٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين الله طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس ممن امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال: {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } قال بعض المفسرين المراد منه لا تجادلوهم بالسيف، وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا، أي إذا ظلموا زائداً على كفرهم، وفيه معنى ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه، ولهذا قال تعالى في حقهم { أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } تفسير : [البقرة: 18] وقال: { أية : لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولهم آذان لا يسمعون بها } تفسير : [الأعراف: 179] إلى غير ذلك. وأما أهل الكتاب فجاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بالنبـي عليه السلام فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب الضلال آباؤهم، بخلاف المشرك، ثم على هذا فقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تبيين له حسن آخر، وهو أن يكون المراد إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة فإنهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظالمون، لأن الشرك ظلم عظيم، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم، ثم إنه تعالى بين ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله: {وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء، ثم بعد ذلك ذكر دليلاً قياسياً فقال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا قياس، ثم قال: {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } لوجود النص ومن هؤلاء كذلك، واختلف المفسرون فقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله: {وَمِنْ هَـؤُلاء } أي من أهل مكة وقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً من أهل الكتاب، ومن هؤلاء الذين هم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب، فإن قوله: {هَـؤُلاء } صرفه إلى أهل الكتاب أولى، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين ههنا، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر، وههنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل، وأقرب إلى الأحسن من الجدال المأمور به، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله: {وَمِنْ هَـؤُلاء } أي من أهل الكتاب وهو أقرب، لأن الذين آتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء، كما قال تعالى: { أية : أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الأنعام: 89] وقال: { أية : وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } تفسير : [النساء: 163] وقال: { أية : وَءاتَانِي ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [مريم: 30] وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص، لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عدداً قليلاً، ويكون المراد بقوله: {وَمِنْ هَـؤُلاء } غير المذكورين، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم، والوقت وقت جريان ذكرهم، فإذا قال هؤلاء يكون منصرفاً إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم، وإذا قال أولئك يكون منصرفاً إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن الوجوه، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان، فلا معنى لنزاعكم فكذلك ههنا قال النبـي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بـي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا، ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنا إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تنفيراً لهم عما هم عليه، يعني أنكم آمنتم بكل شيء، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة، إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: اختلف العلماء في قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} فقال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته؛ رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة. وقوله على هذا {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} معناه ظلموكم، وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق. وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سَلام ومن آمن معه. {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بالموافقة فيما حدّثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك. وقوله على هذا التأويل: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من قريظة والنّضِير وغيرهم. والآية على هذا أيضاً محكمة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 29]. قاله قتادة {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي جعلوا لله ولداً، وقالوا: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64] و{أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 181] فهؤلاء المشركون (الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا) الجزية فانتصروا (منهم). قال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك. وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول. واختار هذا القول ابن العربي. قال مجاهد وسعيد بن جبير: وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية. الثانية: قوله تعالى: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} روى البخاريّ عن أبي هريرة: قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية، لأهل الإسلام؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم» تفسير : {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ }. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا إما أن تكذّبوا بحق وإما أن تصدّقوا بباطل»تفسير : . وفي «البخاريّ»: عن حُمَيد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذَكَرَ كعبَ الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبْلُو عليه الكذب.
ابن كثير
تفسير : قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. وقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125] الآية، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44] وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} أي حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم، قال الله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} ــــ إلى قوله ــــ {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف، قال مجاهد {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} يعني أهل الحرب، ومن امتنع منهم من أداء الجزية. وقوله تعالى: {وَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقاً، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلاً، ولكن نؤمن به إيماناً مجملاً معلقاً على شرط وهو أن يكون منزلاً لا مبدلاً ولا مؤولاً. قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» تفسير : وهذا الحديث تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمرو، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أعلم» تفسير : قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم» تفسير : . (قلت) وأبو نملة هذا هو عمارة. وقيل عمار، وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري رضي الله عنه، ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحاً. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان عن سليمان بن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبيد الله ــــ هو ابن مسعود ــــ قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم. وقال البخاري: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. (قلت) معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد، لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله عز وجل، ومن منحه الله تعالى علماً بذلك كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تُجَٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى } أي: المجادلة التي {هِىَ أَحْسَنُ } كالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بأن حاربوا وأبوا أن يقرّوا بالجزية، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية {وَقُولُواْ } لمن قَبِلَ الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم { ءَامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ } ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك {وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مطيعون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلأَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قول لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: الكف عنهم عند بذل الجزية منهم وقتالهم إن أبوا، قاله مجاهد. الثالث: أنهم إن قالوا شراً فقولوا لهم خيراً، رواه ابن أبي نجيح. ويحتمل تأويلاً رابعاً: وهو أن يحتج لشريعة الإٍسلام ولا يذم ما تقدمها من الشرائع. {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرب، قاله مجاهد. الثاني: من منع الجزية منهم، رواه خصيف. الثالث: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم، قاله ابن زيد. الرابع: ظلموا في جدالهم فأغلظوا لهم، قاله ابن عيسى. واختلف في نسخ ذلك على قولين: أحدهما: أنها منسوخة؛ قاله قتادة. الثاني: أنها ثابتة. {وَقُولُواْ ءَآمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلِيْكُمْ} الآية، فروى سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأُون التوراة بالعبرانية فيفسرونها بالعربية لأهل الإٍسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ تُصَدِّقُواْ أَهْلَ الكِتابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُم {وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} إلى قوله {مُسْلِمُونَ}" تفسير : أي مخلصون وفيه قولان: أحدهما: أنه يقوله لأهل الكتاب، قاله مجاهد. الثاني: يقوله لمن آمن، قاله السدي.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور " إلا " على الاستثناء، وقرأ ابن عباس " ألا " بفتح الهمزة وتخفيف اللام، واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية، فقال ابن زيد: معناها " لا تجادلوا" من آمن بمحمد من {أهل الكتاب} فكأنه قال {أهل الكتاب} المؤمنين {إلا بالتي هي أحسن} أي الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، وقوله تعالى على هذا التأويل {إلا الذين ظلموا} يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم، والآية على هذا محكمة غير منسوخة، وقال مجاهد: المراد بـ {أهل الكتاب} اليهود والنصارى الباقون على دينهم أمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم {إلا بالتي هي أحسن} من الدعاء إلى الله تعالى والتنبيه على آياته، وأن يزال معهم عن طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا التأويل {إلا الذين ظلموا} معناه ظلموكم وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق يراد بهم من لم يؤد جزية الحرب، ومن قال وصرح بأن لله ولداً أو له شريك أو يده مغلولة، فالآية على هذا منسوخة في مهادنة من لم يحارب، قال قتادة هي منسوخة بقول الله تعالى {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} تفسير : [التوبة: 29]. قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يتوجه في معنى الآية إنما يتضح مع معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجة إلا بالحسنى دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد صلى الله عليه وسلم، وإما بإعلان كفر فاحش كقول بعضهم عزير ابن الله ونحو هذا، فإن هذه الصنيفة استثني لأهل الإسلام مقارضتها بالتغيير عليها والخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بعد بآية القتال والجزية وهذا قول قتادة وقوله تعالى: {وقولوا آمنا} الآية، قال أبو هريرة كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية فيفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم،{وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} تفسير : . وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل ".
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} قول لا إله إلا الله "ع"، أو الكف عند بذل الجزية والقتال عند منعها، أو إن قالوا شراً قلنا لهم خيراً. {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أهل الحرب، أو من منع الجزية، أو من ظلم بالإقامة على الكفر بعد ظهور الحجة، أو الذين ظلموا في جدلهم فأغلظوا لهم، منسوخة، أو محكمة. {وَقُولُواْ ءَامَنَّا} كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية للمسلمين فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم {وَقُولُواْ ءَامَنَّا} "تفسير : . الآية. {مُسْلِمُونَ} بقوله لأهل الكتاب، أو لمن آمن.
النسفي
تفسير : {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } بالخصلة التي هي أحسن للثواب وهي مقابلة الخشونة باللين والغضب بالكظم كما قال: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [المؤمنون: 96] {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا{أية : يد الله مغلولة}تفسير : أو معناه ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف. والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة، وقوله {وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } من جنس المجادلة بالأحسن. وقال عليه السلام «حديث : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقاً لم تكذبوهم»
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي ولا تخاصموهم {إلا بالتي هي أحسن} أي القرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد بهم من قبل الجزية منهم {إلا الذين ظلموا منهم} يعني أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب فافجؤوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ومعنى الآية إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر وقيل هم أهل الحرب ومن لا عهد له. وقيل الآية منسوخة بآية السيف {وقولوا} أي للذين قبلوا الجزية إذا حدثوكم بشيء مما في كتبكم {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} (خ) عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربيه لأهل الإسلام فقال النبي صلى الله عليه سلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا"تفسير : الآية. قوله عز وجل {وكذلك} أي كما أنزلنا إليهم الكتاب {أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} يعني مؤمني أهل الكتاب كعبدالله بن سلام وأصحابه {ومن هؤلاء} يعني أهل مكة {من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} وذلك أن اليهود عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي والقرآن حق فجحدوا والجحود إنما يكون بعد المعرفة {وما كنت تتلو} يا محمد {من قبله من كتاب} معناه من كتب أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب {ولا تخطه بيمينك} يعني ولا تكتبه والمعنى لم تكن تقرأ ولم تكتب قبل الوحي {إذاً لارتاب المبطلون} معناه لو كنت تكتب أو تقرأ قبل الوحي إليك لارتاب المشركون من أهل مكة، وقالوا إنه يقرأه من كتب الأولين أو ينسخه منها وقيل المبطلون هم اليهود ومعناه أنهم إذاً لشكوا فيه واتهموك وقالوا إن الذي نجد نعته في التوراة لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت {بل هو آيات بينات} يعني القرآن {في صدور الذين أوتوا العلم} يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن وقال ابن عباس يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} يعني اليهود {وقالوا} يعني كفار مكة {لولا أنزل عليه آية من ربه} أي كما أنزل على الأنبياء من قبل وقيل: أراد بالآيات معجزات الأنبياء مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ونحو ذلك {قل إنما الآيات عند الله} أي هو القادر على إنزالها إن شاء أنزلها {وإنما أنا نذير مبين} إي إنما كلفت الإنذار وليس إنزال الآيات بيدي {أولم يكفهم أنا أنزلنا} هذا جواب لقولهم لولا أنزل عليه آية من ربه قال أولم يكفهم أنا أنزلنا {عليك الكتاب يتلى عليهم} معناه أن القرآن معجزة أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء لأن معجزة القرآن تدوم على ممر الدهور والزمان ثابتة لا تضمحل كما تزول كل آية بعد كونها {إن في ذلك} يعني القرآن {لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي تذكيراً وعظة لمن آمن به وعمل صالحاً {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} قال ابن عباس معناه يشهد لي أني رسوله والقرآن كتابه ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه {يعلم ما في السموات والأرض} أي هو المطلع على أمري وأمركم ويعلم حقي وباطلكم لا تخفى عليه خافية {والذين آمنوا بالباطل} قال ابن عباس: بغير الله وقيل بعبادة الشيطان وقيل بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل {وكفروا بالله}. فإن قلت من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد. قلت نعم فائدته أن ذكر الثاني لبيان قبح الأول فهو كقول القائل أتقول الباطل وتترك الحق لبيان أن الباطل قبيح {أولئك هم الخاسرون} أي المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. قوله عز وجل {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث حيث قال {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء}تفسير : [الأَنفال: 32] {ولولا أجل مسمى} قال ابن عباس ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة وقيل مدة أعمارهم لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب وقيل يوم بدر {لجاءهم العذاب وليأتينهم} يعني العذاب، وقيل الأجل {بغتة وهم لا يشعرون} بإتيانه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. هذه الآية مَكيةٌ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ، وكانتِ اليهودُ يومئذٍ بمكة؛ وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدالٌ واحتجاجٌ في أمر الدينِ؛ وتكذيب، فأَمر اللّه المؤمنين ألا يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن؛ دعاءً إلى اللّه تعالى وملاينةً، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين؛ وحصلت منه أذية؛ فإن هذه الضيفة استُثْنِيَ لأهل الإسلام معارضَتُهَا؛ بالتغيير عليها، والخروج معها عن التي هي أحسن. ثم نُسِخَ هذا بَعْدُ بآية القتال؛ وهذا قول قتادة؛ وهو أحسن ما قيل في تأويل الآية. * ت *: قال، عز الدين بن عبد السلام في «اختصاره لقواعد الأحكام»؛ فائدة: لا يجوز الجدالُ والمناظرةُ إلا الإظهار الحقِّ ونُصْرَتِهِ؛ ليُعْرَفَ ويُعْمَلَ به، فمن جادل لذلك؛ فقد أطاع، ومن جادَلَ لغرضٍ آخر، فقد عصَىٰ وخَابَ، ولا خير فيمن يتحيَّلُ لِنُصْرَةِ مذهبه؛ مع ضعفه وبُعْدِ أدلته من الصواب، انتهى. تنبيه: رَوَى الترمذيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : الحَيَاءُ وَالْعِيُّ: شُعْبَتَانِ مِنَ الإيمَانِ، والبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النَّفَاقِ»تفسير : . ورَوَىٰ أبو داود والترمذيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنَّ اللّهَ يَبْغَضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ بِلِسَانِهَا»تفسير : حديث غريب، انتهى؛ وهما في «مصابيح البغوي». وروى أبو داودَ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكَلاَمِ لِيَسْبِيَ بِه قُلُوبَ الرِّجَالِ، أَوِ النَّاسِ ـــ لَمْ يَقْبَلِ اللّهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً»تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {وَقُولُواْ ءَامَنَّا} الآية، قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرأون التوراةَ بالعبرانيةِ؛ ويفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ»، وقُولُوا: {ءَامَنَّا بِٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}»تفسير : وَرَوَى ابنُ مسعود؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوْكُمْ؛ وَقَدْ ضَلُّوا: إمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ».تفسير : وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يريدُ: التوراة والإنجيل؛ كانوا في وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرآن. ثم أخبر عن معاصري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن منهم أيضاً مَنْ يؤمن به ولم يكونوا آمنوا بَعْدُ، ففي هذا إخبارٌ بغيب؛ بَيَّنَه الوجودُ بَعْدَ ذلك. قوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِـآيَـٰتِنَا إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ} يُشْبِهُ أَن يُرَادَ بهذا الانحناءِ كفارُ قريش. ثم بيَّن تَعَالى الحجةَ وأوضحَ البرهانَ: أَن مما يقوى أَنَّ نزولَ هذا القرآن مِن عِنْدِ اللّه؛ أن محمداً ـــ عليه السلام ـــ جاء به في غاية الإعجاز والطُّول والتَّضَمُنِ للغيوب، وغير ذلك؟ وهو أمِّيَّ؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولا يتلو كتاباً ولا يخط حروفاً؛ ولا سبيلَ له إلى التعلم، ولو كان ممن يقرأ أو يخط، لارتاب المبطلون، وكان لهم في ارتيابهم مُعَلَّق، وأما ارتيابهُم مع وضوحِ هذهِ الحجةِ؛ فظاهرٌ فسادهُ {بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ} يعني: القرآن، ويحتمل: أن يعودَ على أمرِ محمد صلى الله عليه وسلم و{ٱلظَّـٰلِمُونَ} و {ٱلْمُبْطِلُونَ} يَعُمُّ لفظهما كلَّ مكذِّبٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ عَظُمَ الإشارةَ بهما إلى قريش؛ لأنهم الأهم؛ قاله مجاهد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ. أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية. ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر. والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ:{أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 29]، وقرأ بن عباس "أَلاَ" حرف تنبيه أي فجادلوهم. قوله: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحدٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، روى أبو هريرة قال: "حديث : كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا... الآية" تفسير : وروى معمر عن الزهري حديث : أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه" ". تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا} أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) "ومِنْ هَؤُلاَءِ" يعني أهل مكة {مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} وهم مؤمنوا أهل مكة {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً. قوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ} أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب. قوله: "مِنْ كِتَابٍ" مفعول "تتلو" و "من" زائدة و "من قبله" حال من "كتاب" أو متعلق بنفس "تتلو" و "تخطّه بيمينك" أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: "إذاً لاَرْتاب" جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت. قَوْلُهُ: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} قرأ قتادة "آيَةٌ" بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ({آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}، يعني: "المؤمنين" الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ("بل هو") يعني: محمداً - صلى الله عليه وسلم - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ}. فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: "الظالمون" ومن قبل قال: الكافرون؟ فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هناك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} قال: الذين قالوا: مع الله إله أو له ولد أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير ونحن أغنياء، أو آذى محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب. وفي قوله {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} قال: لمن يقول هذا منهم. يعني من لم يقل مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقيراً، وآذى محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قال: إن قالوا شراً فقولوا خيراً {إلا الذين ظلموا منهم} فانتصروا منهم. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} قال: لا تقاتلوا إلا من قاتل ولم يعط الجزية، ومن أدى منهم الجزية فلا تقولوا لهم إلا حسناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قال: بلا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في الآية قال: {بالتي هي أحسن} قولوا {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} فهذه مجادلتهم بالتي هي أحسن. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قال: نهى عن مجادلتهم في هذه الآية. ثم نسخ ذلك فقال {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...} ولا مجادلة أشد من السيف. وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: كانت اليهود يحدثون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسبحون كأنهم يعجبون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد والبيهقي في سننه عن أبي نملة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال لجنازة: أنا أشهد أنها تتكلم. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم ". تفسير : وأخرج البيهقي في سننه وفي الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في الابانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا تسألوا هل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أنفسهم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، لتكذبوا بحق وتصدقوا بباطل. فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.
ابو السعود
تفسير : {ولاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} من اليَّهودِ والنَّصارَى {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي بالخصلة التي هي أحسنُ كمقابلةِ الخشونةِ باللِّينِ والغضبِ بالكظمِ والمشاغبةِ بالنُّصحِ والسَّورةِ بالأَناة على وجهٍ لا يدلُّ على الضَّعفِ ولا يُؤدِّي إلى إعطاءِ الدَّنيةِ وقيل: منسوخٌ بآيةِ السَّيفِ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} بالإفراطِ في الاعتداءِ والعنادِ أو بإثباتِ الولدِ وقولِهم: يدُ الله مغلولةٌ ونحوِ ذلك فإنَّه يجبُ حينئذٍ المُدَافعةُ بما يليقُ بحالِهم {وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا} من القُرآنِ {وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} أي وبالذي أُنزل إليكُم من التَّوراةِ والإنجيلِ وقد مرَّ تحقيقُ كيفيَّةِ الإيمانِ بهما في خاتمةِ سورةِ البقرةِ. وعن النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : لا تُصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تكذِّبُوهم وقولُوا آمنَّا بالله وبكتبِه ورسلِه فإنْ قالُوا باطِلاً لم تصدِّقوهم وإنْ قالُوا حقّاً لم تكذِّبُوهم » تفسير : {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ} لا شريكَ له في الأُلوهيَّةِ {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مُطيعونَ خاصَّة وفيه تعريضٌ بحالِ الفريقينِ حيثُ اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دُونِ الله {وَكَذٰلِكَ} تجريدٌ للخطابِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعدَهُ، وما فيهِ مِن مَعْنى البُعدِ للإيذانِ ببُعدِ منزلةِ المُشارِ إليه في الفضلِ أي مثلَ ذلكَ الإنزالِ البديعِ الموافقِ لإنزالِ سائرِ الكتبِ {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي القُرآنَ الذي من جُملتِه هذهِ الآيةُ النَّاطقةُ بما ذُكر من المُجادلةِ بالحُسْنَى {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} من الطَّائفتينِ {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أُريد بهم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلاَم وأضرابُه من أهلِ الكتابـين خاصَّة كأنَّ من عداهُم لم يُؤتَوا الكتابَ حيثُ لم يعملوا بما فيهِ أو مَنْ تقدم عهدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منهم حيثُ كانُوا مصدِّقين بنزولِه حسبما شاهدُوا في كتابـيهما، وتخصيصُهم بإيتاءِ الكتابِ للإيذانِ بأنَّ مَن بعدهم من مُعاصري رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قد نُزع عنهم الكتابُ بالنَّسخِ فلم يُؤتَوه. والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها فإنَّ إيمانَهم به مترتِّبٌ على إنزالِه على الوجهِ المذكُورِ {وَمِنْ هَـؤُلاء} أي ومِن العربِ أو أهلِ مكَّةَ على الأولِ أو ممَّن في عصرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على الثَّانِي {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي بالقُرآنِ {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا} عبَّر عن الكتابِ بالآياتِ للتنبـيهِ على ظهورِ دلالتِها على معانيها وعلى كونِها من عندِ الله تعالى، وأضيفتْ إلى نونِ العظمةِ لمزيدِ تفخيمِها وغايةِ تشنيعِ مَنْ يجحدُ بها {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ} المتوغِّلون في الكُفر المصمِّمون عليهِ فإنَّ ذلكَ يصدُّهم عن التَّأملِ فيما يُؤدِّيهم إلى معرفةِ حقّيتها وقيل: هم كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابِه.
القشيري
تفسير : ينبغي أن يكون منك للخصم تبيين، وفي خطابك تليين، وفي قبول الحق إنصاف، واعتقاد النصرة - لما رآه صحيحاً - بالحجة، وتَرْك الميل إلى الشيء بالهوى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولاتجادلوا اهل الكتاب} المجادلة والجدال [بيكار سخت كردن بايكديكر] كما فى التاج. قال الراغب الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة اصله من جدلت الحبل اى احكمت فتله فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه. والمعنى ولا تخاصموا اليهود النصارى: وبالفارسية [وبيكار مكنيد وجدال منماييد بااهل كتاب] {الا بالتى هى احسن} اى بالخصلة التى هى احسن كمعاملة الخشونة باللين والغضب بالحلم والمشاغبة اى تحريك الشر واثارته بالنصح اى بتحريك الخير واثارته العجلة بالتأنى والاحتياط على وجه لايؤدى الى الضعف ولا الى اعظام الدنيا الدنية {الا الذين ظلموا منهم} بالافراط فى الاعتداء والعناد فان الكافر اذا وصف بمثل الفسق والظلم حمل على المبالغة فيما هو فيه او باثبات الولد وهم اهل نجران او بنبذ العهد ومنع الجزية ونحو ذلك فانه يجب حينئذ الموافقة بما يليق بحالهم من الغلظة باللسان وبالسيف والسنان {وقولوا آمنا} بالصدق والاخلاص {بالذى انزل الينا} من القرآن {وانزل اليكم} اى وبالذى انزل اليكم من التوراة والانجيل وسمع النبى عليه السلام ان اهل الكتاب يقرآون التوراة ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام فقال "حديث : لاتصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وبكتبه وبرسله فان قالوا باطلا لم تصدقوهم وان قالوا حقا لم تكذبوهم"تفسير : قال ابن الملك انما نهى عن تصديقهم وتكذيبهم لانهم حرفوا كتابهم وماقالوه ان كان من جملة ماغيروه فتصديقهم يكون تصديقا بالباطل وان لم يكن كذلك يكون تكذيبهم تكذيبا لما هو حق وهذا اصل فى وجوب التوقف فيما يشكل من الامور والعلوم فلا يقضى فيه بجوار ولا بطلان وعلى هذا كان السلف رحمهم الله {والهنا والهكم واحد} لاشريك له فى الالوهية {ونحن له مسلمون} اى مطيعون له خاصة وفيه تعريض بحال الفريقين حيث اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولا تُجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن}؛ إلا بالخصلة التي هي أحسن، أي: ألطف وأرفق، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، بأن تدعوه إلى الله تعالى برفق ولين، وتبين له الحجج والآيات، من غير مغالبة ولا قهر. وأصل المجادلة: فتلُ الخصم عن مذهبه بطريق الحجج، وأصله: شدة الفتل، ومنه قيل للصقر: أجدل؛ لشدة فتل بدنه وقوة خلقه. والآية؛ قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: نزلت في أهل الذمة. {إلا الذين ظلموا منهم}، فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق, فاستعمِلوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك، وقالوا: يد الله مغلولة. أو معناه: ولا تُجادلوا الذين دخلوا في الذمة، المؤدين للجزية، إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا: فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف. والآية تدل على جواز مناظرة الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام، الذي به تتحقق المجادلة. قاله النسفي. {وقولو آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهُنا وإلهكم واحد}؛ هذا من حسن المجادلة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً؛ لم تصدقوهم، وإن كان حقاً؛ لم تكذبوهم" تفسير : . {ونحن له مسلمون}؛ مطيعون له خاصة، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارَهُم ورهبانَهم أرباباً من دون الله. الإشارة: المناظرة بين العلماء، والمذاكرة بين الفقراء، ينبغي أن تكون برفق ولين على قلب سليم، بقصد إظهار الحق وتبيين الصواب، أو تنبيه عن الغفلة، أو ترقية في المنزلة، من غير ملاححة، أو مخاصمة، ولا قصد مغالبة؛ لأن العلم النافع، وذكر الله الحقيقي، يُهذب الطبع، ويحسن الأخلاق. قال في الحاشية: ثم تذكّر حسن رده صلى الله عليه وسلم للقائلين له: السام عليكم، ورفقَه، وقوله لعائشة: "متى عَهدْتِنِي فاحشاً"؟ يتبين لك مناسبة الوصية بحسن المجادلة في الآية مع ما قبلها، وأن ذلك حال المقيمين للصلاة، الذاكرين الله حقيقة، وأنهم على خُلق جميل وحلم وسمت، لا يستفزهم شيء من العوارض؛ لِمَا رسخ في قلوبهم من نور القُرب الذي محى الطبع وفُحْشه. والله تعالى أعلم. هـ. ثم ذكر برهان حقية القرآن الذي أنزل إلينا، فقال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو، وابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم وقتيبة عن الكسائي {لولا أنزل عليه آيات من ربه} على الجمع لقوله {قل إنما الآيات}. وقرأ الباقون {آية} على التوحيد. ومعناهما واحد، لأنه لفظ جنس يدل على القليل والكثير. قال قتادة: الآية الأولى منسوخة بالجهاد والقتال. وقال غيره: هي ثابتة، وهو الأولى، لانه لا دليل على ما قاله، فكيف وقد أمر بالجدال بالذي هو أحسن، وهو الواجب الذي لا يجوز غيره كما قال {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : فالآية خطاب من الله تعالى لنبيه وجميع المؤمنين ينهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب: من اليهود والنصارى {إلا بالتي هي أحسن} وقيل: معناه إلا بالجميل من القول في التنبيه على آيات الله وحججه والأحسن الأعلى في الحسن من جهة تقبل العقل له،. وقد يكون الأعلى في الحسن من جهة تقبل الطبع له، وقد يكون في الامرين، و (الجدال) فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه. وفي ذلك دلالة على حسن المجادلة، لأنها لو كانت قبيحة على كال حال، لما قال {إلا بالتي هي أحسن}. وأصل الجدال شدة الفتل، يقال: جدلته أجدله جدلا إذا فتله فتلا شديداً، ومنه الأجدل: للصقر لشدة فتل بدنه. وقيل: انه يجوز أن يغلظ المحق في الجدل على الظالم فيه، بتأديب الله تعالى في الآية في قوله {إلا الذين ظلموا منهم} فاستثنى الظالم عن المجادلة بالتي هي أحسن. فان قيل: لم استثنى الذين ظلموا؟ وكلهم ظالم لنفسه بكفره! قيل: لان المراد {إلا الذين ظلموا} في جدالهم أو في غيره مما يقتضي الاغلاظ لهم، ولهذا يسع الانسان ان يغلظ على غيره، والا فالداعي إلى الحق يجب أن يستعمل الرفق في أمره. قال مجاهد: {إلا الذين ظلموا منهم} بمنع الجزية. وقال ابن زيد: الذين ظلموا بالاقامة على كفرهم بعد إقامة الحجة عليهم. ثم قال تعالى للمؤمنين {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا} من القرآن {وأنزل إليكم} من التوراة والانجيل، وقولوا {وإلهنا وإلهكم واحد} لا شريك له {ونحن له مسلمون} طائعون. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ومثل ما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى من التوراة والانجيل {انزلنا اليك الكتاب} القرآن {فالذين آتيناهم الكتاب} يعني الذين آتيناهم علم الكتاب يصدقون بالقرآن لدلالته عليه {ومن هؤلاء من يؤمن به} أي من غير جهة علم الكتاب. وقيل {فالذين آتيناهم الكتاب} يعني به عبد الله بن سلام وأمثاله. و {من هؤلاء} يعني أهل مكة {من يؤمن به}. ويحتمل ان يكون أراد بـ {الذين آتيناهم الكتاب} الذين آتاهم القرآن: المؤمنين منهم و {ومن هؤلاء} يعني من اليهود والنصارى {من يؤمن به} أيضاً، والهاء في قوله {به} يجوز أن تكون راجعة إلى النبي، ويجوز أن تكون راجعة إلى القرآن {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} لان كل من جحد بآيات الله من المكلفين، فهو كافر: معانداً كان أو غير معاند. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} يعني لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى اليك بالقرآن {ولا تخطه بيمينك} معناه وما كنت أيضاً تخط بيمينك. وفيه اختصار، وتقديره ولو كنت تتلو الكتاب وتخطه بيمينك {إذاً لارتاب المبطلون} وقال المفسرون: إنه لم يكن النبي صلى الله عليه وآله يحسن الكتابة. والآية لا تدل على ذلك بل فيها إنه لم يكن يكتب الكتاب وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه، كما لا يكتب من لا يحسنه، وليس ذلك بنهي، لأنه لو كان نهياً لكان الأجود أن يكون مفتوحاً، وإن جاز الضم على وجه الاتباع لضمة الخاء، كما يقال: (ردّه) بالضم والفتح والكسر، ولكان أيضاً غير مطابق للاول. ولو أفاد أنه لم يكن يحسن الكتابة قبل الايحاء، لكان دليله يدل على انه كان يحسنها بعد الايحاء اليه، ليكون فرقاً بين الحالتين. ثم بين تعالى أنه لم يكتب، لأنه لو كتب لشك المبطلون في القرآن وقالوا هو قرأ الكتب أو هو يصنفه، ويضم شيئاً إلى شيء في حال بعد حال فاذا لم يحسن الكتابة لم تسبق اليه الظنة. ثم قال {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} وقيل: معناه بل هي آيات واضحات في صدور العلماء. بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، على صفته في التوراة والانجيل - في قول ابن عباس - وقال الحسن: بل القرآن آيات بينات في صدور العلماء. ثم قال {وما يجحد بآياتنا} أي لا ينكر حججنا ويجحدها إلا الذين ظلموا نفوسهم بترك النظر فيها، أو العناد لها بعد طول المدة وحصول العلم بها. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا: هلا انزل على محمد آية من ربه؟ يريدون آية يقترحونها، وآية كآية موسى: من فلق البحر وقلب العصا حية، فقال الله تعالى لهم {قل} لهم يا محمد {إنما الآيات عند الله} ينزلها ويظهرها بحسب ما يعلم من مصالح خلقه {وإنما أنا نذير} أي منذر مخوف من معصية الله {مبين} طريق الحق من طريق الباطل.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي} بالمجادلة الّتى {هِيَ أَحْسَنُ} من المجادلات او بالطّريقة الّتى هى احسن، او بالكلمة الّتى هى احسن والجدل والجدال بمعنى القتل فانّ المجادل يريد ان يقتل المجادل له الى مذهبه وذلك يتصوّر بالسّيف والضّرب والحبس والمكالمة بالشّتم والخشونة وابطال الحقّ واثبات الباطل ولكنّه خصّ فى العرف بصرف الخصم عن مذهبه بالمباحثة والمكالمة العلميّة، والمراد باهل الكتاب كلّ من آمن بنبىٍّ وكلّ من انتحل ملّة لهيّةً فيشمل اهل ملّة الاسلام ومنتحليها كما يشمل الزّردشتيّين والمهاباديّين، او المراد المعروفون بهذا الاسم وهم اليهود والنّصارى لكن يشمل الحكم اهل الاسلام بطريق التّعريض او بطريق القياس الاولوىّ، ولمّا كان اهل الملّة الالهيّة ومنتحلوها بواسطة نسبتهم الى نبىٍّ او انتحالهم النّسبة اليه ذوى حرمةٍ فى الجملة خصّهم بالذّكر من بين اقسام الكفّار اشعاراً بانّ المشركين لا حرمة لم ولا مداراة معهم، والمجادلة الحسنة ان لا يظهر باطلاً ولا يبطل باطلاً بباطل ولا يقول ما يُغيظ المجادل ولا يعنته ولا يزجره، ولا يقول مالا يتحمّلة، وينصف فى حقٍّ اظهره خصمه ولا يردّه ولا يتكلّم بما يخجله، ولا يكون همّة الغلبة عليه بل يكون همّته اصلاحه ولو كان ذلك بان يجعل نفسه مغلوبةً ان رأى صلاحه ولينه فى ذلك {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} فى المجادلة او ظلموكم بالمقاتلة او ظلموا انفسهم باللّجاج وعدم الاستماع الى حقّكم وهذا ترخيص فى المجادلة بغير الاحسن مع الظّالمين منهم مثل قوله {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} تفسير : [النساء:148] لكن لا ينبغى الخروج من حقٍّ او الدّخول فى باطل {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} بالاقرار بحقّيّة كتابهم ودينهم حتّى تكسر سورة لجاجهم {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ} باظهار الاتّحاد معهم فى المبدء والمعبود حتّى يدلّ ذلك على انّكم متّحدون معهم غير مغايرين لهم فيرغّبهم ذلك فى مخالطتهم وموادّتهم لكم {وَنَحْنُ لَهُ} اى لالهكم الّذى هو الهنا {مُسْلِمُونَ} لا لغيره حتّى تعادونا بذلك وقد سبق فى سورة النّحل عند قوله: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125] شطرٌ من بيان الآية.
الأعقم
تفسير : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قيل: لا تخاصموهم، قيل: هم نصارى نجران، وقيل: أراد من أسلم، وقيل: أراد اليهود وأمر باللطف معهم، إلا بالتي هي أحسن ألطف القول وأرأفه ليكونوا أقرب إلى القبول {إلاَّ الذين ظلموا منهم} فسدوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف، وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29] ولا مجادلة أشد من السيف {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} التوراة والإِنجيل {وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} مخلصون بالتوحيد منقادون بالطاعة {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب} كما أنزلنا الكتب عليهم أنزلنا عليك الكتاب أيضاً {فالذين آتيناهم الكتاب} أي علم الكتاب {يؤمنون به}، قيل: الكتاب القرآن ومن آمن به أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ومن هؤلاء} قيل: أصحاب مكة، وقيل: العرب {من يؤمن به} بالقرآن، وقيل: الكتاب هو التوراة والإِنجيل والذين يؤمنون به عبد الله بن سلام وأصحابه {وما يجحد بآياتنا إلاّ الكافرون} يعني آيات القرآن مع ظهورها وزوال الشبهة، قيل: هو كعب بن الأشرف وأصحابه، قوله تعالى: {وما كنت} يا محمد {تتلوا من قبله من كتاب} أي من قبل القرآن، وقوله: {ولا تخطُّهُ بيمينك} أي لو كنت تقرأ كتاباً وتكتب لارتاب الكفار ولشكوا وقالوا لعله تعلّم القرآن {إذاً لارتاب المبطلون} قيل: مشركو مكة إذ قالوا شيء كتبه محمد {بل هو آيات} أي حجج واضحات يعني القرآن {في صدور الذين أوتو العلم} وهم علماء المؤمنين علموا أن القرآن معجزة فآمنوا به وعلموا بما فيه فهو محفوظ في صدورهم مَتْلُو على ألسنتهم لا يشكون فيه {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} لأنفسهم بأن أوردوها العذاب الأليم {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه} يعني الكفار قالوا ذلك تعنتاً، لولا أنزل عليه آيات أي وحي كما أنزل على الأنبياء قبله فجعلوا ما معه غير حجة إلقاء للشبهة على العوام، وقيل: أرادوا آيات القيامة {قل} يا محمد {إنما الآيات عند الله} المعجزات والحجج، أي هو القادر على جميع ذلك {وإنما أنا نذير مُبين} {أولم يكفهم} قيل: أراد اليهود {انا أنزلنا عليك الكتاب} معجزة لك وبياناً للشرائع يزيد على معجزات الأنبياء {يتلى عليهم} يقرأ عليهم {إن في ذلك لرحمة} أي نعمة عظيمة {وذكرى لقوم يؤمنون} يصدقون {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} أني قد أبلغتكم ما أرسلت به اليكم وأنذرتكم وإنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب، وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك {قل كفى بالله} {يعلم ما في السماوات والأرض} فهو مطلع على أمري وأمركم وعالم بخفي باطني وباطنكم {والذين آمنوا بالباطل} وهو ما تعبدون من دون الله {وكفروا بالله} وآياته {أولئك هم الخاسرون} حيث أشركوا الكفر بالايمان.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال بعضهم: أي: بكتاب الله. وقال: نهى الله عن مجادلتهم في هذه السورة ولم يكن يومئذ أمر بقتالهم، ونسخ ذلك فأمر بقتالهم، ولا مجادلة هي أشد من السيف، فقال في سورة براءة: (أية : قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)تفسير : [التوبة: 29]. أمر بقتالهم حتى يُسلِموا أو يُقِرّوا بالجزية. قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}. قال بعضهم: من قاتلك ولم يعطك الجزية فقاتله إذاً، يعني إذ أمر بجهادهم، وإنما أمر بجهادهم بالمدينة، وهذه الآية مكية، وقال مجاهد: من أقام على شركه منهم ولم يؤمن. قال: {وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} وتفسير مجاهد: يقوله لمن آمن من أهل الكتاب. قوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ فَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني من آمن منهم {وَمِنْ هَؤُلاَءِ} يعني مشركي العرب {مَن يُّؤمِنُ بِهِ} يعني القرآن {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ} لا تخاصموهم وتناظروهم. {إِلا بِالَّتِي} بالخصلة التي. {هِيَ أَحْسَنُ} كالقرآن والدعاء الى الله بآياته والتنبيه على حججه واراد بأهل الكتاب الذين اذعنوا للمرية. {إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} أي ابوا ان يعطوا الجزية ونصبوا الحرب فجادلوهم بالكلام الخشن والسيف حتى يسلموا ويعطوا الجزية كما قيل وقال قتادة: الآية مكية ولم يكن يومئذ قتال وكانت اليهود يومئذ بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين المؤمنين جدال واحتجاج في امر الدين فأمر الله الا يجادلوهم الا بالتي هي احسن دعاء الى الله عز وجل بملاينة ثم استثنى منهم من ظلم المؤمنين وحصلت منه أذاية فللمؤمنين الخروج عليهم عن التي هي احسن ثم نسخ ذلك بآية القتال قيل: هذا احسن ما قيل في تأويل الآية وقيل: المراد بالذين ظلموا من أقام على شركه منهم ولم يؤمن ونسبه الشيخ هود الى مجاهد وقيل: المعنى جادلوا اهل الكتاب بالخصلة التي هي احسن كمقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والحدة بالرفق الا من دام في العناد ولم يقبل النصح ولم ينفع فيه الرفق فاستعمل معهم الغلظة وقيل الا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل الا الذين اثبتوا الولد والشريك وقالوا يد الله مغلولة وقيل المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا بنبذ الذمة ومنع الجزية فجادلهم بالسيف قيل: الا اهل الحرب ومن لا عهد له ولا يجوز الجدال والمناظرة الا لاظهار الحق ونصرته ليعرف ويعمل به فمن جادل لذلك فقد اطاع الله ومن جادل لغرض آخر فقد عصى ولا خير فيمن يتحيل لنصرة مذهبه مع ضعفه وبعد أدلته من الصواب روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إِن الله سبحانه يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها "تفسير : وعن ابي هريرة عنه صلى الله عليه سلم "حديث : من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال والنساء لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " . تفسير : {وَقُولُوا} على قبل الاقرار بالجزية اذا اخبروكم بشيء مما في كتبهم. {آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} لا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فان قالوا باطلا لم تصدقوهم وان قالوا حقا لم تكذبوهم كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بالذي الجنس الصادق باثنين او ثلاثة او حذف الموصول لذكر مثله اي والذي انزل اليكم. {وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ} لا لغيره وفيه تعريض بهم لاتخاذهم احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله. {مُسْلِمُونَ} قال ابو هريرة كان اهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية للمسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أَهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أَنزل إِلينا وأَنزل اليكم وإِلهنا وإِلهكم واحد ونحن له مسلمون "تفسير : وعن ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإِنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إِما أَن تكذبوا بحق وإِما أَن تصدقوا بباطل " تفسير : وذلك القول المأمورون بقوله هو من حسن الجدال بالتي هي احسن.
اطفيش
تفسير : {ولا تجادلوا أهْل الكتاب} اليهود والنصارى ودخل الصابئون فيهم {إلاَّ بالَّتي} استثناء من محذوف، اى بشئ الا بالخصلة، او بالمجادلة التي {هِي أحْسَن} اللين والكظم والنصح {الاَّ الَّذين ظلمُوا} بالافراط فى العناد، ولم تنفع فيهم التي هى أحسن، فغلظوا عليهم باللسان، ولو بعد الاذن بالقتال، وهذا استثناء من اهل الكتاب على عمومه، وقيل: ان المراد من قال بالولد لله شريك، او يد الله مغلولة، او الله فقيرا، آذوه صلى الله عليه وسلم، وقيل: من نقض عهد الجزية والذمة فجادلوهم بالسيف، على ان الاية مدنية، وباقى السورة مكى او مكية عند قرب هجرته ابيح له القتال حينئذ فى مكة ولم يقع، أو مكية بيان لما يفعل فى المدينة، والتى هى احسن لا تنسخ بنزول القتال او مكية عند قرب هجرته ابيح له القتال حينئذ فى مكة ولم يقع، او الصحف، او قرءوا لكم بالعبرانية، وفسروها بالعربية، ولم تظهر لكم صحة ما قالوا، ولا كذبه او بأن لكم صحته، او امكانه، ولم تعلموا أنه منهم، او من تلك الكتب. {آمنَّا بالذي أنْزِل إلينا} على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، قرآنا او غيره{وأنزل إليْكُم}على ألسنة أنبيائكم كتابا او غيره، لا بما حرفتم، اى والذى انزل اليكم، او اريد بالذي المذكور الكل {وإلٰهَنُا وإلهُكُم واحِدٌ} وليس عزير لها ولا عيسى الها، ولاغيرهما لا اله الا الله {ونَحْن} لا انتم لانكم اتخذتم غير الله الها كما مر، وكاتخاذكم احباركم، ورهبانكم اربابا {له} لا لغيره {مُسْلمون} مذعنون له بالطاعة، وذلك نوع من المجادلة بالتى هى احسن، قال ابو هريرة: كان اهل الكتاب يقرءون الكتاب بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأنزل إليكم" تفسير : الاية وذلك فيما لم يتبين كذبه وأبقوه على الاحتمال والتصديق والتكذيب ضدان لا نقيضان فجاز ارتفاعهما.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} من اليهود والنصارى، وقيل: من نصارى نجران {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، والسَّوْرَة بالأناة كما قال سبحانه: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [المؤمنون: 96] {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالإفراط في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك أو قالوا يد الله تعالى مغلولة، أو الله سبحانه فقير، أو آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الغلظة التي تفهم الآية الإذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى. وقيل: المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وأخرج ابن جرير. وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكون الآية بياناً لحكم آت بعد بعيد وأيضاً لا قرينة على التخصيص. وقيل: يجوز أن يكون القائل بذلك ذاهباً إلى أن الآية مدنية ومكية السورة باعتبار أغلب آياتها؛ أو ممن يقول: بأن الحرب شرع بمكة في آخر الأمر، والسورة آخر ما نزل بها إلا أنه لم يقع وعدم الوقوع لا يدل على عدم المشروعية. وعن ابن زيد أن المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهل الكتاب وبالتي هي أحسن موافقتهم فيما حدثوا به من أخبار أوائلهم وبالذين ظلموا من بقي منهم على كفره وهو كما ترى. واختلف في نسخ الآية. فأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» عن قتادة أنه قال: نهى في هذه الآية عن مجادلة أهل الكتاب، ثم نسخ ذلك فقال سبحانه: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [التوبة: 29] الآية ولا مجادلة أشد من السيف، وقال في «مجمع البيان»: الصحيح أنها غير منسوخة لأن المراد بالجدال المناظرة وذلك على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره. وقال بعض الأجلة: إن المجادلة بالحسنى في أوائل الدعوة لأنها تتقدم القتال فلا يلزم النسخ ولا عدم القتال بالكلية، وأما كون النهي يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا يتم ما ذكر فيدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى فلا نسخ وإنما هو تخصيص بمتصل، وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس بصحيح لأنه مسكوت عنه فتأمل. / وقرأ ابن عباس {إِلاَّ بِٱلَّتِى} الخ، على أن {إِلا } حرف تنبيه واستفتاح، والتقدير ألا جادلوهم بالتي هي أحسن. {وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا} من القرءان {وَ} الذي {ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ} أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وهذا القول نوع من المجادلة بالتي هي أحسن، وعن سفيان بن حسين أنه قال: هذه مجادلتهم بالتي هي أحسن. وأخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن أبـي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا {ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم}»تفسير : الآية، والتصديق والتكذيب ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما. {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ } لا شريك له في الألوهية {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مطيعون خاصة كما يؤذن بذلك تقديم {لَهُ }، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى.
سيد قطب
تفسير : هذا هو الشوط الأخير في سورة العنكبوت. وقد مضى منها شوطان في الجزء العشرين. ومحور السورة ـ كما أسلفنا ـ هو الحديث عن الفتنة والابتلاء لمن يقول كلمة الإيمان، لتمحيص القلوب وتمييز الصادقين والمنافقين بمقياس الصبر على الفتنة والابتلاء.. وذلك مع التهوين من شأن القوى الأرضية التي تقف في وجه الإيمان والمؤمنين؛ وتفتنهم بالأذى وتصدهم عن السبيل، وتوكيد أخذ الله للمسيئين ونصره للمؤمنين الذين يصبرون على الفتنة، ويثبتون للابتلاء. سنة الله التي مضت في الدعوات من لدن نوح عليه السلام. وهي السنة التي لا تتبدل، والتي ترتبط بالحق الكبير المتلبس بطبيعة هذا الكون، والذي يتمثل كذلك في دعوة الله الواحدة التي لا تتبدل طبيعتها. وقد انتهى الشوط الثاني في نهاية الجزء السابق بدعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين به إلى تلاوة ما أوحي إليه من الكتاب، وإقامة الصلاة لذكر الله، ومراقبة الله العليم بما يصنعون. وفي الشوط الأخير يستطرد في الحديث عن هذا الكتاب، والعلاقة بينه وبين الكتب قبله. ويأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ـ إلا الذين ظلموا منهم، فبدلوا في كتابهم، وانحرفوا إلى الشرك، والشرك ظلم عظيم ـ وأن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلها وبالكتب جميعها. فهي حق من عند الله مصدق لما معهم. ثم يتحدث عن إيمان بعض أهل الكتاب بهذا الكتاب الأخير على حين يكفر به المشركون الذين أنزل الله الكتاب على نبيهم، غير مقدرين لهذه المنة الضخمة، ولا مكتفين بهذا الفضل المتمثل في تنزيل الكتاب على رسول منهم، يخاطبهم به، ويحدثهم بكلام الله. ولم يكن يتلو من قبله كتاباً ولا يخطه بيمينه، فتكون هناك أدنى شبهة في أنه من عمله ومن تأليفه! ويحذر المشركين استعجالهم بعذاب الله، ويهددهم بمجيئه بغتة، ويصور لهم قربه منهم، وإحاطة جهنم بهم، وحالهم يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ثم يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقون الفتنة والإيذاء في مكة؛ يحضهم على الهجرة بدينهم إلى الله ليعبدوه وحده. يلتفت إليهم في أسلوب عجيب، يعالج كل هاجسة تخطر في ضمائرهم، وكل معوق يقعد بهم، ويقلب قلوبهم بين أصابع الرحمن في لمسات تشهد بأن منزل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب؛ فما يعرف مساربها ومداخلها الخفية، ويلمسها هكذا إلا خالقها اللطيف الخبير. وينتقل من هذا إلى التعجيب من حال أولئك المشركين، وهم يتخبطون في تصوراتهم فيقرون لله ـ سبحانه ـ يخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وتنزيل الماء من السماء، وإحياء الأرض الموات؛ وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله وحده مخلصين له الدين.. ثم هم بعد ذلك يشركون بالله، ويكفرون بكتابه، ويؤذون رسوله، ويفتنون المؤمنين به. ويذكر المشركين بنعمة الله عليهم بهذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه، والناس من حولهم في خوف وقلق. وهم يفترون على الله الكذب ويشركون به آلهة مفتراة. ويعدهم على هذا جهنم وفيها مثوى للكافرين. وتختم السورة بوعد من الله أكيد بهداية المجاهدين في الله، يريدون أن يخلصوا إليه، مجتازين العوائق والفتن والمشاق وطول الطريق، وكثرة المعوقين. {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ـ إلا الذين ظلموا منهم ـ وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون}.. إن دعوة الله التي حملها نوح ـ عليه السلام ـ والرسل بعده حتى وصلت إلى خاتم النبيين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهي دعوة واحدة من عند إله واحد، ذات هدف واحد، هو رد البشرية الضالة إلى ربها، وهدايتها إلى طريقه، وتربيتها بمنهاجه. وإن المؤمنين بكل رسالة لإخوة للمؤمنين بسائر الرسالات: كلها أمة واحدة، تعبد إلهاً واحداً. وإن البشرية في جميع أجيالها لصنفان اثنان: صنف المؤمنين وهم حزب الله. وصنف المشاقين لله وهم حزب الشيطان، بغض النظر عن تطاول الزمان وتباعد المكان. وكل جيل من أجيال المؤمنين هو حلقة في تلك السلسلة الطويلة الممتدة على مدار القرون. هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام؛ والتي تقررها هذه الآية من القرآن؛ هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب، أو جنس، أو وطن. أو تبادل أو تجارة. ترفعها عن هذا كله لتصلها بالله، ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان؛ وتختفي فيها القوميات والأوطان؛ ويتلاشى فيها الزمان والمكان. ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان. ومن ثم يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى؛ لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة، والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة، والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله، الموافقة لما قبلها من الدعوات، المكملة لها وفق حكمة الله وعلمه بحاجة البشر.. {إلا الذين ظلموا منهم} فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية؛ وأشركوا بالله وأخلوا بمنهجه في الحياة. فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة. وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة. وإن بعضهم ليفتري على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين. فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم، مخالفاً كل ما قاله فيهم وهو في مكة! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه. فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم، ولم ينحرف عن دين الله. وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات. {وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون}.. وإذن فلا حاجة إلى الشقاق والنزاع، والجدل والنقاش. وكلهم يؤمنون بإله واحد، والمسلمون يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى من قبلهم، وهو في صميمه واحد، والمنهج الإلهي متصل الحلقات. {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب. فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون}.. "كذلك". على النهج الواحد المتصل. وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل. وعلى الطريقة التي يوحي بها الله لرسله {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب}.. فوقف الناس بإزائه في صفين: صف يؤمن به من أهل الكتاب ومن قريش، وصف يجحده ويكفر به مع إيمان أهل الكتاب وشهادتهم بصدقه، وتصديقه لما بين أيديهم.. {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون}.. فهذه الآيات من الوضوح والاستقامة بحيث لا ينكرها إلا الذي يغطي روحه عنها ويسترها، فلا يراها ولا يتملاها! والكفر هو التغطية والحجاب في أصل معناه اللغوي، وهو ملحوظ في مثل هذا التعبير. {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك. إذن لارتاب المبطلون}.. وهكذا يتتبع القرآن الكريم مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها. فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاش بينهم فترة طويلة من حياته، لا يقرأ ولا يكتب؛ ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب الذي يعجز القارئين الكاتبين. ولربما كانت تكون لهم شبهة لو أنه كان من قبل قارئاً كاتباً. فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم؟ ونقول: إنه يتتبع مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها. فحتى على فرض أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان قارئاً كاتباً، ما جاز لهم أن يرتابوا. فهذا القرآن يشهد بذاته على أنه ليس من صنع البشر. فهو أكبر جداً من طاقة البشر ومعرفة البشر، وآفاق البشر. والحق الذي فيه ذو طبيعة مطلقة كالحق الذي في هذا الكون. وكل وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأن وراءه قوة، وبأن في عباراته سلطاناً، لا يصدران عن بشر! {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}.. فهو دلائل واضحة في صدور الذين وهبهم الله العلم، لا لبس فيها ولا غموض، ولا شبهة فيها ولا ارتياب. دلائل يجدونها بينة في صدورهم، تطمئن إليها قلوبهم، فلا تطلب عليها دليلاً وهي الدليل. والعلم الذي يستحق هذا الاسم، وهو الذي تجده الصدور في قرارتها، مستقراً فيها، منبعثاً منها؛ يكشف لها الطريق، ويصلها بالخيط الواصل إلى هناك! {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}.. الذين لا يعدلون في تقدير الحقائق وتقويم الأمور، والذين يتجاوزون الحق والصراط المستقيم. {وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه. قل: إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين}.. يعنون بذلك الخوارق المادية التي صاحبت الرسالات من قبل في طفولة البشرية. والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي يشاهدها. بينما هذه هي الرسالة الأخيرة التي تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن ثم جاءت آياتها الخوارق آيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه، والذي تتفتح كنوزه لجميع الأجيال؛ والذي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يحسونها خوارق معجزة كلما تدبروها، وأحسوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب! {قل: إنما الآيات عند الله}.. يظهرها عند الحاجة إليها، وفق تقديره وتدبيره. وليس لي أن أقترح على الله شيئاً. ليس هذا من شأني ولا من أدبي {وإنما أنا نذير مبين}. أنذر وأحذر وأكشف وأبين؛ فأؤدي ما كلفته. ولله الأمر بعد ذلك والتدبير. إنه تجريد العقيدة من كل وهم وكل شبهة. وإيضاح حدود الرسول وهو بشر مختار. فلا تتلبس بصفات الله الواحد القهار. ولا تغيم حولها الشبهات التي غامت على الرسالات حين برزت فيها الخوارق المادية، حتى اختلطت في حس الناس والتبست بالأوهام والخرافات. ونشأت عنها الانحرافات. وهؤلاء الذين يطلبون الخوارق يغفلون عن تقدير فضل الله عليهم بتنزيل هذا القرآن: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؛ إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}.. وإنه للبطر بنعمة الله ورعايته التي تجل عن الشكر والتقدير. أو لم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن؟ وهو يتنزل عليهم، يحدثهم بما في نفوسهم، ويكشف لهم عما حولهم؛ ويشعرهم أن عين الله عليهم؛ وأنه معنيٌّ بهم حتى ليحدثهم بأمرهم. ويقص عليهم القصص ويعلمهم. وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير. وهم وأرضهم وشمسهم التي تدور عليها أرضهم.. ذرات تائهة في هذا الفضاء الهائل لا يمسكهن إلا الله. والله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم. ثم هم لا يكتفون! {إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}.. فالذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم، وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل؛ ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إلى حضرته وإلى مائدته وهو العلي الكبير. وهم الذين ينفعهم هذا القرآن، لأنه يحيا في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه ويمنحهم ذخائره، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور. فأما الذين لا يشعرون بهذا كله، فيطلبون آية يصدقون بها هذا القرآن! هؤلاء المطموسون الذين لا تتفتح قلوبهم للنور. هؤلاء لا جدوى من المحاولة معهم؛ وليترك أمر الفصل بينه وبينهم إلى الله! {قل: كفى بالله بيني وبينكم شهيداً، يعلم ما في السموات والأرض. والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون}.. وشهادة من يعلم ما في السماوات والأرض أعظم شهادة. وهو الذي يعلم أنهم على الباطل: {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون}.. الخاسرون على الإطلاق. الخاسرون لكل شيء. الخاسرون للدنيا والآخرة. الخاسرون لأنفسهم وللهدى والاستقامة والطمأنينة والحق والنور. إن الإيمان بالله كسب. كسب في ذاته. والأجر عليه بعد ذلك فضل من الله. إنه طمأنينة في القلب واستقامة على الطريق، وثبات على الأحداث؛ وثقة بالسند، واطمئنان للحمى، ويقين بالعاقبة. وإن هذا في ذاته لهو الكسب؛ وهو هو الذي يخسره الكافرون. و {أولئك هم الخاسرون}.. ثم يمضي في الحديث عن أولئك المشركين. عن استعجالهم بالعذاب. وجهنم منهم قريب: {ويستعجلونك بالعذاب، ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب، وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون. يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ويقول: ذوقوا ما كنتم تعملون}.. ولقد كان المشركون يسمعون النذير، ولا يدركون حكمة الله في إمهالهم إلى حين؛ فيستعجلون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعذاب على سبيل التحدي. وكثيراً ما يكون إمهال الله استدراجاً للظالمين ليزدادوا عتواً وفساداً. أو امتحاناً للمؤمنين ليزدادوا إيماناً وثباتاً؛ وليتخلف عن صفوفهم من لا يطيق الصبر والثبات. أو استبقاء لمن يعلم سبحانه أن فيهم خيراً من أولئك المنحرفين حتى يتبين لهم الرشد من الغي فيثوبوا إلى الهدى. أو استخراجاً لذرية صالحة من ظهورهم تعبد الله وتنحاز إلى حزبه ولو كان آباؤهم من الضالين.. أو لغير هذا وذاك من تدبير الله المستور.. ولكن المشركين لم يكونوا يدركون شيئاً من حكمة الله وتدبيره، فكانوا يستعجلون بالعذاب على سبيل التحدي.. {ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب}.. وهنا يوعدهم الله بمجيء العذاب الذي يستعجلونه. مجيئه في حينه. ولكن حيث لا ينتظرونه ولا يتوقعونه. وحيث يبهتون له ويفاجأون به: {وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون}.. ولقد جاءهم هذا العذاب من بعد في بدر. وصدق الله. ورأوا بأعينهم كيف يحق وعد الله. ولم يأخذهم الله بالهلاك الكامل كأخذ المكذبين قبلهم؛ كما أنه لم يستجب لهم في إظهار خارقة مادية كي لا يحق عليهم وعده بهلاك من يكذبون بعد الخارقة المادية. لأنه قدر للكثيرين منهم أن يؤمنوا فيما بعد، وأن يكونوا من خيرة جند الإسلام؛ وأخرج من ظهورهم من حملوا الراية جيلاً بعد جيل، إلى أمد طويل. وكان ذلك كله وفق تدبير الله الذي لا يعلمه إلا الله. وبعد الوعيد بعذاب الدنيا الذي يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون، جعل يكرر استنكاره لاستعجالهم بالعذاب، وجهنم لهم بالمرصاد: {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}.. وعلى طريقة القرآن في التصوير، وفي استحضار المستقبل كأنه مشهود، صور لهم جهنم محيطة بالكافرين. وذلك بالقياس إليهم مستقبل مستور؛ ولكنه بالقياس إلى الواقع المكشوف لعلم الله حاضر مشهود. وتصويره على حقيقته المستورة يوقع في الحس رهبة، ويزيد استعجالهم بالعذاب نكارة. فأنى يستعجل من تحيط به جهنم، وتهم أن تطبق عليه وهو غافل مخدوع؟! ويرسم لهم صورتهم في جهنم هذه المحيطة بهم؛ وهم يستعجلون بالعذاب: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ويقول: ذوقوا ما كنتم تعملون}.. وهو مشهد مفزع في ذاته، يصاحبه التقريع المخزي والتأنيب المرير: {ذوقوا ما كنتم تعملون}.. فهذه نهاية الاستعجال بالعذاب؛ والاستخفاف بالنذير. ويدع الجاحدين المكذبين المستهترين في مشهد العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ليلتفت إلى المؤمنين، الذين يفتنهم أولئك المكذبون عن دينهم، ويمنعونهم من عبادة ربهم.. يلتفت إليهم يدعوهم إلى الفرار بدينهم، والنجاة بعقيدتهم. في نداء حبيب وفي رعاية سابغة، وفي أسلوب يمس كل أوتار القلوب: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة، فإياي فاعبدون. كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون. وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم، وهو السميع العليم}.. إن خالق هذه القلوب، الخبير بمداخلها، العليم بخفاياها، العارف بما يهجس فيها، وما يستكن في حناياها.. إن خالق هذه القلوب ليناديها هذا النداء الحبيب: يا عبادي الذين آمنوا: يناديها هكذا وهو يدعوها إلى الهجرة بدينها. لتحس منذ اللحظة الأولى بحقيقتها. بنسبتها إلى ربها وإضافتها إلى مولاها: {يا عبادي}.. هذه هي اللمسة الأولى. واللمسة الثانية: {إن أرضي واسعة}.. أنتم عبادي. وهذه أرضي. وهي واسعة. فسيحة تسعكم. فما الذي يمسككم في مقامكم الضيق، الذي تفتنون فيه عن دينكم، ولا تملكون أن تعبدوا الله مولاكم؟ غادروا هذا الضيق يا عبادي إلى أرضي الواسعة، ناجين بدينكم،أحراراً في عبادتكم {فإياي فاعبدون}. إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين: بالنداء الحبيب القريب: {يا عبادي} وبالسعة في الأرض: {إن أرضي واسعة} وما دامت كلها أرض الله، فأحب بقعة منها إذن هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه. ثم يمضي يتتبع هواجس القلوب وخواطرها. فإذا الخاطر الثاني هو الخوف من خطر الهجرة. خطر الموت الكامن في محاولة الخروج ـ وقد كان المشركون يمسكون بالمؤمنين في مكة، ولا يسمحون لهم بالهجرة عندما أحسوا بخطرهم بعد خروج المهاجرين الأولين ـ ثم خطر الطريق لو قدر لهم أن يخرجوا من مكة. ومن هنا تجيء اللمسة الثانية: {كل نفس ذائقة الموت. ثم إلينا ترجعون}.. فالموت حتم في كل مكان، فلا داعي أن يحسبوا حسابه، وهم لا يعلمون أسبابه. وإلى الله المرجع والمآب. فهم مهاجرون إليه، في أرضه الواسعة، وهم عائدون إليه في نهاية المطاف. وهم عباده الذين يؤويهم إليه في الدنيا والآخرة. فمن ذا يساوره الخوف، أو يهجس في ضميره القلق، بعد هذه اللمسات؟ ومع هذا فإنه لا يدعهم إلى هذا الإيواء وحده؛ بل يكشف عما أعده لهم هناك. وإنهم ليفارقون وطناً فلهم في الأرض عنه سعة. ويفارقون بيوتاً فلهم في الجنة منها عوض. عوض من نوعها وأعظم منها: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها}. وهنا يهتف لهم بالعمل والصبر والتوكل على الله: {نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}.. وهي لمسة التثبيت والتشجيع لهذه القلوب، في موقف القلقلة والخوف والحاجة إلى التثبيت والتشجيع. ثم يهجس في النفس خاطر القلق على الرزق، بعد مغادرة الوطن والمال ومجال العمل والنشاط المألوف، وأسباب الرزق المعلومة. فلا يدع هذا الخاطر دون لمسة تقر لها القلوب: {وكأي من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم}.. لمسة توقظ قلوبهم إلى الواقع المشهود في حياتهم. فكم من دابة لا تحصل رزقها ولا تجمعه ولا تحمله ولا تهتم به، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، ولا كيف تحتفظ به معها. ومع هذا فإن الله يرزقها ولا يدعها تموت جوعاً. وكذلك يرزق الناس. ولو خيل إليهم أنهم يخلقون رزقهم وينشئونه. إنما يهبهم الله وسيلة الرزق وأسبابه. وهذه الهبة في ذاتها رزق من الله، لا سبيل لهم إليه إلا بتوفيق الله. فلا مجال للقلق على الرزق عند الهجرة. فهم عباد الله يهاجرون إلى أرض الله يرزقهم الله حيث كانوا. كما يرزق الدابة لا تحمل رزقها، ولكن الله يرزقها ولا يدعها. ويختم هذه اللمسات الرفيقة العميقة بوصلهم بالله، وإشعارهم برعايته وعنايته، فهو يسمع لهم ويعلم حالهم، ولا يدعهم وحدهم: {وهو السميع العليم}.. وتنتهي هذه الجولة القصيرة؛ وقد لمست كل حنية في تلك القلوب؛ ولبت كل خاطر هجس فيها في لحظة الخروج. وقد تركت مكان كل مخافة طمأنينة، ومكان كل قلق ثقة، ومكان كل تعب راحة. وقد هدهدت تلك القلوب وغمرتها بشعور القربى والرعاية والأمان في كنف الله الرحيم المنان. ألا إنه لا يدرك هواجس القلوب هكذا إلا خالق القلوب. ولا يداوي القلوب هكذا إلا الذي يعلم ما في القلوب. وبعد هذه الجولة مع المؤمنين يرتد السياق إلى التناقض في موقف المشركين وتصوراتهم. فهم يقرون بخلق الله للسماوات والأرض وتسخيره للشمس والقمر وإنزاله الماء من السماء وإحيائه الأرض بعد موتها. وما يتضمنه هذا من بسط الرزق لهم أو تضييقه عليهم. وهم يتوجهون لله وحده بالدعاء عند الخوف.. ثم هم بعد ذلك كله يشركون بالله، ويؤذون من يعبدونه وحده، ويفتنونهم عن عقيدتهم التي لا تناقض فيها ولا اضطراب، وينسون نعمة الله عليهم في تأمينهم في البيت الحرام، وهم يروعون عباده في بيته الحرام: {ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر ليقولن: الله. فأنى يؤفكون؟ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، إن الله بكل شيء عليم. ولئن سألتهم: من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن: الله. قل: الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون. وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون. فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون. أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم؟ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون؟ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه؟ أليس في جهنم مثوى للكافرين؟}.. وهذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب إذ ذاك؛ وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد؛ ثم وقع فيها الانحراف. ولا عجب في هذا فهم من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس؛ ولم يكونوا يحفلون كثيراً بالديانة الموسوية أو المسيحية وهما معهم في الجزيرة العربية، اعتزازاً منهم بأنهم على دين إبراهيم. غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف. كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السماء، ومحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء.. يقرون أن صانع هذا كله هو الله. ولكنهم مع هذا يعبدون أصنامهم، أو يعبدون الجن، أو يعبدون الملائكة؛ ويجعلونهم شركاء لله في العبادة، وإن لم يجعلوهم شركاء له في الخلق.. هو تناقض عجيب. تناقض يُعجِّب الله منه في هذه الآيات: {فأنى يؤفكون}؟ أي كيف يصرفون عن الحق إلى هذا التخليط العجيب؟ {بل أكثرهم لا يعقلون} فليس يعقل من يقبل عقله هذا التخليط! وبين السؤال عن خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر؛ والسؤال عن منزل الماء من السماء ومحيي الأرض بعد موتها. يقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له فيربط سنة الرزق بخلق السماوات والأرض وسائر آثار القدرة والخلق، ويكل هذا إلى علم الله بكل شيء: {إن الله بكل شيء عليم}.. والرزق ظاهر الارتباط بدورة الأفلاك، وعلاقتها بالحياة والماء والزرع والإنبات. وبسط الرزق وتضييقه بيد الله؛ وفق الأوضاع والظواهر العامة المذكورة في الآيات. فموارد الرزق من ماء ينزل، وأنهار تجري، وزروع تنبت، وحيوان يتكاثر. ومن معادن وفلزات في جوف الأرض، وصيد في البر والبحر.. إلى نهاية موارد الرزق العامة، تتبع كلها نواميس السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر تبعية مباشرة ظاهرة. ولو تغيرت تلك النواميس عما هي عليه أدنى تغيير لظهر أثر هذا في الحياة كلها على سطح الأرض؛ وفي المخبوء فيها من الثروات الطبيعية الأخرى سواء بسواء. فحتى هذا المخبوء في جوف الأرض؛ إنما يتم تكوينه وتخزينه واختِلافه من مكان إلى مكان وفق أسباب من طبيعة الأرض ومن مجموعة تأثراتها بالشمس والقمر! والقرآن يجعل الكون الكبير ومشاهده العظيمة هي برهانه وحجته، وهي مجال النظر والتدبر للحق الذي جاء به. ويقف القلب أمام هذا الكون وقفة المتفكر المتدبر، اليقظ لعجائبه، الشاعر بيد الصانع وقدرته، المدرك لنواميسه الهائلة، بلفتة هادئة يسيرة، لا تحتاج إلى علم شاق عسير، إنما تحتاج إلى حس يقظ وقلب بصير. وكلما جلا آية من آيات الله في الكون وقف أمامها يسبح بحمد الله ويربط القلوب بالله: {قل الحمد لله. بل أكثرهم لا يعقلون}!. وبمناسبة الحديث عن الحياة في الأرض وعن الرزق والبسط فيه والقبض، يضع أمامه الميزان الدقيق للقيم كلها. فإذا الحياة الدنيا بأرزاقها ومتاعها لهو ولعب حين تقاس بالحياة في الدار الآخرة: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون}.. فهذه الحياة الدنيا في عمومها ليست إلا لهواً ولعباً حين لا ينظر فيها إلى الآخرة. حين تكون هي الغاية العليا للناس. حين يصبح المتاع فيها هو الغاية من الحياة. فأما الحياة الآخرة فهي الحياة الفائضة بالحيوية. هي {الحيوان} لشدة ما فيها من الحيوية والامتلاء. والقرآن لا يعني بهذا أن يحض على الزهد في متاع الدنيا والفرار منه وإلقائه بعيداً. إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه. إنما يعني مراعاة الآخرة في هذا المتاع، والوقوف فيه عند حدود الله. كما يقصد الاستعلاء عليه فلا تصبح النفس أسيرة له، يكلفها ما يكلفها فلا تتأبى عليه! والمسألة قيم يزنها بميزانها الصحيح. فهذه قيمة الدنيا وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرها المؤمن؛ ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها، مالكاً لحريته معتدلاً في نظرته: الدنيا لهو ولعب، والآخرة حياة مليئة بالحياة. وبعد هذه الوقفة للوزن والتقويم يمضي في عرض ما هم فيه من متناقضات: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا لله مخلصين له الدين. فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}.. وهذا كذلك من التناقض والاضطراب. فهم إذا ركبوا في الفلك؛ وأصبحوا على وجه اليم كاللعبة تتقاذفها الأمواج؛ لم يذكروا إلا الله. ولم يشعروا إلا بقوة واحدة يلجأون إليها هي قوة الله. ووحدوه في مشاعرهم وعلى ألسنتهم سواء؛ وأطاعوا فطرتهم التي تحس وحدانية الله: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} ونسوا وحي الفطرة المستقيم؛ ونسوا دعاءهم لله وحده مخلصين له الدين؛ وانحرفوا إلى الشرك بعد الإقرار والتسليم! وغاية هذا الانحراف أن ينتهي بهم إلى الكفر بما آتاهم الله من النعمة، وما آتاهم من الفطرة، وما آتاهم من البينة؛ وأن يتمتعوا متاع الحياة الدنيا المحدود إلى الأجل المقدور. ثم يكون بعد ذلك ما يكون، وهو الشر والسوء. {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون}... وهو التهديد من طرف خفي بسوء ما سوف يعلمون! ثم يذكرهم بنعمة الله عليهم في إعطائهم هذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه؛ فلا يذكرون نعمة الله ولا يشكرونها بتوحيده وعبادته. بل إنهم ليروعون المؤمنين فيه: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم؟ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون؟}.. ولقد كان أهل الحرم المكي يعيشون في أمن، يعظمهم الناس من أجل بيت الله، ومن حولهم القبائل تتناحر، ويفزع بعضهم بعضاً، فلا يجدون الأمان إلا في ظل البيت الذي آمنهم الله به وفيه. فكان عجيباً أن يجعلوا من بيت الله مسرحاً للأصنام، ولعبادة غير الله أياً كان! {أفبالباطل يؤمنون؟ وبنعمة الله يكفرون؟} {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه؟ أليس في جهنم مثوى للكافرين؟}.. وهم قد افتروا على الله الكذب بنسبة الشركاء إليه. وهم كذبوا بالحق لما جاءهم وجحدوا به. أليس في جهنم مثوى للكافرين؟ بلى وعن يقين! ويختم السورة بصورة الفريق الآخر. الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه؛ ويتصلوا به. الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا. الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس. الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب.. أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم، ولن ينسى جهادهم. إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم. وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم. وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم. وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وإن الله لمع المسحنين}..
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : اتل ما أوحي إليك من الكتاب}تفسير : [العنكبوت: 45] الآية، باعتبار ما تستلزمه تلك من متاركة المشركين والكف عن مجادلتهم بعد قوله تعالى {أية : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعْقِلُها إلا العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43] كما تقدم آنفاً. وقد كانت هذه توطئة لما سيحدث من الدعوة في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لأن مجادلة أهل الكتاب لا تَعرِض للنبيء صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين في مكة، ولكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في إبان نزول أواخِر هذه السورة على وشْك الهجرة إلى المدينة وكانت الآيات السابقة مجادلةً للمشركين غليظة عليهم من تمثيل حالهم بحال العنكبوت، وقوله {وما يعقِلُها إلى العالمون}هَيأ الله لرسوله عليه الصلاة والسلام طريقة مجادلة أهل الكتاب. فهذه الآية معترضة بين محاجّة المشركين والعود إليها في قوله تعالى {أية : وكذلك أنزلنا إليك الكتاب}تفسير : [العنكبوت: 47] الآيات. وجيء في النهي بصيغة الجمع ليعمّ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إذ قد تعرض للمسلمين مجادلات مع أهل الكتاب في غير حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو قبل قدومه المدينة. والمجادلة: مفاعلة من الجَدل، وهو إقامة الدليل على رأي اختلَف فيه صاحبه مع غيره، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ولا تجادل عن الذين يَخْتانون أنفسهم}تفسير : في سورة النساء (107). وبهذا يعلم أن لا علاقة لهذه الآية بحكم قتال أهل الكتاب حتى ينتقل من ذلك إلى أنها هل نسخت أم بقي حكمها لأن ذلك خروج بها عن مهيعها. والمجادلة تعرض في أوقات السلم وأوقات القتال. وأهل الكتاب}: اليهود والنصارى في اصطلاح القرآن. والمقصود هنا اليهود فهم الذين كانوا كثيرين في المدينة والقرى حولَها. ويشمل النصارى إن عرضت مجادلتهم مثل ما عرض مع نصارى نجران. و{بالتي هي أحسن}مستثنى من محذوف دل عليه المستثنى، تقديره: لا تجادلوهم بجدال إلا بجدال بالتي هي أحسن. و {أحسن}اسم تفضيل يجوز أن يكون على بابه فيقدر المفضّل عليه مما دلت عليه القرينة، أي بأحسن من مجادلتكم المشركين، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة المفاعلة. ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن، أي إلا بالمجادلة الحُسنى كقوله تعالى {أية : وجادِلْهم بالتي هي أحسن}تفسير : في آخر سورة النحل (125). فالله جعل الخيار للنبيء في مجادلة المشركين بين أن يُجادلهم بالحسنى كما اقتضته آية سورة النحل، وبين أن يجادلهم بالشدة كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [ التوبة: 73]، فإن الإغلاظ شامل لجميع المعاملات ومنها المجادلات ولا يختص بخصوص الجهاد فإن الجهاد كله إغلاظ فلا يكون عطف الإغلاظ على الجهاد إلاّ إغلاظاً غير الجهاد. ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب أن أهل الكتاب مؤمنون بالله غير مشركين به فهم متأهّلون لقبول الحجة غير مظنون بهم المكابرة ولأن آداب دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان الحجة دون إغلاظ حذراً من تنفيرهم، بخلاف المشركين فقد ظهر من تصلبهم وصَلفهم وجلافتهم ما أيأس من إقناعهم بالحجة النظرية وعيَّن أن يعاملوا بالغلظة وأن يبالغ في تهجين دينهم وتفظيع طريقتهم لأن ذلك أقرب نجوعاً لهم. وهكذا ينبغي أن يكون الحال في ابتداء مجادلة أهل الكتاب، وبقدر ما يسمح به رجاء الاهتداء من طريق اللين، فإن هم قابلوا الحسنى بضدها انتقل الحكم إلى الاستثناء الذي في قوله: {إلا الذين ظلموا منهم}. و {الذين ظلموا منهم}هم الذين كابروا وأظهروا العداء للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين وأبوا أن يتلقوا الدعوة فهؤلاء ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين حسداً وبغضاً على أن جاء الإسلام بنسخ شريعتهم، وجعلوا يكيدون للنبيءصلى الله عليه وسلم ونشأ منهم المنافقون وكل هذا ظلم واعتداء. وقد كان اليهود قبل هجرة المسلمين إلى المدينة مسالمين الإسلام وكانوا يقولون: إن محمداً رسول الأميين كماحديث : قال ابن صياد لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم "أتشهد أني رسول الله؟ فقال: أشهد أنك رسول الأميين"تفسير : . فلما جاء المدينة دعاهم في أول يوم قدم فيه وهو اليوم الذي أسلم فيه عبد الله بن سَلام فأخذوا من يومئذ يتنكرون للإسلام. وعطف {وقولوا ءامنا} إلى آخر الآية تعليم لمقدمة المجادلة {بالتي هي أحسن}. وهذا مما يسمى تحرير محل النزاع وتقريب شقة الخلاف وذلك تأصيل طرق الإلزام في المناظرة وهو أن يقال قد اتفقنا على كذا وكذا فلنحتجّ على ما عدا ذلك، فإن ما أمروا بقوله هنا مما اتفق عليه الفريقان فينبغي أن يكون هو السبيل إلى الوفاق وليس هو بداخل في حيّز المجادلة لأن المجادلة تقع في موضع الاختلاف ولأن ما أمروا بقوله هنا هو إخبار عمّا يعتقده المسلمون وإنما تكون المجادلة فيما يعتقده أهل الكتاب مما يخالف عقائد المسلمين مثل قوله: {أية : يا أهل الكتاب لِمَ تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بَعْده}تفسير : آل عمران: (65)إلى قوله: {أية : وما كان مِنَ المُشْركين}تفسير : . آل عمران: (67). ولأجل أن مضمون هذه الآية لا يدخل في حيّز المجادلة عطفت على ما قبلها ولو كانت مما شملته المجادلة لكان ذلك مقتضياً فصلها لأنها مثل بدل الاشتمال. ومعنى {بالذي أُنْزِلَ إلَيْنا} القرآن. والتعبير عنه بهذه الصلة للتنبيه على خطأ أهل الكتاب إذ جحدوا أن ينزل الله كتاباً على غير أنبيائهم، ولذلك عقب بقوله: {وأنزل إليكم}. وقوله: {وأنزل إليكم} عطف صلة اسم موصول محذوف دل عليه ما قبله. والتقدير: والذي أنزل إليكم، أي الكتاب وهو «التوراة» بقرينة قوله {إليكم}. والمعنى: إننا نؤمن بكتابكم فلا ينبغي أن تنحرفوا عنا وهذا كقوله تعالى: {أية : قُلْ يأهل الكِتَاب هل تَنْقِمون مِنَّا إلاّ أنْ آمنّا بالله وما أُنْزِل إليْنَا ومَا أُنْزِلَ مِن قَبْل}تفسير : [المائدة: 59]، وكذلك قوله: {وإلهَنا وإلهكُم واحِد}تذكير بأن المؤمنين واليهود يؤمنون بإله واحد. فهذان أصلان يختلف فيهما كثير من أهل الأديان. وقوله: {ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} مراد به كلاَ الفريقين، فريق المتكلمين وفريق المخاطبين. فيشمل المسلمين وأهلَ الكتاب فيكون المراد بوصف {مسلمون} أحد إطلاقيه وهو إسلام الوجه إلى الله، أي عدم الإشراك به، أي وكلانا مسلمون لله تعالى لا نشرك معه غيره. وتقديم المجرور على عامله في قوله: {لَهُ مُسْلِمُون} لإفادة الاختصاص تعريضاً بالمشركين الذين لم يفردوا الله بالإلهية.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا إيضاحه، وتفسير إلا الذين ظلموا منهم في آخر سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 46- ولا تجادلوا مخالفيكم من اليهود والنصارى إلا بالطريقة التى هى أهدأ وألين وأدعى إلى القبول. إلا الذين جاوزوا حد الاعتدال فى الجدال فلا حرج فى مقابلتهم بالشدة، وقولوا لمن تجادلونهم: صدَّقنا بما أنزل الله إلينا من القرآن وما أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، ومعبودنا ومعبودكم واحد، ونحن له - وحده - منقَادون. 47- وكما أنزلنا الكتب على - من قبلك من الرسل - أنزلنا إليك القرآن، فالذين آتيناهم الكتاب قبل القرآن فتدبروه واهتدوا به يؤمنون بهذا القرآن. ومن هؤلاء العرب من يؤمن به، وما يُنكر آياتنا - بعد ظهورها وزوال الشبهة عنها - إلا المصِرُّون على الكفر. 48- وما كنت تقرأ كتاباً من الكتب قبل القرآن، ولا كنت تكتب بيمينك، ولو كنت ممن يقرأ ويكتب لشك أهل الباطل فى أنه من عند الله. 49- ليس هذا الكتاب موْضع ارتياب، بل هو آيات واضحات محفوظة فى صدور الذين آتاهم الله العلم، وما يُنكر آياتنا - بعد العلم بها - إلا الظالمون للحق ولأنفسهم. 50- وقال الكفار فى جدالهم ولجاجهم: هلا أُنزل عليه معجزات حسية كالتى نزلت على الرسل من قبل؟. قل لهم: إنما المعجزات كلها من عند الله، ينزلها حين يشاء، وإنما أنا مكلف بالإنذار الواضح، لا الإتيان بما تقترحون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تجادلوا أهل الكتاب: أي لا تحاجوا ولا تناظروا اليهود ولا النصارى. إلا بالتي هي أحسن: أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وهي الدعوة إلى الله بآياته والتنبيه على حججه. إلا الذين ظلموا منهم: أي الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين بدفع الجزية وبقوا حربا على المسلمين. وكذلك أنزلنا إليك الكتاب: أي وكإِنزالنا الكتاب على من قبلك من الرسل أنزلنا إليك الكتاب. فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون: أي كعبد الله بن سلام وإخوانه الذين آمنوا بالرسول وكتابه. ومن هؤلاء من يؤمن به: أي ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به وفعلا آمن به كثيرون. ولا تخطه بيمينك: أي تكتب بيدك لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب. لارتاب المبطلون: أي لشك اليهود في نبوتك ونزول القرآن إليك. بل هو آيات بينات: أي محمد صلى الله عليه وسلم نعوته وصفاته آيات بينات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. وما يجحد بآياتنا إلا: أي وما يجحد بآيات الله الحاملة لنعوت الرسول الأمي وصفاته إلا الذين ظلموا أنفسهم بكتمان الحق والاستمرار على الباطل. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} هذا تعليم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يأخذون به مستقبلا عندما يتصلون بأهل الكتاب ويحتكون بهم فقال عز وجل مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من أمته {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الذين هم اليهود والنصارى فنهاهم عن مجادلتهم وهي خصامهم ومحاجتهم ومناظرتهم {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وذلك بدعوتهم إلى الله تعالى ليؤمنوا برسوله ويدخلوا في دينه الإِسلام والتنبيه على حجج الله وأدلة وحيه وكتابه. وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} وهم الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين ولم يؤدوا الجزية وناصبوا المسلمين الحرب والعداء فهؤلاء لا يجادلون ولكن يُحَكَّم فيهم السيف فيقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله تعالى: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. هذا تعليم آخر للمؤمنين وهو: إن أخبرهم أهل الكتاب بشيء لا يوجد في الإسلام ما يثبته ولا ما ينفيه وادّعوا هم أنه في كتابهم في هذه الحال فقولوا ما أرشدنا الله تعالى إلى قوله وهو: {آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى آخر الآية حتى لا نكون قد كذَّبنا بحق ولا آمنَّا بباطل، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا {آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. وقوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي وكإِنزالنا الكتب السابقة على رسل سبقوا كموسى وداود وعيسى عليهم السلام أنزلنا إليك أنت يا محمد الكتاب أي القرآن وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ}. فهذا إخبار بغيب فكما علّم الله تعالى المؤمنين كيف يكونون مع أهل الكتاب عندما يتصلون بهم ويعيشون معهم في المدينة وغيرها أخبر أن الذين آتاهم الكتاب أي التوراة والإنجيل وهم الراسخون في العلم يؤمنون أي بالقرآن وقد آمن عبد الله بن سلام وكثير من أحبار أهل الكتاب، وآمن من المشركين كثيرون فكان الأمر كما أخبر. وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} فهو كما أخبر لا يجحد بالآيات القرآنية ويكذّب بها إلا كافر مظلم النفس خبيثها وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} هو كما قال عز وجل لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قبل القرآن أيّ كتاب، ولا كان يخط بيمينه أيّ كتاب لأنه أُميّ لا يقرأ ولا يكتب أيْ فلو كان قبل نزول القرآن عليه يقرأ ويكتب لكان للمبطلين مجال للشك في صحة دعوى النبوة المحمدية ونزول القرآن عليه، ولكن لم يكن قبل القرآن يقرأ أيّ كتاب، ولم يكن يخط بيمينه أيّ خط ولا كتاب فلم يبق إذاً للمشركين ما يحتجون به أبداً. وقوله تعالى {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي بل الرسول ونعوته وصفاته ومنها وصف الأمية آيات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أُوتوا العلم من أهل الكتاب.. وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ} في التوراة والإنجيل والقرآن {إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ} أنفسهم من الماديين اليهود والنصارى الذين يأكلون ويَتَرأسُونَ على حساب الحق والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) مشروعية مجادلة أهل الكتاب من أهل الذِّمَّة بالتي هي أحسن. 2) حرمة سؤال أهل الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ". تفسير : 3) منع تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم إذا أخبروا بشيء ووجوب قول: {آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. 4) إخبار القرآن بالغيب قبل وقوعه فيقع كما أخبر فيكون ذلك آية على أنّه وحي الله تعالى. 5) تقرير صفة الأمية في النبي صلى الله عليه وسلم كما هي في الكتب السابقة.
القطان
تفسير : الجدَل: الحِجاج والمناظرة، مأخوذ من جدلَ الحبلَ وفتله، والمُناظر يفتل خصمه عن رأيه. مسلمون: مطيعون، خاضعون. وما يجحد بآياتنا: وما ينكر. اذاً لارتاب المبطلون: اذا لشك أهل الباطل. يؤكد القرآن الكريم على الدعوة بالرِّفق واللين، ومجادلة اهل الكتاب بالتي هي أحسن، ومقابلة الغضب والعصبية بالهدوء وكظم الغيظ، فيقول {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. ويقول: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125]. ويقول: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [المؤمنون:96]. هذه أوامر الله تعالى في القرآن الكريم، يأمرنا ان نتحلّى بالرفق واللين، وندعو ونجادل بالتي هي أحسن. لكننا مع الأسف نجد معظم الذين يرتدون في الظاهر زِيّ الدين، ويدعون الى الله - لا يتحلّون بهذه الاخلاق، فتجدهم على المنابر متشنّجين متشدّدين، وقد لا نظلمهم إذا قلنا ان بعضهم يتشنّج في خدمة جيبه، لا خدمة ربّه. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} اما الذين ظلمونا وحاربونا وناصبونا العداء فإن الله تعالى أمرنا ان نقابلهم بالمثل، حيث لا ينفع معهم الرفق ولا اللين. وفي مذابح لبنان وافغانستان شاهدٌ على ذلك. {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} قولوا لهم: آمنّا بالقرآن الذي أُنزل الينا، والتوراةِ والإنجيل، معبودُنا ومعبودكم واحد ونحن خاضعون له، ومنقادون لأمره. ثم بين الله انه لا عجبَ في إنزال القرآن على الرسول الكريم، فهو على مثال ما أُنزل من الكتب من قبل فقال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ}. كما أنزلنا الكتب على من قبلَك من الرسل أنزلنا إليك القرآن، فالذين آتيناهم الكتابَ قبل القرآن من اليهود والنصارى - يؤمنون به، اذ كانوا مصدّقين بنزوله حسب ما ورد في كتبهم. ومن هؤلاء العربِ من يؤمن به، وما يكذّب بآياتنا بعد ظهورها الا المصرّون على الكفر. ثم اكد الله إنزاله من عنده، وأزال الشبهة في افترائه فقال: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ}. ما كنتَ يا محمد تقرأ ولا تكتب من قبل ان ينزل اليك القرآن، وهذا أمرٌ يعلمه جميعُ أهل مكة، ولو كنتَ تقرأ وتكتب لشكّ أهل الباطل في أن هذا القرآن من عند الله. ثم اكد ما سلف وبيّن ان هذا القرآن منزلٌ من عند الله حقا فقال: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ}. ان هذا القرآن لا يمكن ان يكون موضعَ ارتياب، بل هو آياتٌ واضحات محفوظة في صدور الذين آتاهم الله العلم. ولا ينكر آياتنا الا الظالمون للحقّ ولأنفسِهم، الذين لا يَعدلِون في تقدير الحقائق وتقويم الأمور.
د. أسعد حومد
تفسير : {تُجَادِلُوۤاْ} {ٱلْكِتَابِ} {آمَنَّا} {وَاحِدٌ} (46) - قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِنَّ هذهِ الآيةَ مَنْسُوخَةٌ بآيةِ السَّيفِ. وقالَ آخَرون إنها بَاقِيةٌ مُحْكَمَةٌ. وفي هذهِ الآيةِ يَأمرُ اللهُ المُؤمنينَ بمُجَادَلةِ اليَهودِ والنَّصَارَى (أَهْلِ الكِتَابِ) الذينَ يُريدُونَ المَعرِفَةَ والاستِبصَارَ في الدِّين، بِاللِينِ والرِّفْقِ، أَما الذينَ ظَلَمُوا، وعَانَدُوا، وأَرَادُوا بمُجَادَلَتِهِم الإِسَاءَةَ إِلى الإِسْلامِ، وإِيذَاء المُسلِمِينَ فَهؤُلاءِ يُجَادَلُونَ بالسَّيفِ. (وقَالَ سَعيدُ بْنُ جُبَيرٍ: المَقْصُودُ بالذِينَ ظَلَمُوا هُنا: الذينَ عَادوا الرَّسُولَ، وقاَتَلُوهُ، وآذوْهُ، فَيُحَارَبُونَ بالسَّيفِ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعطُوا الجِزْيَةَ). ثمّ يقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤمِنينَ: إِذا جَادَلَكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ بِمَا في دِينِهِمْ وكِتَابِهِمْ، وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا يَقُولُ فقُولُوا لهُ: آمَنَّا بِمَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِنا، وَمَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِ اللهِ إليكُم، وَإِنَّ إِلهَنا وَإِلهَكُمْ وَاحِدٌ، وقَدْ أَسْلَمْنَا إِليهِ وُجُوهَنَا، وَخَضَعْنَا لهُ خُضُوعاً تاماً. (وَقَالَ أَبو هُرَيْرَة: " حديث : كَانَ أَهْلُ الكِتَابَ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَها بالعَرَبيَّةِ لأََهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ تُصَدِّقُوا أَهلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَينا..." تفسير : (الآية).
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه، وأصله شدة الفتل ومنه قيل للصقر: أجدل لشدة فتل بدنه وقوة خلقه، وقيل: الجدال من الجدالة وهو أن يروم كل واحد من الخصمين قهر صاحبه وصرعه على الجدالة وهي الأرض. {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول والدعاء إلى الله والبينة على آيات الله وحججه. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} قال مجاهد: يعني إن قالوا شراً فقولوا خيراً {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فأولئك انتصروا منهم وجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية. قال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب من لا عهد لهم فجادلوهم بالسيف. ابن زيد: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم. ومجاز الآية: إلاّ الذين ظلموكم لأنّ جميعهم ظالم. وقال قتادة ومقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 29]... الآية. {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى،قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري: حديث : إنّ أبا نملة أخبره واسمه (عمّار) إنّه بينما هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة. فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم"، فقال اليهودي: إنّها تتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقاً لم تكذبوهم» . تفسير : وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"تفسير : {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}... الآية". وروى سفيان ومسعود، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: بينما رجل من أهل الكتاب يحدث أصحابه وهم يسبّحون كلما ذكر شيئاً من أمرهم، قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: "حديث : لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولكن {قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} ".تفسير : {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ} أي وكما أنزلنا الكتاب عليهم. {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ} الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} قال قتادة: إنّما يكون الجحود بعد المعرفة. {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ} يا محمد {مِن قَبْلِهِ} أي من قبل هذا الكتاب الذي أنزلنا عليك {مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ} تكتبه {بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعني: لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي إذاً لشك المبطلون أي المشركون من أهل مكة وقالوا: هذا شيء تعلّمه محمد وكتبه، قاله قتادة. وقال مقاتل: {ٱلْمُبْطِلُونَ} هم اليهود، ومعنى الآية: إذا لشكّوا فيك واتهموك يا محمد، وقالوا: إنّ الذي نجد نعته في التوراة هو أمي لا يقرأ ولا يكتب. {بَلْ هُوَ} يعني القرآن {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} عن الحسن، وقال ابن عباس وقتادة: بل هو يعني محمد صلى الله عليه وسلم والعلم بأنّه أمي {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ} أهل العلم من أهل الكتاب يجدونها في كتبهم. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود وابن السميقع {بل هي آيات}. {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ * وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} كما أنزل على الأنبياء قبلك، قرأ ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب وعاصم برواية أبي بكر {ءَايَةً} على الواحد، الباقون {آيَاتٌ} بالجمع واختاره أبو عبيد لقوله: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} حتى إذا شاء أرسلها، وليست عندي ولا بيدي. {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} هذا جواب لقولهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ}، وروى حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة حديث : أنّ أناساً من المسلمين أتوا نبي الله(عليه السلام) بكتب قد كتبوها فيها بعض ما يقول اليهود فلما أن نظر فيها ألقاها ثم قال: "كفى بها حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم إلى قوم غيرهم"، فنزلت {أو لم يكفهم}... الآية . تفسير : {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء وقال: عجل لنا قطنا. {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} في نزول العذاب، وقال ابن عباس: يعني ما وعدتك أن لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، بيانه قوله: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}تفسير : [القمر: 46]... الآية، وقال الضحاك: يعني مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: يوم بدر. {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} يعني العذاب وقيل: الأجل {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} لا يبقى منهم أحد إلاّ دخلها، وقيل: هو متصل بقوله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ} يصيبهم {ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنّم. {وَيِقُولُ} بالياء كوفي ونافع وأيوب، غيرهم بالنون {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يُعلِّمنا كيف نجادل أهل الكتاب، وقبل أن نتكلم عن ألوان الجدل في القرآن الكريم نقول: ما معنى الجدل؟ الجدل: مأخوذ من الجَدْل، وهو فَتْل الشيء ليشتد بعد أنْ كان ليناً كما نفتل حبالنا في الريف، فالقطن أو الصوف مثلاً يكون منتفشاً يأخذ حيزاً واسعاً، فإذا أردْنا أن نأخذ منه خيطاً جمعنا بعض الشعيرات ليُقوِّي بعضها بعضاً بلفِّها حول بعضها، وبجَدْل الخيوط نصنع الحبال لتكون أقوى، وعلى قَدْر الغاية التي يُراد لها الحبل تكون قوته. ومن الجدل أُخِذ الجدال والجدَل والمجادلة، وفي معناها: الحوار والحجاج والمناظرة، ومعناه أن يوجد فريقان لكل منهما مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي: ليلفته عن مذهبه إلى مذهبه هو. فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحِجَاج أو المناظرة فهذا الاسم يكفي، لكن إنْ دخل الجدال إلى مِراءٍ أو لجاجة، فليس القصد هو الحق، إنما أنْ يتغلَّب أحد الفريقين على الآخر، والجدل في هذه الحالة له أسماء متعددة، منها قوله تعالى: {أية : لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ ..} تفسير : [المؤمنون: 75]. لكن إذا فَتَلْنا الشيء المنفوش حتى صار مُضْمراً، وأخذ من الضمر قوة، أأنت تجعل في الجدل خَصْمك قوياً؟ إنك تحاول أنْ تُقوِّي نفسك في مواجهته. قالوا: حين أنهاه عن الباطل وأعطفه ناحية الحق، فإنه يقوي يقينه في شيء ينفعه، وكأنه كان منتفشاً آخذاً حيِّزاً أكبر من حجمه بالباطل الذي كان عليه، فأنا قوّيته بالحق. وفي العامية نقول (فلان منفوخ على الفاضي) أو نقول (فلان نافش ريشه) كأنه أخذ حيزاً أكبر من حجمه. لذلك نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل، إنما تغلُّبك لحق ينفع الغير ويُقويه ويردّه إلى حجمه الطبيعي. أو: أن الجدل مأخوذ من الجدال وهي الأرض، كأن يطرح القوي الضعيف أرضاً في صراع مثلاً. والجدال يكون بين شخصين، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به، فحين تجادله تريد أنْ تُخرِجه عن رأيه الذي يألف إلى رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده، فأنت تجمع عليه أمرين: أنْ تُخرجه عما أَلِف واعتاد إلى ما لم يألف، فلا يكُنْ ذلك بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين. فعليك إذن باللين والاستمالة برفق؛ لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رحمه الله: فلا تجعله جبلاً، ولا ترسله جَدَلاً، وعادة ما يُظهِر الناصح أنه أفضل من المنصوح. ويقولون: الحقائق مرة، فاستعيروا لها خِفَّة البيان؛ لأنك تُخِرج خَصْمك عما أَلِف، فلا تخرجه عما ألف بما يكره، بل بما يحب. والإنسان قد يُعبِّر عن الحقيقة الواحدة تعبيراً يُكره، ويُعبِّر عنها تعبيراً يُحب وترتاح إليه، كالملك الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطتْ، فطلب مَنْ يُعبِّر له ما رأى، فجاءه المعبِّر واستمع منه، ثم قال: معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك جميعاً سيموتون، فتشاءم من هذا التعبير ولم يُعجبه، فأرسلوا إلى آخر فقال: هذا يعني أنك ستكون أطولَ أهل بيتك عُمراً، فَسُرَّ الملك بقوله. فهنا المعنى واحد، لكن أسلوب العرض مختلف. ودخل رجل على آخر، فوجده يبكي فقال: ما يُبكيك؟ قال: أخذْتُ ظلماً، فتعجب وقال: فكيف بك إذا أُخِذْتَ عدلاً؟ أكنت تضحك. والمعنى أن مَنْ أُخذ ظلماً لا ينبغي له أن يحزن؛ لأنه لم يفعل شيئاً يشينه، والأَوْلَى بالبكاء من أُخذ عدلاً وبحقٍّ. ورجل قُتِل له عزيز فجلس يصرخ ويولول، فدخل عليه صاحبه مُواسياً فقال له الرجل: إن ابني قُتِل ظلماً، فقال صاحبه: الحمد لله الذي جعل منك المقتول، ولم يجعل منك القاتل. إذن: سلامة المنطق وخِفَّة البيان أمر مهم، وعلى المجادل أن يراعي بيانه، وأن يتحين الفرصة المناسبة، فلا تجادل خصمك وهو غضبان منك أو وأنت غضبان منه. قالوا: مَرَّ رجل فوجد صبياً يغرق في البحر، فلم ينتظر حتى يخلع ثيابه، وألقى بنفسه وأنقذ الصبي، ثم أخذ يضربه ويلطمه، والولد يقول: شكراً لك بارك الله فيك، لماذا؟ لأنه قسا عليه بعد أنْ أنقذه، لكن ما الحال لو وقف على البَرِّ، وكال له الشتائم وعنَّفه، لماذا ينزل البحر وهو لا يعرف العوم؟ لذلك يقول الحكماء: آسِ ثم انصح. لذلك يُعلِّمنا ربنا - عز وجل - أصول الجدل وآدابه؛ لأنه يريد أن يُخرِج بهذا الجدل أناساً من الكفر إلى الإيمان، ومن الجحود إلى اليقين، وهذا لا يتأتّى إلا باللطف واللين، كما قال سبحانه: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125]. ويُعلِّمنا سبحانه أن للجدل مراتبَ بحسب حالة الخَصم، فالذي ينكر وجود الله له جدل مخصوص، والذي يؤمن بوجود الله ويقول: إن معه شريكاً. له جدل آخر، ومَنْ يؤمن بالله ويقول سأتبع نبييِّ ولن أتبعك له جدل آخر وبشكل خاص، والمختلفون معك من أهل مِلَّتك لهم جدل يليق بحالهم. إذن: للجدل مراتب نلحظها في أسلوب القرآن، فبم جادل الذين لا يؤمنون بوجود إله؟ قال: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} تفسير : [الطور: 35-36]. فأتى لهم بمسألة الخَلْق الظاهرة التي لم يدَّعها أحد، ولا يجرؤ أحد على إنكارها، حتى المشركون والملاحدة؛ لأن أتفه الأشياء في صناعاتهم يعرفون صانعها، ويُقرُّون له بصنعته، ولو كانت كوباً من زجاج أو حتى قلم رصاص، لا بُدَّ أن لكل صنعة صانعاً يناسبها. أليس مَنْ خلق السماوات والأرض والشمس والقمر .. إلخ أَوْلَى بأن يعترفوا له سبحانه بالخَلْق؟ وهم أنفسهم مخلوقون ولم يقولوا إنَّا خلقنا أنفسنا، ولم يقولوا خلقنا غيرنا، فمَنْ خلقهم إذن؟ وقلنا: إن الدَّعْوى تثبت لصاحبها ما لم يَقُم لها معارض، والحق - سبحانه وتعالى - قال علانية، وعلى لسان رسله، وفي قرآن يُتْلَى إلى يوم القيامة، وأسمع الجميع: أنا خالق هذا الكون. فإنْ قال معاند: فَمَنْ خلق الله؟ نقول: الذي خلقه عليه أن يعلن عن نفسه. والحق سبحانه شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18] ولم يقُلْ أحد أنا الإله. إذن: الذين ينكرون الخالق لا حَقَّ لهم. هذا في جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الله. أما الذين يؤمنون بوجود الله، لكن يتخذون معه سبحانه شركاء، فنجادلهم على النحو التالي: شركاؤكم مع الله غَيْب أم شهادة؟ إنْ قالوا: غَيْب فإن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية. وقال: أنا واحد لا شريك لي، فأين كان شركاؤكم؟ لماذا لم يدافعوا عن ألوهيتهم مع الله؟ إما لأنهم ما دروا بهذا الإعلان، وإما أنهم دَرَوا وعجزوا عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين تنتفي عنهم صفة الألوهية، فأيُّ إله هذا الذي لا يدري بما يدور حوله، أو يجبن عن مواجهة خَصْمه؟ فإنْ قالوا: شركاؤنا الأصنام والأشجار والكواكب وغيرها، فهذه من صُنْع أيديهم، فكيف يعبدونها، ثم هي آلهة لا منهجَ لها ولا تكاليفَ، وإلا فبماذا أمرتهم وعَمَّ نهتْهم؟ إذن: عبادتهم لها باطلة. ثم نسأل الذين يتخذون مع الله شركاء: أهؤلاء الذين تشركونهم مع الله يتواردون على الأشياء بقدرة واحدة، أم يتناوبون عليها، كل منهم بقدر على شيء معين؟ إنْ كانوا يزاولون الأشياء بقدرة واحدة، فواحد منهم يكفي والباقون لا فائدة منهم، وإنْ كانوا يتناوبون على الأشياء، فكلٌّ منهم قادر على شيء عاجز عن الشيء الآخر، والإله لا يكون عاجزاً. وقد رَدَّ الحق سبحانه على هؤلاء بقوله تعالى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] أي: لَذهبوا إليه إما ليُعنِّفوه ويُصَفّوا حساباتهم معه، وكيف أخذ الأمر لنفسه، وإما ليتوددوا إليه ويعاونوه. وفي موضع آخر: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91]. وبعد أنْ بينَّا جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الإله وجدال أهل الشرك نجادل أهل الكتاب، وهم ألطفُ من سابقيهم؛ لأنهم مؤمنون بإله وأنه الخالق، ومؤمنون بالبلاغ عن الله، ومؤمنون بالكتب التي نزلت، والخلاف بيننا وبينهم أنهم لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم في حين نؤمن نحن برسلهم وكتبهم، وهذه أول مَيزة تميَّز بها الإسلام على الأديان الأخرى. ونقول لهؤلاء: لقد آمنت برسولك، وقد سبقه رسل، فلماذا تنكر أن يأتي رسول بعده؟ ثم هل جاء الرسول بعد رسولك ليناقضه في أصول الأشياء؟ إنهم جميعاً متفقون على أصول العقيدة والأخلاق، متفقون على أنهم عباد لله متحابون، فلماذا تختلفون أنتم؟ فربنا - تبارك وتعالى - يُعلِّمنا {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [العنكبوت: 46] لأنهم ليسوا ملاحدة ولا مشركين، فهُمْ مؤمنون بإلهكم وبالرسل وبالكتب، غاية ما هنالك أنهم لا يؤمنون برسولكم. لذلك يعترض بعض الناس: كيف يبيح الإسلام أنْ يتزوج المسلم من كتابية، ولا يبيح للمسلمة أن تتزوج كتابياً؟ نقول: لأن أصل القِوَامة في الزواج للرجل، والزوج المؤمن حين يتزوج كتابية مؤمن برسولها، أما الزوج الكتابي فغير مؤمن برسول المؤمنة، فالفَرْق بينهما كبير. ومعنى: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [العنكبوت: 46] أن في الجدال حسناً وأحسن، وقد سبق الجدال الحسن في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] ونوح عليه السلام يتلطف في جدال قومه، فيقول: {أية : قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} تفسير : [هود: 35]. فينسب الافتراء إلى نفسه، ويتهم نفسه بالإجرام إنِ افترى، فإنْ لم يكُنْ هو المفتر، وهو المجرم فَهُمْ. ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في جدال قومه: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 25] فيذكر صلى الله عليه وسلم الجريمة في حقه هو ولا يذكرها في حَقِّ المعاندين المكذِّبين، فأيُّ أدب في الدعوة أرفع من هذا الأدب؟ إذن: جادل غير المؤمنين بالحسن، وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، لما يمتازون به عن غيرهم من ميزة الإيمان بالله. فإنْ تعدَّوْا وظلموا أنفسهم في مسألة القمة الإيمانية، فادعوا أن لله ولداً أو غيره، فإِنهم بذلك يدخلون في صفوف سابقيهم من المشركين، فإنْ كنا مأمورين بأن نجادلهم بالتي هي أحسن وقالوا بهذا القول، فعلينا أن نجادلهم بما يقابل الأحسن، نجادلهم إما بالحسن، وإما بغير الحسن أي: بالسيف. لكن، هل يفرض السيف عقائد؟ السيف لا يأخذ من الناس إلا قوالبهم. أمّا القلوب فلا يخضعها إلا الإيمان، والله تعالى لا يريد قوالب، إنما يريد قلوباً. واقرأ قوله تعالى في سورة الشعراء: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4] فإنِ أراد سبحانه قَهْر القوالب والقلوب على الخضوع، بحيث لا يستطيع أحد أنْ يتأبَّى على الإيمان ما وُجد كافر، وما كفر الكافر إلا لما أعطاه الله من منطقة الاختيار؛ فالحق سبحانه يريد منّا قلوباً تحبه سبحانه وتعبده؛ لأنه سبحانه يستحق أنْ يُعبد. إذن: الذين يخرجون عن نطاق الكتابية بتجاوزهم الحدَّ، وقولهم أن عيسى ابن الله، أو أن الله ثالث ثلاثة، إنما يدخلون في نطاق الشرك والكفر، ولن نقول لهؤلاء: اتبعوا رسولنا، وإنما اتبعوا رسولكم، والكتاب الذي جاءكم به من عند الله، وسوف تجدون فيه البشارة بمحمد {أية : ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..} تفسير : [الأعراف: 157]. إذن: فحين تكفر فأنت لا تكفر بمحمد ولا بالقرآن، إنما تكفر أولاً بكتابك أنت؛ لذلك يعلمنا الحق سبحانه: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ..} تفسير : [المائدة: 17] وقال أيضاً: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ..} تفسير : [المائدة: 73]. أي: لا تعاملوهم على أنهم كتابيون، ولما سُئلْنا في الخارج من أبنائنا الذين يرغبون في الزواج من أجنبيات، فكنت أقول للواحد منهم: سَلْها أولاً: ماذا تقول في عيسى، فإنْ قالت هو رسول الله فتزوجها وأنت مطمئن؛ لأنها كتابية، وإن قالت: ابْن الله، فعاملها على أنها كافرة ومشركة. هذا في معنى قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ..} [العنكبوت: 46] ونحن لا نحمل السيف في وجه هؤلاء؛ لأن السيف ما جاء إلا ليحمي اختيار المختار، فلي أنْ أعرض ديني، وأنْ أُعلنه وأشرحه، فإنْ منعوني من هذه فلهم السيف، وإنْ تركوني أعلن عن ديني فهم أحرار، يؤمنون أو لا يؤمنون. إنْ آمنوا فأهلاً وسهلاً، وإنْ لم يؤمنوا فهم أهل ذمة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويدفعون الجزية نظير ما يتمتعون به في بلادنا، ونظير حمايتنا لهم، وما نُقدِّمه لهم من خدمات، وإلا فكيف نفرض على المؤمنين الزكاة ونترك هؤلاء لا يقدمون شيئاً؟ لذلك نرى الكثيرين من أعداء الإسلام يعترضون على مسألة دَفْع الجزية، ويروْنَ أن الإسلام فُرِض بقوة السيف، وهذا قول يناقض بعضه بعضاً، فما فرضنا عليكم الجزية إلا لأننا تركناكم تعيشون معنا على دينكم، ولو أرغمناكم على الإسلام ما كان عليكم جزية. والحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ..} تفسير : [البقرة: 256] لأنني لا أُكرهك على شيء إلا إذا كنتَ ضعيف الحجة، وما دام أن الرشدْ بيِّن والغيّ بيِّن، فلا داعي للإكراه إذن. لكن البعض يفهم هذه الآية فهماً خاطئاً فحين تقول له: صَلِّ يقول لك {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256] ونقول له: لم تفهم المراد، فلا إكراه في أصل الدين في أنْ تؤمن أو لا تؤمن، فأنت في هذه حُرٌّ، أما إذا آمنتَ وأعلنتَ أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليس لك أن تكسر حَدّاً من حدود الإسلام، وفَرْق بين "لا إكراه في الدين" و "لا إكراه في التدين". ومن حكمة الإسلام أن يعلن حكم الردة لمن أراد أنْ يؤمن، نقول له قف قبل أن تدخل الإسلام، اعلم أنك إنْ تراجعت عنه وارتددتَ قتلناك، وهذا الحكْم يضع العقبة أمام الراغب في الإسلام حتى يفكر أولاً، ولا يقدم عليه إلا على بصيرة وبينة. وإذا قيل {أَهْلَ ٱلْكِتَابِ ..} [العنكبوت: 46] أي: الكتاب المنزَّل من الله، وقد علَّم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يجادل المشركين بقوله: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] فعلم الرسول أن يرجع إلى أهل الكتاب، وأنْ يأخذ بشهادتهم، وفي موضع آخر علَّمه أن يقول لمن امتنع عن الإيمان: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. إذن: فرسولنا يستشهد بكم، لما عندكم من البينات الواضحة والدلائل على صدقه. حتى قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ولم لا يعرفونه وقد ذُكر في كتبهم باسمه ووصفه: {أية : ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..} تفسير : [الأعراف: 157]. ثم ألم يحدث منكم أنكم كنتم تستفتحون به على المشركين في المدينة، وتقولون: لقد أطلَّ زمان نبي يُبعث في مكة، فنتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم؟ فلما جاءكم النبي الذي تعرفون أنكرتموه وكفرتم به: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. كيف يستشهد الله على صدق رسوله بكم وبكتبكم ثم تكذبون؟ قالوا: كذَّبوا لما لهم من سلطة زمنية يخافون عليها، ورأوا أن الإسلام سيسلبهم إياها. وكلمة {بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [العنكبوت: 46] وردت في القرآن، لكن في غير الجدل في الدين، وردت في كل شيء يُوجب جدلاً بين أُناس؛ وذلك في قوله سبحانه: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. وقد جاءني رجل يذكر هذه الآية، وما يترتب على الإحسان، يقول: عملتُ بالآية فلم أجد الولي الحميم؟ قلت له: كوْنك تحمل هذا الأمر في رٍأسك دليل على أنك لم تدفع بالتي هي أحسن؛ لأن الله تعالى لا يقرر قضية قرآنية، ويُكذِّبها واقع الحياة، فإنْ دفعتَ بالتي هي أحسن بحقٍّ لا بُدَّ وأنْ تجد خَصْمك كأنه وليٌّ حميم. لذلك يقول أحد العارفين: شعر : يَا مَنْ تُضَايِقه الفِعَالُ مِنَ التِي وَمِنَ الذِي ادْفَعْ فديْتُكَ بالتي حتَّى تَرى فإذَا الذي تفسير : والمعنى: من التي تسيء إليك، أو الذي يسيء إليك {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [فصلت: 34] حتى ترى {أية : فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. وأذكر أنه جاءني شاب يقول: إن عمي مُوسِر، وأنا فقير، وهو يتركني ويتمتع بماله غيري، فقلت له: بالله أتحب النعمة عند عمك؟ فسكت، قلت له: إذن أنت لا تحبها عنده، لكن اعلم أن النعمة تحب صاحبها أكثر من حُبِّ صاحبها لها؛ لذلك لا تذهب إلى كارهها عند صاحبها. فما عليك إلا أنْ تثوب إلى الحق، وأنْ تتخلص مما تجد في قلبك لعمك، وثِقْ بأن الله هو الرزاق، وإنْ أردتَ نعمة رأيتها عند أحد فأحببها عنده، وسوف تأتيك إلى بابك، لأنك حين تكره النعمة عند غيرك تعترض على قدر الله. بعد هذا الحوار مع الرجل - والله يشهد - دَقَّ جرس الباب، فإذا به يقول لي: أما دريتَ بما حدث؟ قلت: ماذا؟ قال: جاءني عمي قبل الفجر بساعة، فلما أنْ فتحت له الباب انهال عليَّ ضَرْباً وشَتْماً يقول: لماذا تتركني للأجانب يأكلون مالي وأنت موجود؟ ثم أعطاني المفاتيح وقال: من الصباح تباشر عملي بنفسك. فقلت له: لقد أحببتها عند عمك، فجاءت تطرق بابك. وقوله سبحانه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ..} [العنكبوت: 46] أي: ظلموا أنفسهم بالشرك؛ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] تظلم نفسك لا تظلم الله؛ لأن الظالم يكون أقوى من المظلوم. وجعل الشرك ظلماً عظيماً لأنه ذنبٌ لا يغفر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النساء: 116]. فالشرك ظلم عظيم عليك نفسك، أما الذنوب دون الشرك فلها مخرج، وقد تنفكّ عنها إما بالتوبة وإما برحمة الله ومغفرته. ثم يُعلِّمنا الحق - تبارك وتعالى - التي هي أحسن في الردِّ على الذين ظلموا منهم: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]. يعني: فعلامَ الاختلاف، ما دام أن الإله واحد، وما دام أن كتابكم يذكر الرسول الذي يأتي بعد رسولكم، وقد سبق رسولكم رسل، فكان يجب عليكم أن تؤمنوا به، وأنْ تُصدِّقوه. جاءت امرأة تشتكي أن زوجها لم يُوف بما وعدها به، وقد اشترطتْ عليه قبل الزواج ألاَّ يذهب إلى زوجته الأولى، فقُلْت لها: يعني أنت الثانية وقد رضيت به وهو متزوج؟ قالت: نعم، قلت: فلماذا رضيتِ به؟ قالت: أعجبني وأعجبته، قلت: فلا مانع إذن أنْ تعجبه أخرى فيتزوجها، وتقول له: إياك أنْ تذهب إلى الثانية، فهل هذا يعجبك؟ إذن: فاحترمي حقَّ الأولى فيه، لتحترم الثالثة حقك فيه، فقامت وانصرفت. وقال: {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ ..} [العنكبوت: 46] لأن الكلام هنا للذين ظلموا وقالوا بالتعدد. وهنا قال تعالى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ولم يقل مثلاً: ونحن به مؤمنون، ولماذا؟ لأن الإيمان عقيدة قلبية أنْ تؤمن بإله، أمّا الإيمان فليس كلاماً، الإيمان أن تثق به، وأنْ تأمنه على أنْ يُشرِّع لك، وأنْ تُسلم له الأمر "افعل كذا" "ولا تفعل كذا"، وهناك أناس ليسوا بمؤمنين بقلوبهم، ومع ذلك يعملون عمل المسلمين، إنهم المنافقون. لذلك يقول تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 14]. إذن: فَرْق بين إيمان وإسلام، فقد يتوفر أحدهما دون الآخر؛ لذلك قال سبحانه {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} تفسير : [العصر: 1-3] فقال هنا: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] يعني: مُنفِّذين لتعاليم ديننا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الآية: 46]. يقول: إِن قالوا شرا فقولوا خيراً. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}. يعني: أَنهم قالوا: مع الله إِله. وقالوا: له ولد، وله شريك ويده مغلولة، هو فقير، تبارك وتعالى، وأُوذي محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أَهل الكتاب. فقال الله عز وجل: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}. يقول: فانتصروا منهم. [الآية: 46]. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا شريك عن سالم الأَفطس، عن سعيد بن جبير في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [الآية: 46]. قال: هم أَهل الحرب ومن لا عهد له. يقول: جاهدوهم بالسيف. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} [الآية: 46]. يعني: لمن لم يقل هذا من أَهل الكتاب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الآية: 48]. يعني: قريشا. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} [الآية: 56]. يقول: هاجروا وجاهدوا. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا} [الآية: 60]. قال: منها البهائم والطير لاتحمل رزقها. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} [الآية: 64]. يقول: لا موت فيها.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى ضلال من اتخذ أولياء من دون الله، وضرب المثل ببيت العنكبوت، أمر هنا بالتلطف في دعوة أهل الكتاب إلى الإِيمان، ثم ذكر البراهين القاطعة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة القرآن، وختم السورة الكريمة ببيان المانع من التوحيد وهو اغترار الناس بالحياة الدنيا الفانية، وبيَّن أن المشركين يوحدون الله وقت الشدة، وينسونه وقت الرخاء. اللغَة: {بَغْتَةً} فجأة يقال: بَغَتَه إذا دهمه على حين غفلة {يَغْشَاهُمُ} يجللهم ويغطيهم من فوقهم، والغشاء: الغطاء {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} بوَّأه: أنزله في المكان على وجه الإِقامة {غُرَفَاً} منازل رفيعة عالية في الجنة {يُؤْفَكُونَ} يُصرفون عن الحق إلى الباطل {يَبْسُطُ} يوسّع {وَيَقْدِرُ} يضيق {مَثْوًى} المكان اليذي يقيم فيه الإِنسان. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين بالهجرة حين آذاهم المشركون فقال لهم: اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا الظلمة، قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا ولا من يسقينا فنزلت {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ..} الآية. التفسِير: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي لا تدعو أهل الكتاب إلى الإِسلام وتناقشوهم في أَمر الدين إلا بالطريقة الحسنى كالدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه وبيناته {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} أي إلا من كان ظالماً، محارباً لكم، مجاهداً في عداوتكم، فجادلوهم بالغلظة والشدة قال الإِمام الفخر: إن المشرك لما جاء بالمنكر الفظيع كان اللائق أن يُجادل بالأخشن، ويُبالغ في توهين شبهه وتهجين مذهبه، وأما أهل الكتاب فإنهم آمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام، فلمقابلة إحسانهم يُجادلون بالأحسن إلا الذين ظلموا منهم بإثبات الولد لله، والقول بثالث ثلاثة فإنهم يُجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم، وتبيين جهالتهم {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} أي وقولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أُنزل إلينا وبالتوراة والإِنجيل التي أنزلت إليكم، قال أبو هريرة: حديث : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} تفسير : {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي ربنا وربكم واحد لا شريك له في الألوهية، ونحن له مطيعون، مستسلمون لحكمه وأمره {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد أنزلناه عليك {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي فالذين أعطيناهم الكتاب كعبد الله ابن سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى يؤمنون بالقرآن {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي ومن أهل مكة من يؤمن بالقرآن كذلك {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} أي وما يكذب بآياتنا وينكرها مع ظهورها وقيام الحجة عليها إلا المتوغلون في الكفر، المصرّون على العناد قال قتادة: وإنما يكون الجحود بعد المعرفة {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} أي وما كنتَ يا محمد تعرف القراءة ولا الكتابة قبل نزول هذا القرآن لأنك أميٌ قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ شيئاً ولا يكتب {إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي لو كنت تقرأ أو تكتب إذاً لشك الكفار في القرآن وقالوا؛ لعله التقطه من كتب الأوائل ونسبه إلى الله، والآيةُ احتجاجٌ على أن القرآن من عند الله، لأنه النبي أميّ وجاءهم بهذا الكتاب المعجز، المتضمن لأخبار الأمم السابقة، والأمور الغيبية، وذلك أكبر برهان على صدقه صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير: المعنى قد لبثت في قومك يا محمد - من قبل أن تأتي بهذا القرآن - عمراً لا تقرأ كتاباً، ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك يعرف أنك أميٌ لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة، ولا يخط حرفاً ولا سطراً بيده، بل كان له كتَّاب يكتبون له الوحي {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} {بَلْ} للإِضراب أي ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون بل هو آياتٌ واضحاتُ الإِعجاز، ساطعات الدلالة على أنها من عند الله، محفوظة في صدور العلماء، قال المفسرون: من خصائص القرآن العظيم أنَّ الله حفظه من التبديل والتغيير بطريقين: الأول: الحفظُ في السطور، والثاني: الحفظُ في الصدور، بخلاف غيره من الكتب فإنها مسطّرة لديهم غير محفوظة في صدورهم ولهذا دخلها التحريف، وقد جاء في صفة هذه الأمة "أناجيلُهم في صدروهم" وقال الحسن: أُعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظ ما فيه إلا النبيّون {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ} أي وما يكذب بها إلا المتجاوزون الحد في الكفر والعناد {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} أي وقال كفار مكة: هلاَّ أُنزل على محمد آيات خارقة من ربه تدل على صدقه مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى!! {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد: إنما أمر هذه الخوارق والمعجزات لله وليست بيدي، إن شاء أرسلها، وإن شاء منعها، وليس لأحدٍ دخلٌ فيها {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي وإنما أنا منذر أخوفكم عذاب الله، وليس من شأني أن آتي بالآيات {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}؟ الاستفهام للتوبيخ أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي لا يزال يقرع أسماعهم؟ وكيف يطلبون آيةً والقرآن أعظم الآيات وأوضحها دلالة على صحة نبوتك؟ قال ابن كثير: بيَّن تعالى كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آياتٍ تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة سورة منه، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم وأنت رجلٌ أميٌ لا تقرأ ولا تكتب، وجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى؟ ولهذا قال بعده {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إن في إنزال هذا القرآن لنعمةً عظيمة على العباد بإنقاذهم من الضلالة، وتذكرة بليغة لقوم غرضهم الإِيمان لا التعنت {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أي قل لهم: كفى أن يكون الله جلَّ وعلا شاهداً على صدقي، يشهد لي أني رسولُه {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، فلو كنتُ كاذباً عليه لانتقم مني {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي والذين آمنوا بالأوثان وكفروا بالرحمن، أولئك هم الكاملون في الخسران حيث اشتروا الكفر بالإِيمان {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} أي يستعجلك يا محمد المشركون بالعذاب يقولون {أية : أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] وهو استعجال على جهة التكذيب والاستهزاء {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي لولا أن الله قدَّر لعذابهم وهلاكهم وقتاً محدوداً لجاءهم العذاب حين طلبوه {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي وليأتينهم فجأة وهم ساهون لاهون لا يشعرون بوقت مجيئه {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تعجبٌ من قلة فطنتهم ومن تعنتهم وعنادهم والمعنى: كيف يستعجلون العذاب والحال أن جهنم محيطةٌ بهم يوم القيامة كإحاطة السوار بالمعصم، لا مفرَّ لهم منها؟ ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم بهم فقال {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} أي يوم يجللهم العذاب ويحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، ومن جميع جهاتهم {وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ويقول الله عز وجل لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا من الاستهزاء والإِجرام، وسيء الأعمال، ثم لما بيَّن تعالى حال المكذبين الجاحدين، أعقبه بذكر حال الأبرار المتقين فقال {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} خطابُ تشريفٍ للتحريض على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام أي يا من شرفكم الله بالعبودية له هاجروا من مكة إن كنتم في ضيق من إظهار الإِيمان فيها، ولا تجاوروا الظلمة فأرضُ الله واسعة قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} أي فخصوني بالعبادة ولا تعبدوا أحداً سواي {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي أينما كنتم يدرككم الموتُ، فكونوا دائماً وأبداً في طاعة الله، وحيث أُمرتم فهاجروا فإن الموت لا بدَّ منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين إخلاص العقيدة وإخلاص العمل {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} أي لننزلنَّهم أعالي الجنة ولنسكننهم منازل رفيعة فيها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تجري من تحت أشجارها وقصورها أنهار الجنة {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها إلى غير نهاية لا يخرجون منها أبداً {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} أي نعمت تلك المساكن العالية في جناتِ النعيم أجراً للعاملين {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} هذا بيانٌ للعاملين أي هم الذين صبروا على تحمل المشاقّ من الهجرة والأذى في سبيل الله، وعلى ربهم يعتمدون في جميع أمورهم قال في البحر: وهذان جماع الخير كله: الصبر، وتفويض الأمر إليه تعالى {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي كم من دابة ضعيفة لا تقدر على كسب رزقها ولكنَّ الله يرزقها مع ضعفها {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أي الله تعالى يرزقها كما يرزقكم، وقد تكفل برزق جميع الخلق، فلا تخافوا الفقر إن هاجرتم، فالرازق هو الله قال في التسهيل: والقصدُ بالآية التقوية لقلوب المؤمنين إذا خافوا الفقر والجوع في الهجرة من أوطانهم، فكما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو السميع لأقوالكم، العليمُ بأحوالكم، ثم عاد الحديث إلى توبيخ المشركين في عبادة غير الله فقال {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي ولئن سألت المشركين من خلق العالم العلوي والسفلي وما فيهما من العجائب والغرائب؟ ومن ذلَّل الشمس والقمر وسخرهما لمصالح العباد يجريان بنظام دقيق؟ ليقولون: الله خالق ذلك {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي فكيف يُصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟ {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} أي هو جلَّ وعلا الخالق وهو الرازق، يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده امتحاناً، ويضيّق الرزق على من يشاء ابتلاءً، ليظهر الشاكر والصابر {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي إنه تعالى واسع العلم يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} توبيخٌ آخر وإقامة حجة أخرى عليهم أي ولئن سألت المشركين من الذي أنزل المطر من السماء فأخرج به أنواع الزروع والثمار بعد جدب الأرض ويبسها؟ ليقولون: الله فاعلُ ذلك {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي قل يا محمد: حمداً لله على ظهور الحجة، بل أكثرهم لا يعقلون، حيث يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون غيره {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي سريعاً ويزول، كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي وإن الآخرة لهي دار الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا تنغيص {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كان عندهم علم لم يُؤْثروا دار الفناء على دار البقاء، لأن الدنيا حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضه، ولقد أحسن من قال شعر : تأملْ في الوجود بعين فكر ترى الدنيا الدنيَّة كالخيال ومَنْ فيها جميعاً سوف يفنى ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال تفسير : {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} إقامة حجة ثالثة على المشركين في دعائهم الله عند الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء والمعنى إذا ركبوا في السفن وخافوا الغرق دعوا الله مخلصين له الدعاء، لعلمهم أنه لا يكشف الشدائد عنهم إلاّ هو، وفي لفظ {مُخْلِصِينَ} ضربٌ من التهكم {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي فلما خلَّصهم من أهوال البحر، ونجاهم إلى جانب البر إذا هم يعودون إلى كفرهم وإشراكهم، ناسين ربهم الذي أنقذهم من الشدائد والأهوال {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ} أمرٌ على وجه التهديد أي فليكفروا بما أعطيناهم من نعمة الإِنجاء من البحر، وليتمتعوا في هذه الحياة الدنيا بباقي أعمارهم، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} أي أولم ير هؤلاء الكفار، رؤية تفكر واعتبار، أنا جعلنا بلدهم "مكة" حرماً مصوناً عن السلب والنهب، آمناً أهله من القتل والسبي، والناسُ حولهم يُسبون ويقتلون؟ قال الضحاك: {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} أي يقتل بعضُهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} أي أفبعد هذه النعم الجليلة يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} أي لا أحد أظلم ممن عبد غير الله وكذَّب بالقرآن حين جاءه {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}؟ أي أليس في جهنم مأوى وموضع إقامة للكافرين بآيات الله جزاء افترائهم وكفرهم؟ {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي والذين جاهدوا النفس والشيطان والهوى والكفرة أعداء الدين ابتغاء مرضاتنا لنهدينهم طريق السير إلينا {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي مع المؤمنين بالنصر والعون. البّلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التحضيض {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ}. 2- الطباق {آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ}. 3- إفادة القصر {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي لا غيرهم. 4- الإِطناب بذكر العذاب مراتٍ للتشنيع على المشركين {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ} {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} الخ. 5- الإِضافة للتشريف والتكريم {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}. 6- الطباق {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ.. وَيَقْدِرُ} ومثله {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ}. 7- المجاز العقلي {حَرَماً آمِناً} أي آمناً أهله. 8- التشبيه البليغ {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي كاللهو وكاللعب حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً على حد قولهم: "زيدٌ أسد". 9- الإِيجاز بحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كانوا يعلمون لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولا الفانية على الباقية. 10- مراعاة الفواصل لما لها من وقع عظيم على السمع يزيد الكلام رونقاً وجمالاً مثل {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} الخ. تنبيه: لا ينبغي لمسلمٍ أن يبقى بأرض لا يتيسر له فيها عبادة الله، فأرض الله واسعة، وقد أشارت الآيات إلى وجوب الهجرة إلى دار الإِسلام وكما قيل "وكل مكان يُنبت العزَّ طيّب".
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما سمعتم أيها المؤمنون خطاب ربكم مع نبيكم {لاَ تُجَادِلُوۤاْ} ولا تخاصموا {أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} أي: الأحبار الذين واظبوا على محافظة كتاب الله المنزل إليهم واستنبطوا منه الأحكام، وامتثلوا بأوامره واجتنبوا نواهيه {إِلاَّ بِٱلَّتِي} أي: بالطريق التي {هِيَ أَحْسَنُ} الطرق، وأبعد عن المكبرة وأقرب إلى الصواب، هينين لينين معهم بلا قلق واضطراب وفضول الكلام ماداموا متصفين معتدلين بلا ميل منهم وانحراف إلى المكابرة والاعتساف {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} جهلاً وعناداً، وخرجوا عن منهج الصواب بغياً وعدواناً {وَقُولُوۤاْ} لهم على مقتضى ما أُمرتم به في كتابكم: {آمَنَّا} وصدَّقنا {بِٱلَّذِيۤ} أي: بالكتاب الذي {أُنزِلَ إِلَيْنَا} من ربنا على طريق الوحي لنبينا {وَ} آمناً أيضاً بالكتاب الذي {أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} منه سبحانه وحياً على نبيكم {وَ} كيف لا نؤمن لكتابكم ونبيكم؛ إذ {إِلَـٰهُنَا} الذي أنزل علينا كتاباً {وَإِلَـٰهُكُمْ} الذي أنزل عليكم أيضاً كتاباً {وَاحِدٌ} لا تعدد فيه ولا شريك له، ولا مثل له يمثاله ولا كفو له يشابهه {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] مؤمنون، منقادون، مطيعون وبجميع ما حكم به سبحانه في كتبه وعلى ألسنة رسله مصدقون ممتثلون إلا ما نسخ في كتابنا. {وَ} كيف لا يقول لهم المؤمنون هكذا ولا يؤمنون بالكتب المنزلة من عندنا {كَذَلِكَ} وعلى ذلك {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل {ٱلْكِتَابَ} الجامع لما في الكتب السالفة؛ لتكون أنت ومن تبعك مؤمنين مصدقين لجميع الكتب والرسل بلا تفرقة ولا تفاوت {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} قبل كتابك {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بكتابك ويصدقون بك أيضاً، كذلك على الوجه الذي وعدناهم في كتبهم من أنَّا سنرسل رسولاً موصوفاً بأوصافٍ ما بيناه لهم في كتبهم، ومعه كتاب جامع مصدق لجميع الكتب السالفة والرسل السابقة، وإن كان مشتملاً على النسخ والتبديل لبعض أحكام الكتب السالفة على مقتضى سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة من نسخ بعض الأحكام السابقة باللاحقة. {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ} أي: الأعراب {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي: بهذا الكتاب وإن لم يسبق لهم وعد؛ لأنهم ليسوا من أهل الكتاب في وقت من الأوقات، بل إنما آمنوا به، لكونهم من أرباب اللسن والفصاحة، تأملوا في نظام ألفاظه العجيبة واتساق معانيه الدبيعة، وانكشف لهم أ،ه ما هو من جنس كلام البشر، فجزموا بإعجازه وآمنوا به، فصدقوه أنه نازل من عند الله على سبيل الوحي {وَ} بالجملة: {مَا يَجْحَدُ} وينكر {بِآيَاتِنَآ} الظاهر الإعجاز، العجيبة الشأن، الباهرة البيان {إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} العنكبوت: 47] الساترون نور الهداية والإيمان بظلمة الكفر والطغيان عناداً ومكابرة. {وَ} كيف لا يكون القرآن وحياً نازلاً من عند الله بمقتضى إرادته؛ إذ {مَا كُنتَ} يا أكمل الرسل {تَتْلُواْ} وتتعلم {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل القرآن ونزوله {مِن كِتَابٍ} من الكتب المنزلة {وَلاَ تَخُطُّهُ} وتنسخه {بِيَمِينِكَ} على سبيل النقل؛ يعني: ما كنت من أهل النسخ والإملاء والكتابة؛ إذ هي مسبوقة بالتعليم وأنت أمِّي، عارٍ عن الدراسة والكتابة والتعلم مطلقاً، ولم يعهد منك أمثال هذه الأمور الدالة على الأخذ والاستنباط، ولو كنت متصفاً بها وأهلاً لها {إِذاً لاَّرْتَابَ} شك و تردد {ٱلْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] المجاهرون بالقول الزور الباطل في شأنك وفي شأن كتابك وكونه معجزاً، مع أنه ما هو - أي: القرآن - حينئذ أيضاً محل ارتياب؛ لأنه في نفسه باعتبار نظمه العجيب البديع ومعانيه الغريبة وأسلوبه المحكم معجز خارق للعادة عند من له أدنى دربة في أساليب الكلام، ولا ينبغي لأحد أن يشك في إعجازه إلا من هو متناهٍ في البلادة وسخافة العقل وركاكة الفهم. {بَلْ هُوَ} أي: القرآن في نفسه {آيَاتٌ} ودلائل دالة على توحيد الحق {بَيِّنَاتٌ} واضحات الدلالات في أنفسها، ثابتات {فِي صُدُورِ} الموحدين {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} اللدني المترشح من حضرة العلم الإلهي، المفاض لهم منها محسب استعداداتهم وقابلياتهم تفضلاً عليهم وامتناناً لهم {وَ} بالجملة: {مَا يَجْحَدُ} وينكر {بِآيَاتِنَآ} مع قواطع برهانه وسواطع تبيانه {إِلاَّ} القوم {ٱلظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 49] الخارجون عن مقتضى العلم والعين والكشف والشهود.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن جلال أهل الكتاب بأحسن الخطاب وطريق الصواب بقوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، يشير إلى أهل العلم الظاهر إذا جادلوا أرباب القلوب وأصحاب العلوم الباطنة، فالواجب على أرباب القلوب مجادلتهم بالتي هي أحسن، وذلك بأن يكون منهم للخصم تمكين وفي خطابهم ثابتين، وفي قبول الحق أنصاف واعتقاداً نصرة لما رأوه صحيحاً بالحجة، وترك الميل إلى شيء باطل بتعقب المذهب، وفي تقرير الحق والدلالة له - يعني الحقيقي - رفق وفي سكونه للتفهم، ولين في الكلام بحيث لم تتبرم النفوس وتهيج فيها البقية الأمارية بالسوء وعصبية المذهب، فيمنعهم عن قبول الحق ويحرضهم على الجلال بالباطل فحينئذ لا يتجادلوهم؛ لئلا يزدادوا إنكاراً وفتناً {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا} [العنكبوت: 46] من العلوم الباطنة وكشف الحقائق {وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من العلوم الظاهرة والأحكام الزاهرة بالحجج الباهرة {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ} والدين واحد {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] لقبول الحق وترك الباطل. وبقوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [العنكبوت: 7] يشير إلى أنه كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر كذلك أنزلنا على أهل الباطن الدلائل والبراهين الكشفية بما رآه من الشواهد الخفية، {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [العنكبوت: 47] يعني: أرباب القلوب الذين علموهم في أنباء الحق موحية لاندارسهم الكتب وتحصيل العلوم بالتكرار فإنهم {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: يصدقونكم بما تظهرون من حقائق العلوم وتشيرون إلى وقائعها {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني: على الظاهر على أنواع فمن حرم بنظرنا إليه بالعناية فمنهم: {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي: بصدقكم بما تقيمون عليه من الدلائل الكشفية والبراهين بالواردات الحقيقية دلالة لهم إلى الحق تعالى، ومنهم محروم وسَمْنَاهم بالشقاوة فما استقبلتم إلا بالإنكار جحود، وذلك بالجهالة والضلالة. ثم أخبر عن رعاية أهل العناية عن زلات السلوك بقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] يشير إلى أن القلب إذا تجرد عن المعلومات والسر تقدير عن يومان والروح تنزه عن الموجودات بالكافر أقرب إلى الفطرة، ولم يشتغلوا لقبول النفوس السفلية من الخسيسات والخيالات، والوهميات، فكانوا لما صادفهم من المغيبات قابلية من غير ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكليف وتكيف بشرية، ولما كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ممزوجاً بعمل جبريل إذ أخرج منه ما أخرج، وقال: هذا حظ الشيطان منك. وفي النهاية محفوظاً عن النفوس التعليمية بالقراءة والكتابة قابلاً لإنزال القرآن عليه مختصاً به عن جميع الأنبياء. كما قال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 193-194] ثم أثبت هذه الرتبة بتبعية لمتابعيه فقال: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] يعني: أوتوا من الغيب لا من التعلم به يشير إلى قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب فيها أودع براهين حقه وبينات سره ودلائل توحيده وشواهد ربوبيته فقانون الحقائق لقلوبهم، وكل شيء يطلب من موطنه ومحله فالدر يطلب من الصدق؛ لأن ذلك مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه؛ لأن ذلك قانون معرفة، ومحل تجلي صفاته بل يطلب حضرة جلاله عند حضائر قدس قلوب خواص عباده كما سأل الله تعالى موسى عليه السلام قال: "إلهي أين أطلبك؟ قال: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي". وبقوله: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 49] يُشير إلى أن الحرمان من رؤية الآيات من خصوصية دين الحجة والإنكار إذا غلب على القلوب، فتصدأ كما تصدأ المرآة، فلا يظهر فيها نقوش الغيوب وتعمى عن رؤية الآيات وبقوله: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} [العنكبوت: 50] يُشير إلى عمى بصر قلوبهم؛ لأنه تعالى أنزل عليه آية واضحة وهو القرآن فقال: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [العنكبوت: 51] وهو إتيان بدلالة: أحدهما: أن نفس القرآن آية لأنه لا يمكنهم معارضته ولا الإتيان شيء من مثله. والثاني: أن تيسير قراءة مثل هذا القرآن لا من غير كاتب وقارئ وإنزاله عليه وحفظ أدبه وأحواله وجزالة بيانه آية واضحة وعليها دلائل وفي قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} [العنكبوت: 50] أي: من عند الله والقرآن آية نزلت من عند الله وقوله: {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [العنكبوت: 50] أي: صدور الإنذار والتبشير على وجه الرسالة من مثلي وأنا أُمِّي آية صادرة من عند الله وسراج منير ذلك لا يبصره إلا عيون قلوب منزهة عن عمى الكفر والشرك وسبل حب الدنيا سورة بنور الإيمان مختصرة بالرحمة الخاصة متذكرة بواعظ الله، وذلك تحقيق قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} تفسير : [العنكبوت: 52] أي: مشاهداً إلى أنه من آياته كما كان ابن مريم وأمه آية والقرآن آية وأنهم عمي لا يبصرون الآيات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع. { وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } أي: ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم، وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم، وعلى أن الإله واحد، ولا تكن مناظرتكم إياهم [على وجه] يحصل به القدح في شيء من الكتب الإلهية، أو بأحد من الرسل، كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم، يقدح بجميع ما معهم، من حق وباطل، فهذا ظلم، وخروج عن الواجب وآداب النظر، فإن الواجب، أن يرد ما مع الخصم من الباطل، ويقبل ما معه من الحق، ولا يرد الحق لأجل قوله، ولو كان كافرا. وأيضا، فإن بناء مناظرة أهل الكتاب، على هذا الطريق، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن، وبالرسول الذي جاء به، فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية التي اتفقت عليها الأنبياء والكتب، وتقررت عند المتناظرين، وثبتت حقائقها عندهما، وكانت الكتب السابقة والمرسلون مع القرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم قد بينتها ودلت عليها وأخبرت بها، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها، والرسل كلهم، وهذا من خصائص الإسلام. فأما أن يقال: نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني، دون الكتاب الفلاني وهو الحق الذي صدق ما قبله، فهذا ظلم وجور، وهو يرجع إلى قوله بالتكذيب، لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها، المصدق لما بين يديه من التوراة، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن. وأيضا، فإن كل طريق تثبت به نبوة أي: نبي كان، فإن مثلها وأعظم منها، دالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن مثلها أو أعظم منها، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره، فإذا ثبت بطلانها في غيره، فثبوت بطلانها في حقه صلى اللّه عليه وسلم أظهر وأظهر. وقوله: { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون مستسلمون لأمره. ومن آمن به، واتخذه إلها، وآمن بجميع كتبه ورسله، وانقاد للّه واتبع رسله، فهو السعيد، ومن انحرف عن هذا الطريق، فهو الشقي.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 759 : 3 : 2 - سفين عن خصيف عن مجاهد {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} قال؛ ولا تجادلوا ولا تقاتلوا إلا من قاتلكم ولم يعط الجزية. [الآية 46].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة العنكبوت 407 - أنا محمَّدُ بنُ المثني، عن عثمان بن عُمر، نا عليٌّ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هُريرة، قال:/ حديث : كان أهلُ الكتاب يقرأُون التَّوراة بالعبرانيةِ فيفسِّرونها بالعربيةِ لأهلِ الإسلام: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم ولكن قولوا: آمنَّا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم وإلهُنا وإلَهُكم واحدٌ ونحنُ لهُ مُسلمون .
همام الصنعاني
تفسير : 2259- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: [الآية: 46]، قال: نَسَختها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : : [التوبة: 5]، وَلاَ مجادلة أشد من السيف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):