٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : لما دعا لوط على قومه بقوله: {رَبّ ٱنصُرْنِى } استجاب الله دعاءه، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا: {إِنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } يعني أهل سدوم، وفي الآية لطيفتان: إحداهما: أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين، لكن البشارة أثر الرحمة والإنذار بالإهلاك أثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه، فقدم البشارة على الإنذار. وقال: {جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ } ثم قال: {إِنا مهلكو} الثانية: حين ذكروا البشرى ما عللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك عللوا، وقالوا: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى:لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار، نقول لما أراد الله إهلاك قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه. المسألة الثانية: قال في قوم نوح { أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ } تفسير : [العنكبوت: 14] وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم، ولو يقل فأخذهم وكانوا ظالمين، وههنا قال: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } ولم يقل وإنهم ظالمون، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم، لكن هناك الإخبار من الله وعن الماضي حيث قال: {فَأَخَذَهُمْ } وكانوا ظالمين، فقال أخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون، وههنا الإخبار من الملائكة وعن المستقبل حيث قالوا: {إنا مهلكوا} فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في إبانة حسن الأمر من الله بالإهلاك، فقالوا: إنا مهلكوهم لأن الله أمرنا، وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين، فحسن أمر الله عند كل أحد، وأما نحن فلا نخبر بما لا حاجة لنا إليه، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، فنحن ما احتجنا إلا إلى هذا القدر، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا الله باهلاكهم بياناً لحسن الأمر، وأما أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن فيها لوطاً إشفاقاً عليه ليعلم حاله، أو لأن الملائكة لما قالوا: {إنا مهلكوا} وكان إبراهيم يعلم أن الله لا يهلك قوماً وفيهم رسوله، فقال تعجباً إن فيهم لوطاً فكيف يهلكون، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها، يعني نعلم أن فيهم لوطاً فلننجينه وأهله ونهلك الباقين، وههنا لطيفة: وهو أن الجماعة كانوا أهل الخير، أعني إبراهيم والملائكة، وكل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه خيراً. أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة {إنا مهلكوا} أظهر الإشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه ولم يظهر بها فرحاً، وقال: { أية : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً } تفسير : [العنكبوت: 32] ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه، وقالوا إنك ذكرت لوطاً وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله، ثم استثنوا من الأهل امرأته، وقالوا: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي من المهلكين، وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان، وذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر أي باق، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: {إنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب الملائكة، فقالت الملائكة إنها من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ننجي منهم، أو نقول المهلك يفنى ويمضي زمانه والناجي هو الباقي فقالوا إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين، وأما على الوجه الثاني فنقول لما قضى الله على القوم بالإهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطاً وأهله، وأما امرأته فهي من الباقين في الهلاك.
ابن كثير
تفسير : لما استنصر لوط عليه السلام بالله عز وجل عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رآى أنه لا همة لهم إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة، وكانت حاضرة، فتعجبت من ذلك كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر، فلما جاءت إبراهيم البشرى وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم ينظرون لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ} أي من الهالكين، لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم، ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان، فلما رآهم كذلك {سِىۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي اغتم بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد. ولهذا قال تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي واضحة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } بإسحاق ويعقوب بعده {قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } أي قرية لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ } كافرين.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ} يعني آلهة من الأصنام والأوثان عبدوها. {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً} يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً كبيت العنكبوت الذي لا يدفع شيئاً وهو من أبلغ الأمثال فيهم. {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} لأنه يستر الإبصار ولا يدفع الأيدي، وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله. وقال عطاء: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم. وجمع العنكبوت عناكب وتصغيره عنيكب.
ابن عادل
تفسير : قوله (تعالى): {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} من الله بإسحاقَ ويعقوبَ {قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} يعني قوم لوطِ {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ}. "قَالَ" إبْراهيم {إِنَّ فِيهَا لُوطاً}، قالت الملائكة: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} ويأتي بقية الكلام على ذلك. قوله: {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ} تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت "أن" وهو مطّرد تأكيداً. اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: "رب انصرني" استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ. وفي الآية لطيفتانِ: "إحداهما": أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: {جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} ثم قال: "إنَّا مُهْلِكُوا"، "الثانية": حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ. فإن قيل: قال في قوم نوح: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ). فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: "فأخذهم" وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ}؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً} إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ} قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ "لنُنْجِيَنهُ" - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد {وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام لما سئل عن الماء من السباع فقال: "حديث : ولنا ماءٌ غير طهور"تفسير : أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (فـ) قالوا {إنها من الغابرين} أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ. قوله: {وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} أي إنهم من عند إبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم "سِيءَ بِهِمْ" أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ}، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه. قوله: "إنَّا مُنَجُّوكَ" في الكاف وما أشبهها مذهبان، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير. وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في "لننجينه" مُنَجُّوك "في الحِجْرِ". قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ"، قرأ ابن عامر بالتشديد, والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن "رُجزاً" بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة "يَفْسِقُونَ" بالكسر. (فإن قيل): قال هنا: "إنَّا مُنَجُّوكَ" وقال لإبراهيم: "لنُنَجِّيَنَّهُ" - بصيغة الفعل فما الحكمة؟ فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: "إنَّكَ مَيِّتٌ" لضرورة وقوعه. فإن قيل: ما مناسبة قوله: "إنا منجوك" لقوله: {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ} فإن خوفه ما كان على نفسه. فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ}. فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟ فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة "لوط" بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب. واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: "إنا منجوك" ثم قالوا: "إنا مُنْزِلُونَ" ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} كقولهم هناك: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ}. قوله: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة} فيها وجهان: أحدهما: أن بعضها "باقٍ" وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة. الثاني: أن "من" مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله: شعر : 4029 - أَمْهَـرْتُ مِنْهَـا جُبَّـةً وَتَيْسَــا تفسير : أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقرية معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك. فإن قيل: كيف جعل الآية في "نوح" و "إبراهيم" بالنجاة فقال: {أية : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [العنكبوت: 15]. وقال: {أية : فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ}تفسير : [العنكبوت: 24]، وجعل ههنا الهلاك آية. فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة "لوط" لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في السفينة "جعلناها آية"، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟ فالجواب: أنّ الإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة، وكيف تكون أحوالهم؟ فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: "لِلْعَالِينَ"، وفي قوله ههنا: "لِقَوْم يَعْقِلُونَ"؟ فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
القشيري
تفسير : التبس على إبراهيم أمرُهم فظَنَّهم أضيافاً؛ فتكلَّفَ لهم تقديم العجل الحنيذ جرياً على سُنَّتِه في إكرام الضيف. فلما أخبروه مقصودَهم من إهلاك قوم لوط تكلَّم من باب لوط... إلى أن قالوا: إنَّا مُنَجُّوه. وكَان ذلك دليلاً على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوطٍ - وإِنْ كان بريئاً - لم يكن ظلماً؛ إذ لو كان قبيحاً لما كان إبراهيم عليه السلام - مع وفرة عِلْمِه - يشكل عليه حتى كان يجادل عنه. بل لله أن يعذِّب منْ يعذِّب، ويُعَافِي مَنْ يُعَافِي.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما جاءت} [آن هنكام كه آمدند] {رسلنا} يعنى الملائكة وهم جبريل ومن معه {ابراهيم بالبشرى} اى بالبشارة والولد النافلة {قالوا} لابراهيم فى تضاعيف الكلام {انا مهلكوا اهل هذه القرية} اى قرية سدوم والاضافة لفظية لان المعنى على الاستقبال {ان اهلها كانوا ظالمين} بالكفر والتكذيب وانواع المنكرات
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب {لننجينه} بالتخفيف. الباقون بالتثقيل. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف وابو بكر ويعقوب {منجوك} غير متحرك بالتخفيف. الباقون بالتشديد وقرأ ابن عامر والكسائي عن ابي بكر {منزلون} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من قرأ {لننجينه} بالتشديد وبتحريك النون، فلقوله {أية : ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} تفسير : ولقوله {أية : إلا آل لوط نجيناهم بسحر} تفسير : ومن خفف فلقوله {أية : فأنجاه الله من النار}تفسير : يقال: نجا زيد وأنجيته ونجيته، مثل فرح وفرحته وأفرحته. ومن قرأ {منزلون} بالتشديد، فلان أصله نزل، كما قال {أية : نزل به الروح الأمين}. تفسير : فاذا عديته ثقلته إما بالهمزة او بالتضعيف والتضعيف يدل على التكرار. وقوله {إنا منجوك وأهلك} نصب {أهلك} على انه مفعول به عطفاً على موضع الكاف، وقوله {أية : قوا أنفسكم وأهليكم}تفسير : انما كسر اللام وموضعها النصب، لان العرب تقول: رأيت أهلك يريدون جميع القرابات. ومنهم من يقول: أهليك، ويجمع اهل على أهلين، فاذا أضافه ذهبت النون للاضافة، فالياء علامة الجمع والنصب، وكسرت اللام لمجاورتها الياء. وفي الحديث "حديث : "ان لله أهلين" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال "اهل القرآن هم اهل الله وخاصته"" تفسير : ومن العرب من يجمع (أهلا) أهلات انشد ابن مجاهد: شعر : فهم اهلات حول قيس بن عاصم إذا ادلجوا بالليل يدعون كوثرا تفسير : قال ابن خالويه: الصواب أن يجعل اهلات جمع اهلة. قال: فان قيل: هل يجوز أن تقول أهلون؟ - بفتح الهاء - كما يقولون: أرضون إذ كان الأصل ارضات، قال: إن (أهلا) مدكر تصغيره أهيل، وارضاً مؤنثة تصغيرها أريضة، والتاء سابقة في المؤنث ممتنعة في المذكر، فهذا يفصل ما بينهما، قال وما علمت أحداً تكلم فيه. اخبر الله تعالى انه لما جاء ابراهيم رسل الله، وهم من الملائكة بالبشرى يبشرونه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، والبشرى البيان، وهو الخبر بما يظهر سروره في بشرة الوجه. وقيل: للاخبار بما يظهر سروره او غمه في البشرة: بشرى، ويقوي ذلك قوله {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : غير انه غلب عليه البشارة بما يسر به. وقوله {قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية} حكاية ما قالت الملائكة لابراهيم فانهم قالوا له: بعثنا الله وارسلنا لاهلاك هذه القرية التي فيها قوم لوط. والاهلاك الاذهاب بالشيء إلى ما لا يقع به احساس، فلما كانوا بالعذاب قد اذهبوا هذا الاذهاب كانوا قد اهلكوا، والقرية البلدة التي يجتمع اليها للايواء من جهات مختلفة، وهي من قريت الماء في الحوض أقريه قرياً. إذا جمعته. ومنه قرى الضيف لانك تجمعه اليك بما تعده له من طعام. و (الظالم) من فعل الظلم وهو صفة ذم. فقال لهم ابراهيم عند ذلك {إن فيها لوطاً} كيف تهلكونها، فقالوا في جوابه {نحن أعلم بمن فيها} والأعلم الاكثر معلوماً، فاذا كان الشيء معلوماً لعالم من جهات مختلفة ولعالم آخر من بعض تلك الوجوه دون بعض كان ذلك اعلم. ثم قالوا {لننجينه} أي لنخلصنه من العذاب {وأهله} أي ونخلص أيضاً اهله المؤمنين منهم {إلا امرأته كانت من الغابرين} أي من الباقين في العذاب، قال المبرد: و {أهلك} عطف على المعنى، لأن موضع الكاف الخفض، ولا يجوز العطف على المضمر المخفوض على اللفظ، ومثل ذلك قول لبيد: شعر : فان لم تجد من دون عدنان والداً ودون معد فلترعك العواذل تفسير : فنصب (ودون) على الموضع. ثم حكى تعالى أن رسل الله لما جاءت {لوطاً سيء بهم} وقيل في معناه قولان: احدهما - سيء بالملائكة أي ساء مجيؤهم لما طلبوا منه الضيافة لما يعلم من خبث فعل قومه - في قول قتادة -. الثاني - سيء بقومه ذرعاً أي ضاق بهم ذرعاً، لما علم من عظم البلاء النازل بهم، فلما رأته الملائكة على تلك الصفة {قالوا} له {لا تخف ولا تحزن إنا منجوك} اي مخلصوك ومخلصوا {أهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين} اي من الباقين في العذاب. وانما قال {من الغابرين} على جمع المذكر تغليباً للمذكر على المؤنث إذا اجتمعا. وقيل: كانت من الباقين لأنه طال عمرها، ذكره ابو عبيدة، وقالوا له {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً} اي عذاباً رجزاً {بما كانوا يفسقون} ويخرجون من طاعة الله إلى معصيته. ثم اخبر تعالى فقال {ولقد تركنا منها} يعني من القرية انه بينه، قال قتادة الآية البينة الحجارة التي أمطرت عليهم. وقال غيره عفو آثارهم مع ظهور هلاكهم {لقوم يعقلون} ذلك ويبصرونه ويتفكرون فيه ويتعظون به، فيزجرهم ذلك عن الكفر بالله واتخاذ شريك معه في العبادة.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا} وهم الملائكة. {إِبْرَاهِيمَ بِالبُشْرَى} البشارة بالولد وهو اسحاق والنافلة وهي يعقوب. {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ} هذه الاضافة لفظية لان الاهلاك مستقبل. {هَذِهِ القَرْيَةِ} قرية لوط وهي سدوم. {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} لانفسهم بالشرك والمعاصي ولغيرهم حتى يضرب المثل في الجور بقاضيهم فيقال: فلان أجور من قاضي سدوم والجملة تعليل لاهلاكهم بالاصرار على ذلك الظلم.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا جاءت رُسُلُنا} هم الملائكة {إبراهيم بالبُشْرى} باسحاق ويعقوب (قالوا) لابراهيم فى جملة كلامهم {إنا مهلكوا أهل هذه} القريبة منك، ولقربها قالوا هذه {القرَيْة} سدوم اكبر قرى قوم لوط، وفيها اللواط اولاً، ولذا ولكثرته فيها خصت بالذكر، ومهلكو للاستقبال، ولا دليل على انه للماضى، وانه لتحقق الوقوع، لان هذا خلاف الاصل، ولانه ينافيه لننجينه واهله {إنَّ أهلها كانوا ظالمين} بالفاحشة، واظهر الاهل للتاكيد، اذ لم يقل انهم كانوا.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ } أي بالبشارة بالولد والنافلة {قَالُواْ } أي لإبراهيم عليه السلام في تضاعيف الكلام {إِنّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ } أي قرية سذوم وهي أكبر قرى قوم لوط وفيها نشأت الفاحشة أولاً على ما قيل، ولذا خصت بالذكر، وفي الإشارة بهذه إشارة إلى أنها كانت قريبة من محل إبراهيم عليه السلام وإضافة {مهلكوا} إلى {أَهْلُ } لفظية لأن المعنى على الاستقبال، وجوز كونها معنوية لتنزيل ذلك منزلة الماضي لقصد التحقيق والمبالغة {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } تعليل للإهلاك بإصرارهم على الظلم وتماديهم في فنون الفساد وأنواع المعاصي، والتأكيد في الموضعين للاعتناء بشأن الخبر وقال سبحانه: {إِنَّ أَهْلَهَا } دون إنهم مع أنه أظهر وأخصر تنصيصاً على اتفاقهم على الفساد كما اختاره الخفاجي. وقال بعض المدققين: إن ذلك للدلالة على أن منشأ فساد جبلتهم خبث طينتهم، ففيه إشارة خفية إلى أن المراد من أهل القرية من نشأ فيها فلا يتناول لوطاً عليه السلام، واعترض بأنه يبعد كل البعد خفاؤها لو كانت على إبراهيم عليه السلام كما هو ظاهر قوله تعالى: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً...}.
ابن عاشور
تفسير : {لما} أداة تدل على التوقيت، والأصل أنها ظرفٌ ملازم الإضافة إلى جملة. ومدلولها وجود لوجود، أي وجود مضمون الجملة التي تضاف إليها عند وجود الجملة التي تتعلق بها فهي تستلزم جملتين: أولاهما فعلية ماضوية وتضاف إليها {لما}، والثانية فعلية أو اسمية مشتملة على ما يصلح لأن يتعلق به الظرف من فعل أو اسم مشتق، ويطلق على الجملة الثانية الواقعة بعد {لما} اسم الجزاء تسامحاً. ولما كانت {لما} ظرفاً مبهماً تعين أن يكون مضمون الجملة التي تضاف إليها {لما} معلوماً للسامع، إذ التوقيت الإعلام بمقارنة زمن مجهول بزمن معلوم. فوجود {لما} هنا يقتضي أن مجيء الملائكة بالبشرى أمر معلوم للسامع مع أنه لم يتقدم ذكر للبشرى، فتعين أن يكون التعريف في البشرى تعريف العهد لاقتضاء {لما} أن تكون معلومة، فالبشرى هي ما دل عليه قوله تعالى آنفاً {أية : ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب}تفسير : [العنكبوت: 27] كما تقدم بيانه. والبشرى: اسم للبشارة وهي الإخبار بما فيه مسرة للمخبر ــــ بفتح الباء ــــ وتقدم ذكر البشارة عند قوله تعالى {أية : إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً}تفسير : في سورة البقرة (119). ومن لطف الله بإبراهيم أن قدّم له البشرى قبل إعلامه بإهلاك قوم لوط لعلمه تعالى بحلم إبراهيم. والمعنى: قالوا لإبراهيم إنا مهلكوا أهل هذه القرية الخ. والقرية هي (سدوم) قرية قوم لوط. وقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف. وجملة {إن أهلها كانوا ظالمين} تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم لقبول هذا الخبر المحزن، وأيضاً لأن العدل يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ذنب يقتضيه. والظلم: ظلمهم أنفسهم بالكفر والفواحش، وظلمهم الناس بالغصب على الفواحش والتدرب بها. وقوله {إن فيها لوطاً} خبر مستعمل في التذكير بسنة الله مع رسله من الإنجاء من العذاب الذي يحل بأقوامهم. فهو من التعريض للملائكة بتخصيص لوط ممن شملتهم القرية في حكم الإهلاك، ولوط وإن لم يكن من أهل القرية بالأصالة إلا أن كونه بينهم يقتضي الخشية عليه من أن يشمله الإهلاك. ولهذا قال {إن فيها لوطاً} بحرف الظرفية ولم يقل: إن منها. وجواب الملائكة إبراهيم بأنهم أعلم بمن فيها يريدون أنهم أعلم منه بأحوال من في القرية، فهو جواب عما اقتضاه تعريضه بالتذكير بإنجاء لوط، أي نحن أعلم منك باستحقاق لوط النجاة عند الله، واستحقاق غيره العذاب فإن الملائكة لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون وكان جوابهم مُطَمْئِناً إبراهيم. فالمراد من علمهم بمن في القرية علمهم باختلاف أحوال أهلها المرتب عليها استحقاق العذاب، أو الكرامة بالنجاة. وإنما كان الملائكة أعلم من إبراهيم بذلك لأن علمهم سابق على علمه ولأنه علم يقين مُلقى من وحي الله فيما سخر له أولئك الملائكة إذ كان إبراهيم لم يوح الله إليه بشيء في ذلك، ولأنه علم تفصيلي لا إجمالي، وعمومي لا خصوصي. فلأجل هذا الأخير أجابوا بــــ {نحن أعلم بمن فيها}. ولم يقولوا: نحن أعلم بلوط، وكونهم أعلم من إبراهيم في هذا الشأن لا يقتضي أنهم أعلم من إبراهيم في غيره فإن لإبراهيم علم النبوءة والشريعة وسياسة الأمة، والملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يشتغلون بغير ذلك إلا متى سخرهم الله لعمل. وبالأولى لا يقتضي كونهم أعلم بهذا منه أن يكونوا أفضل من إبراهيم، فإن قول أهل الحق إن الرسل أفضل من الملائكة، والمزية لا تقتضي الأفضلية، ولكل فريق علم أطلعه الله عليه وخصه به كما خص الخضر بما لم يعلمه موسى، وخص موسى بما لا يعلمه الخضر، ولذلك عتب الله على موسى لما سئل: هل يوجد أعلم منك؟ فقال: لا، لأنه كان حق الجواب أن يفكر في أنواع العلم. وجملة {لَنُنْجِيَنَّهُ وأهله إلا امرأته} بيان لجملة {نحن أعلم بمن فيها} فلذلك لم تعطف عليها وفُصِلت، فقد علموا بإذن الله أن لا ينجو إلا لوط وأهله، أي بنتاه لا غير ويهلك الباقون حتى امرأة لوط. وفعل {كانت} مستعمل في معنى تكون، فعبر بصيغة الماضي تشبيهاً للفعل المحقق وقوعه بالفعل الذي مضى مثل قوله {أية : أتى أمر الله}تفسير : [ النحل: 1]، ويجوز أن يكون مراداً به الكون في علم الله وتقديره، كما في آية النمل (57) {أية : قدَّرناها من الغابرين}تفسير : فتكون صيغة الماضي حقيقة. وتقدم الكلام على نظير قوله {إلا امرأته كانت من الغابرين} في سورة النمل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} الآية. قد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 74]. {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} إلى قوله: [لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 31- وحين جاءت ملائكة الله إلى إبراهيم - عليه السلام - مبشرين، قالوا: إن أمرهم بإهلاك أهل هذه القرية بسبب إفسادهم وظلمهم أنفسهم بالشرك وارتكاب الفاحشة. 32- قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة: إن فى القرية لوطاً، وكيف تهلكونهم وهو فيهم؟ فأجابته الملائكة: بأنهم يعلمون من فيها، وأنهم ينجون لوطاً وأهله من العذاب، إلا امرأته فإنها فى الهالكين لكفرها وإساءتها. 33- ولما ذهب الملائكة المرسلون إلى لوط ورآهم حزن، لخوفه عليهم من عدوان قومه، وعجزت حيلته فيما يتعلق بحمايتهم، فطمأنوه وقالوا له: لا تخْشَيَنَّ عدوان قومك علينا، ولا تحزن من أجلنا، فقد أتينا لإهلاك أهل هذه القرية، وسننجيك وأهلك، ولكن امرأتك لكفرها ستكون مع الهالكين. 34- وقالت الملائكة: إننا مرسَلُون لتنفيذ أمر الله بإنزال العذاب من السماء على سكان هذه القرية بسبب فسقهم وكفرهم. 35- ولقد أهلك الله هذه القرية وترك منها آثاراً ظاهرة، لتكون دليلا على ما فعله الله بهم، وعبرة لمن يتدبَّر. 36- وأرسل الله إلى أهل مدين رسولا منهم هو شعيب، دعاهم إلى توحيد الله وعبادته والخوف من اليوم الآخر، وفِعْل ما يرجون به ثواب الله فيه. ونهاهم عن السعى فى الأرض بالفساد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بالبشرى: أي إسحاق ويعقوب بعده. هذه القرية: أي قرية لوط وهي سدوم. قالوا نحن أعلم بمن فيها: أي قالت الرسل نحن اعلم بمن فيها. كانت من الغابرين: أي كانت في علم الله وحكمه من الباقين في العذاب. سيء بهم: أي حصلت لهم مساءة وغم بسبب مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. وضاق بهم ذرعاً: أي عجز عن احتمال الأمر لخوفه من قومه أن ينالوا ضيفه بسوء. رجزاً: أي عذاباً من السماء. بما كانوا يفسقون: أي بسب فسقهم وهو إتيان الفاحشة. ولقد تركنا منها آية: أي تركنا من قرية سدوم التي دمرناها آية بينة وهي خرابها ودمارها وتحولها إلى بحر ميت لا حياة فيه. لقوم يعقلون: أي يعلمون الأسباب والنتائج إذا تدبروا. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص لوط عليه السلام، إنه بعد أن ذكرهم وخوفهم عذاب الله قالوا كعادة المكذبين الهالكين فائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين وأنه عليه السلام استنصر ربه تعالى عليهم، واستجاب الله تعالى له وفي هذه الآية بيان ذلك بكيفيته، قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ} الخليل عم لوط {بِٱلْبُشْرَىٰ} التي هي ولادة ولدٍ له هو إسحاق ومن بعده يعقوب ولد إسحاق عليه السلام كما قال تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71]. {قَالُوۤاْ} أي قالت الملائكة لإِبراهيم {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} يريدون قرية قوم لوط وهي سدوم وعللوا لذلك بقولهم {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} أي لأنفسهم بغشيان الذنوب وإتيان الفواحش، ولغيرهم إذ كانوا يقطعون السبيل وهنا قال لهم إبراهيم: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} ليس من الظالمين بل هو من عباد الله الصالحين فأجابته الملائكة فقالوا: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} منك يا إبراهيم. {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} من الهلاك {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} وذلك لطول عمرها فسوف تهلك معهم لكفرها ومُمَالأَتها للظالمين. وقوله تعالى: {ولما أن جاءت رسلنا لوطاً} أي ولما وصلت الملائكة لوطاً قادمين من عند إبراهيم من فلسطين {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي استاء بهم وأصابه غم وهم خوفاً من قومه أن يسيئوا إليهم، وهم ضيوفه نازلون عليه ولما رأت ذلك الملائكة منه طمأنوه بما أخبر به تعالى في قوله: {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ} أي علينا {وَلاَ تَحْزَنْ} على من سيهلك من أهلك مع قومك الظالمين. {إِنَّا مُنَجُّوكَ} من العذاب أنت وأهلك أي زوجتك المؤمنة وبنتيك، {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} أي العجوز الظالمة فإنها {مِنَ ٱلْغَابِرينَ} الذين طالت أعمارهم وستهلك مع الهالكين. وقوله تعالى في الآية [34]: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي أخبرت الملائكة لوطاً بما هم فاعلون لقومه وهو قولهم {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} أي مدينة سدوم {رِجْزاً} أي عذاباً من السماء وهي الحجارة بسبب فسقهم بإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. قال تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ} أي من تلك القرية {آيَةً بَيِّنَةً}، أي عظة وعبرة، وعلامة واضحة على قدرتنا على إهلاك الظالمين والفاسقين. وقوله تعالى: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} إذ هم الذين يتدبرون في الأُمور ويستخلصون أسبابها وعواملها ونتائجها وآثارها أما غير العقلاء فلا حظ لهم في ذلك ولا نصيب فهم كالبهائم التي تنساق إلى المجزرة وهي لا تدري وفي هذا تعريض بمشركي مكة وما هم عليه من الحماقة والغفلة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حلم إبراهيم ورحمته تجليا في دفاعه عن لوط وأهله. 2- تقرير مبدإ: من بطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه، حيث العلاقة الزوجية بين لوط وامرأته العجوز لم تنفعها وهلكت لأنها كانت مع الظالمين بقلبها وسلوكها. 3- مشروعية الضيافة وتأكدها في الإِسلام لحديث الصحيح "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". تفسير : 4- التنديد بالفسق عن طاعة الله وهو سبب هلاك الأمم والشعوب. 5- فضيلة العقل إذا استعمله صاحبه في التعرف إلى الحق والباطل والخير والشر.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {مُهْلِكُوۤ} {ظَالِمِينَ} (31) - وَلَمَّا جَاءَ رُسُلُ اللهِ إِبراهيمَ يُبَشِّرُونَهُ بِوِلاَدَةِ ابْنِهِ إِسْحَاقَ، ومِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالُوا لإِبراهيمَ: إِنَّنا سَنُهْلِكُ أَهْلَ القَريةِ التي يُوجَدُ فِيها لُوطٌ لأَنَّ أَهْلَها كَانُوا ظَالِمِين لأَنْفُسِهِمْ، بِتَمَادِيهِمْ فِي الفَسَادِ والمَعَاصِي، وَتكْذِيبِ رَسُولِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاء هنا إبراهيم - عليه السلام - في سياق قصة لوط، كما جاء لوط في سياق قصة إبراهيم. ومعنى {رُسُلُنَآ ..} [العنكبوت: 31] أي: من الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الحج: 75]. وقد جاءت الملائكة لإبراهيم بالبشرى، ولم يذكر مضمون البُشْرى هنا، وهو البشارة بإسحاق ويعقوب وذرية صالحة منهما، وجاءته بإنذار بأن الله سيُهلك أهل هذه القرية، وبالبشرى والإنذار يحدث التوازن؛ لأننا نُبشِّر إبراهيم بذرية صالحة مُصْلحة في الكون، ونهلك أهل القرية الذين انحرفوا عن منهج الله. وتلحظ في الآية أنها لم تذكر العلة في البُشْرى فلم تقل لأنه كان مؤمناً ومجاهداً وعادلاً، إنما ذكرت العلة في إهلاك أهل القرية {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] لماذا؟ لأن المتفضّل لا يمنُّ بفضله على أنه عمل بمقابل، لكن المعذب يبين سبب العذاب. فماذا كان الانفعال الأوليّ عند إبراهيم - عليه السلام - ساعةَ سمع البُشْرى والإنذار؟ لم يسأل عن البشرى، مع أنه كان متلهفاً عليها، إنما شغلته مسألة إهلاك القرية، وفيها ابن أخيه لوط. لذلك قال: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ ...}.
الجيلاني
تفسير : وبعدما استحقوا الإهلاك والاستئصال بإصرارهم عليها وعدم امتناعهم عنها مع كونهم مجاهرين بها، مفاخرين بإظهارها، أخذناهم بغتة واستأصلناهم مرة {وَ} ذلك {لَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ} أي ليبشروه بهبة الولد والنافلة {قَالُوۤاْ} مخبرين له عن طريق الوحي من الله: {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} يعني: سدوم، وجاعلوها منقلبة على أهلها {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية، منقلبين الحكمة البديعة بالبدعة الشنيعة. ولما سمع إبراهيم عليه السلام منهم ما سمع {قَالَ} مضطرباً قلقاً: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} من خُلص عباد الله {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ} منك {بِمَن فِيهَا} بتعليم الله إيانا {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} مما سيصيب قومه بأمر الله علينا بإنجائه، ومن معه من أهل بيته والمؤمنين له {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 32] الهالكين لنفاذ قضاء الله على هلاكها فيهم؛ إذ هي من جملتهم ومن عدادهم وفي زمرتهم. {وَ} بعدما بشروا إبراهيم بما بشروا، وأخبروا له ما أخبروا توجهوا نحو لوط، اذكر يا أكمل الرسل {لَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ} أي: فجاءته المساءة والسآمة والكرب بقدومهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي: ضاف ذرع طاقته بنزولهم؛ إذ اشتد عليه حفظهم عن أهل القرية، وضاقت طاقته عن تدبير خلاصهم له منهم؛ لأنهم جاءوا على صورة صبيان صباح ملاح، أمارد في غاية الحسن وكمال الجمال، فهم مشغوفون بطلب أمثالهم {وَ} لما تفرس الرسل منه الخوف والحزن والضجرة وأنواع الغموم والهموم العارضة لهم من إلمامهم إياه {قَالُواْ} له تفريجاً لهمه: {لاَ تَخَفْ} يا لوط إضرارهم بنا {وَلاَ تَحْزَنْ} من لحوق العار عليك بسببنا؛ لأنا رسل ربك، أرسلنا الله لنصرك وتأييدك وإنزال العذاب على قومك، ولا تحزن أيضاً تعذيبنا لك ولمن تبعك {إِنَّا} بأمر ربنا {مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} مما يصيبهم من العذاب والهلاك {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} [العنكبوت: 33] الهالكين، هكذا ثب تفي حضرة علم الله ولوح قضائه. ثم فصلوا له العذاب وقالوا: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عذاباً ذا رجز؛ أي: قلقاً واضطراباً يقلق المضطرب المعذب، ويضطربه اضطراباً شديداً حين نزوله {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [العنكبوت: 34] اي: بفسقهم الذي باهوا به وتمادوا فيه مجاهرين مصرين. {وَلَقَد} بعدما انتقمنا منهم وأخذناهم بفسقهم {تَّرَكْنَا} وأبقينا {مِنْهَآ} أي: من حكايتهم وقصتهم {آيَةً بَيِّنَةً} أي: عبرة ظاهرة لائحة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 35] حتى يستعلموا عقولهم في مواضع العبر، ويتأملون فيها معتبرين منها مستبصرين بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار، واعلموا أن الأبرار إنما يتميزون عن الأشرار بالاعتبار والاستبصار. بصرنا الله بعيوب نفوسنا، وجعلنا من المعتبرين بعيوب الغير عند وجوده. {وَ} أرسلنا أيضاً {إِلَىٰ مَدْيَنَ} حين ظهر فيه الخيان في المكيلات والموزونات {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} ليصلح ما فيهم من المفاسد {فَقَالَ} بعدما بعثناه إليهم منادياً لهم ليقبلوه ويطيعوا أمره: {يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه؛ لكمال العطف والشفقة وإمحاض النصح {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد، الحقيق بالعبادة والإطاعة {وَٱرْجُواْ} من الله {ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ} أي: ائتوا بالإيمان والإخلاص والعمل الصالح، راجين من الله الثواب في يوم الجزاء {وَ} عليكم أن {لاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} ولا تتحركوا عليها حال كونكم {مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] لمصالح عباد الله وأمور معاشهم ومعادهم. وبعدما سمعوا مقالتهم {فَكَذَّبُوهُ} فجاءوا بتكذيبه بلا مبالاة له وبكلامه فاستحقوا المقت العظيم {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي: الزلزلة الشديدة مع الصيحة الهائلة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ} التي بنوها للحياة والمعاش {جَاثِمِينَ} [العنكبوت: 37] مائتين هالكين باركين على ركبهم، ساقطين على وجوههم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):