وقال هنا: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا ٱئْتِنَا} فكيف الجمع؟ فالجوابُ: أن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً على النهي والوعيد فقالوا (أولاً) ائتنا (ثم) لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا: "أخرجوا". ثم إنَّ لوطاً لما يَئِسَ منهم طلب النُّصْرَةَ من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال {رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} (فإن الله لا يحب المفسدين) حتى يُنْجِزَ النَّصْرَ. واعلم أن كُلَّ نبي من الأنبياء ما طلب هلاكٌ قَوْمه إلا إذا علم أن عدمَهُمْ خيرٌ من وجودهم، كما قال نوحٌ {أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 27]، يعني: أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالاً، أو بسببها مآلاً ولا مصلحة فيهما، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من صغرهم بالامتناع عن الأَتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، واشتغلوا بما لا يُرْجَى منهم ولد صالح يعبد الله فطلب المصلحة حالاً ومآلاً، فعدمهم صار خيراً، وطلب العذاب.
البقاعي
تفسير : ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء، خص بالبسط في القص من لم يكن له ناصر من قومه، أو كان غريباً منها، ولذلك أتبع الخليل عليه الصلاة والسلام ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم: ناس لا قرابة له فيهم ولا عشيرة، فقال: {ولوطاً} أي أرسلناه، وأشار إلى إسراعه في الامتثال بقوله: {إذ} أي وأرسلناه حين {قال لقومه} أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، منكراً ما رأى من حالهم، وقبيح فعالهم، مؤكداً له إشارة إلى أنه - مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر: {إنكم لتأتون الفاحشة} أي المجاوزة للحد في القبح، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها. ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله: {ما سبقكم} أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر، أي غير مسبوقين {بها} وأعرق في النفي بقوله: {من أحد} وزاد بقوله: {من العالمين*} أي كلهم فضلاً عن خصوص الناس؛ ثم كرر الإنكار تأكيداً لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال: {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر، بياناً لاستحقاق الذم من وجوه، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، فقال {وتقطعون السبيل*} أي بأذى الجلابين والمارة. ولما خص هذين الفسادين، عم دالاً على المجاهرة فقال: {وتأتون في ناديكم} أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة، وهو ناد ما دام القوم فيه، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك {المنكر} أي هذا الجنس، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول، ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى، من غير أن يستحي بعضكم من بعض؛ ودل على عنادهم بقوله مسبباً عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح: {فما كان جواب قومه} أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم، ويتقي أذاهم وضرهم، لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} عناداً وجهلاً واستهزاء: {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة. ولما كان الإنكار ملزوماً للوعيد بأمر ضار قالوا: {إن كنت} أي كوناً متمكناً {من الصادقين*} أي في وعيدك وإرسالك، إلهاباً وتهييجاً. ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: {قال} أي لوط عليه الصلاة والسلام معرضاً عنهم، مقبلاً بكليته على المحسن إليه: {رب} أي أيها المحسن إليّ {انصرني على القوم} أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه {المفسدين*} بإتيان ما تعلم من القبائح. ولما كان التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام، تحقيقاً لانتقامنا من المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث جعلنا النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: {ولما جاءت} وأسقط "أن" لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم الرسل بقولهك {رسلنا} أي من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ولما جاؤوا به {إبراهيم بالبشرى} أي بإسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لإسحاق عليهما الصلاة والسلام. ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: {قالوا} أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جواباً لسؤاله عن خطبهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام يود أن يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: {إنا مهلكو} وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا: {أهل هذه القرية} ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن أهلها} مظهرين غير مضمرين إفهاماً لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك، إخراجاً للوط عليه السلام: {كانوا ظالمين*} أي عريقين في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم عنه. ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم يقنع الخليل عليه السلام لخطر المقام بهذا التلويح، بل {قال} مؤكداً تنبيهاً على جلالة ابن أخيه، وإعلاماً بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن يستحق الهلاك، ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير بالاختصار: {إن} وأفهم بقوله: {فيها لوطاً} دون، منهم، أنه نزيل تدرجاً إلى التصريح بالسؤال فيه، وسؤالاً في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه بعيد عما عللوا به الإهلاك من الظلم، {قالوا} أي الرسل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: {نحن أعلم} أي منك {بمن فيها} أي من لوط وغيره. ولما كان كلامهم محتملاً للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: {لننجينه} أي إنجاءاً عظيماً {وأهله} ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ليكون ذلك أنص على إنجاء غيرها من جميع أهله فقالوا: {إلا امرأته} فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: {كانت} أي جبلة وطبعاً {من الغابرين*} أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة، ليعم وجهها معهم الغبرة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله {وتقطعون السبيل} قال: الطريق إذا مر بهم المسافر، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله {وتأتون في ناديكم} قال: مجلسكم. وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والشاشي في مسنده والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {وتأتون في ناديكم المنكر} قال "حديث : كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ويسخرون منهم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وهو قول الله {وتأتون في ناديكم المنكر}. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: الخذف، فقال رجل: وما لي قلت هكذا؟ فأخذ ابن عمر كفا من حصباء، فضرب به وجهه وقال: في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ بالمعاريض. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: الخذف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: كانوا يخذفون الناس. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن مجاهد في قوله {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وتأتون في ناديكم المنكر} قال كانوا يعملون الفاحشة في مجالسهم. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها في قوله {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: الضراط. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله {وتأتون في ناديكم المنكر} ماذا كان المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم، يضرط بعضهم على بعض. والنادي هو المجلس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وتأتون في ناديكم المنكر} قال: الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق، وحل ازرار القباء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها} قال: لا يلقى المؤمن إلا يرحم المؤمن ويحوطه حيثما كان وفي قوله {إلا امرأته كانت من الغابرين} قال: من الباقين في عذاب الله. وفي قوله {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً} قال: ساء بقومه ظناً، يتخوّفهم على اضيافه، وضاق ذرعاً بضيفه مخافة عليهم. وفي قوله {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء} قال: عذاباً من السماء. وفي قوله {ولقد تركنا منها آية بينة} قال: هي الحجارة التي أمطرت عليهم أبقاها الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولقد تركنا منها آية بينة} قال: عبرة.
القشيري
تفسير : لامَهُم على خصلتهم الشنعاء، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء، وما يُضَيَّعُونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفُسَّاق مع فِسقهم، وترك القبض على أيديهم، وقلة الاحتشام من اطّلاع الناس على قبائح أعمالهم. ومن ذلك قلة احترام الشيوخ والأكابر، ومنها التسويف في التوبة، ومنها التفاخر بالزلَّة. فما كان جوابُهم إلا استعجالَ العقوبة، فحلَّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من شاركهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولوطا} اى ولقد ارسلنا لوطا من قبلك يامحمد اذكر لقومك {اذ قال لقومه} من اهل المؤتفكات {انكم} [بدرستى كه شما] {لتأتون الفاحشة} اى الخصلة المتناهية فى القبح: وبالفارسية [بفاحشه مى آييد يعنى ميكنيد كارى كه بغايت زشت است] كأن قائلا قال لم كانت تلك الخصلة فاحشة فقيل {ماسبقكم بها} اى بتلك الفاحشة {من احد من العالمين} [هيجكس ازجهانيان] اى لم يقدم احد قبلكم عليها لافراط قبحها وكونها مما تنفر عنها النفوس والطباع وانتم اقدمتم عليها لخباثة طبيعتكم. قالوا لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط اى مع طول الزمان وكثرة القرون
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {لوطاً إِذْ قال لقومه إِنكم لتأتون الفاحشةَ} أي: الفعلة البالغة في القُبح، وهي اللواطة، {ما سَبَقَكم بها من أحدٍ من العالمين}: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلاً قال: لِمَ كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحداً ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم يَنْزُ ذكر على ذكر قبل قوم لوط. {أئِنكم لتأتون الرجالَ وتقطعون السبيلَ} اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قُطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، {وتأتون في ناديكم}؛ في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، {المنكرَ} فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وتأتون في ناديكم المنكر}؟ فقال: "حديث : كانوا يحذفون من يمرّ بهم الطريق، ويسخرون منهم"تفسير : . وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه؛ كان أَوْلَى به ". تفسير : {فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذابِ الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، {قال ربِّ انصرني} بإنزال العذاب {على القوم المفسدين} بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسَنِّهَا لِمَنْ بعدهم. وصفهم بذلك؛ مبالغة استنزال العذاب، وإشعاراً بأنهم أحِقاء بأن يعجل لهم العذاب, {ولما جاءت رسلُنا إبراهيم بالبشرى}، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم؛ بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، {قالوا إنا مهلكوا أهْلِ هذه القرية}؛ سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. {إن أهلها كانوا ظالمين}، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مُصِرُّونَ، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. {قال} إبراهيم: {إن فيها لوطاً} أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ {قالوا} أي: الملائكة: {نحن أعلمُ} منك {بمن فيها لننجيَّنه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}؛ الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: {ولما أن جاءتْ رُسُلُنَا لوطاً سِيء بهم} أي: ساءه مجيئُهم وغمه, مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و "أن": صلة؛ لتأكيد الفعلين, وترتيب أحدهما على الآخر, كأنهما وُجِدا في جزء واحد من الزمان, كأنه قيل: لمَّا أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. {وضاق بهم ذَرْعاً} أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعُه وطاقته، وقد جعلوا ضيقَ الذرعِ والذراع عبارةً عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحْب الذراع، إذا كان مُطيقاً للأمور، والأصلَ فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. {وقالوا}، لمّا رأوا فيه أثر الضجر والخوف: {لا تخفْ ولا تحزنْ} على تمكنهم منا، {إنا منجُّوكَ وأهلَكَ} أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و"أهلك": نصب بفعل محذوف، {إلا إمرأتكَ كانت من الغابرين}. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعاً، وأما أنت؛ فإنا منجوك... إلخ؛ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: {إنا منزلون على أهلِ هذه القرية رِجْزاً}؛ عذاباً {من السماء بما كانوا يَفْسُقُون}؛ بسبب فسقهم. {ولقد تركنا منها}؛ من القرية {آية بينةً} هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية {لقومٍ يعقلون}؛ يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {وتأتون في ناديكم المنكر} قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفُسَّاق مع فِسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. هـ. وقال في قوله تعالى: {إن فيها لوطاً}، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط, تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: {لننجينه...} إلخ، فدلّ ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئاً، لم يكن ظلماً، لو كان كذلك قبيحاً لما كان إبراهيم - مع وفْر علمه - يُشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذِّبُ مَنْ يعذِّب ويعافي، من يعافي بلا حَجر هـ. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقولُ إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} تفسير : [المائدة: 17] الآية. هـ. قلت: ظاهر قوله تعالى: {أية : يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 74]؛ أن مجادلته كانت عن قومه فقط؛ لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} تفسير : [هود: 75]... حتى قال له تعالى: {أية : يَـٰإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} تفسير : [هود: 76] لَمَّا تَحَتَّمَ عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ...}
الجنابذي
تفسير : {وَ} ارسلنا {لُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} بتعرّضكم للمارّة لاجل الفاحشة فيمتنعون عن السّفر على بلادكم او تقطعون سبيل الولد او تقطعون السّبيل بنهب اموال المارّة، وقيل: كانوا يرمون ابن السّبيل بالخزف فايّهم اصابه كان اولى به ويأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم وكان لهم قاضٍ يقضى بذلك {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} عن الرّضا (ع): كانوا يتضارطون فى مجالسهم من غير حشمةٍ ولا حياءٍ، وقيل: المراد به جملة القبائح فانّه كان مجالسهم تشتمل على انواع القبائح مثل الشّتم والصّفع والقمار وضرب المخراق وحذف الاحجار على من مرّ بهم وضرب المزامير وكشف العورات واللّواط، وقيل: انّهم كانوا يأتون الرّجال فى مجالسهم {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} تهكّماً به {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} بالولد بعد اليأس منه {قَالُوۤاْ} لابراهيم (ع) بعد التّفصيل الّذى وقع بينهم كما سبق {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} قرية لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} بعدما جادلهم فى عدم اهلاكهم وبعدما قال لهم ان كان فيها واحد من المؤمنين اهلكتموهم؟- وقالوا له: لا، قال: انّ فيها لوطاً {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ} زاد ان ههنا لتأكيد لصوق الجزاء بالشّرط بخلاف حكاية الرّسل مع ابراهيم (ع) فانّ التّأكيد لم يكن هناك مطلوباً ولم يكن اخبارهم باهلاك قوم لوطٍ الاّ بعد مدّةٍ من ورودهم عليه {رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ} ورد عليه المساءة بسبب مجيئهم لما كان يعلم من حال قومه وتفضيحهم للمارّة {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} كناية عن ضيق الخلق وعدم الطّاقة فانّ طويل اليد يسع من الاعمال ما لا يسعه قصيرها {وَقَالُواْ} بعدما رأوا مساءته {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} ممّا تخاف وتحزن عليه {إِنَّا مُنَجُّوكَ} من هذه القرية او من العذاب الّذى جئنا له {وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} الاتيان بالماضى لتحقّق وقوعه.
الأعقم
تفسير : {ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة} قيل: القبيح الشنيع {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي من الخلق، أي أنتم أحدثتم هذه الفاحشة، ثم فسر الفاحشة فقال: {أئنكم لتأتون الرجال} في أدبارهم {وتقطعون السبيل} وكانوا يقطعون الطريق لأخذ أموال الناس، وقيل: للعمل الخبيث لأنهم كانوا يطلبون الغرباء، وقيل: الولد بإتيان الذكور {وتأتون في ناديكم المنكر} أي مجالسكم، ناديته: جالسته، قيل: كانوا يجامعون في المحافل كفعل الحمير، وقيل: المضارطة، وروي لعب الحمام والصقر والحذف والسواك في المجلس، وروي عنه أن قوم لوط كانوا يجلسون وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، وقيل: السخرية بمن مرّ بهم، ولا يقال للمجلس نادي إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يبق نادياً، ومنه عمل القمار والصفح [الصعق] وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات، فلما نهاهم وهداهم أجابوه جواب الجهال فقال تعالى: {فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} فعند ذلك دعا عليهم، فـ {قال رب انصرني على القوم المفسدين} فأجاب الله دعاءه فقال سبحانه: {لما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} لما بعث الملائكة بإهلاك قوم لوط دخلوا على ابراهيم أولاً فبشروه بإسحاق ويعقوب فقالوا لإِبراهيم: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} يعني قوم لوط {إن أهلها كانوا ظالمين} وهي قرية سدوم فقال إبراهيم: {قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها} قيل: أراد إبراهيم كيف تهلك القرية وفيها لوط؟ فقالت الملائكة: {نحن أعلم بمن فيها لننجّينه وأهله} يعني نخلص لوطاً بإخراجه منها {إلاَّ امرأته كانت} كافرة {من الغابرين} الباقين في العذاب {ولمَّا أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم} يعني خاف الملائكة لوطاً ظن أنهم من الإِنس لأنهم جاؤوه على صورة الإِنس {سيء بهم} قيل: بالملائكة ساءه مجيئهم لما جاؤوه في أحسن صورة لما يعلم من خبث قومه وأفعالهم الشنيعة {وضاق بهم ذرعاً} أي ضاقت حيله، وقيل: ضاق قلبه وناله وباله الغم فلما رأت الملائكة حزنه وضيق صدره {وقالوا لا تخف} علينا وعليك {ولا تحزن} بما يفعله قومك {إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين} الباقين في العذاب {إنا منزلون على أهل هذه القرية} وهي سدوم {رجزاً من السماء} وهي الحجارة التي أمطرت عليهم {بما كانوا يفسقون} أي بفسقهم وخروجهم عن أمر الله تعالى {ولقد تركنا منها آية بيّنةً} حجَّة واضحة قيل: هي آثار منازلهم الخربة، وقيل: بقية الحجارة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، وقيل: الخبر عما صنع بهم {لقوم يعقلون} أي يستمعون عقولهم فيتفكرون.
اطفيش
تفسير : {وَلُوطاً} عطف على ابراهيم او على ما عطف عليه او مفعول لأذكر محذوفا على الاستئناف. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ} الفعلة المبالغة في القبح وهي الزنا بأدبار الرجال وقرأ غير ابن عامر وحفص والحرميين (أءنكم) بهمزة مفتوحة على الاستفهام وبهمزة بعدها مكسورة مسهلة ومحققة وهي همزة ان كما قرأ الجميع في الثانية بالهمزتين والكلام في (اذ) كما مر. {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ} الجملة حال من الفاحشة او من الواو او مستأنفة وعلى كل فهي مقررة لفاحشة تلك الفعلة لم يقدم عليها احد قبلهم لنفور الطباع منها لفرط قبحها حتى قدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم حتى قالوا لم ينزلا ذكر على ذكر من بني آدم ولا من الجن ولا من البهائم قبل قوم لوط.
اطفيش
تفسير : {ولُوطاً} عطف على ابراهيم او نوحاً {إذْ قال لقَوْمه} تقدم مثله {إنكم لتأتون الفاحشة} الفعلة القبيحة جداً {ما سبقكم بها} على ظاهره او بمعنى فيها {من أحدٍ} فاعل، ومن صلة لتأكيد العموم {من العالمين} يستقبحها كل احد، والجملة حال من الفاحشة او من واو تأتون، أى مبتدعة او مبتدعين، وفسر اتيان الفاحشة مع التوبيخ بقوله: {أئنكم لتأتون الرَّجال} الذكور صغاراً وكباراً استعمالاً للخاص في العام {وتقطعُون السَّبيل} سبيل الولادة، لان الاتيان في الدبر لا يحمل، ولو فى ادبار الاناث، فكيف بادبار الذكور، لان الدبر يوصل الى محل الطعام لا الى محل الحمل، او تقطعون السبيل في الارض بأن لا يأتيكم الناس لكراهة ان تفعلوا بهم، وقيل لا يأتيكم الناس لقبحكم بذلك، او بالقتل واخذ المال {وتأتون في نادِيكُم} في مجلسكم الممتلئ بالناس {المُنْكر} كاللواط فى محضرهم الغريب، ولبعض مع بعض، والضرط فيه، وحل الازار، ولا حياء لهم، وعن ام هانئ بنت ابى طالب، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم" تفسير : رواه احمد والترمذى والطبرانى والحاكم والبيهقى، يرمون ابن السبيل بالحصى، فمن اصابته حصاته جامعه واخذ ماله، وقيل: يغرمه ثلاثة دراهم ويجامعه، ويأخذ ما معه ايضاً، وعن ابن عباس: الرمى بالحصى والبنادق، وفرقعة الاصابع، ومضغ العلك والسواك بين الناس، وحل الازار والسب والفحش بالمزاح، والضرط والتصافع، وعن مجاهد لعب الحمام وتطريف الاصابع بالحناء، والصفير والحذف بالحصى، ونبذ الحياء فى جميع امورهم، ولم يات عن لوط انه دعاهم الى الاسلام لانهم من قوم ابراهيم، وقد كفاه فى ذلك. {فَما كانَ جَوابَ قَوْمه إلاَّ أن قالوا ائتنا بعَذَاب الله إنْ كنْتَ من الصادقين} فى دعوى النبوة، وفى تقبيح اللواط وتحريمه، والعذاب عليه، فانه يذكر لهم العذاب والتحريم ولو فى اول مجيئه اليهم للنهى، ولا يتنافى هذا الحصر والذي فى قوله: {أية : إلاَّ أنْ قالوا أخرجوهم} تفسير : [الأعراف: 82] والذى فى قوله: "أية : إلاَّ أنْ قالوا أخرجوا آل لوط"تفسير : [النمل: 56] لان الحصر فيهن اضافى، اى قالوا تلك الاقوال دون ان يذعنوا او يلينوا بشئ، وهذا اولى من ان يقال: ما هنا عن كبارهم، والآخران عن غير كبارهم، أو بالعكس، ومن ان يقال: جوابهم إذ نصحهم وغيره جوابهم فيما بينهم، إذ تشاوروا، وقد بلغوا هذا الجواب كما هو ظاهر الآية، ومن ان يقال ما هنا اول الوعظ كذبوه وسخروا به، والآخران انتقام منه إذ عاودهم، ولا يبيح الله سبحانه وتعالى لواط الولدان في الجنة، ولا ادبار النساء، ولا يخطئ الله في قلوبهم ان يحبوا ذلك فيجابوا لقبحه عقلا وشرعا، وابيحت خمر الجنة، لانها لا تسكر، بل قال ابن العربى لا ادبار لاهل الجنة، لانها لخروج الفضلة والريح، وليسا فيها، واخطأ من اجاز ذلك من قومنا، وأقول لعل لهم ادبار لكمال الخلقة لا لذلك.
الالوسي
تفسير : {وَلُوطاً } عطف على {أية : إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [العنكبوت: 16] أو على {أية : نُوحاً} تفسير : [العنكبوت: 14] والكلام في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } كالذي في القصة السابقة [العنكبوت: 16]. {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } الفعلة البالغة في القبح، وقرأ الجمهور {أَئِنَّكُمْ } على الاستفهام الإنكاري. {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } استئناف مقرر لكمال قبحها، فإن إجماع جميع أفراد العالمين على التحاشي عنها ليس إلا لكونها مما تشمئز منه الطباع السليمة وتنفر منه النفوس الكريمة، وجوز أبو حيان كون الجملة حالاً من ضمير (تأتون)، كأنه قيل: إنكم لتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها.
ابن عاشور
تفسير : {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} الانتقال من رسالة إبراهيم إلى قومه إلى رسالة لوط لمناسبة أنه شابه إبراهيم في أن أنجاه الله من عذاب الرجز. والقول في صدر هذه الآية كالقول في آية {أية : وإبراهيم إذ قال لقومه}تفسير : [العنكبوت: 16] المتقدم آنفاً. وتقدم نظيرها في سورة النمل وفي سورة الشعراء. وما بين الآيات من تفاوت هو تفنن في حكاية القصة للغرض الذي ذكرته في المقدمة السابعة، إلا قوله هنا {إنكم لتأتون الفاحشة} فإنه لم يقع له نظير فيما مضى. وقوم لوط من الكنعانيين وتقدم ذكرهم في سورة الأعراف. وتوكيد الجملة بــــ (إن) واللام توكيد لتعلق النسبة بالمفعول لا تأكيد للنسبة، فالمقصود تحقيق أن الذي يفعلونه فاحشة، أي عمل قبيح بالغ الغاية في القبح، لأن الفحش بلوغ الغاية في شيء قبيح لأنهم كانوا غير شاعرين بشناعة عملهم وقبحه. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر {إنكم لتأتون الفاحشة} بهمزة واحدة على الإخبار المستعمل في التوبيخ. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزتين: همزة الاستفهام وهمزة (إنّ). وقرأ الجميع {أإنكم لتأتون الرجال} بهمزتين. وفي «الكشاف»: قال أبو عبيد: وجدت الأول أي {إنكم لتأتون الفاحشة} في الإمام بحرف واحد بغير ياء، أي بغير الياء التي تكتب الهمزة المكسورة على صورتها ورأيت الثاني (أي {أينكم لتأتون الرجال}) بحرفي الياء والنون اهــــ. (يعني الياء بعد همزة الاستفهام والنون نون إن). ولعله يعني بالإمام مصحف البصرة أو الكوفة فتكون قراءة قرائهما رواية مخالفة لصورة الرسم. وجملة {أينكم لتأتون الرجال} الخ بدل اشتمال من مضمون جملة {لتأتون الفاحشة}، باعتبار ما عطف على جملة {أئنكم لتأتون الرجال} من قوله {وتقطعون السبيل} الخ لأن قطع السبيل وإتيان المنكر في ناديهم مما يشتمل عليه إتيان الفاحشة. وأدخل استفهام الإنكار على جميع التفصيل وأعيد حرف التأكيد لتتطابق جملة البدل مع الجملة المبدل منها لأنها الجزء الأول من هذه الجملة المبدلة عند قطع النظر عما عطف عليها تكون من الجملة المبدل منها بمنزلة البدل المطابق. وقطع السبيل: قطع الطريق، أي التصدي للمارين فيه بأخذ أموالهم أو قتل أنفسهم أو إكراههم على الفاحشة. وكان قوم لوط يقعدون بالطرق ليأخذوا من المارة من يختارونه. فقطع السبيل فساد في ذاته وهو أفسد في هذا المقصد. وأما إتيان المنكر في ناديهم فإنهم جعلوا ناديهم للحديث في ذكر هذه الفاحشة والاستعداد لها ومقدماتها كالتغازل برمي الحصى اقتراعاً بينهم على من يرومونه، والتظاهر بتزيين الفاحشة زيادة في فسادها وقبحها لأنه معين على نبذ التستر منها ومعين على شيوعها في الناس. وفي قوله {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} تشديد في الإنكار عليهم في أنهم الذين سنوا هذه الفاحشة السيئة للناس وكانت لا تخطر لأحد ببال، وإن كثيراً من المفاسد تكون الناس في غفلة عن ارتكابها لعدم الاعتياد بها حتى إذا أقدم أحد على فعلها وشوهد ذلك منه تنبهت الأذهان إليها وتعلقت الشهوات بها. والنادي: المكان الذي ينتدي فيه الناس، أي يجتمعون نهاراً للمحادثة والمشاورة وهو مشتق من النَدْو بوزن العفو وهو الاجتماع نهاراً. وأما مكان الاجتماع ليلاً فهو السامر، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسم نادياً. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ * قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ }. الكلام فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً في قوله {أية : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه}تفسير : [العنكبوت: 24] الآية، والأمر في {ائتنا بعذاب الله} للتعجيز وهو يقتضي أنه أنذرهم العذاب في أثناء دعوته. ولم يتقدم ذكر ذلك في قصة لوط فيما مضى لكن الإنذار من شؤون دعوة الرسل. وأراد بالنصر عقاب المكذبين ليريهم صدق ما أبلغهم من رسالة الله. ووصفهم بــــ {المفسدين} لأنهم يفسدون أنفسهم بشناعات أعمالهم ويفسدون الناس بحملهم على الفواحش وتدريبهم بها، وفي هذا الوصف تمهيد للإجابة بالنصر لأن الله لا يحب المفسدين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولوطاً إذا قال لقومه: أي واذكر إذ قال لوط بن هاران لقومه أهل سَدُوم. أئنكم لتأتون الفاحشة: أي الخصلة القبيحة وهي إتيان الذكران في أدبارهم. ما سبقكم بها من أحدٍ: أي لم تعرف البشرية قبل قوم لوط إتيان الذكران في أدبارهم. وتقطعون السبيل: أي باعتدائكم على المارة في سبيل فامتنع الناس من المرور خوفاً منكم. وتأتون في ناديكم المنكر: أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالضراط وحل الإِزار والفاحشة أي اللواط. فما كان جواب قومه: أي إلا قولهم أئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. معنى الآيات: هذا بداية قصص لوط عليه السلام مع قومه أهل سَدُوم وعموريّة والغرض من سياقه تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذه القصص لا يتم لأحد إلاَّ من طريق الوحي، وتسلية الرسول من أجل ما يلاقي من عناد المشركين ومطالبتهم بالآيات والعذاب قال تعالى: واذكر يا رسولنا لقومك لوطاً {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} وهي الفعلة القبيحة ويزيدها قبحاً أن الناس قبل قوم لوط لم تحدث فيهم هذه الخصلة ولم يعرفها أحد من العالمين، ثم واصل لوط إنكاره وتشنيعه عليهم فيقول: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} أي في أدبارهم {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا النسل بقطع سبيل الولادة، وزاد لوط في تأنيبهم والإِنكار عليهم والتوبيخ لهم فقال {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضاً، وبالتضارط فيه، وحل الإِزار، والقذف بالحصى وما إلى ذلك مما يؤثر عنهم من سوء وقبح. قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} بعد أن أنبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها. وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لما طالبوه بالعذاب، وقد أعياه أمرهم لجأ إلى ربه يطلب نصره على قومه الذين كانوا شر قوم وجدوا على وجه الأرض واستجاب الله تعالى له ونصره وسيأتي بيان ذلك في الآيات بعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصص لا يتم إلا عن طريق الوحي. 2- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل ما يعاني من المشركين من كفر وعناد ومطالبة بالعذاب. 3- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط. 4- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس. 5- التحذير من العبث والباطل قولاً أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات.
القطان
تفسير : الفاحشة: العمل القبيح الذي تنفر منه النفوس. السبيل: الطريق. القرية: سدوم في منطقة البحر الميت بالأردن. الغابرين: الباقين. سيء بهم: حصل له سوء وغم بسببهم. ضاق بهم ذرعا: عجز عن تدبير شئونهم. الرجز: العذاب. ذُكرت قصة لوط في عدد من السور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وقد مرت في كل من سورة الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل. وخلاصتها ان قوم لوط كانوا أشراراً يقطعون الطريق على السابلة، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسَن. وكانوا يأتون الذكورَ من الناس، ويُعلنون ذلك ولا يرون فيه سوءا. فكانوا يتربصون لكل داخلٍ مدينتَهم من التجّار ويجتمعون عليه ويمدون ايديهم الى بضاعته يأخذُ كل واحد منها شيئا حتى لا يبقى معه شيء. كما قال تعالى: {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ}. ولقد أنجى الله لوطاً وابنتَيه من القرية وبقيت امرأته فيها، لأنها كانت كافرة مع قومها، فحل بهم العذاب، وامطر الله عليهم حجارةً من سِجِّيل، قلبتْ ديارَهم عاليَها سافلها، وبقيت الى آيامنا آية بيّنة لقوم يعقلون. قراءات: قرأ أهل الحجاز وابن عامر ويعقوب وحفص: إنكم لتأتون الفاحشة بهمزة واحدة. وقرأ اهل الكوفة أإنكم بهمزتين على الاستفهام. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب: لنُنَجينه بفتح النون الثانية وتشديد الجيم المكسورة. وانا مُنَجوك: بفتح النون وتشديد الجيم المضمومة. وقرأ ابن عامر والكسائي: منزلون بفتح النون وتشديد الزاي المكسورة. والباقون: منزلون، باسكان النون وكسر الزاي دون تشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْفَاحِشَةَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (28) - وَاذْكُرْ لِقَومِكَ قِصَّةَ لُوطٍ حِينَ أَرْسَلْنَاهُ إِلى أَهْلِ سَدُوم الذينَ سَكَنَ بَينَهُمْ، وَصَاهَرَهُمْ فَصَارُوا قَومَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وأنكَرَ عَلَيهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ، وَقَبيحَ فِعَالِهِمِ، التي لَمْ يَسْبِقْهُم إِليهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ لفَظَاعَتِها، وَنُفْرَةِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ مِنْهَا.
الثعلبي
تفسير : {وَلُوطاً} فاذكر لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ} مجلسكم {ٱلْمُنْكَرَ}. حدثنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، قال: حدثنا جدي لأُمّي أبو الحسن المحمودي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: أنّ بشر بن معاذ العمقدي حدثهم قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا عمير بن مرداس الدونقي، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا يحيى بن أبي الحجاج أبو أيوب البصري قال: حدثنا أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي مولى أم هانيء، عن أم هانيء بنت أبي طالب قالت: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: "كانوا يخذفون أهل الطرق ويسخرون بهم" . تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن علوية، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدثنا المسيب،قال: سمعت زياد بن أبي زياد يحدّث عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كلّ رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به" تفسير : وذلك قول الله سبحانه: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إيّاكم والخذف فإنّه لا ينكأ العدو ولا يصيب الصيد، ولكن يفقأ العين ويكسر السن ". تفسير : وأخبرنا الحسين قال: أخبرنا أبو علي بن حنيش المقري قال: حدثني أبو جعفر محمد بن جعفر المقري، قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين الكسائي، قال: حدثنا هارون بن حاتم، قال: أخبرنا أبو بكر بن أوس المدني، عن أبيه، عن يزيد بن بكر بن دأب، عن القاسم بن محمد {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال: الضراط، كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم. أخبرنا أبو جعفر الخلفاني قال: حدثنا أبو العباس التباني قال: حدثنا أبو لبيد السرخسي، قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق، قال: حدثنا سليمان بن ظريف عن مكحول، قال: عشرة في هذه الأمة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطويق الأصابع بالحناء، وحل الأزار، وتنقيص الأصابع والعمامة التي يلف بها على الرأس، والسلينية، ورمي الجلاهق، والصفير، والخذف، واللوطية. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} إنّه نازل بنا وذلك إنّه أوعدهم العذاب، {قَالَ} لوط {رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} من الله سبحانه اسحاق ويعقوب: {قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤاْ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} يعني قوم لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ} إبراهيم للرسل: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ * وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} وحسب إنّهم من الإنس {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ * إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً} عذاباً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً} عبرة ظاهرة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهي الخبر عما صنع بهم، وقال ابن عباس: هي آثار منازلهم الخرباء. أبو العالية وقتادة: هي الحجارة التي ألقاها الله. مجاهد: الماء الأسود على وجه الأرض.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا ينتقل السياق من قصة إبراهيم لقصة ابن أخيه لوط، ونلحظ أن القرآن في الكلام عن نوح وإبراهيم ولوط بدأ الحديث بذكره أولاً، وعادة القرآن حينما يتكلم عن الرسل يذكر القوم أولاً، كما قال تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ..} تفسير : [الأعراف: 65]، {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ..} تفسير : [الأعراف: 73]، {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ..} تفسير : [الأعراف: 85]. قالوا: لأن قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط لم يكُنْ لهم اسم معروف، فذكر أنبياءهم أولاً، أمَّا عاد وثمود ومدين فأسماء لأناس معروفين، ولهم قرى معروفة، فالأصل أن القوم هم المقصودون بالرسالة والهداية؛ لذلك يُذكَرون أولاً فهم الأصل في الرسالة، أما الرسول فليستْ الرسالة وظيفة يجعلها الله لواحد من الناس. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 28] وسمى خسيسة قومه فاحشة؛ لذلك قال العلماء في عقوبتها: يصير عليها ما يصير على الفاحشة من الجزاء؛ لأن الحق سبحانه سمى الزنا فاحشة فقال {أية : إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ..} تفسير : [النساء: 22] والزنا شُرِع له الرجم، وكذلك يكون جزاء مَنْ يفعل فِعلْة قوم لوط الرجم. وقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 28] لا يعني هذا أن أحداً لم يفعلها قبلهم، لكنها إنْ فُعِلت فهي فردية، ليست وباءً منتشراً كما في هؤلاء.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة نوح وإِبراهيم، وما فيهما من مواطن العظة والعبرة، ذكر هنا قصص الأنبياء "لوط، شعيب، هود، صالح" على سبيل الاختصار لبيان عاقبة الله في المكذبين.. وكلُّ ذلك لتأكيد ما ورد في صدر السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة، وأنه من السنن الكونية على مر العصور والدهور. اللغَة: {ٱلْفَاحِشَةَ} الفعلة المتناهية في القبح قال أهل اللغة: الفاحشةُ: القبيح الظاهر قبحه، وكل فعلٍ زاد في القبح والشناعة فهو فاحشة {نَادِيكُمُ} النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم للسَّمر أو المشورة أو غيرهما {تَعْثَوْاْ} العُثُوُّ والعُثيُّ أشدُّ الفساد يقال: عثي يعثى، وعثا يعثو بمعنى واحد {رِجْزاً} عذاباً {جَاثِمِينَ} جثم: إِذا قعد على ركبتيه {سَابِقِينَ} فائتين من عذابنا {أَوْهَنَ} أضعف، والوهنُ: الضعف. التفسِير: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي واذكر رسولنا لوطاً عليه السلام حين قال لقومه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} أي إِنكم يا معشر القوم لترتكبون الفعلة المتناهية في القبح {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} أي لم يسبقكم بهذه الشنيعة، والفعلة القبيحة - وهي اللواطة - أحدٌ من الخلق، ثم فسر تلك الشنيعة فقال {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} أي إِنكم لتأتون الذكور في الأدبار وذلك منتهى القذارة والخسَّة قال المفسرون: لم يقدم أحد قبلهم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإِفراط قبحها حتى أقدم عليها قوم لوط، ولم ينز ذكرٌ على ذكر قبل قوم لوط {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} أي وتقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال، وكانوا قطاع الطريق قال ابن كثير: كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} أي وتفعلون في مجلسكم ومنتداكم ما لا يليق من أنواع المنكرات علناً وجهاراً، أما كفاكم قبحُ فعلكم حتى ضممتم إِليه قبح الإِظهار!؟ قال مجاهد: كانوا يأتون الذكور أمام الملأ يرى بعضهم بعضاً، وقال ابن عباس: كانوا يحذفون بالحصى من مرَّ بهم مع الفحش في المزاح، وحل الإِزار، والصفير وغير ذلك من القبائح {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} أي فما كان ردُّ قومه عليه حين نصحهم وذكّرهم وحذَّرهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} أي إِلا أن قالوا على سبيل الاستهزاء: ائتنا يا لوط بالعذاب الذي تعدنا به {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي إن كنت صادقاً فيما تهددنا به من نزول العذاب قال الإِمام الفخر: فإِن قيل إِن الله تعالى قال هٰهنا {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا} وقال في موضع آخر {أية : إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ} تفسير : [النمل: 56] فكيف وجه الجمع بينهما؟ فنقول: إِن لوطاً كان ثابتاً على الإِرشاد، مكرراً عليهم النهي والوعيد، فقالوا أولاً: ائتنا بعذاب الله، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا آل لوط، ثم إِن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله {قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي قال لوط ربّ أهلكهم وانصرني عليهم فإِنهم سفهاء مفسدون لا يُرجى منهم صلاح وقد أغرقوا في الغيّ والفساد قال الرازي: واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إِلا إِذا علم أن عدمهم خير من وجودهم كما قال نوح {أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ} تفسير : [نوح: 27] فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، ولا يرجى منهم صلاح في المآل طلب لهم العذاب {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} المراد بالرسل هنا "الملائكة" والبشرى هي تبشير إبراهيم بالولد، أي لما جاءت الملائكة تبشّر إِبراهيم بغلام حليم {قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} أي جئنا لنهلك قرية قوم لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} أي لأنَّ أهلها ممعنون في الظلم والفساد، طبيعتهم البغيُ والعناد قال المفسرون: لما دعا لوط على قومه، استجاب الله دعاءه، وأرسل ملائكته لإِهلاكهم، فمرُّوا بطريقهم على إِبراهيم أولاً فبشروه بغلامٍ وذرية صالحة، ثم أخبروه بما أُرسلوا من أجله، فجادلهم بشأن ابن أخيه لوط {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} أي كيف تهلكون أهل القرية وفيهم هذا النبي الصالح "لوط"؟ {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} أي نحن أعلم به وبمن فيها من المؤمنين قال الصاوي: وهذا بعد المجادلة التي تقدمت في سورة هود {أية : يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 74] حيث قال لهم: أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، إِلى أن قال: أفرأيتم إِن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا فقال لهم {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} فأجابوه بقولهم {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} ثم بشروه بإِنجاء لوط والمؤمنين {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي سوف ننجيه مع أهله من العذاب، إِلا امرأته فستكون من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على الكفر، ثم ساروا من عنده فدخلوا على "لوط" في صورة شبان حسان {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي ولما دخلوا على لوط حزن بسببهم، وضاق صدره من مجيئهم لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم من قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} أي لا تخف علينا ولا تحزن بسببنا، فلن يصل هؤلاء المجرمون إِلينا {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} أي كانت من الهالكين الباقين في العذاب {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي منزلون عليهم عذاباً من السماء بسبب فسقهم المستمر قال ابن كثير: وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وأرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل مكانها بحيرةً خبيثةً منتنة، وجعلهم عبرةً إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً} أي ولقد تركنا من هذه القرية علامةً بينةً واضحة، هي آثار منازلهم الخربة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي لقومٍ يتفكرون ويتدبرون ويستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، ثم أخبر تعالى عن قصة شعيب فقال {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى قوم مدين أخاهم شعيباً {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} أي فقال لقومه ناصحاً ومذكراً: يا قوم وحّدوا الله وخافوا عقابه الشديد في اليوم الآخر {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تسعوا بالإِفساد في الأرض بأنواع البغي والعدوان {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي فكذبوا رسولهم شعيباً فأهلكهم الله برجفةٍ عظيمة مدمرة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي فأصبحوا هلكى باركين على الركب ميتين {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} أي وأهلكنا عاداً وثمود، وقد ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آيتنا في هلاكهم أفلا تعتبرون؟ {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي حتى رأوها حسنة {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} أي فمنعهم عن طريق الحق، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، لكنهم لم يفعلوا تكبراً وعناداً {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} أي وأهلكنا كذلك الجبابرة الظالمين، {قَارُونَ} صاحب الكنوز الكثيرة {وَفِرْعَوْنَ} صاحب الملك والسلطان، ووزيره {وَهَامَانَ} الذي كان يُعينُه على الظلم والطغيان {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي ولقد جاءهم موسى بالحجج الباهرة، والآيات الظاهرة {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي فاستكبروا عن عبادة الله وطاعة رسوله {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي وما كانوا ليفلتوا من عذابنا قال الطبري: أي ما كانوا ليفوتونا بل كنا مقتدرين عليهم {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} أي فكلاً من هؤلاء المجرمين أهلكناه بسبب ذنبه وعاقبناه بجنايته قال ابن كثير: أي وكانت عقوبته بما يناسبه {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} أي ريحاً عاصفة مدمرة فيها حصباء "حجارة" كقوم لوط {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} أي ومنهم من أخذته صيحةُ العذاب مع الرجفة كثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} أي خسفنا به وبأملاكه الأرض حتى غاب فيها كقارون وأصحابه {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} أي أهلكناه بالغرق كقوم نوح وفرعون وجنده {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي وما كان الله ليعذبهم من غير ذنب فيكون لهم ظالماً {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكن ظلموا أنفسهم فاستحقوا العذاب والدمار، ثم ضرب تعالى مثلاً للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله فقال {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} أي مثل الذين اتخذوا من دون الله أصناماً يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي وإِن أضعف البيوت لبيتُ العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ما عبدوها {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي هو تعالى عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك، وسيجازيهم على كفرهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو جل وعلا العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} أي وتلك الأمثال نبينها للناس في القرآن لتقريبها إلى أذهانهم {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي وما يدركها ويفهمها إِلا العالمون الراسخون، الذين يعقلون عن الله عز وجل مراده {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي خلقهما بالحق الثابت لا على وجه العبث واللعب {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي إِن في خلقهما بذلك الشكل البديع، والصنع المحكم لعلامة ودلالة للمصدقين بوجود الله ووحدانيته {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي اقرأ يا محمد هذا القرآن المجيد الذي أوحاه إِليك ربك، وتقرّب إِليه بتلاوته وترداده، لأن فيه محاسن الآداب ومكارم الأخلاق {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي دم على إِقامتها بأركانها وشروطها وآدابها فإِنها عماد الدين {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} أي إِنَّ الصلاة الجامعة لشروطها وآدابها، المستوفية لخشوعها وأحكامها، إِذا أداها المصلي كما ينبغي، وكان خاشعاً في صلاته، متذكراً لعظمة ربه، متدبراً لما يتلو، نهته عن الفواحش والمنكرات {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ولذكر الله أكبر من كل شيء في الدنيا، وهو أن تتذكر عظمته وجلاله، وتذكره في صلاتك وفي بيعك وشرائك، وفي أمور حياتك ولا تغفل عنه في جميع شؤونك {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} أي يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها أحسن المجازاة، قال أبو العالية: إن الصلاة فيها ثلاث خصال: الإِخلاص، والخشية، وذكر الله؛ فالإِخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله - القرآن - يأمره وينهاه فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بعده مؤكدات والاطناب بتكرار الفعل تهجيناً لعملهم القبيح وتوبيخاً {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ.. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} الآية. 2- الاستهزاء والسخرية {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وجواب الشرط محذوف دل عليه السابق أي إِن كنت صادقاً فائتنا به. 3- التنكير لإِفادة التهويل {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي رجزاً عظيماً هائلاً. 4- تقديم المفعول للعناية والاهتمام، والإِجمال ثم التفصيل {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} الخ. 5- التشبيه التمثيلي {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} شبَّه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتاً ضعيفاً واهياً يتهاوى من هبة نسيم أو من نفخة فم، وسمي تمثيلياً لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد. 6- توافق الفواصل في الحرف الأخير وما فيه من جرس عذب بديع مثل {ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ.. إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} ومثل {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ} ومثل {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ.. آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الخ وهو من خصائص القرآن. تنبيه: أفادت الآية أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد ثبت حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إِن فلاناً يصلي الليل فاذا أصبح سرق فقال: "ستمنعه صلاته" تفسير : رواه البزار، يريد عليه السلام أن الصلاة إذا كانت على الوجه الأكمل، تنهى صاحبها عن الفحشاء، ولا تزيده بعداً بل تزيده قرباً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } إلى آخر القصة . تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم. فقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } وإن كان عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، واللّه أعلم. فأرسل اللّه لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبيَّن لهم قبائحها في نفسها، وما تئول إليه من العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا. { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }. فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } فاستجاب اللّه دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. فمروا بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم أين يريدون؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول: { إِنَّ فِيهَا لُوطًا } فقالوا له: { لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له: { لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ } وأخبروه أنهم رسل اللّه. { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا } أي: عذابا { مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } فأمروه أن يسري بأهله ليلا فلما أصبحوا، قلب اللّه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم، فصاروا سَمَرًا من الأسمار، وعبرة من العِبر. { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: تركنا من ديار قوم لوط، آثارا بينة لقوم يعقلون العِبر بقلوبهم، [فينتفعون بها]، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):