Verse. 3384 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

خَلَقَ اللہُ السَّمٰوٰتِ وَ الْاَرْضَ بِالْحَـقِّ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَۃً لِّــلْمُؤْمِنِيْنَ۝۴۴ۧ
Khalaqa Allahu alssamawati waalarda bialhaqqi inna fee thalika laayatan lilmumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خلقَ الله السماوات والأرض بالحق» أي محقا «إن في ذلك لآيةً» دالة على قدرته تعالى «للمؤمنين» خصّوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شكاً في صحة دينكم، ولا يؤثر شكهم في قوة يقينكم، فإن خلق الله السموات والأرض بالحق للمؤمنين بيان ظاهر، وبرهان باهر، وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر، وفي الآية مسألة يتبين بها تفسير الآية، وهي أن الله تعالى كيف خص الآية في خلق السموات والأرض بالمؤمنين مع أن في خلقهما آية لكل عاقل كما قال الله تعالى: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] وقال الله تعالى: { أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : إلى أن قال {أية : لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } تفسير : [البقرة: 164] فنقول خلق السموات والأرض آية لكل عاقل وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب، وبيانه من حيث النقل والعقل، أما النقل فقوله تعالى: { أية : مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم يكون خلقهما بالحق مع أنه أثبت علم الكل بأنه خلقهما حيث قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وأما العقل فهو أن العاقل أول ما ينظر إلى خلق السموات والأرض ويعلم أن لهما خالقاً وهو الله ثم من يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك، بل يقول إنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله {بِٱلْحَقّ }، لأن ما لا يكون على وجه الإحكام يفسد ويبطل فيكون باطلاً، وإذا علم أنه خلقهما متقناً يقول إنه قادر كامل حيث خلق وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول لا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات ولا يعجز عن جمعها كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات، فيجوز بعث من في القبور وبعثة الرسول، ويعلم وحدانية الله لأنه لو كان أكثر من واحد لفسدتا ولبطلتا وهما بالحق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه، من خلق ما خلقه على أحسن نظامه، ثم إن الله تعالى لما سلى المؤمنين بهذه الآية سلى رسوله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل والقسط. وقيل: بكلامه وقدرته وذلك هو الحق. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي علامة ودلالة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} المصدّقين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني لاعلى وجه العبث واللعب {أية : لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 15] {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31]. وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية، ثم قال تعالى آمراً رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللهِ أَكْبَرُ} يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعاً «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعداً».تفسير : (ذكر الآثار الواردة في ذلك) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال: «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»تفسير : . وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي، حدثنا أبو معاوية عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعداً» تفسير : ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله عن العلاء بن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً، فهذا موقوف. قال ابن جرير: وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا صلاة لمن لم يطع الصلاة» تفسير : وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر. قال: قال سفيان {قَالُواْ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوَٰتُكَ تَأْمُرُكَ} قال: فقال سفيان: إي والله تأمره وتنهاه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن جويبر عن الضحاك عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو خالد مرة عن عبد الله: «حديث : لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر» تفسير : والموقوف أصح، كما رواه الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعبد الله: إن فلاناً يطيل الصلاة، قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها. وقال ابن جرير: حدثنا علي، حدثنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعداً» تفسير : والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، أنبأنا جرير ــــ يعني ابن عبد الحميد ــــ عن الأعمش عن أبي صالح قال: أراه عن جابر، شك الأعمش، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال: «حديث : سينهاه ما تقول»تفسير : . وحدثنا محمد بن موسى الجرشي، أخبرنا زياد بن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولم يشك، ثم قال: وهذا الحديث قد رواه عن الأعمش غير واحد، واختلفوا في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو غيره. وقال قيس عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر قال جرير وزياد عن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، أخبرنا الأعمش قال: أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: «حديث : إنه سينهاه ما تقول»تفسير : .وتشتمل الصلاة أيضاً على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي أعظم من الأول {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} أي يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخصال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر. وقال حماد بن أبي سليمان {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} يعني ما دمت فيها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللهِ أَكْبَرُ} يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغيره، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن داود بن أبي هند عن رجل عن ابن عباس {وَلَذِكْرُ ٱللهِ أَكْبَرُ} قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك، قلت: فإن صاحباً لي في المنزل يقول غير الذي تقول، قال: وأي شيء يقول؟ قلت: يقول الله تعالى: {فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ} فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق، قال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللهِ أَكْبَرُ} قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللهِ أَكْبَرُ}؟ قال: قلت نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولاً عجيباً وما هو كذلك ولكنه إنما يقول ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضاً عن ابن مسعود وأبي الدرداء وسلمان الفارسي وغيرهم، واختاره ابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أي محقاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً } دالة على قدرته تعالى {لِلْمُؤْمِنِينَ } خُصُّوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {اتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} يعني القرآن وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو ما أنزل منه على أمته. {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن عمر. الثاني: أنه الصلاة المفروضة. قاله ابن عباس. الثالث: أن الصلاة هنا هي الدعاء ومعناه قم بالدعاء إلى أمر الله، قاله ابن بحر. {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} الفحشاء الزنى والمنكر الشرك، قاله ابن عباس. ثم فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، قاله الكلبي وابن زيد وحماد بن أبي سليمان. الثاني: تنهى عن الفحشاء والمنكر قبلها وبعدها روى طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن لَّمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلاَّ بُعْداً " تفسير : الثالث: إن ما تدعوهم إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله ابن زيد. {وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، قاله ابن عباس. الثاني: ولذكر الله أفضل من كل شيء، قاله سلمان. الثالث: ولذكر الله في الصلاة التي أنت فيها أكبر مما نهتك عنه الصلاة من الفحشاء والمنكر، قاله عبد الله بن عون. الرابع: ولذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، قاله أبو مالك. الخامس: ولذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم. السادس: أكبر من قيامكم بطاعته. السابع: أكبر من أن يبقي على صاحبه عقاب الفحشاء والمنكر.

ابن عطية

تفسير : نبه في ذكر خلق {السماوات والأرض} على أمر يوقع الذهن على صغر قدر الأوثان وكل معبود من دون الله، وقوله تعالى: {بالحق} أي بالواجب النير لا للعبث واللعب، بل ليدل على سلطانه ويثبت شرائعه ويضع الدلالات لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه، وإقامة الصلاة أي إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكماً منه {إن الصلاة تنهى} صاحبها وممتثلها {عن الفحشاء والمنكر}. قال الفقيه الإمام القاضي: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. قال الفقيه الإمام القاضي: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً"تفسير : .وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند، سمعت أبي رضي الله عنه يقوله فإذا قررناه ونظرنا معناه فغير جائز أن نقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله تعالى بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر تبعده، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله تعالى، وقيل لابن مسعود إن فلاناً كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، وقرأ الربيع بن أنس "إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر"، وقال ابن عمر {الصلاة} ها هنا القرآن، وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي: إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه عجمة وأنى هذا مما روى أنس بن مالك قال: حديث : كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال "إن صلاته ستنهاه" فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألم أقل لكم" تفسير : ؟ وقوله تعالى: {ولذكر الله أكبر} قال ابن عباس وأبو الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة: معناه، {ولذكر الله} إياكم {أكبر} من ذكركم إياه، وقيل معناه {ولذكر الله أكبر} مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، قال ابن زيد وقتادة معناه {ولذكر الله أكبر} من كل شيء، وقيل لسلمان أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن {ولذكر الله أكبر}. ومنه حديث الموطأ عن أبي الدرداء "حديث : ألا أخبركم بخير أعمالكم؟" تفسير : الحديث، وقيل معناه {ولذكر الله} كبير كأنه يحض عليه في هذين التأويلين الأخيرين. قال الفقيه الإمام القاضي: وعندي أن المعنى {ولذكر الله أكبر} على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب، وثواب ذلك الذكر أن يذكره الله تعالى كما في الحديث "حديث : ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه"تفسير : ، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى العبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربه، قال الله عز وجل {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152] وباقي الآية ضرب من التوعد والحث على المراقبة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} بالحق وإظهار الحق {إِنَّ فِي ذَلِكَ} إن في خلقها {لآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ} على قدرته وتوحيده، فإن قال قائل كيف خص الآية في خلق السماوات والأرض بالمؤمنين مع أَن في خَلْقِهَا آية لكل عاقل كما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر: 38] وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ... لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164]. فالجواب: خلق السموات والأرض آية لكل عاقل، وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ويدل عليه النقل والنقل، أما النقل فقوله تعالى: {أية : مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم بكونه خلقهما بالحق مع أنه أثبت للكل بأنه خلقهما بقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 38] وأما العقل فَـ (هُوَ أَنَّ) العاقل أَول ما ينظر إلى خلق السماوات والأرض يعلم أن لها خالقاً وهو الله، ثم (من) يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك بل يقول: إنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد من قوله: "بالحق" لأن ما لا يكون محكماً يفسد ويبطل فيكون باطلاً، وإذا علم أن خالقهما متقناً يقول: إنه قادرٌ كاملٌ، حيث خلق، فأحكم، وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول: {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}تفسير : [سبأ: 3] ولا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات، ولا يعجز عن جمعهما كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات فيجوز بعث مَن في القبور، وبعثه الرسل، وهما بالخلق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه الله على أحسن نظامه. قوله تعالى: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني القرآن لتعلم أن "نوحاً" و "لوطاً" وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسلة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (وشرّف وكرّم). قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} الفحشاء: ما قَبُحَ من الأعمال، والمنكر ما لا يُعْرَف في الشرع. قال ابو مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وَبَالٌ عليه، ورُوِيَ عن أنس بن مالك قال: حديث : كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم (لا) يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حالُه فقال: "إنَّ صلاته تنهاهُ يوماً" فلم يلبث أن تاب وحَسُنَ حالهتفسير : وقال ابن عون: معنى الآية: إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء وةالمنكر ما دام فيها، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}تفسير : [الإسراء: 110]، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن يَنْهَاهُ عن الفحشاء والمنكر. قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أَعْمَالِكُمْ وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وخَيْرٍ منْ إعَطاءٍ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأن تَلْقوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْربُوا أعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ" قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذَّاكِرُونَ الله كثيراً، قالوا يا رسول الله: ومِنَ الغازي في سبيل الله، فقال: لو ضرب بسيفه الكفارَ والمشركين حتى ينكسر أو يَخْتَضِبَ دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منهُتفسير : . وروى أبو هريرة قال: حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في طرق مكة مرَّ على جَبلٍ يقال له: حَمْدَان، فقال: سيروا هذا حَمْدان. سبق المُفْرَدُونَ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات . تفسير : قيل: معنى قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ذكر الله إياكم أفضلُ من ذكركم إياه رُوِيَ ذلك عن عبد الله، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى مرفوعاً عن موسى بن عُقْبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء في قوله: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} من أن يَبْقَى معه معصية {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} قال عطاء: لا يخفى عليه شيء.

القشيري

تفسير : {بِٱلْحَقِّ}: أي بالقول الحق والأمر الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {خلق الله السموات والارض بالحق} اى حال كونه محقا مراعيا للحكم والمصالح على انه حال من فاعل خلق او ملتبسة بالحق الذى لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية والدنيوية على انه حال من مفعوله فانها مع اشتمالها على جميع مايتعلق به معاشهم شواهد دالة على وحدانيته وعظم قدرته وسائر صفاته كما اشار اليه بقوله {ان فى ذلك} اى فى خلقهما {لآية} دالة على شؤونه {للمؤمنين} تخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والارشاد فى خلقهما للكل لانهم المنتعفون بذلك وفى التأويلات النجمية {خلق الله السموات والارض بالحق} لمرآتية صفات الحق تعالى ليكن مظهرها {ان فى ذلك لآية} اى فى السموات والارض آية حق مودعة ولكن {للمؤمنين} الذين ينظرون بنور الله فان النور لايرى الا بالنور ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور شعر : جهان مرآت حسن شاهد ماست فشاهد وجهه فى كل ذرات تفسير : فعلى العاقل االنظر الى آثار رحمة الله والتفكر فى عجائب صنعه وبدائع قدرته حتى يستخرج الدر من بحار معرفته ـ روى ـ ان داود عليه السلام دخل فى محرابه فرأى دودة صغيرة فتفكر فى خلقها وقال مايعبأ الله بخلق هذه فانطقها الله تعالى فقالت ياداود أتعجبك نفسك وانا على ما انا والله اذكر الله واشكره اكثر منك على ما آتاك الله ـ وحكى ـ ان رجلا رأى خنفساء فقال ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه أحسن شكلها ام طيب ريحها فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الاطباء حتى ترك علاجها فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادى فى الدرب فقال هاتوه حتى ينظر فى امرى فقالوا ماتصنع بطرقى وقد عجز عنك حذاق الاطباء فقال لابد لى منه فلما احضروه ورأى القرحة استدعى الخنفساء فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذى سبق منه فقال احضروا ماطلب فان الرجل على بصيرة فاحرقها ووضع رمادها على قرحته فبرئت باذن الله تعالى فقال للحاضرين ان الله تعالى اراد ان يعرفنى ان اخس المخلوقات اعز الادوية كذا فى حياة الحيوان فظهر ان الله تعالى ماخلق شيئا باطلا بل خلق الكل حقا مشتملا على المصلحة سواء عرفها الانسان او لم يعرفها واللائق بشأن المؤمن ان يسلك طريق التفكر ثم يرتقى منه حتى يرى الاشياء على ماهى عليه كما هو شان ارباب البصيرة. وقد قالوا لمشاهدة ثمرة المجاهدة فلا بد من استعمال العقل وسائر القوى وكذا الاعضاء فبالخدمة تزداد الحرمة ويحصل الانكشاف وتزول الحيرة ويجيىء الاطمئنان: قال المولى الجامى شعر : بى طلب نتوان وصالت يافت آرى كى دهد دولت حج دست جزراه بيابان برده را تفسير : ومعنى الطلب ليس القصد القلبى والذكر اللسانى فقط بل الاجتهاد بجميع الظاهر والباطن بقدر الامكان وهو وظيفة الانسان ثم الفتح بيد الله ان شاء اراه ملكوت السموات والارض وجعله مكاشفا ومعاينا ومحققا واحدا وان شاء اوقفه فى مقامه واقل الامر حصول التفكر بالعقل المودع ويلزم شكره فان الله تعالى اخرجه بذلك عن دائرة الغافلين المعرضين اللهم اجعلنا من المتفكرين المتيقظين والمدركين لحقائق الامور فى كل شىء من خلق السموات والارضين

الجنابذي

تفسير : {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} قد مضى مكرّراً هذه الآية {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} اى فى خلق السّماوات والارض بحيث يتمّ بخلقهما امر المواليد واستمرار الفيض من الواهب الفيّاض بحيث لولاهما لما استتمّ امر المواليد ولما استمرّ الفيض ولما وجد غاية الايجاد وهو الانسان او فى خلق السّماوات والارض متلبّسات بالغايات الحقّة او بالتّنضيدات الحقّة الّتى لا شوب باطل فيها {لآيَةً} عظيمة او المراد بها الجنس اى آياتٌ عديدة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} بالبيعة العامّة او الخاصّة او للمذعنين بالله والآخرة.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ اللهُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ بِالحَقِّ} متعلق بمحذوف حال أي ثابتا بالحق غير قاصد بخلقهن باطلا او نعت لمصدر محذوف اي خلقا ثابتا بالحق فان المقصود بالذات يخلقهن افاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما قال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلمُؤمِنِينَ} لأنهم المنتفعون بها اي عبرة للمعتبرين ودلائل على عظم قدرته وقيل الحق البعث للحساب.

اطفيش

تفسير : {خَلق الله السَّماوات والأرض بالحَق} حال من الفاعل والمفعول ثابتا بالحق مراعيا للحكم، او ثابتة بالحق، منافع لكم فى الدنيا، ودلائل على وحدانيته {إنَّ في ذلك لآيةً للمُومنين} وغيرهم، ولكن خصهم بالذكر لانهم المنتفعون.

الالوسي

تفسير : {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } أي محقاً مراعياً للحكم والمصالح على أنه حال من فاعل {خلق} أو ملتبسة بالحق الذي لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية والدنيوية على أنها حال من مفعوله. فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق به معاشهم شواهد دالة على شؤونه تعالى المتعلقة بذاته سبحانه وصفاته كما يفصح عنه قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } دالة لهم على ما ذكر من شؤونه عز وجل، وتخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والإرشاد في خلقهما للكل لأنهم المنتفعون بذلك.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن بيّن الله تعالى عدم انتفاع المشركين بالحجة ومقدماتها ونتائجها الموصلة إلى بطلان إلهية الأصنام مستوفاة مغنية لمن يريد التأمل والتدبر في صحة مقدماتها بإنصاف نُقل الكلام إلى مخاطبة المؤمنين لإفادة التنويه بشأن المؤمنين إذ انتفعوا بما هو أدق من ذلك وهو حالة النظر والفكر في دلالة الكائنات على أن خالقها هو الله، وأن لا شيء غيره حقيقاً بمشاركته في إلهيته، فأفاد أن المؤمنين قد اهتدوا إلى العلم ببطلان إلهية الأصنام خلافاً للمشركين الذين لم يهتدوا بذلك. فأفهم ذلك أن من لم يعقلوها ليسوا بعالمين أخذاً من مفهوم الصفة في قوله {للمؤمنين} إذا اعتبر المعنى الوصفي من قوله {للمؤمنين}، أو أخذاً من الاقتصار على ذكر المؤمنين في قوله {إن في ذلك لآية للمؤمنين} إذا اعتبر عنوان المؤمنين لقباً. والاقتصار عند ذكر دليل الوحدانية على انتفاع المؤمنين بتلك الدلالة المفيد بأن المشركين لم ينتفعوا بذلك يشبه الاحتباك بين الآيتين. والباء في {بالحق} للملابسة، أي خلقهما على أحوالهما كلها بما ليس بباطل. والباطل في كل شيء لا وفاء فيه بما جُعل هو له. وضد الباطل الحق، فالحق في كل عمل هو إتقانه وحصول المراد منه، قال تعالى {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}تفسير : [ص: 27]. والمراد بالسماوات والأرض ما يشمل ذاتهما والموجودات المظروفة فيهما. وهذا الخلق المتقن الذي لا تقصير فيه عما أريد منه هو آية على وحدانية الخالق وعلى صفات ذاته وأفعاله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لآيَةً} (44) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرضَ بالحَقِّ، وَهُوَ إِنَّما خَلَقَها لِحِكْمَةٍ وفَوائِدَ يُقَدِّرُهَا هُوَ سُبحَانَهُ، وَلَمْ يَخْلُقْها لِلْعَبَثِ، وَلا لِلَّعِبِ والتَّسلِيةِ، وَلاَ يَفْهَمُ هذهِ الأسْرَارَ إلا الذينَ آمَنُوا باللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، لأَنَّهُم هُمُ الذِينَ يستَدِلُّونَ بالآثارِ عَلَى مُؤَثِّراتِها، وبِالخَلقِ عَلى خَالِقِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أراد الحق سبحانه أن يبرهن لنا على طلاقة قدرته تعالى، فقال: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ..} [العنكبوت: 44] والخَلْق: إيجاد المعدوم، لكن الغرض مخصوص، ولمهمة يؤديها، فإنْ خلقت شيئاً هكذا كما اتفق دون هدف منه فلا يُعَد خلقاً. ومسألة الخَلْق هذه هي الوحيدة أقرَّ الكفار بها لله تعالى، فلما سألهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25] فلماذا أقرُّوا بهذه بالذات؟ ولماذا ألجمتهم؟ هذا ليس عجيباً منهم؛ لأننا نشاهد كل مَنْ يأتي بجديد في الكون حريصاً على أنْ ينسبه لنفسه، وعلى أنْ يُبيِّن للناس مجهوداته وخبراته، وأنه اخترع كذا أو اكتشف كذا، كالذي اكتشف الكهرباء أو اخترع (التليفون أو التليفزيون). ما زِلْنا حتى الآن نذكر أن قانون الطفو لأرشميدس، وقانون الجاذبية لنيوتن، والناس تسجل الآن براءات الاختراع حتى لا يسرق أحد مجهودات أحد، ولتحفظ لأصحاب التفوق العقلي والعبقري ثمرة عبقريتهم. وكذلك كان العرب قديماً يذكرون لصاحب الفضل فَضلْه، حتى إنهم يقولون: فلان أول مَنْ قال مثلاً: أما بعد. وفلان أول من فعل كذا. إذن: فنحن نعرف الأوائل في كل المجالات، وننسب كل صنعة وكل اختراع واكتشاف إلى صاحبه، بل ونُخلِّد ذكراه، ونقيم له تمثالاً .. إلخ. إذن: فما بالك بالخالق الأعظم سبحانه الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما ومَنْ فيهما، أليس من حقه أن يعلن عن نفسه؟ أليس من حقه على عباده أن يعترفوا له بالخَلْق؟ خاصة وأن خَلْق السماوات والأرض لم يدَّعه أحد لنفسه، ولم ينازع الحق فيه منازع، ثم جاءنا رسول من عند الله تعالى يخبرنا بهذه الحقيقة، فلم يوجد معارض لها، والقضية تثبُت لصاحبها إلى أنْ يوجد معارض. وقد مثَّلنا لهذه المسألة - ولله المثل الأعلى - بجماعة جلسوا في مجلس، فلما انفضَّ جمعهم وجد صاحب البيت محفظة نقود لواحد منهم، فسألهم: لمن هذه المحفظة؟ فقالوا جميعاً: ليست لي إلا واحد منهم قال: هي محفظتي، فهل يشكُّ صاحب البيت أنها لمن ادَّعاها؟ ولك أنْ تسأل: ما دام الحق سألهم {أية : مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ..} تفسير : [لقمان: 25] فقالوا (الله) فلماذا يذكر الله هذه القضية؟ قالوا: الحق - تبارك وتعالى - لا يريد بهذه الآية أن يخبرنا أنه خالق السماوات والأرض، إنما يريد أن يخبرنا أن خَلْق السماوات والأرض بالحق، والحق: الشيء الثابت الذي لا يتغير مع الحكمة المترتبة على كل شيء في الوجود، فإذا نظرنا إلى خَلْق السماوات والأرض لوجدناه ثابتاً لم يتغير شيء فيه. لذلك يقول سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57]. فالسماوات والأرض خَلْق هائل عظيم، بحيث لو قارنته بخَلْق الإنسان لكان خَلْق الإنسان أهون. وانظر مثلاً في عمر السماوات والأرض وفي عمر الإنسان: أطول أعمار البشر التي نعلمها حتى الآن عمر نوح عليه السلام، وبعد هذا العمر الذي نراه طويلاً انتهى إلى الموت، فعمر الإنسان معلوم يكون سنة واحدة، أو ألف سنة لكن لا بُدَّ أن يموت. أما السماوات والأرض وما فيها من مخلوقات إنما خُلقت لخدمة الإنسان، فالخادم عمره أطول من المخدوم، فالشمس مثلاً خلقها الله تعالى من ملايين السنين، وما زالت كما هي لم تتغير، ولم تتخلف عن مهمتها، وكذلك القمر: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. أي: بحساب دقيق؛ لذلك يقولون: سيحدث كسوف مثلاً أو خسوف يوم كذا الساعة كذا، وفي نفس الوقت يحدث فعلاً كسوف للشمس أو خسوف للقمر مما يدلّ على أنهما خُلِقا بحساب بديع دقيق، ويكفي أننا نضبط على الشمس مثلاً ساعاتنا، ومع ما عُرِف عن الشمس والقمر، من كِبَر حجمهما، فإنهما يسيران في مسارات وأفلاك دون صدام، كما قال تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]. هذا كله من معنى خَلْق السماوات والأرض بالحق. أي: بنظام ثابت دقيق منضبط لا يتغير ولا يتخلف في كُلِّ مظاهره، فأنت أيها الإنسان يمكن أنْ تتغير؛ لأن الله جعل لك اختياراً فتستطيع أن تطيع أو أن تعصي، تؤمن أو والعياذ بالله تكفر، لكن خَلْق السماوات والأرض جاء على هيئة القهر والتسخير، وإن كانت مختارة بالقانون العام والاختيار الأول، حيث قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. إذن: خُيِّرت فاختارت ألاَّ تختار، وخرجت عن مرادها لمراد ربها. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت: 44] لماذا قال (للمؤمنين) مع أنها آية للناس جميعاً؟ وسبق أنْ خاطب الله الكافرين {أية : مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ..} تفسير : [لقمان: 25] فلماذا خصَّ هنا المؤمنين دون الكافرين؟ قالوا: هناك فَرْق بين خَلْق السماوات والأرض، وبين كَوْنها مخلوقة بالحق، فالجميع يؤمن بأنها مخلوقة، لكن المؤمنين فقط هم الذين يعرفون أنها مخلوقة بالحق. يقول الحق سبحانه: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هو تعالى المنفرد بخلق السماوات، على علوها وارتفاعها وسعتها وحسنها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب والملائكة، والأرض وما فيها من الجبال والبحار والبراري والقفار والأشجار ونحوها، وكل ذلك خلقه بالحق، أي: لم يخلقها عبثا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقها، ليقوم أمره وشرعه، ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } على كثير من المطالب الإيمانية، إذا تدبرها المؤمن رأى ذلك فيها عيانا.