٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني إن كنت تأسف على كفرهم فاتل ما أوحي إليك لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة ولهذا قال: {ٱتْلُ } وما قال عليهم، لأن التلاوة ما كانت بعد اليأس منهم إلا لتسلية قلب محمد عليه الصلاة والسلام وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن الرسول إذا كان معه كتاب وقرأ كتابه مرة ولم يسمع لم يبق له فائدة في قراءته لنفسه فنقول الكتاب المنزل مع النبـي المرسل ليس كذلك، فإن الكتب المسيرة مع الرسل على قسمين قسم يكون فيه سلام وكلام، مع واحد يحصل بقراءته مرة تمام المرام، وقسم يكون فيه قانون كلي تحتاج إليه الرعية في جميع الأوقات كما إذا كتب الملك كتاباً فيه إنا رفعنا عنكم البدعة الفلانية ووضعنا فيكم السنة الفلانية وبعثنا إليكم هذا الكتاب فيه جميع ذلك فليكن ذلك كمنوال ينسج عليه وال بعد وال، فمثل هذا الكتاب لا يقرأ ويترك بل يعلق من مكان عال، وكثيراً ما تكتب نسخته على لوح ويثبت فوق المحاريب، ويكون نصب الأعين، فكذلك كتاب الله مع رسوله محمد قانون كلي فيه شفاء للعالمين فوجب تلاوته مرة بعد مرة ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم ويثبت في الصدور على مرور الدهور الوجه الثاني: هو أن الكتب على ثلاثة أقسام كتاب لا تكره قراءته إلا للغير كالقصص فإن من قرأ حكاية مرة لا يقرؤها مرة أخرى إلا لغيره، ثم إذا سمعه ذلك الغير لا يقرؤها إلا لآخر لم يسمعه ولو قرأه عليه لسئموه، وكتاب لا يكرر عليه إلا للنفس كالنحو والفقه وغيرهما وكتاب يتلى مرة بعد مرة للنفس وللغير كالمواعظ الحسنة فإنها تكرر للغير وكلما سمعها يلتذ بها ويرق لها قلبه ويستعيدها وكلما تدخل السمع يخرج الوسواس مع الدمع وتكرر أيضاً لنفس المتكلم فإن كثيراً ما يلتذ المتكلم بكلمة طيبة وكلما يعيدها يكون أطيب وألذ وأثبت في القلب وأنفذ حتى يكاد يبكي من رقته دماً ولو أورثه البكاء عمى، إذا علم هذا فالقرآن من القبيل الثالث مع أن فيه القصص والفقه والنحو فكان في تلاوته في كل زمان فائدة. المسألة الثانية: لم خصص بالأمر هذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة؟ فنقول لوجهين أحدهما: أن الله لما أراد تسلية قلب محمد عليه السلام قال له الرسول واسطة بين طرفين من الله إلى الخلق، فإذا لم يتصل به الطرف الواحد ولم يقبلوه فالطرف الآخر متصل، ألا ترى أن الرسول إذا لم تقبل رسالته توجه نحو مرسله، فإذا تلوت كتابك ولم يقبلوك فوجه وجهك إليَّ وأقم الصلاة لوجهي الوجه الثاني: هو أن العبادات المختصة بالعبد ثلاثة: وهي الاعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية خارجية وهي العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن من اعتقد شيئاً لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمراً والنبـي عليه السلام كان ذلك حاصلاً له عن عيان أكمل مما يحصل عن بيان، فلم يؤمر به لعدم إمكان تكراره، لكن الذكر ممكن التكرار، والعبادة البدنية كذلك فأمره بهما فقال: أتل الكتاب وأقم الصلاة. المسألة الثالثة:كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟ نقول قال بعض المفسرين المراد من الصلاة القرآن وهو ينهى أي فيه النهي عنهما وهو بعيد لأن إرادة القرآن من الصلاة في هذا الموضع الذي قال قبله {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ } بعيد من الفهم، وقال بعضهم أراد به نفس الصلاة وهي تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، لأنه لا يمكنه الاشتغال بشيء منهما، فنقول هذا كذلك لكن ليس المراد هذا وإلا لا يكون مدحاً كاملاً للصلاة، لأن غيرها من الأشغال كثيراً ما يكون كذلك كالنوم في وقته وغيره فنقول: المراد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر مطلقاً وعلى هذا قال بعض المفسرين الصلاة هي التي تكون مع الحضور وهي تنهى، حتى نقل عنه صلى الله عليه وسلم « حديث : من لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد بها إلا بعداً » تفسير : ونحن نقول الصلاة الصحيحة شرعاً تنهى عن الأمرين مطلقاً وهي التي أتى بها المكلف لله حتى لو قصد بها الرياء لا تصح صلاته شرعاً وتجب عليه الإعادة، وهذا ظاهر فإن من نوى بوضوئه الصلاة والتبرد قيل لا يصح فكيف من نوى بصلاته الله وغيره إذا ثبت هذا فنقول الصلاة تنهى من وجوه الأول: هو أن من كان يخدم ملكاً عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة، ويرى عبداً من عباده قد طرده طرداً لا يتصور قبوله، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله، يستحيل من ذلك المقرب عرفاً أن يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار عبداً له، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر الثاني: هو أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج مذهب يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفاً، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع يمينه على شماله؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة، ولباس التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم، فإذن من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر. ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع الثالث: من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصباً له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين، إذ صار من أصحاب اليمين، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر الرابع: وهو موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيداً عن الملك كالسوقي والمنادي والمتعيش لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل في دكان الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك كما إذا صار واحداً من الجندارية والقواد والسواس عند الملك لا تمنعه تلك القربة من تعاطي ما كان يفعله، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميراً حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى: { أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب } تفسير : [العلق: 19] فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلاً عن الكبائر، وفي الآية وجه آخر معقول يؤكده المنقول وهو أن المراد من قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} هو أنها تنهى عن التعطيل والإشراك، والتعطيل هو إنكار وجود الله، والإشراك إثبات ألوهية لغير الله. فنقول التعطيل عقيدة فحشاء لأن الفاحش هو القبيح الظاهر القبح، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من شيء إلا وفيه آية على الله ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر الإنكار، فالقول بأن لا إله قبيح والإشراك منكر، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفساً إلى غير الوالد مع جواز أن يكون له ولد حيث قال: { أية : إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [المجادلة: 2] فالمشرك الذي يقول الملائكة بنات الله وينسب إلى من لم يلد، ولا يجوز أن يكون له ولد، ولداً كيف لا يكون قوله منكراً؟ فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول الله أكبر، فبقوله الله ينفي التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، فإذا قال {بسم الله} نفى التعطيل، وإذا قال {الرحمن الرحيم} نفى الإشراك، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة، والرحيم من يعطي البقاء بالرزق بالرحمة، فإذا قال {الحمد لله رب العالمين}، أثبت بقوله {الحمد لله} خلاف التعطيل وبقوله: {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خلاف الإشراك، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ } نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له، وبقوله: {ٱلْمُسْتَقِيمَ } نفى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله فينفي الإشراك والتعطيل، وههنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة الله وآخرها لفظة الله في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع الله، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمداً رسول الله والصلاة على الرسول والتسليم، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لا غير، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى الله وحصل مع الله لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول، كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب، فقال أنت في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول الله، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر إحسانه بالصلاة عليه، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي الله كوقوف المملوك بين يدي السلطان، ثم إن آخرها جثو بين يدي الله كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه بالإجلاس، كأن العبد لما وقف وأثنى على الله أكرمه الله وأجلسه فجثا، وفي هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له جثو في الآخرة، ولا يكون من الذين قال الله في حقهم { أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } تفسير : [مريم: 72]. ثم قال تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }. لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم، فقال: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بملء أفواهكم وقلوبكم، لكن ذكر الله أكبر، فينبغي أن يكون على أبلغ وجوه التعظيم، وأما الصلاة فكذلك لأن الله يعلم ما تصنعون، وهذا أحسن صنعكم فينبغي أن يكون على وجه التعظيم، وفي قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } مع حذف بيان ما هو أكبر منه لطيفة وهي أن الله لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن ما نسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة، إذا لا يقال الجبل أكبر من خردلة، وإنما يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر الله له الكبر لا لغيره، وهذا كما يقال في الصلاة الله أكبر أي له الكبر لا لغيره.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱتْلُ} أمر من التلاوة والدُّءوب عليها. وقد مضى في «طه» الوعيد فيمن أعرض عنها، وفي مقدّمة الكتاب الأمر بالحض عليها. والكتاب يراد به القرآن. الثانية: قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها. وقد تقدّم بيان ذلك في «البقرة» فلا معنى للإعادة. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} يريد إن الصلاة الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب؛ كما قال عليه السلام: حديث : «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دَرَنه شيء» قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء؛ قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا» تفسير : خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال فيه حديث حسن صحيح. وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن. والمعنى: الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي. قلت: ومنه الحديث الصحيح: «حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» تفسير : يريد قراءة الفاتحة. وقال حماد بن أبي سليمان وابن جُريج والكلبي: العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكراً؛ أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال ابن عطية: وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال: حديث : كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فذُكِر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الصلاة ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أقل لكم»تفسير : . وفي الآية تأويل ثالث، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون؛ فقيل المراد بـ{أَقِمِ الصَّلاَةَ} إدامتها والقيام بحدودها، ثم أخبر حكماً منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة. والصلاة تشغل كل بدن المصلّي، فإذا دخل المصلّي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. قلت: لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد؛ فإن الموت ليس له سنّ محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكُلِّم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحقّ لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى ولا بدّ عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل، كصلاتنا ـ وليتها تجزي ـ فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده. وعلى هذا يخرّج الحديث المرويّ عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم: «حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً» تفسير : وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند. قال ابن عطية: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: فإذا قررنا ونُظِر معناه فغير جائز أن يقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرّج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله ومعاصيه، من الفحشاء والمنكر والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله؛ فكأنها بعّدته حين لم تكفّ بُعدَه عن الله. وقيل لابن مسعود: إن فلاناً كثير الصلاة. فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها. قلت: وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: «حديث : لم تزده من الله إلا بعداً ولم يزدد بها من الله إلا مقتاً» تفسير : إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر. أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر. والصلاة بنفسها لا تنهى، ولكنها سبب الانتهاء. وهو كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الجاثية: 29] وقوله: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ}تفسير : [الروم: 35]. الرابعة: قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم. قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قُرّة وسلمان والحسن؛ وهو اختيار الطبري. وروي مرفوعاً من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال: «حديث : ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه»تفسير : . وقيل: ذكركم اللَّهَ في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء وقيل: المعنى؛ إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر. وقال الضحاك: ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجلّ الذكر. وقيل: المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير، وأكبر يكون بمعنى كبير. وقال ابن زيد وقتادة: ولذكر الله أكبر من كل شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر. وقيل: ذكر الله يمنع من المعصية فإن مَن كان ذاكراً له لا يخالفه. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأنّ الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقبٍ له. وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى؛ كما في الحديث: «حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم»تفسير : والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهيٍ، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرّغه إلا من الله. وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى. وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربَّه. قال الله عز وجل: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]. وباقي الآية ضرب من الوعيد والحثّ على المراقبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ } شرعاً: أي من شأنها ذلك ما دام المرء فيها {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } من غيره من الطاعات {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } فيجازيكم به.
ابن عبد السلام
تفسير : {اتْلُ} يا محمد على أمتك القرآن. {وَأَقِمِ الصَّلاةَ} المفروضة "ع" أو القرآن، أو الدعاء إلى أمر الله تعالى. {الْفَحْشَآءِ} الزنا {وَالْمُنكَرِ} الشرك "ع"، تنهى الصلاة عنهما ما دام المصلي فيها، أو تنهى عنهما قبلها وبعدها "ع" قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله تعالى إلا بعداً " تفسير : ، أو ما تدعوهم إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهاهم عن الفحشاء والمنكر {وَلَذِكْرُ اللَّهِ} إياكم أكبر من ذكركم إياه "ع"، أو ذكره أفضل من كل شيء، أو ذكره في الصلاة أفضل مما نهت عنه من الفحشاء والمنكر، أو ذكره في الصلاة أكبر من الصلاة، أو ذكره أكبر أن تحويه عقولكم، أو ذكره أكبر من قيامكم بطاعته، أو أكبر من أن يُبقي على صاحبه عقاب الفحشاء والمنكر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: الصلاة فيها ثلاث خلال: الاخلاص، والخشية، وذكر الله، فكل صلاة ليس فيها من هذه الخلال فليس بصلاة. فالاخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه أنه كان يقرأها {إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} فقال "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له. وفي لفظ لم يزدد بها من الله إلا بعداً ". تفسير : وأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من صلى صلاة لم تأمره بالمعروف وتَنْهَهُ عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعداً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلاناً يطيل الصلاة قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها، ثم قرأ {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} . وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من لم تأمره الصلاة بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً. وأخرج أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال: إنه سينهاه ما تقول ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: يا ابن آدم أنما الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن لم تنهك صلاتك عن الفحشاء والمنكر فإنك لست تصلي. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر...} قال: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك الصلاة عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد بن أبي سليمان رضي الله عنه في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: ما دمت فيها. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولذكر الله أكبر} قال: ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله {ولذكر الله أكبر} فقلت: ذكر الله بالتسبيح، والتهليل، والتكبير. قال: لا. ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قرأ {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152]. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه {ولذكر الله أكبر} قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله. وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {ولذكر الله أكبر} قال "ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه" ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عطية رضي الله عنه في قوله {ولذكر الله أكبر} قال: هو قوله {فاذكروني أذكركم} فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم اياه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {ولذكر الله أكبر} قال: لذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه، في الصلاة وغيرها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {ولذكر الله أكبر} يقول: لذكر الله إياكم إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم اياه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن جابر قال: سألت أبا قرة عن قوله {ولذكر الله أكبر} قال: ذكر الله أكبر من ذكركم إياه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولذكر الله} عندما حرمه، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه {ولذكر الله أكبر} قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولذكر الله أكبر} قال: لا شيء أكبر من ذكر الله. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه {ولذكر الله أكبر} . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم في الكنى والبيهقي في شعب الإِيمان عن عنترة قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر، وما قعد قوم في بيت من بيوت الله يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره، وما سلك رجل طريقاً يلتمس فيه العلم إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم، وأنماها في درجاتكم، وخير من أن تلقوا عدوكم، فيضربوا رقابكم، وتضربوا رقابهم، وخير من اعطاء الدنانير والدراهم. قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله {ولذكر الله أكبر} . وأخرج ابن جرير والبيهقي عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت {ولذكر الله أكبر} وإن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله. وأخرج ابن جرير عن سلمان رضي الله عنه أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن {ولذكر الله أكبر} لا شيء أفضل من ذكر الله. والله أعلم.
التستري
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}[45] قال: في هذه الآية تزيين الانصراف عن الفحشاء والمنكر بواحدة وهو الإخلاص في الصلاة، وكل صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يوجد فيها تزيين الانصراف عن ذلك فهي معلولة، والواجب تصفيتها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} [الآية: 45]. قال بعضهم: تمام الصلاة بترك الفحشاء والمنكر قبل الصلاة وهو لأجل الجلال والتفكر فى عظمة الله فإذا قمت إليها قمت كأنك مذنب فترفع الحجاب فتقول الله أكبر بعقاب الفحشاء، ونيات المنكر. قال جعفر: الصلاة إذا كانت مقبولة فإنها تنهى عن مطالعات الأعمال وطلب الأعراض. قال سهل رحمة الله عليه فى هذه الآية: تزيين الانصراف عن الفحشاء والمنكر بواحدة وهو من الإخلاص فى الصلاة وكل صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا يوجد فيها تزيين الانصراف عنها فملعونة، والواجب تصفيتها. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: الصلاة المقبولة تمنع صاحبها يطلب عوضًا أو رؤية نفس فيها. قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} [الآية: 45]. قال ابن عطاء: ذكر الله أكبر من ذكركم له لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأمانى والسؤال. وقال أيضًا: ذكرك له استجلاب نفع، وذكره لك إكرام وفضل. قال أبو عثمان: ذكر الله أكبر لأنه ذكر باقٍ. قال أبو بكر الوراق: ذكر الله لكم فى الأزل أكبر من ذكركم له فى الوقت، لأن ذكره لكم أطلق ألسنتكم بذكره. وقال الواسطى رحمة الله عليه: من شاهد نفسه فى ذكره شاهد نفسه فى مقابلة من لا يقابله شىء والله تعالى يقول: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} من أن يقوم أحد فيه بحق العبودية فكيف بحق الربوبية؟ وقال أيضًا: ذكر الله لكم فى الأزل أكبر وأحكم وأقدم وأتم. قال القاسم: ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم وحقيقة الذكر طرد الغفلة فإذا لم يكن الغفلة فما وجه الذكر لأنه أكبر من أن يلحقه ذكر أو تداينه إشارة؛ لأن الإشارة يطلبها الأين والأين يلحقها الحين. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} من أن يبقى على صاحبه عقاب الفحشاء. وقال أيضًا: الله أكبر من أن يبقى على صاحبه وذاكره شىء سوى مذكوره.
القشيري
تفسير : أي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر، أي على معنى ينبغي للمؤمن أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر، كقوله: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [المائدة: 23] أي ينبغي للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قُدِّرَ أن واحداً منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الإيمان - كذلك من لم ينتهِ عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة. ويقال بل الصلاةُ الحقيقية ما تكون ناهيةً لصاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ فإن لم يكن من العبد انتهاءٌ فالصلاةُ ناهيةٌ على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل، ولكنه يُصِرًّ ولا يطيع تلك الخواطر. ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان - وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها. ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النّفْس. ويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ. ويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبانُ النجاة بها، وقيل ملاحظتُه الأعواض عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها. ويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العِوض عليها. {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}: ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين؛ لأن ذكره قديم وذكر الخلْق مُحْدَث. ويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأَشياء الأخرى، لأن ذكره لله طاعة، وذكره لغيره لا يكون طاعة. ويقال ولذِكْرُ اللَّهِ لَك أكبرُ من ذكرْك له. ويقال ذكْرهُ لك بالسعادة أكبرُ من ذكْرك له بالعبادة. ويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة. ويقال ذكر الله أكبر من أن يُبْقى للذاكر معه ذِكْر مخلوق. ويقال ذكر الله أبر من أن يُبْقى للزّلةِ معلوماً أو مرسوماً. ويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحدٌ من المخلوقين بغيره. ويقال ولذكر الله أكبر من أن يُبْقَى معه للفحشاء والمنكر سلطاناً؛ فلِحُرمه ذكره زَلاَّتُ الذاكر مغفورةٌ، وعيوبه مستورةٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر فالذكر فى الصلاة يطرد الغفلة التى هى ---- والفكر يطرد الخواطر المذمومة وهى المنكر هذا فى الصلاة وبعد الصلاة تنهى الصلاة الحقيقة التى تنهى صاحبها عن رؤية الاعمال والاعواض فاذا كان كذلك الصلاة تكون قرة عيون العارفين بقوله عليه السلام قرة عينى فى الصلاة وقال ابن عطا بركات الصلاة تذهب عقاب الفحشاء ونيات المنكر قال جعفر الصلاة اذا كانت مقبولة فانها تنهى عن مطالعات الاعمال وطلب الاعواض قوله تعالى {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} للعارف ذكر خالص فى السر غير مشوب بحركات الصورة وذلك نوره صدر من انوار كشوف صفات الحق حين اظهر جلاله وجماله لروحه وله ذكر مشوب بالاعمال الظاهرة مثل الصلاة وجميع الاعمال والذكر الاول اصفى واجل لذلك قال ولذكر الله اكبر لانه غير مكتسب مقدس عن العلل وايضا ذكر الله الازلى للعارف حين اصطفاه بمعرفته اكبر واعظم من ان يدركه احد بالكسب والاعمال وان يلحقه نقض او نقص من جهة الحدث واذا قلت ذكر الله للعباد اكبر من ذكر العباد له قابلت الحادث بالقديم وكيف تقول الله احسن من الخلق ولا يوازى قدمه الا قدمه ولا يقابل ذكره الا ذكره وانى يكون الاكوان والحدثان فى سرادق الرحمن وكيف يبقى الكون فى سطوات الكون قال الواسطى من شاهد نفسه فى ذكره فقد شهد نفسه فى مقابلة من لا يقابله شئ والله يقول وذكر الله اكبر من ان يكون احد فيه بحق العبودية فكيف بحقوق الربوبية قال ايضا ذكر الله لكم فى الازل اكبر واحكم واقدم واتم وقال ابن عطا ذكر الله اكبر من ذكركم لان ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل الامانى والسؤال قال القاسم ذكر الله اكبر من ان حيويه افهامكم وعقولكم وحقيقة الذكر طرد الغفلة واذا لم تكن الغفلة فما وجه الذكر لانه اكبر من ان يحلقه ذكر او يدينه اشارة لان الاشارة يطلب الاين والاين يلحقه الحين وقال الاستاذ لذكر الله اكبر من ان يعرف قدره احلا واكبر من ان يعارضه ذكر ويقال ذكر الله اكبر من ان يبقى معه وحشة.
اسماعيل حقي
تفسير : {اتل مااوحى اليك من الكتاب} التلاوة القراءة على سبيل التوالى والاحياء اعلام فى الخفاء ويقال للكلمة الالهية التى تلقى الى الانبياء والاولياء وحى. والمعنى اقرأ يامحمد ماانزل اليك من القرآن تقربا الى الله بقراءته وتحفظا لنظمه وتذكرا لمعانيه وحقائقه فان القارىء المتأمل ينكشف له فى كل مرة مالم ينكشف قبل وتذكيرا للناس وحملالهم على العمل بما فيه من الاحكام ومحاسن الآداب ومكارم الاخلاق كما روى ان عمر رضى الله عنه اتى بسارق فامر بقطع يده فقال لم تقطع يدى وكان جاهلا بالاحكام فقال له عمر بما امر الله فى كتابه فقال اتل علىّ فقال {أية : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم: والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم}تفسير : فقال السارق والله ماسمعتها ولو سمعتها ماسرقت فامر بقطع يده ولم يعذره. فسن التواريح بالجماعة ليسمع الناس القرآن. وعن على رضى الله عنه من قرأ القرآن وهو قائم فى الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ومن قرأ وهو جالس فى الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنه ومن قرأ وهو فى غير الصلاة وهو على وضوء فخمس وعشرون حسنة ومن قرأ على غير وضوء فعشر حسنات. وعن الحسن البصرى رحمه الله قراءة القرآن فى غير الصلاة افضل من صلاة لايكون فيها كثير القراءة كما قال الفقهاء طول القيام افضل من كثرة السجود لقوله عليه السلام "حديث : افضل الصلاة طول القنوت" تفسير : اى القيام وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح والقراءة افضل منه. قالوا افضل التلاوة على الوضوء والجلوس نحو القبلة وان يكون غير مربع ولامتكىء ولاجالس جسلة متكبر ولكن نحو مايجلس بين يدى من يهابه ويحتشم منه وقد سبق فى آخر سورة النمل بعض مايتعلق بالتلاوة من الآداب والاسرار فارجع {واقم الصلاة} اى داوم على اقامتها وحيث كانت الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان امره عليه السلام باقامتها متضمنا لامر الامة بها علل بقوله تعالى {ان الصلاة} المعروفة وهى المقرونة بشرائطها الظاهرة والباطنة {تنهى} اى من شأنها وخاصيتها ان تنهاهم وتمنعهم {عن الفحشاء} [ازكارى كه نزد عقل زشت بود] {والمنكر} [واز عملى كه بحكم شرع منهى باشد]. قال فى الوسيط المنكر لايعرف فى شريعة ولاسنة اى سواء كان قولا او فعلا والمعروف ضده: يعنى [نماز سبب باز استادن مى باشد از معاصى جه مداومت بروموجب دوام ذكر ومورث كمال خشيت است وبخاصيت بنده را از كناه باز دارد] ـ كما حديث : روى ـ ان فتى من الانصار كان يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ثم لايدع شيئا من الفواحش الا ركبه فوصف لرسول الله فقال "ان صلاته ستنهاه" فلم يلبث ان تاب وحسن حاله تفسير : وصار من زهاد الصاحبة رضى الله عنه وعنهم. يقول الفقير لاشك ان لكل عمل خيرا او شرا خاصية فخاصية الصلاة اثارة الخشية من الله والنهى عن المعاصى كما ان خاصية الكفر الذى قوبل به ترك الصلاة فى قوله تعالى عليه السلام "حديث : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر"تفسير : اثارة الخوف من الناس والاقبال على المناهى دل عليه قوله تعالى {أية : سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بمااشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا}تفسير : وفى الحديث "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله الا بعدا"تفسير : يعنى تكون صلاته وبالا عليه ويكون سبب القرب فى حقه سبب البعد لعل ذلك لعدم خروجه عن عهدة حقيقة الصلاة كما قال بعضهم حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر فالذكر فى الصلاة يطرد الغفلة التى هى الفحشاء والفكر يطرد الخواطر المذمومة التى هى المنكر فهذه الصلاة كما تنهى صاحبها وهو فى الصلاة عما ذكر كذلك تنهاه وهو فى خارجها عن رؤية الاعمال وطلب الاعواض ومثل هذه الصلاة قرة عين العارفين لانها مبنية على المعاينة لا على المغايبة والصلاة فريضة كانت او نافلة افضل الاعمال البدنية لان لها تأثيرا عظيما فى اصلاح النفس التى هى مبدأ جميع الفحشاء والمنكر وفى الخبر "حديث : قال عيسى عليه السلام يقول الله بالفرائض نجا منى عبدى وبالنوافل يتقرب الىّ"تفسير : واعلم ان الصلاة على مراتب فصلاة البدن باقامة الاركان المعلومة. وصلاة النفس بالخشوع والطمأنينة بين الخوف والرجاء. وصلاة القلب بالحضور والمراقبة. وصلاة السر بالمناجات والمكالمة. وصلاة الروح بالمشاهدة والمعاينة. وصلاة الخفى بالمناغاة والملاطفة ولاصلاة فى المقام السابع لانه مقام الفناء والمحبة الصرفة فى عين الوحة. فنهاية الصلاة الصورية بظهور لموت الذى هو صورة اليقين كما قال تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} اى الموت. ونهاية الصلاة الحقيقة بالفناء المطلق الذى هو حق اليقين فكل صلاة تنهى عن الفحشاء فى مرتبتها: يعنى [نماز تن ناهيست ازمعاصى وملاهى. ونماز نفس ماانعست از رذائل وعلائق واخلاق ردية وهيآت مظلمة. ونمازدل بازدارد ازظهور فضول ووفور غفلت را. ونماز سرمنع نمايد از التفات بما سواى حضرت را را. ونماز روح نهى كند ازاستقرار بملاحظه اغيار. ونماز خفى بكذارند سالك را از شهود اثنينيت وظهور انانيت يعنى برو ظاهر كرددكه ازروى حقيقت] شعر : جزيكى نيست نقد اين عالم باز بين وبعالمش مفروش تفسير : قال بعض ارباب الحقيقة رعاية الظاهر سبب للصحة مطلقا وأرى ان فوت مافات من ترك الصلوات. يقول الفقير هذا يحتمل معنيين. الاول انه على سبيل الفرض والتقدير يعنى لو فرض للمرء مايكون سببا لبقائه فى الدنيا لكان ذلك اقامة الصلاة فكان وفاته انما جاءت من قبل ترك الصلاة كما ان الصدقة والصلة تزيدان فى الاعمار يعنى لو فرض للمرء مايزيد به العمر لكان ذلك هو الصدقة وصلة الرحم ففيه بيان فضيلة رعاية الاحكام الظاهرة خصوصا من بينها الصلاة والصدقة والصلة. والثانى ان لكل شىء حيا او جمادا اجلا علق ذلك بانقطاعه عن الذكر لانه ما من شىء الا يسبح بحمده فالشجر لايقطع وكذا الحيوان لايقتل ولا يموت الا عند انقطاعه عن الذكر وفى الحديث "حديث : ان لكل شىء اجلا فلا تضربوا اماءكم على كسر انائكم"تفسير : فمعنى ترك الصلاة ترك التوجه الى الله بالذكر والحضور معه لان العمدة فيها هى اليقظة الكاملة فاذا وقعت النفس فى الغفلة انقطع عرق حياتها وفاتت بسببها وهذا بالنسبة الى الغافلين الذاكرين واما الذين هم على صلاتهم دائمون فالموت يطرأ على ظاهرهم لاعلى باطنهم فانهم لايموتون بل ينقلبون من دار الى دار كما ورد فى بعض الآثار هذا هو اللائح والله اعلم {ولذكر الله اكبر} اى والصلاة اكبر من سائر الطاعات وانما عبر عنها بالذكر كما فى قوله تعالى {أية : فاسعوا الى ذكر الله}تفسير : للايذان بان مافيها من ذكره تعالى هو العمدة فى كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيآت او لذكر الله افضل الطاعات لان ثواب الذكر هو الذكر كما قال تعالى {أية : فاذكرونى اذكركم}تفسير : وقال عليه السلام "حديث : يقول الله تعالى انا عند ظن عبدى بى وانا معه حين يذكرنى فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وان ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ اكثر من الملأ الذى ذكرنى فيهم"تفسير : فالمراد بهذا الذكر هو الذكر الخالص وهو اصفى واجلى من الذكر المشوب بالاعمال الظاهرة وهو خير من ضرب الاعناق وعتق الرقاب واعطاء لمال للاحباب واول الذكر توحيد ثم تجريد ثم تفريد كما قال عليه السلام "حديث : سبق المفردون" قالوا يارسول الله وما المفردون قال "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات":تفسير : قال الشيخ العطار شعر : اصل تجريدات وداع شهوتست بلكه كلى انقطاع لذتست كرتوببريدى زموجودات اميد آنكه ازتفريد كردى مستفيد تفسير : والذكر طرد الغفلة ولذا قالوا ليس فى الجنة ذكر اى لانه لاغفلة فيها بل حال اهل الجنة الحضور الدائم. وفى التأويلات النجمية ماحاصله ان الفحشاء والمنكر من امارات مرض القلب ومرضه نسيان الله وذكر الله اكبر فى ازالة هذا المرض من تلاوة القرآن واقامة الصلاة لان العلاج انما هو بالضد. فان قلت اذا كانت تلاوة القرآن واقامة الصلاة والذكر صادر من قلب مريض معلول بالنيسان الطبيعى للانسان لايكون كل منها سببا لازالة المرض المذكور. قلت الذكر مختص بطرح اكسير ذكر الله للعبد كما قال {أية : فاذكرونى اذكركم}تفسير : فابطل خاصية المعلولية وجعله ابريزا خاصا بخاصيته المذكورة فذكر العبد فنى فى ذكر الله فلذا كان اكبر. وقال بعض الكبار ذكر اللذات فى مقام الفناء المحض وصلاة الحق عند التمكين فى مقام البقاء اكبر من جميع الاذكار واعظم من جميع الصلوات. قال ابن عطاء رحمه الله ذكر الله اكبر من ذكركم لان ذكره للفضل والكرم بلا علة وذكركم مشوب بالعلل الامانى والسؤال. وقال بعضهم اذا قلت ذكر الله اكبر من ذكر العبد قابلت الحادث بالقديم وكيف يقال الله احسن من الخلق ولا يوازى قدمه الا قدمه ولا ذكره الا ذكره ولايبقى الكون فى سطوات المكون. وقال بعضهم [ذكر خداى بزركتراست ازهمه جيزيراكه ذكر او طاعتست وذكر غير او طاعت نيست] فويل لمن مروقته بذكر الاغيار: قال الحافظ شعر : اوقات خوش آن بودكه بادوست بسررفت باقى همه بيحاصل وبيخبرى بود تفسير : {والله يعلم ماتصنعون} من الذكر وسائط الطاعات لايخفى عليه شىء فيجازيكم بها احسن المجازاة. وقال بعض الكبار والله يعلم ماتصنعون فى جميع المقامات والاحوال فمن تيقن ان الله يعلم مايصنعه تجنب عن المعاصى والسيآت وتوجه الى عالم السر والخفيات بالطاعات والعبادات خصوصا الصلوات ولابد من تفريغ القلب عن الشواغل فصلاة بالحضور افضل من الف صلاة بدونه ـ حكى ـ ان واحدا كان يتضرع الى الله ان يوفقه لصلاة مقبولة فصلى مع حبيب العجمى فلم يعجبه ظاهرها من امر القراءة فاستأنف الصلاة فقيل له فى الرؤيا قد وفقك ا لله لصلاة مقبولة فلم تعرف قدرها فاصلاح الباطن اهم فان به يتفاضل الناس وتتفاوت الحسنات ويحصل الفلاح الحقيقى هو الخلاص من حبس الوجود بجود واجب الوجود ونظر العبد لايدرك كمالية الجزاء المعدّ له بمباشرة اركان الشريعة وملازمة آداب الطريقة للوصول الى العالم الحقيقى ولكن الله يعلم ماتصنعون باستعمال مفتاح الشريعة وصناعة الطريقة بفتح ابواب طلسم الوجود المجازى والوصول الى الكنز المخفى من الوجود الحقيقى نسأل الله سبحانه ان يوفقنا للفعل الحسن والصنع الجميل ويسعدنا بالمقام الا رفع والاجر الجزيل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {اتْلُ ما أُوحي إليك من الكتابِ}؛ تَنَعُّماً بشهود أسرار معانيه، وبشهود المتكلم به، فتغيب عن كل ما سواه، واستكشافاً لحقائقه، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. وقد كان من السلف من يبقى في السورة يكررها أياماً، وفي الآية يرددها ليلة وأكثر، كلما رددها ظهر له معان أُخر. {وأَقِم الصلاةَ} أي: دم على إقامتها، بإتقانها؛ فعلاً وحضوراً وخشوعاً، {إن الصلاةَ تنهى عن الفحشاء}؛ الفعلة القبيحة؛ كالزنى، والشرب، ونحوهما، {والمنكرِ}، وهو ما يُنكره الشرع والعقل. ولا شك أن الصلاة، إذا صحبها الخشوع والهيبة في الباطن، والإتقان في الظاهر، نهت صاحبها عن المنكر، لا محالة، وإلا فلا. رُوي أن فتًى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله الصلوات، ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه، فَوُصِفَ حَالُهُ له صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إن صلاته تنهاه"تفسير : ، فلم يلبث أن تاب. هـ. وأما من كان يصليها فلم تنهه؛ فهو دليل عدم قبولها، ففي الحديث: "حديث : من لمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عن الفحشاء والمنكر لم يَزْدَدْ من الله إلا بُعْداً" تفسير : رواه الطبراني. وقال الحسن: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة، وهي بال عليه. وقال ابن عوف: إن الصلاة تنهى؛ إذا كنت فيها فأنت في معروف وطاعة، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر. هـ. فخص النهي بكونه ما دام فيها، وعليه حَمَلَهُ المَحلِّي. قال المحشي: يعني: أن مِنْ شأنها ذلك، وإن لم يحصل ذلك فلا تخرج عن كونها صلاة، كما أن من شأن الإيمان التوكل، وإن قدر أن أحداً من المؤمنين لا يتوكل؛ فلا يخرج ذلك عن الإيمان. وقيل: الصلاة الحقيقية: ما تكون لصاحبها ناهيةً عن ذلك، وإن لم ينته فالصلاةُ ناهيةٌ على معنى: ورود الزواجر على قلبه، ولكنه أصر ولم يطع. ويقال: بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن كان، وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها. انظر القيشيري. وقال ابن عطية: إذا وقعت على ما ينبغي؛ من الخشوع، والإخبات لذكر عظمة الله، والوقوف بين يديه، انتهى عن الفحشاء والمنكر، وأما مَنْ كانت صلاته لا ذكر فيها ولا خشوع، فتلك تترك صاحبها بمنزلته حيث كان. هـ. فائدة: ذكر في اللباب أن أول من صلى الصبح آدم عليه السلام، لأنه لم يكن رأى ظلمة قط، فلما نزل، وجنَّه الليل خرّ مغشياً، فلما أصبح ورأى النور صلى ركعتين، شكراً. وأول من صلى الظهر إبراهيم، لما فدى ولده، وقد كان نزل به أربعة أهوال، هم الذبح وهم الولد، وهم والدته، وهم مرضاة الرب، فصلى أربع ركعات، شكراً لله تعالى. وأول من صلى العصر سليمان عليه السلام، لمَّا رد الله عليه ملكه. وأول من صلى المغرب عيسى عليه السلام، كفارة عما اعتقد فيه من أنه ثالث ثلاثة. وأول من صلى العشاء يونس عليه السلام، ولعله هذا الوقت الذي نُبذ فيه بالعراء. وأول من توضأ آدم؛ كفارة لأكله. هـ. مختصراً بزيادة بيان. وجمعها الحق تعالى لهذه الأمة المحمدية؛ لتحوز فضائل تلك الشرائع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جَامِعٌ لِمَا افْتَرَقَ في غيره. ثم قال تعالى {ولذكرُ الله أكبرُ}، أي: ولذكر الله، على الدوام، أكبر، في النهي من الفحشاء والمنكر، من الصلاة؛ لأنها في بعض الأوقات. فالجزء الذي في الصلاة ينهى عن الفحشاء الظاهرة، والباقي ينهى عن الفحشاء الباطنة، وهو أعظم، ولأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكرٍ لله، مراقبٍ له، وثواب ذلك الذكر أن يذكر الله تعالى؛ لقوله: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]. ومن ذَكَرَه حَفِظَهُ ورعاه. أو: لذكر الله أكبر؛ أجراً، من الصلاة، ومن سائر الطاعات، كما في الحديث: "حديث : ألا أنبئكم بخيرِ أعمالكمْ، وأزكْاهَا عند مليككم، وأرفَعِهَا في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوْا عدوكم فتضربُوا أعناقهم ويضربوا اعناقكمْ؟ قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال ذِكْرُ الله" تفسير : وسئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "حديث : أن تموتَ ولسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله " تفسير : قيل: المراد بذكر الله هو الصلاة نفسها، أي: وَللصلواتُ أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبّر عنها بذكر الله؛ ليشعر بالتعليل، كأنه قال: والصلاة أكبر؛ لأنها ذكر الله. وعن ابن عباس: ولذكر الله لكم إياكم، برحمته، أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقال ابن عطاء ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له؛ لأن ذكره بلا علة، وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى، وذكركم يفنى. أو: لذكر الله أكبر من أن تفهمه أفهامكم وعقولكم. أو: ذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. {والله يعلم ما تصنعون} من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر المتعلِّقَيْنِ بالجوارح الظاهرة، والذكر ينهى عن الفحشاء والمنكر والمتعلقين بالعوالم الباطنة، وهي المساوئ التي تحجب العبد عن حضرة الغيوب فإذا أكثر العبد من ذكر الله، على نعت الحضور والتفرغ من الشواغل، تنور قلبه، وتطهر سره ولُبه، فاتصف بأوصاف الكمال، وزالت عن جميع العلل، ولذلك جعلته الصوفية مُعْتَمَدَ أعمالِهِمْ، والتزموه مع مرور أوقاتهم وأنفاسهم، ولم يقتنعوا منه بقليل ولا كثير، بل قاموا بالجد والتشمير، فيذكرون أولاً بلسانهم وقلوبهم، ثم بقلوبهم فقط، ثم بأرواحهم وأسرارهم فيغيبون حينئذٍ في شهود المذكور عن وجودهم وعن ذكرهم، وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان، ويصير العبد محواً في وجود العيان، فتكون عبادتهم كلها فكرة وعبرة، وشهوداً ونظرة، وهو مقام العيان في منزل الإحسان، فيكون ذكر اللسان عندهم بطالة، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : مَا إِنْ ذَكَرْتُكِ إلاّ همَّ يَلْعَنُني سِرِّي وَقَلْبِي وروحي، عند ذِكْرَاكَ حَتَّى كَأَنَّ رَقيباً مِنْكَ يَهْتِفُ بِي: إِيَّاكَ، وَيْحَك، والتَّذْكَارَ، إِيَّاكَ أَمَا تَرَى الْحقَّ قَدْ لاَحَتْ شَوَاهِدُهُ؟ وَوَاصَلَ الْكُلَّ، مِنْ مَعْنَاهُ, مَعْنَاكَ؟! تفسير : قال القشيري: ويقال: ذكر الله أكبر من أن يبقى معه ذكر مخلوق أو معلوم للعبد، فضلاً أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطان. هـ. وقال في القوت على هذه الآية: الذكر عند الذاكرين: المشاهدة، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة. هذا أحد الوجهين في الآية: ثم قال: ورُوي في معنى الآية؛ عن رسول لله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج والطواف،وأشعرت المناسك، لإقامة ذكر الله - عز وجل -"تفسير : قال تعالى: {أية : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري}تفسير : [طه: 14]، أي: لتذكرني فيها. ثم قال: فإذا لم يكن في قلبك للمذكور، الذي هو المقصود والمُبْتغى، عظمة ولا هيبة، ولا إجلالُ مقامٍ، ولا حلاوة فهْم، فما قيمة ذكرك فإنما صلاتك كعمل من أعمال دنياك. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة قسماً من اقسام الدنيا، إذ كان المصلي على مقام من الهوى، فقال: "حديث : حُبب إليَّ من دنياكم.." تفسير : ذكر منها الصلاة، فهي دنيا لمن كان همه الدنيا، وهي آخرة لأبناء الآخرة، وهي صلة ومواصلة لأهل الله - عز وجل-، وإنما سميت الصلاة؛ لأنها صلة بين الله وعبده، ولا تكون المواصلة إلا لتقي، ولا يكون التقي إلا خاشعاً، فعند هذا لا يعظم عليه طول القيام، ولا يكبر عليه الانتهاء عن المنكر كما قال الله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}. هـ. ثم ذكر ما ينتج عن الصلاة الكاملة والذكر الدائم وهو الخلق الجميل فوصّى به، حيث قال: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}
الجنابذي
تفسير : {ٱتْلُ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كما انّ قوله تعالى خلق الله السّماوات (الآية) كان جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل لتعقّل الامثال آية ومنبّه؟- فقال جواباً: خلق الله السّماوات والارض بالحقّ وفى خلقهما آيات عديدة منبّهة على تعقّل الامثال كما انّ فيها آيات عديدة دالّة على مبدء عليم حكيم قدير مريد رحيم رؤفٍ وكأنّه قيل بعد ذلك: هل لنا منبّه على تذكر الآيات المودعة فى خلق السّماوات والارض؟- فقال تعالى: اتل خطاباً لمحمّد (ص) على: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة او خطاباً عامّاً {مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ} بتوسّط جبرئيل او ما اوحى اليك بسبب محمّد (ص) {مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} حتّى تستعدّ لتذكّر الآيات وتمتّع من الملاهى الّتى تحجبك عن تذكّر الآيات {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قد مضى فى اوّل البقرة وفى سورة النّساء عند قوله {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} تفسير : [النساء:43] تفصيل لمعانى الصّلٰوة ومراتبها واقامتها، ولمّا كانت الصّلٰوة القالبيّة بالمواضعة الالهيّة مانعة من الاشتغال بغيرها ولو كان مباحاً كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر القالبىّ بالمواضعة، والصّلٰوة القلبيّة المأخوذة من صاحب اجازة الالهيّة تكون مانعة عن الفحشاء والمنكر فى مرتبة القلب، وكذلك الصّلٰوة الصّدريّة الّتى هى السّكينة القلبيّة المسمّاة بالفكر والحضور عندهم وهى ملكوت ولىّ الامر واوّل مقام معرفة علىّ (ع) بالنّورانيّة تنهى حالاً او باللّسان عن جملة الفحشاء والمنكر، وصلٰوة المصلّى الّذى هو مستغرق فى شهود جمال الوحدة ناهية له عن الالتفات الى غير الله وهذا الالتفات هو نكره فى ذلك المقام، والصّلٰوة الّتى هى عبارة عن الرّسول (ص) او الامام (ع) تنهى عن الفحشاء والمنكر اللّذين هما مقابلان لهما من اصناف البشر وقد فسّر الصّلٰوة بكلٍّ وفسّر الفحشاء والمنكر باعداء الرّسول (ص) والامام (ع)، نقل: انّها ما لم تنه الصّلٰوة عن الفحشاء والمنكر لم تزدد من الله عزّ وجلّ الاّ بُعداً، وروى انّ فتى من الانصار كان يصلّى الصلوات مع رسول الله (ص) ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله (ص) فقال: انّ صلٰوته تنهاه يوماً، فلم يلبث ان تاب، وعلى هذا كان معنى الآية انّ الصّلٰوة تنهى فى المستقبل صاحبها عن الفحشاء والمنكر {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} ان اريد بالصّلٰوة الصّلٰوة القالبيّة كان المراد بذكر الله ذكر الله للعبد، او الذّكر القلبىّ، او الذّكر الّذى هو الفكر، او ذكر اوامره ونواهيه عند كلّ فعال الّذى يحمل العبد على الامتثال والانتهاء، وان كان المراد الصّلٰوة القلبيّة كان المراد بذكر الله ذكر الله للعبد او واحد ممّا ذكر بعد الذّكر القلبىّ وهكذا الحال فى سائر مراتب الصّلٰوة، وان كان المراد بالصّلٰوة الرّسول (ص) او الامام (ع) كان المراد بذكر الله ذكر الله للعبد او مقام نورانيّتهما فانّه ذكر الله حقيقةً {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} فيعلم صلٰوتكم وذكركم لله ويجازيكم على حسبهما على انّهما ينبّهانكم على تذكّر الآيات والجملة حاليّة.
اطفيش
تفسير : {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ} القرآن تقربا الى الله بتلاوته طلبا لحفظ الفاظه ولكشف معانيه فان القارىء المتأمل ينكشف له بالتكرار مالم ينكشف له بسماع واحد او تلاوة واحدة. {وَأَقِمِ الصَّلٰوةِ} امر الله بالعبادات الثلاثة القلبية وهي الاعتقاد الحق ولسانية وأفضلها قراءة القرآن وبدنية وهي الصلاة. {إِنَّ الصَّلٰوةِ تَنْهَى} مصليها وقيل المراد بالصلاة القرآن، كما في {أية : ولا تجهر بصلاتك }. تفسير : {عَنِ الفَحْشَآءِ} هي ما قبح من العمل. {وَالمُنكَرِ} مالا يعرف في الشرع بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وفي الحال الاخرى لانها تذكر الله وتورث للنفس خشية فاذا كانت لطفا في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها ومن لم تنهه صلاته عن ذلك فليست بصلاة لإخلال فيها كعدم الخشوع وعدم احضار القلب فيها وغير ذلك كخشوع القلب والجوارح قال حاتم: كان رجلي على الصراط والجنة عن يميني والنار عن يساري وملك الموت فوقي واصلي بين الخوف والرجاء ثم يحوطها بعد ان يصليها ولا يحبطها وانما الصلاة الناهية صلاة من يدخلها مقدما للتوبة النصوح متيقنا لقوله جل وعلا {أية : إنما يتقبل الله من المتقين }تفسير : وقال الكلبي ان العبد ما دام في الصلاة لا يأتي فحشا ولا منكرا وان من شأنها ذلك ما دام المرء فيها ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن في الصلاة لشغلا "تفسير : والأول اولى وروي ان فتى من الانصار كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات ثم لا يدع شيئا من الفواحش الا ركبه فوصف له صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إِن صلاته لتنهاه يوما "تفسير : فلم يلبث ان تاب وحسنت حاله والصلاة المستقيمة ناهية ولا بد فأما ان تنهاه عن جميع المعاصي فيزداد قلبه نورا بكل صلاة واما ان تنهاه عن نوع من المعاصي او نوعين او انواع وليس لفظ الآية يقتضي انها تنهي عن جميع المعاصي وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد من الله الا بعدا وعن الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه وقيل: من كان مراعيا للصلاة جره ذلك الى ان ينتهي عن السيئات يوما كما مر رواية عنه صلى الله عليه وسلم وروي ايضا انه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلان يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال "حديث : إِن صلاته لتردعه "تفسير : وقيل المراد بالصلاة القرآن وزعم بعضهم انه ضعيف لتقدم ذكر القرآن وعلى هذا القول رواية جابر ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان رجلا يقرأ القرآن الليل كله فاذا أصبح سرق قال "حديث : سينهاه قرآنه " . تفسير : {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ} أراد بالذكر الصلاة وأرد انها اكبر من سائر الطاعات وعبر عنها بالذكر تعليلا بأن اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات وقيل المراد مطلق ذكر الله وقال الحسن وابن عمر وابن عباس في رواية وابو الدرداء وسلمان وابن مسعود وابو قرة اذا ذكر العبد الله ذكره الله فذكر الله للعبد اكبر من ذكر العبد له وقال ابن عطاء الله ذكر الله اكبر من أن تبقى معه معصية وعن ابن عباس ولذكر الله إياكم برحمته اكبر من ذكركم إياه بطاعتكم وعن ابن عباس المراد ان ذكر العبد الله عند المعصية فيكف اكبر من ذكره اياه باللسان وعن الحسن الذكر ذكر ان احدهما افضل ذكر الله باللسان حسن وافضل منه ذكرك اياه عندما نهاك عنه والصبر صبران احدهما افضل الصبر عند المصيبة حسن واحسن منه الصبر عما نهاك عنه وقيل ولذكر الله مع المداومة اكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر وقال ابن زيد ولذكر الله اكبر من كل شيء وقال ابن العربي في الآية اربعة اقوال الأول ذكر الله لكم افضل من ذكركم له اضاف المصدر الى الفاعل الثاني ذكر الله افضل من كل شيء الثالث ذكر الله في الصلاة افضل من ذكره في غيرها يعني لانها عبارتان الرابع ذكر الله في الصلاة اكبر من الصلاة وهذه الثلاثة من اضافة المصدر الى المفعول وهذه كلها صحيحة وان للصلاة بركة عظيمة انتهى قال عياش: وعندي ان المعنى ولذكر الله اكبر على الاطلاق اي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك فكذلك يفعل في غيرها لأن الانتهاء لا يكون الا من ذكر ان الله تعالى مراقب له وثواب الذكر ان يذكره الله تعالى، كما ورد من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي والذكر النافع هو مع العلم واقبال القلب وتفرغه الا من الله واما مالا يتجاوز اللسان ففي رتبة اخرى وذكر الله للعبد هو افاضة الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة لذكر العبد ربه وقال ابن ابي جمرة ولذكر الله لك في الأزل بأن جعلك من الذاكرين له اكبر من ذكرك له انت الآن ولا يصل احد الى الله سبحانه الا بدوام الذكر وذكر باللسان والقلب كمل قال المظفر الجصاص: كنت انا ونصر الخراط ليلة في موضع فتذاكرنا شيئا من العلم فقال الخراط الذاكر لله فائدته في أول ذكره ان يعلم انه انما ذكر الله بذكر الله إياه فخالفته فقال لو كان الخضر هنا لشهد لصحته فاذا نحن بشيخ يجيء بين السماء والأرض حتى بلغ الينا وقال صدق فعلمنا انه الخضر عليه السلام وقال بعض العلماء يقول ايما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب التمسك بذكري توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلا أُنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أَن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: بلى. قال ذكر الله "تفسير : وعن ابي سعيد الخدري "حديث : ان رسول الله صلى اله عليه وسلم سُئِل أي العباد أَفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله كثيرا أَفضل منه درجة "تفسير : وعن ابي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات "تفسير : يروى المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والتشديد اشهر والمراد من اعتزل وراعى الأمر والنهي وقيل من تخلف عن الناس بذكر الله لا يخلط به غيره وعن ابي هريرة وابي سعيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يقعد قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينه وذكرهم الله فيمن عنده "تفسير : و"حديث : ذكر أَن أَعرابيا قال: يا رسول الله أَي الأَعمال أَفضل؟ قال أَن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله ". تفسير : {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} فيجازيكم به خيراً او شرا وقيل المعنى انه يعلم ما تصنعون من ذكر الله وسائر الطاعات فيجازيكم به احسن المجازاة.
اطفيش
تفسير : {اتْلُ ما أوحِيَ إليْكَ من الكتاب} دم على تلاوته تقربا الى الله تعالى وتذكيراً بها لغيرك، وتفكراً فى معانيها {وأقِم الصَّلاة} دم على إقامتها {إنَّ الصلاة} فرضها ونفلها، اداءها وقضاءها، ومن قضائها تأخير سنة المغرب عن العشاء فى حال الجمع بين المغرب والعشاء، وسنة الفجر عن فرضه اذا قدم عنها خوف طلوع الشمس، وادركها فى الوقت، كما اذا فات وقت الصلاة مسنونة، فان النفل يجوز قضاؤه، وقيل: يفوت وقته، وقيل: ان كان تابعا لفرض صح قضاؤه كسنة الفجر، وسنة المغرب، وسنة العشاء، والا لم يصح، وجاء فى ذلك احاديث، وذلك تعليل جمالى لاقامتها. {تَنْهى عن الفحشاء والمُنْكر} لاشتمالها على قراءة القرآن، والتكبير والتعظيم والتسبيح، والركوع والسجود، فهى مشتملة على ما هو زجر ووعظ، وتعظيم لله سبحانه، وملوحة بأن من شانه هكذا لا يعصى فقد تؤثر فى المصلى، وقد لا يتأثر بها يصلى، وهو فاسق، وقيل هى ناهية لمن فيها حتى يخرج منها حضر قلبه او لم يحضر، تاثر بها او لم تؤثر فيه، فهى كالمتكلم اذا فرغ منها، كمن سكت، ومن اخل بها لفت كما يلف الثوب الخلق، ويرمى بها وجهه، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتنى، فالانتهاء عن الفحشاء والمنكر علامة صحة الصلاة وقبولها، فمن احب ان يعلم هل قبلت فلينظر هل انتهى عن الفحشاء والمنكر، فالقبول على قدر ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" تفسير : رواه الطبرى والبهيقى، ولفظ الطبرانى عن ابن عباس وابن مسعود موقوفا ومرفوعا: "لم تردد بها عن الله الابعدا" وعن الحسن وقتادة: "فصلاته عليه وبال" ومن داوم على صلاته جرته الى ترك المعاصى، كما قيل لابن مسعود: فلان يطيل الصلاة، فقال: ان الصلاة لا تنفع الا من أطالها فى نهيها. كان فتى من الانصار يطيل الصلاة، ولا يدع فاحشة، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ستنهاه صلاته" تفسير : فتاب عن قريب، ومثله قال فى رجل يصلى الليل، واذا اصبح سرق، وعن ابن عمر: الصلاة هنا القرآن، وقيل: الدعاء والصحيح ما مر، وعن انس انه كان يقرأ: ان الصلاة تأمر بالمعروف، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك قراءة تفسير. {ولذِكْر الله} اياكم برحمته، ومنها التوفيق للصلاة {أكْبر} من ذكر الله بطاعته، كذا عنه صلى الله عليه عن طريق ابن عباس، ومنها الصلاة عند ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وهو رواية عن سلمان وابى الدرداء، او ذكر الله العبد فى الصلاة اكبر من الصلاة، قاله ابو مالك الصحابى، او اكبر من كل شئ، او ذكره العبد فيها اكبر من ذكره العبد خارجها، او ذكر العبد الله اكبر من سائر اعماله، قال معاذا مرفوعا: "ذكر العبد لله انجى له من العذاب من الجهاد، ومن ان يضرب بسيفه فى سبيل الله حتى ينقطع" وروى: "حتى يموت، ومن سائر اعماله" زاد ابو داود: "ومن اعطاء الدنانير والدراهم" وزاد "انه احب الى الله وارجع لدرجاتكم وقرأ الآية" وكذا فسرها سلمان وابن عباس فى رواية عنهما، وعن ابن عباس: افضل الاعمال ذكر الله تعالى ومن ذكروا الله فى المسجد اظلتهم الملائكة باجنحتها، وكانوا ضيف الله ما لم يفيضوا فى غيره، ومن سلك طريقا الى العلم سهل الله له طريقا الى الجنة، او ذكر الله الصلاة وهى اكبر من سائر الطاعات، سماها ذكرا لاشتمالها على الذكر الزاجر، او ذكر الله عند عروض المعصية بالخشية منه، فتترك اكبر من الصلاة فى الزجر او ذكر الله اكبر من ان تبقى معه معصية، او التخلف عن الناس بذكر الله تعالى لا يخلطون به غيره. {والله يعْلم ما تصْنَعُون} من الخير، فيجازيكم، لا تظنوا انه يضيع شئ، فهذا وعد، او من الخير والشر فهو وعد ووعيد.
الالوسي
تفسير : {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي دم على تلاوة ذلك تقرباً إلى الله تعالى بتلاوته وتذكراً لما في تضاعيفه من المعاني وتذكيراً للناس وحملاً لهم على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق {وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ } أي داوم على إقامتها، وحيث كانت الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان أمره صلى الله عليه وسلم بإقامتها متضمناً لأمر الأمة بها علل بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} كأنه قيل: وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى نهيها إياهم عن ذلك أنها لتضمنها صنوف العبادة من التكبير والتسبيح والقراءة والوقوف بين يدي الله عز وجل والركوع والسجود له سبحانه الدال على غاية الخضوع والتعظيم كأنها تقول لمن يأتي بها لا تفعل الفحشاء والمنكر ولا تعص رباً هو أهل لما أتيت به، وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه عز وجل وقد أتيت مما يدل على عظمته تعالى وكبريائه سبحانه من الأقوال والأفعال بما تكون به أن عصيت وفعلت الفحشاء أو المنكر كالمتناقض في أفعاله، وبما ذكر ينحل الأشكال المشهور وهو أنا نرى كثيراً من المرتكبين للفحشاء والمنكر يصلون ولا ينتهون عن ذلك، فإن نهيها إياهم عن الفحشاء والمنكر بهذا المعنى لا يستلزم انتهاءهم، ألا ترى أن الله تعالى ينهى عن ذلك أيضاً كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى }تفسير : [النحل: 90] والناس لا ينتهون وليس نهي الصلاة بأعظم من نهيه سبحانه وتعالى، فإذا لم يكن هناك استلزام فكيف يكون هنا. وما أرى هذا الإشكال إلا مبنياً على توهم استلزام النهي للانتهاء، وهو توهم باطل وتخيل عاطل لا يشهد له عقل ولا يؤيده نقل. ونقل أبو حيان عن ابن عباس والكلبـي وابن جريج وحماد بن أبـي سليمان أن الصلاة تنهى عن ذلك ما دام المصلي فيها، وكأنهم أرادوا أنها كالناهية للمصلي القائلة له لا تفعل ذلك ما دام فيها لأنه إذا فرغ منها فقد انقطعت الأقوال والأفعال التي كان النهي بما تدل عليه من العظمة والكبرياء. ونقل عن القطب أنه قال في جواب الإشكال: إن الصلاة تقام لذكر الله تعالى كما قال عز من قائل: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِى }تفسير : [طه: 14] ومن كان ذاكراً لله عز وجل منعه ذلك عن / الإتيان بما يكرهه منه تعالى مما قل أو كثر وكل من تراه يصلي ويأتي الفحشاء والمنكر فهو بحيث لو لم يكن يصلي لكان أشد اتياناً فقد أثرت الصلاة في تقليل فحشائه ومنكره، وهو كما ترى، وقيل: إن المراد أن الصلاة سبب للانتهاء عن ذلك، وليس هذا كلياً لما أن الصلاة في حكم النكرة وهي في الإثبات لا يجب أن تعم فينحل الإشكال، وعلى ما قلنا لا يضر دعوى الكلية. نعم النهي الذي ذكرناه يتفاوت بحسب تفاوت أداء الصلاة فهو في صلاة أديت على أتم ما يكون من الخشوع والتدبر لما يتلى فيها مع الاتيان بفروضها وواجباتها وسننها وآدابها على أحسن أحوالها أتم، وقد يضعف النهي فيها حتى كأنها لا تنهى كما في الصلاة التي تؤدى مع الغفلة التامة والإخلال بما يليق فيها وهي الصلاة المردودة التي تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمى بها وجه صاحبها فتقول له: ضيعك الله تعالى كما ضيعتني، وكأن مراد القائل: إن المراد بالصلاة التي تنهى عما ذكر هي الصلاة المقبولة هو هذا. وقد يجعل الانتهاء علامة القبول. روى بعض الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أحب أن يعلم قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» تفسير : وفي لفظ «حديث : لم يزدد بها من الله تعالى إلا بعداً» تفسير : وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً. وأخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: إن فلاناً يطيل الصلاة فقال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها ثم قرأ {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} وقد يتفق لمن يكثر الصلاة أن تقع بعض صلاته على الوجه اللائق فتقبل لطفاً من الله تعالى وكرماً، ويظهر أثر ذلك بالانتهاء عن المعاصي، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد وابن حبان والبيهقي حديث : عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال سينهاه ما تقول» تفسير : وأصرح منه فيما ذكرنا ما روي حديث : أن فتى من الأنصار كان يصلي مع النبـي صلى الله عليه وسلم الصلاة ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث إلا أن تابتفسير : . إلا أن ابن حجر ذكر فيه أنه لم يجده في كتب الحديث. ثم إن حمل الصلاة في الآية على الصلاة المعروفة هو الظاهر المؤيد بالآثار والأخبار الصحيحية، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن المراد بها هنا القرآن، وقال ابن بحر: إن المراد بها الدعاء أي أقم الدعاء إلى أمر الله تعالى إن الدعاء إلى أمره سبحانه ينهى عن الفحشاء والمنكر، وكل منهما عدول عن الظاهر من غير داع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس أنه كان يقرأ {إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر}. {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } قال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو قرة ومجاهد وعطية: المعنى لذكر الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه سبحانه، وفي لفظ لذكر الله تعالى العبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى، وعن ابن عباس أنه قال ذلك ثم قرأ {أية : ٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ }تفسير : [البقرة: 152]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبـي مالك أنه قال: ذِكْرُ الله تعالى العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، فذكر مصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف وكذا المفضل عليه وهو خاص على ما سمعت، وجوز / أن يكون عاماً أي أكبر من كل شيء، وقيل: المعنى ولذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة، وقيل: أي ولذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من ذكره إياه سبحانه خارج الصلاة، وقيل: أي ولذكر العبد لله تعالى أكبر من سائر أعماله، وروي عن جماعة من السلف ما يقتضيه. أخرج أحمد في «الزهد» وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال: «ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله تعالى قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن الله تعالى يقول في كتابه {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير عن أبـي الدرداء قال: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأسماها في درجاتكم وخير من أن تغزوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم وخير من إعطاء الدنانير والدراهم قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال ذكر الله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }». وأخرج ابن جرير عن سلمان أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن؟ {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } لا شيء أفضل من ذكر الله، ونسب في «البحر» إلى أبـي الدرداء وسلمان رضي الله تعالى عنهما القول الذي ذكرناه أولاً عمن سمعت، ولعل ذلك إحدى روايتين عنهما، وجاء عن ابن عباس أيضاً رواية تشعر بأن المراد بذكر الله تعالى ذكر العبد له سبحانه. أخرج سعيد بن منصور وابن أبـي شيبة وابن المنذر والحاكم في «الكنى» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عنترة قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر وما قعد قوم في بيت من بيوت الله تعالى يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره وما سلك رجل طريقاً يلتمس فيه العلم إلا سهل الله تعالى له طريقاً إلى الجنة. وقيل: المراد بذكر الله الصلاة كما في قوله تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الجمعة: 9] أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات وإنما عبر عنها به للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات، وقيل: المعنى ولذكر الله تعالى عند الفحشاء والمنكر، وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر في الزجر من الصلاة، {فَذَكّرْ } على هذه الأقوال مصدر مضاف للمفعول والمفضل عليه محذوف، وجوز أن لا يكون أفعل للتفضيل سواء كانت إضافة المصدر للفاعل أم للمفعول كما في الله أكبر. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من الخير والطاعة فيجازيكم بذلك أحسن المجازاة، وقال أبو حيان: {يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من الخير والشر فيجازيكم بحسبه ففيه وعد ووعيد وحث على المراقبة.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن ضرب الله للناس المثل بالأمم السالفة جاء بالحجة المبيّنة فساد معتقد المشركين، ونوه بصحة عقائد المؤمنين بمنتهى البيان الذي ليس وراءه مطلب أقبل على رسوله بالخطاب الذي يزيد تثبيته على نشر الدعوة وملازمة الشرائع وإعلان كلمة الله بذلك، وما فيه زيادة صلاح المؤمنين الذين انتفعوا بدلائل الوحدانية. وما الرسول عليه الصلاة والسلام إلا قدوة للمؤمنين وسيّدهم فأمره أمر لهم كما دل عليه التذييل بقوله {والله يعلم ما تصنعون} بصيغة جمع المخاطبين كقوله {أية : فاستقم كما أُمِرتَ ومن تاب معك}تفسير : [ هود: 112] فأمره بتلاوة القرآن إذ ما فرط فيه من شيء من الإرشاد. وحذف متعلق فعل {اتْلُ} ليعم التلاوة على المسلمين وعلى المشركين. وهذا كقوله تعالى {إنما أُمرتُ أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرّمها} إلى قوله {أية : وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين}تفسير : [النمل: 92]. وأمره بإقامة الصلاة لأن الصلاة عمل عظيم، وهذا الأمر يشمل الأمة فقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة. وعلل الأمر بإقامة الصلاة بالإشارة إلى ما فيها من الصلاح النفساني فقال {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، فموقع {إن} هنا موقع فاء التعليل ولا شك أن هذا التعليل موجّه إلى الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الفحشاء والمنكر فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون تعليل الأمر بتلاوة القرآن لما في هذا الصلاح الذي جعله الله في الصلاة من سِرّ إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه تعالى؛ فأخبر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمقصود أنها تنهى المصلي. وإذ قد كانت حقيقة النهي غير قائمة بالصلاة تعيّن أن فعل {تنهى} مستعمل في معنى مجازي بعلاقة أو مشابهة. والمقصود: أن الصلاة تيسر للمصلي ترك الفحشاء والمنكر. وليس المعنى أن الصلاة صارفة المصلي عن أن يرتكب الفحشاء والمنكر فإن المشاهد يخالفه إذ كم من مصلّ يقيم صلاته ويقترف بعض الفحشاء والمنكر. كما أنه ليس يصح أن يكون المراد أنها تصرف المصلي عن الفحشاء والمنكر ما دام متلبساً بأداء الصلاة لقلة جدوى هذا المعنى. فإن أكثر الأعمال يصرف المشتغل به عن الاشتغال بغيره. وإذ كانت الآية مسوقة للتنويه بالصلاة وبيان مزيتها في الدين تعين أن يكون المراد أن الصلاة تُحذر من الفحشاء والمنكر تحذيراً هو من خصائصها. وللمفسرين طرائق في تعليل ذلك منها ما قاله بعضهم: إن المراد به ما للصلاة من ثواب عند الله، فإن ذلك غرض آخر وليس منصباً إلى ترك الفحشاء والمنكر ولكنه من وسائل توفير الحسنات لعلها أن تغمر السيئات، فيتعين لتفسير هذه الآية تفسيراً مقبولاً أن نعتبر حكمها عاماً في كل صلاة فلا يختص بصلوات الأبرار، وبذلك تسقط عدة وجوه مما فسروا به الآية. قال ابن عطية: «وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات صلحت بذلك نفسه وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأفعاله وانتهى عن الفحشاء والمنكر» اهــــ. وفيه اعتبار قيود في الصلاة لا تناسب التعميم وإن كانت من شأن الصلاة التي يحق أن يلقنها المسلمون في ابتداء تلقينهم قواعد الإسلام. والوجه عندي في معنى الآية: أن يُحمل فعل {تنهى} على المجاز الأقرب إلى الحقيقة وهو تشبيه ما تشتمل عليه الصلاة بالنهي، وتشبيه الصلاة في اشتمالها عليه بالناهي، ووجه الشبه أن الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله. وهذا كما يقال: صديقك مرآة ترى فيها عيوبك. ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه فذلك صدّ عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه. وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتُجتنب نواهيه. فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله قال {تنهى عن الفحشاء والمنكر} ولم يقل تَصُدّ وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر. ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها. ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: «حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: سينهاه ما تقول» تفسير : أي صلاته بالليل. واعلم أن التعريف في قوله {الفحشاء والمنكر} تعريف الجنس فكلما تذكر المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر. و {الفحشاء}: اسم للفاحشة، والفُحش: تجاوز الحد المقبول. فالمراد من الفاحشة: الفعلة المتجاوزة ما يُقبل بين الناس. وتقدم في قوله تعالى {أية : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء}تفسير : في سورة [البقرة: 169]. والمقصود هنا من الفاحشة: تجاوز الحد المأذون فيه شرعاً من القول والفعل، وبالمنكر: ما ينكره الشرع ولا يرضى بوقوعه. وكأنّ الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه. وقوله {وَلَذِكْرُ الله أكبر} يجوز أن يكون عطفاً على جملة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} فيكون عطف علة على علة، ويكون المراد بذكر الله هو الصلاة كما في قوله تعالى {أية : فاسعوا إلى ذكر الله}تفسير : [ الجمعة: 9] أي صلاة الجمعة. ويكون العدول عن لفظ الصلاة الذي هو كالاسم لها إلى التعبير عنها بطريق الإضافة للإيماء إلى تعليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي إنما كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر لأنها ذكر الله وذكر الله أمرٌ كبير، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة مقصود به قوة الوصف كما في قولنا: الله أكبر، لا تريد أنه أكبر من كبير آخر. ويجوز أن يكون عطفاً على جملة {اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب}. والمعنى: واذكر الله فإن ذكر الله أمر عظيم، فيصح أن يكون المراد من الذكر تذكُّر عظمة الله تعالى. ويجوز أن يكون المراد ذكر الله باللسان ليعمّ ذكر الله في الصلاة وغيرها. واسم التفضيل أيضاً مسلوب المفاضلة ويكون في معنى قول معاذ بن جبل «ما عَمِل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله». ويجوز أن يكون المراد بالذكر تذكر ما أمر الله به ونهى عنه، أي مراقبة الله تعالى وحذر غضبه، فالتفضيل على بابه، أي ولذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة في ذلك النهي، وذلك لإمكان تكرار هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة فيكون قريباً من قول عمر رضي الله عنه: أفضل من شكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه. ولك أن تقول: ذكر الله هو الإيمان بوجوده وبأنه واحد. فلما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأراد أمر المؤمنين بعملين عظيمين من البر أردفه بأن الإيمان بالله هو أعظم من ذلك إذ هو الأصل كقوله تعالى {أية : فكُّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 13 ــــ 17]. وذلك من ردّ العجز على الصدر عاد به إلى تعظيم أمر التوحيد وتفظيع الشرك من قوله {أية : إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء}تفسير : [العنكبوت: 42] إلى هنا. وقوله {والله يعلم ما تصنعون} تذييل لما قبله، وهو وعد ووعيد باعتبار ما اشتمل عليه قوله {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة} وقوله {تنهى عن الفحشاء والمنكر}. والصنع: العمل.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} تفسير : [الكهف: 27] الآية. قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} تفسير : [البقرة: 45].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {ٱلصَّلاَةَ} (45) - يَأْمُرُ اللهُ تَعالى المُؤمنينَ، وَهُوَ يُوَجِّهُ خِطَابَهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، بِتَلاَوَةِ القُرآنِ، وإِقَامَةِ الصَّلاةِ، فَقَالَ تَعَالى: وَأدِمْ تِلاَوَةَ القُرآنِ تَقَرُّباً إِلى اللهِ تَعَالى بِتلاَوتِهِ، وَتَذكُّراً لمَا فيهِ منَ الأَسْرَارِ والفَوائِدِ، واعْمَلْ بمَا فيهِ مِنَ الأوامرِ والآداب وَمَحاسِنِ الأخْلاَقِ، وأقِمِ الصَّلاةَ، وأدِّهَا عَلَى الوَجهِ الأكمْلِ بخُشُوعِها وَرُكُوعِها وسُجُودِهَا، لأَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ تَمَّتْ عَلَى الوَجهِ الأكْمَلِ كَانَتْ لَها فَائِدَتَانِ: - أَنها تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ وَتَحْمِلُ المُؤْمِنَ عَلى مُجَانَبَتِها، وَتركِها لِمُنَافَاةِ الصَّلاةِ لفِعْلِ الفَاحِشَةِ والمُنكَرِ والبَغْيِ. - وفِيها فَائِدَةٌ أَعْظَمُ، أَلا وهي ذِكرُ اللهِ لِعِبَادِهِ الذينَ يذكُرُونَهُ، ويُؤَدُّونَ الصّلاةَ بشُرُوطِها، ويُسَبِّحُونه ويَحْمَدُونَهُ، واللهُ تَعَالى يَعلَمُ ما تَفْعَلُونَ مِنْ خَيرٍ وشَرٍ، وهوَ مُجَازِيكُمْ بهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر الله تعالى بعض مواكب الرسل في إبراهيم وفي موسى ونوح وصالح وهود ولوط وفي شعيب، ثم تكلَّم سبحانه عن الذين كذبوا هؤلاء الرسل {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ..} تفسير : [العنكبوت: 40] أراد سبحانه أن يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يزعجه، ولا يرهقه، أو يتعب نفسه موقف الكافرين به الذين يصدون عن سبيل الله، ويقفون من الدعوة موقف العداء. فقال له مُسلِّياً: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ..} [العنكبوت: 45] يعني: لِمَ تحزن يا محمد ومعك الأُنْس كله، الأُنْس الذي لا ينقضي، وهو كتاب الله ومعجزته التي أنزلها إليك، فاشتغل به، فمع كل تلاوة له ستجد سكناً إلى ربك. وإذا كان هؤلاء الذين عاصروك لم يؤمنوا به، ولم يلتفتوا إلى مواطن الإعجاز فيه فداوم أنت على تلاوته عَلَّ الله يأتي من هؤلاء بذرية تصفو قلوبهم لاستقبال إرسال السماء، فيؤمنون بما جحده هؤلاء، والأمر بالتلاوة لبقاء المعجزة. {ٱتْلُ ..} [العنكبوت: 45] اقرأ ولا تعجز ولا تيأس، فالقرآن سلوة لنفسك؛ لأن الذي يرسل رسولاً من البشر بشيء أو في أمر من الأمور، ثم يكذب يرجع إلى مَنْ أرسله، فما دام قومك قد كذَّبوك، فارجع إليَّ بأن تستمع إلى كتابي الذي أنزلتُه معجزة لك تؤيدك، وانتظر قوماً يأتون يسمعون منك كلام الله، فيصادف منهم قلوباً صافية، فيؤمنون به. وفَرْق بين الفاعل والقابل، والقرآن يُوضِّح هذه المسألة، فمن الناس مَنْ إذا سمعوا القرآن تخشع له قلوبهم، وتقشعر جلودهم، ومنهم مَنْ إذا سمعوه قالوا على سبيل الاستهزاء {أية : مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16] تهويناً من شأن القرآن، ومن شأن رسول الله. ثم يقرر القرآن هذه الحقيقة: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فالعبرة في صفاء الاستقبال لأن الإرسال واحد، وهل تتهم الإذاعة إنْ كان جهار (الراديو) عندك معطلاً، لا يستقبل إرسالها؟ كذلك مَنْ أراد أن يستقبل إرسال السماء فعليه أنْ يُعِد الأذن الواعية والقلب الصافي غير المشوش بما يخالف إرسال السماء، عليك أنْ تُخرِج ما في نفسك أولاً من أضداد للقرآن، ثم تستقبل كلام الله وتنفعل به. وسبق أنْ مثَّلْنا لاختلاف المنفعل للفعل بمَنْ ينفخ في يده وقت البرد بقصد التدفئة، وبمَنْ ينفخ بنفَسه في الشاي مثلاً ليبرده، فهذه للحرارة، وهذه للبرودة، الفعل واحد، لكن المنفعل مختلف. فقوله تعالى: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ..} [العنكبوت: 45] هذه هي مَيْزة معجزتك يا محمد أنك تستطيع أنْ تكرِّرها في كل وقت، وأن تتلوها كما تشاء، وأن يتلوها بعدك مَنْ سمعها، وستظل تتردد إلى يوم القيامة. أما معجزات الرسل السابقين فكانت خاصة بمَنْ شاهد المعجزة، فإذا مات مَنْ شهدها فلا يعرفها أحد بعدهم حتى لو كان معاصراً لها ولم يَرَهَا، فالذين عاصروا مثلاً انقلاب عصا موسى حية ولم يشاهدوا هذا الموقف، ماذا عندهم من هذه المعجزة؟ لا شيء إلا أننا نُصدِّقها ونؤمن بها؛ لأن القرآن أخبرنا بها. إذن: فمعجزات السابقين تأتي كلقطة واحدة أشبه ما تكون بعود الكبريت الذي يشتعل مرة واحدة، رآها مَنْ رآها وتنتهي المسألة، ولكن القرآن حدثنا بكل معجزات الرسل السابقين فانظر إذن ما أصاب الرسل جميعاً من خيرات سيدنا رسول الله، وكيف خَلَّد القرآن ذكرهم، وامتدت معجزاتهم بامتداد معجزته. فكأن القرآن أسدى الجميل إلى كل الرسل، وإلى كل المعجزات؛ لذلك قال تعالى عن القرآن: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ..} تفسير : [المائدة: 48]. ثم يقول سبحانه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [العنكبوت: 45] ومعلوم أن اتْلُ: التلاوة قَوْل من فعل اللسان و {وَأَقِمِ ..} [العنكبوت: 45] من فعل الجوارح، والإنسان له جوارح متعددة اشتهر منها خمس هي: العين للإبصار، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، والأنامل للَّمس. فقالوا على سبيل الاحتياط: الجوارح الخمسة الظاهرة وقد ظهر فعلاً مع تقدُّم العلوم اكتشفوا في الإنسان حواسَّ أخرى ووسائلَ إدراك لم تُعرف من قبل، كحاسة العضل التي تزن بها ثقل الأشياء، وإلا فبأيِّ حاسة من حواسِّك الخمسة تعرف الثقل قبل أن ترفع الشيء من على الأرض؟ وكحاسة البَيْن، والتي بها تستطيع أنْ تُميِّز بين سُمْك الأشياء بين أناملك، فحين تذهب مثلاً إلى تاجر الأقمشة، فتتناول القماش بين أناملك و (تفركه) برفق، فتستطيع أن تعرف أن هذا أَسْمَك من هذا. ومن عجيب الأمر في مسألة الجوارح أن يأخذ اللسان شطر الجوارح كلها، ففعل الحواس الخمسة يسمى عملاً، والعمل ينقسم: إما قول، وإما فعل. فكل تحريك لجارحة لتؤدي مهمة يسمى عملاً، لكن عمل اللسان يسمى قولاً، أما من بقية الجوارح فيسمى فعلاً. فأخذ اللسان هذه المكانة؛ لأن به الإنذار من الحق، وبه التبشير، وبه البلاغ من الرسول؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]. ولم يقل: ما لا تعملون. لأن القول يقابله الفعل، وهُما معاً عمل، والعمل بنية القلب. لكن، لماذا اختار الصلاة من بين أعمال الجوارح؟ قالوا: لأنها قمة العمل كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة عماد الدين" تفسير : وبها نُفرِّق بين المؤمن والكافر. ويبقى السؤال: لماذا أخذتْ الصلاة هذه المكانة من بين أركان الإسلام؟ ونحب أنْ نشير هنا إلى أن خصوم الإسلام وبعض أهله الذين يخافون من بعثه أنْ يقضي على سلطتهم وطُغْيانهم وجبروتهم يريدون حَصْر الإسلام في أركانه الخمسة، فإنْ قُلْت بهذه المقولة لا يتعرضون لك، وأنت حر في إطار أركان الإسلام هذه، لكن إياك أن تقول: إن الإسلام جاء ليُنظِّم حركة الحياة؛ لأن حظهم في حَصْر الإسلام في أركانه فقط. وما فَهم هؤلاء أن الأركان ليست هي كل الإسلام، إنما هي أسُسه وقواعده التي يقوم عليها بناؤه، لكنهم يريدون أنْ يعزلوا الإسلام عن حركة الحياة. فنقول لهم: نعم، هذه أركان الإسلام، أمَّا الإسلام فيشمل كل شيء في حياتنا، بداية من قمة العقيدة في قولنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق؛ لأن الإسلام دين يستوعب كل أقضية الحياة، كيف لا وهو يُعلِّمنا أبسط الأشياء في حياتنا. ألاَ تراه يهتم بأحكام قضاء الحاجة ودخول الخلاء، وما يتعلق به من آداب وأحكام؟ أَلاَ ترى أن صاحب الحِسْبة المكلَّف بمراقبة الأسواق، وتنفيذ أحكام منهج الله في الأرض إذا رأى جزاراً ينفخ ذبيحته بفمه يقوم بإعدام هذه الذبيحة؛ لأن الهواء المستخدم في نفخها هواء غير صحي، فهو زفير مُحمَّل بثاني أكسيد الكربون، وقد يحمل غازات أخرى ضارة لا بُدَّ أنْ تنتقل إلى لحم الذبيحة؟ كما أن من مهمته أن يمر بالحلاقين، ويتفقد مدى نظافتهم وسلامتهم من الأمراض، وإذا اشتم من أحدهم رائحة ثوم أو بصل مثلاً أمره بإغلاق محله، وعدم العمل في هذا اليوم حتى لا يتأذَّى الناس برائحته. فأيُّ شرع هذا الذي يحافظ على سلامة الناس ومشاعرهم إلى هذا الحدِّ؟ إنه دين الله ومنهجه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في حركة الحياة إلا ووضع لها أحكاماً وآداباً. أمِثْل هذا الشرع يُعزل عن حركة الحياة ويُقيّد وينحصر في مسائل العبادات وحدها؟ إنك حين تنظر إلى متاعب العالم المتخلف الآن - دَعْك من العالم المتقدم - ستجد أن متاعبه اقتصادية، ولو تقصيْتَ الأسباب لوجدتها تعود إلى التخلي عن منهج الله وتعطيل أحكامه، ووالله لو أنهم أخذوا في أزمتهم الاقتصادية بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ". تفسير : لو عملوا بهذا وتأدَّبوا بأدب رسولهم لخرجوا من هذه الأزمة، وتقلَّبوا في رَغَد من العيش، إنك لو تحليْتَ بهذا الأدب في مسألة الطعام والشراب لكفتْك اللقمة واللقمتان، وأشهى الطعام ما كان بعد جوع مهما كان بسيطاً. أما الآن، فنرى الناس يلجئون إلى المشهِّيات قبل الطعام، وإلى المهضِمات بعده، لماذا؟ لأنهم خالفوا هَدْي رسولهم صلى الله عليه وسلم، فهم يأكلون على شِبَع، ويأكلون بعد الشِّبَع. والحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ..} تفسير : [الأعراف: 31] وأُثِر عن العرب الذين عاشوا في شظف من العيش: نِعمْ الإدام الجوع. نعم إنه (الغموس) الحقيقي، والمشهِّي الأول. نعود إلى مكانة الصلاة بين العبادات، ولماذا كانت هي عماد الدين، ومعنى: "حديث : الصلاة عماد الدين"تفسير : و "حديث : بُنِي الإسلام على خمس" تفسير : أن الدين أشياء أخرى، وهذه هي أُسُسه وقواعده، وحين نتتبع هذه القواعد نجد أن الركن الأول، وهو أشهد ألاّ إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله يمكن أن أقولها ولو مرة واحدة، أما الزكاة فلا تجب مثلاً على الفقير فلا يزكي، وكذلك المريض لا يصوم، والمسافر والحائض .. إلخ، وكذلك الحج غير واجب إلا على المستطيع. إذن: ما هو الركن الثابت الذي يلازم كل مسلم، ولا يسقط عنه بحال؟ إنها الصلاة؛ لذلك أخذتْ مساحة كبيرة من الوقت على مدى اليوم والليلة، وبها يكون إعلان الولاء الدائم لله تعالى، وبها تفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فإنْ رأيتَ شخصاً مثلاً لا يصوم أو لا يزكي أو لا يحج، فلك أنْ تقول ربما يكون من أصحاب الأعذار، ومن غير القادرين، لكن حين ترى شخصاً لا يُصلِّي، وقد تكرَّر منه ذلك فإنك لا بُدَّ شاكّ في إسلامه. لذلك استحقت الصلاة هذه المكانة بين سائر العبادات منذ بدايات التشريع، ألا ترى أن كل فرائض الدين شُرعت بالوحي إلا الصلاة، فقد شُرعت بالخطاب المباشر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، ولله المثل الأعلى، برئيس العمل الذي يُصدر أوامره بوسائل مختلفة حَسْب أهمية المأمور به، فقد يكتفي بأن (يُؤشر) على ورقة، وقد يُوصي بها، أو يطلب الموظف المختص فيُحدِّثه (بالتليفون)، فإنْ كان الأمر هاماً استدعاه شخصياً إلى مكتبه وكلَّفه بما يريد. وكان هذا الاستدعاء تشريفاً لسيدنا رسول الله بقرب المرسَل إليه من المرسِل، فأراد الحق - سبحانه وتعالى - ألاَّ يحرم أمه محمد فضل أسبغه على محمد فكأنه قال: مَنْ أراد من عبادي أنْ يقرب مني كما قرب محمد فكان قاب قوسين أو أدنى فليُصلِّ. ومعنى {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [العنكبوت: 45] إقامة الشيء: أداؤه على الوجه الأكمل الذي يؤدي غايته، فالصلاة المطلوبة هي الصلاة المستوفاة الشروط والتي تقيمها كما يريدها مُشرِّعها {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ..} [العنكبوت: 45]. والصلاة إذا استوفتْ شروطها نهتْ صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإذا رأيتَ صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنها ناقصة عما أراده الله لإقامتها، وعلى قَدْر النقص تكون ثمرة الصلاة في سلوك صاحبها، وكأن وقوعك في بعض الفحشاء وفي بعض المنكر يُعَدُّ مؤشراً دقيقاً لمدى إتقانك لصلاتك وحرصك على تمامها وإقامتها. ومعنى {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ..} [العنكبوت: 45] واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له:حديث : يا رسول الله، إن فلاناً يصلي، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فقال: "دعوه، فإن صلاته تنهاه" . تفسير : فالمعنى هنا أن الأمر ليس أمراً كونياً ثابتاً لا يتخلف، بل هو أمر تشريعي عُرْضة لأنْ يُطاع، وعُرْضة لأنْ يُعصى، فلو كان الأمر كونياً ما جرؤ صاحب صلاة عل الفحشاء والمنكر، ومثال ذلك أن أقول مثلاً لأولادي قبل أن أموت: يا أولادي، هذا بيت يكرم مَنْ يدخله. كلام على سبيل الخبر ولم أقل: أكرموا مَنْ يدخله، فالذي يحترم وصيتي منهم يكرم مَنْ يدخل بيتي من بعدي، والذي لا يحترم الوصية لا يُكرم مَنْ يدخله. أما لو قلت: أكرموا مَنْ يدخل هذا البيت فقد ألزمتَ الجميع بالإكرام. وأوضح من هذا قوله تعالى في شأن المسجد الحرام: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97] فلما حدث أن اقتحمه بعض أصحاب الأهواء، وأطلقوا النار في ساحاته، وقتلوا فيه الآمنين قامتْ ضجة كبيرة تُشكِّك في هذه الآية: كيف يحدث هذا والله يقول {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97] فأقاموا هذه الأحداث دليلاً على كذب الآية والعياذ بالله. وهذا المسلك منهم يأتي عن عدم فهم لمعنى الأمر الكوني والأمر التشريعي، فقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97] أمر تشريعي قابلٌ لأنْ يُطاع، ولأنْ يُعصى، كأن الحق - سبحانه وتعالى - قال: أمِّنُوا مَنْ دخل البيت، فبعض الناس امتثل للأمر، فأمَّن مَنْ في البيت الحرام، وبعضهم عصى فروَّع الناس، وقتلهم في ساحته، ولو كان أمراً كونياً ما تخلَّف أبداً كما لم تتخلف الشمس مثلاً يوماً من الأيام. وكذلك الأمر في {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ..} [العنكبوت: 45] فالصلاة تشريع من الله، فإذا كان الله تعالى هو المشرِّع، وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَر ..} تفسير : [النحل: 90] يعني: لا يوجد معها فحشاء ولا منكر، وهذا أيضاً صحيح؛ لأنني حين أدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام فإن هذه التكبيرة تحرم عليَّ كل ما كان حلالاً لي قبل الصلاة، ففي الصلاة مثلاً لا آكل ولا أشرب ولا أتحرك، مع أن هذه المسائل كانت حلالاً قبل الصلاة، فما بالك بما كان حراماً عليك أصلاً قبل الصلاة؟ إذن: فهو حرام من باب أَوْلَى. فالصلاة بهذا المعنى تمنعك من الفحشاء والمنكر في وقتها؛ لأن تكبيرة الإحرام (الله أكبر) تعني أن الله أكبر من كل شيء في الوجود حتى من شهوات النفس ونزواتها، وإلاَّ فكيف تقيم نفسك بين يدي ربك، ثم تخالف منهجه؟ فالصلاة بهذا المعنى تنهى على حقيقتها عن الفحشاء والمنكر. ومعنى (الفَحْشَاء) كل ما يُسْتفحش من الأقوال والأفعال (والمنكَر) كل شيء يُنكره الطبع السليم {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} [العنكبوت: 45] ذكر: مصدر، والمصدر يُضاف للفاعل مثل: أعجبني ضَرْب الأمير لزيد، ويُضاف للمفعول مثل: أعجبني ضَرْب زيد من الأمير، فحين تقول ذكر الله يصح أن يكون المعنى: ذِكْر صادر من الله، أو ذِكْر صادر من العبد لله. فإنْ قلتَ: ذِكْر صادر من الله، أي للمصلِّي، فحين يصلي الإنسان، ويذكر الله بالكبرياء في قوله الله أكبر ويُنزِّهه بقول سبحان الله، ويسجد له سبحانه ويخضع، فقد فعلتَ إذن فِعْلاً ذكرتَ الله فيه ذِكْراً بالقول والفعل، والله تعالى يجازيك بذكرك له بأن يذكرك، فالذكر ذكر من الله لمن ذكره في صلاته. ولا شكَّ أن ذكر الله لك أكبر، وأعظم من ذِكْرك له سبحانه؛ لأنك ذكرتَ الله منذ بلوغك إلى أن تموت، أما هو سبحانه فسيعطيك بذكرك له منازل عالية لا نهايةَ لها في يوم لا تموت فيه ولا تنقطع عنك نِعَمه وآلاؤه، فالمعنى: ولذِكر الله لك بالثواب والرحمة أكبر من ذِكْركَ له بالطاعة. هذا على معنى أن الذكر صادر من الله للعبد. المعنى الآخر أن يكون الذكْر صادراً من العبد لله، يعني: ولذكْر الله خارج الصلاة أكبر من ذِكْر الله في الصلاة، كيف؟ قالوا: لأنك في الصلاة تُعِد نفسك لها بالوضوء، وتتهيأ لها لتكون في حضرة ربك بعد تكبيرة الإحرام، فإذا ما انتهتْ الصلاة وخرجتَ منها إلى حركة الحياة فذِكْرك لله وأنت بعيد عن حضرته وأنت مشغول بحركة حياتك أعظم وأكبر من ذِكْرك في الحضرة. ومثال ذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - مَنْ يمدح الأمير ويُثني عليه في حضرته، ومَنْ يمدحه في غيبته، فأيُّهما أحلى، وأيُّهما أبلغ وأصدق في الذكْر؟ واقرأ في ذلك قوله تعالى عن صلاة الجمعة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. يعني: ذِكْر الله في الصلاة، ولا تظنوا أن الذكْر قاصر على الصلاة فقط إنما: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [الجمعة: 10] فيجب ألاَّ يغيب ذِكْر الله عن بالك أبداً؛ لأن ذِكْرك لربك خارج الصلاة أكبر من ذِكْرك له سبحانه في الصلاة. ورُوِي عن عطاء بن السائب أن ابن عباس سأل عبد الله بن ربيعة: ما تقول في قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} [العنكبوت: 45]؟ فقال: قراءة القرآن حَسَن، والصلاة حسن، وتسبيح الله حسن، وتحميده حسن، وتكبيره حسن, والتهليل له حسن. لكن أحسن من ذلك أن يكون ذِكْر الله عند طروق المعصية على الإنسان، فيذكر ربه، فيمتنع عن معصيته. فماذا قال ابن عباس - مع أن هذا القول مخالف لقوله في الآية -؟ قال: عجيب والله، فأعجب بقول ابن ربيعة، وبارك فهمه للآية، ولم ينكر عليه اجتهاده؛ لأن الإنسانَ طبيعي أن يذكر الله في حال الطاعة، فهو متهيئ للذكْر، أما أنْ يذكره حال المعصية فيرتدع عنها، فهذا أقْوى وأبلغ، وهذا أكبر كما قال سبحانه {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} [العنكبوت: 45]. لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : سبعة يظلهم الله في ظِلِّه، يوم لا ظِلَّ إلا ظله - ومنهم: ورجل دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" تفسير : هذا هو ذِكْر الله الأكبر؛ لأن الدواعي دواعي معصية، فيحتاج الأمر إلى مجاهدة تُحوِّل المعصية إلى طاعة. أما قول ابن عباس في {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} [العنكبوت: 45] أن ذِكْر ربكم لكم بالثواب والرحمة أكبر من ذِكْركم له بالطاعة. وحيثيات هذا القول أن ربك - عز وجل - لم يُكلِّفك إلا بعد سِنِّ البلوغ، وتركك تربَع في نعمه خمسة عشر عاماً دون أنْ يُكلفك، ثم يُوالي عليك نِعَمه، ولا يقطع عنك مدده حتى لو انصرفتَ عن منهجه، بل حتى لو كفرتَ به لا يقبض عنك يد عطائه ونعمه. إذن: فذِكْر الله لك بالخَلْق من عدم، والإمداد من عُدم، وموالاة نِعَمه عليك أكبر من ذِكْرك له بالطاعة، وقد ذكرك سبحانه قبل أنْ يُكلِّفك أَن تذكره. كما أن ذكركم له سبحانه بالطاعة في الدنيا موقوت، أما ذِكْره لكم بالثواب والجزاء والرحمة في الآخرة فممتد لا ينقطع أبداً. ثم تختم الآية بقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] هذه الكلمة نأخذها على أنها بشارة للمؤمن، ونذارة للكافر، كما تقول للتلاميذ يوم الامتحان: سينجح المجتهد منكم، فهي بشارة للمجتهد، وإنذار للمهمِل، فالجملة واحدة، والإنسان هو الذي يضع نفسه في أيهما يشاء. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهو هذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله، داخلة في تلاوة الكتاب. فيكون قوله: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ } من باب عطف الخاص على العام، لفضل الصلاة وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }. والفحشاء: كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس. والمنكر: كل معصية تنكرها العقول والفطر. ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها. وثَمَّ في الصلاة مقصود أعظم من هذا وأكبر، وهو ما اشتملت عليه من ذكر اللّه، بالقلب واللسان والبدن. فإن اللّه تعالى، إنما خلق الخلق لعبادته، وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها، ما ليس في غيرها، ولهذا قال: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ }. ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها، أخبر أن ذكره تعالى خارج الصلاة أكبر من الصلاة، كما هو قول جمهور المفسرين، لكن الأول أولى، لأن الصلاة أفضل من الذكر خارجها، ولأنها -كما تقدم- بنفسها من أكبر الذكر. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من خير وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 758 : 2 : 1 - سفين عن عطاء بن السايب عن عبد الله بن ربيعة قال، سألني بن عباس في قوله {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} فقلت، التكبير والتهليل والتحميد. فقال بن عباس، فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. [الآية 45].
همام الصنعاني
تفسير : 2250- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}: [الآية: 45]، مَا كَانَ فيها، وذكرُ الله الناس أكبر من كل شيء. 2251- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: ليس شيء أفضل من ذكر الله. 2252- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسيب قال، قال معاذ بن جبل: لأن أذكر الله من بكرة حتى الليل أحب إليَّ مِنْ أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، من بكرة حتى اللَّيْلِ. 2253- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أُخْبِرْنا عمن سمع الحسن يُحَدِّثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : من لم تنهه صلاَته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد به من الله إلاَّ بعداً، ولم يزدد بها عند الله إلاَّ مقتاً ". تفسير : 2254- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن إسماعيل، عن الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}: [الآية: 45]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ صلَّى صَلاَةً لم تنهه عن الفحشاءِ والمنكر، لم يزدد بها مِنَ الله إلاَّ بُعْداً ". تفسير : 2255- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْريّ، عن الأعمش، عن أبي خالد، قال، قال ابن مسعود: لا تنفع الصلاة إلا لمن أطاعها. 2256- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْريّ، عن عطاء بن السَّائب، عن عبد الله بن ربيعة، عن ابن عباس، قال: سألني عن هذه الآية: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}: [الآية: 45]، قال، قلت: التكبير والتسبيح، فقال ابن عباس: ذِكْرُ الله إياكم أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ إيَّاهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):