٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب، وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد. وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما. وقوله تعالى: {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ} يعني العرب من قريش وغيرهم {وَمَا يَجْحَدُ بِـايَـٰتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ} أي ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهات. ثم قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمراً لا تقرأ كتاباً ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} الآية، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً إلى يوم الدين، لا يحسن الكتابة ولا يخط سطراً ولا حرفاً بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله، فإنما حمله على ذلك رواية "في صحيح" البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالاً وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل ــــ أعني الباجي ــــ فيما يظهر عنه، أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال صلى الله عليه وسلم إخباراً عن الدجال: «حديث : مكتوب بين عينيه كافر» تفسير : وفي رواية «حديث : ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن» تفسير : وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له، قال الله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ} أي تقرأ {مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ} لتأكيد النفي ولا تخطه بيمينك، تأكيد أيضاً، وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}. وقوله تعالى: {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة {وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} قال الله تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، وقال ههنا: {بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمراً ونهياً وخبراً، يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظاً وتلاوة وتفسيراً، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً» تفسير : . وفي حديث عياض بن حمار في "صحيح مسلم" يقول الله تعالى: «حديث : إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً» تفسير : أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، لأنه قد جاء من الحديث الآخر «حديث : لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار» تفسير : ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظاً ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم. واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: {بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتاباً، ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ونقله عن قتادة وابن جريج، وحكي الأول عن الحسن البصري فقط، قلت وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس، وقاله الضحاك وهو الأظهر، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِـآيَـٰتِنَآ إلاَّ ٱلْظَّٰلِمُونَ} أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها {فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة كعبد الله بن سلام وغيره {يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالقرآن {وَمِنْ هَٰلآءِ } أي أهل مكة {مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَٰتِنآ } بعد ظهورها {إِلاَّ ٱلْكَٰفِرُونَ } أي اليهود، وظهر لهم أنّ القرآن حق والجائي به محق وجحدوا ذلك.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى مصدر الفعل كما بيناه في مواضع كثيرة، أي ومثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا إليك الكتاب، وهو: القرآن، وقيل: المعنى: كما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك القرآن {فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني: مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وخصهم بإيتائهم الكتاب لكونهم العاملين به وكأن غيرهم لم يؤتوه لعدم عملهم بما فيه، وجحدهم لصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة فيه {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤء مَن يُؤْمِنُ بِهِ } الإشارة إلى أهل مكة، والمراد: أن منهم، وهو من قد أسلم من يؤمن به، أي بالقرآن، وقيل: الإشارة إلى جميع العرب {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } أي آيات القرآن {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ } المصممون على كفرهم من المشركين، وأهل الكتاب. {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ } الضمير في قبله راجع إلى القرآن لأنه المراد بقوله: {أنزلنا إليك الكتاب} أي ما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتاباً ولا تقدر على ذلك لأنك أمّي لا تقرأ ولا تكتب {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } أي ولا تكتبه؛ لأنك لا تقدر على الكتابة. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية. قال النحاس: وذلك دليل على نبوّته؛ لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل كتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط لقالوا: لعله وجد ما يتلوه علينا من كتب الله السابقة أو من الكتب المدوّنة في أخبار الأمم، فلما كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب لم يكن هناك موضع للريبة ولا محل للشك أبداً، بل إنكار من أنكر وكفر من كفر مجرّد عناد وجحود بلا شبهة، وسماهم مبطلين لأن ارتيابهم على تقدير أنه صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب ظلم منهم لظهور نزاهته ووضوح معجزاته. {بَلْ هُوَ ءايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ } يعني: القرآن {فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } يعني: المؤمنين الذين حفظوا القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم، وحفظوه بعده، وقال قتادة ومقاتل: إن الضمير يرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي بل محمد آيات بينات، أي ذو آيات. وقرأ ابن مسعود: "بل هي آيات بينات" قال الفراء: معنى هذه القراءة: بل آيات القرآن آيات بينات. واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما قالاه بقراءة ابن السميفع: "بل هذا آيات بينات" ولا دليل في هذه القراءة على ذلك؛ لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن كما جاز أن تكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل رجوعها إلى القرآن أظهر لعدم احتياج ذلك إلى التأويل، والتقدير: {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي المجاوزون للحدّ في الظلم {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مّن رَّبّهِ } أي قال المشركون هذا القول، والمعنى: هلا أنزلت عليه آيات كآيات الأنبياء، وذلك كآيات موسى وناقة صالح وإحياء المسيح للموتى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } ينزلها على من يشاء من عباده ولا قدرة لأحد على ذلك {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أنذركم كما أمرت وأبين لكم كما ينبغي، ليس في قدرتي غير ذلك. قرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: "لولا أنزل عليه آية" بالإفراد. وقرأ الباقون بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: {قل إنما الآيات}. {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } هذه الجملة مستأنفة للردّ على اقتراحهم وبيان بطلانه، أي أو لم يكف المشركين من الآيات التي اقترحوها هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وآيات غيره من الأنبياء لما آمنوا، كما لم يؤمنوا بالقرآن الذي يتلى عليهم في كل زمان، ومكان {إِنَّ فِي ذَلِكَ } الإشارة إلى الكتاب الموصوف بما ذكر {لَرَحْمَةً } عظيمة في الدنيا، والآخرة {وَذِكْرَىٰ } في الدنيا يتذكرون بها، وترشدهم إلى الحق {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي لقوم يصدّقون بما جئت به من عند الله، فإنهم هم الذين ينتفعون بذلك {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } أي قل للمكذبين كفى الله شهيداً بما وقع بيني وبينكم {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لا تخفى عليه من ذلك خافية، ومن جملته ما صدر بينكم وبين رسوله {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي آمنوا بما يعبدونه من دون الله وكفروا بالحق وهو الله سبحانه، أولئك هم الجامعون بين خسران الدنيا والآخرة. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } استهزاء وتكذيباً منهم بذلك كقولهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32]. {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } قد جعله الله لعذابهم وعينه، وهو القيامة، وقال الضحاك: الأجل: مدّة أعمارهم؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب {لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } أي لولا ذلك الأجل المضروب لجاءهم العذاب الذي يستحقونه بذنوبهم. وقيل: المراد بالأجل المسمى: النفخة الأولى. وقيل: الوقت الذي قدّره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر. والحاصل: أن لكل عذاب أجلاً لا يتقدّم عليه ولا يتأخر عنه كما في قوله سبحانه: {أية : لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } تفسير : [الأنعام: 67]. وجملة: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً } مستأنفة مبينة لمجيء العذاب المذكور قبلها. ومعنى بغتة: فجأة، وجملة: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } في محل نصب على الحال، أي حال كونهم لا يعلمون بإتيانه. ثم ذكر سبحانه أن موعد عذابهم النار، فقال: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } أي يطلبون منك تعجيل عذابهم والحال أن مكان العذاب محيط بهم، أي سيحيط بهم عن قرب، فإن ما هو آت قريب، والمراد بالكافرين: جنسهم، فيدخل فيه هؤلاء المستعجلون دخولاً أوّلياً، فقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } إخبار عنهم، وقوله ثانياً: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } تعجب منهم. وقيل: التكرير للتأكيد. ثم ذكر سبحانه كيفية إحاطة العذاب بهم فقال: {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } أي من جميع جهاتهم، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة، فقد أحاطت بهم جهنم {وَنَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } القائل هو الله سبحانه، أو بعض ملائكته يأمره، أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي. قرأ أهل المدينة والكوفة: "نقول" بالنون. وقرأ الباقون بالتحتية، واختار القراءة الأخيرة أبو عبيد لقوله: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ } وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: "ويقال ذوقوا". وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والإسماعيلي في معجمه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب كان أمياً، وفي قوله: {بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } قال: كان الله أنزل شأن محمد في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعله لهم آية فقال لهم: إن آية نبوّته أن يخرج حين يخرج ولا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه، وهي الآيات البينات التي قال الله تعالى. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ } الآية قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب. وأخرج الفريابي والدارمي، وأبو داود في مراسيله وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال: جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم» تفسير : فنزلت: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ } الآية. وأخرجه الإسماعيلي في معجمه، وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة، فذكره بمعناه. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، والبيهقي في الشعب عن الزهري؛ أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرؤه والنبي صلى الله عليه وسلم يتلوّن وجهه فقال: «حديث : والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا نبيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد وابن الضريس، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن عبد الله ابن الحارث الأنصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً شديداً لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر: أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فسرّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «حديث : لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظكم من الأمم»تفسير : . وأخرج نحوه عبد الرزاق والبيهقي من طريق أبي قلابة عن عمر. وأخرج البيهقي وصححه عن عمر بن الخطاب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعلم التوراة فقال: «حديث : لا تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكون فيه الشمس والقمر ثم يستوقد فيكون هو جهنم، وفي هذا نكارة شديدة، فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} فيه قولان: أحدهما: معناه {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن} قبل القرآن كتاباً من كتب الله المنزلة ولا تخطه أي تكتبه بيمينك فتعلم ما أنزل الله فيه حتى يشكوا في إخبارك عنه إنه من وحي الله سبحانه إليك وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: أنه كان أهل الكتاب يجدونه في كتبهم أن محمداً لا يخط بيمينه ولا يقرأ كتاباً فنزل ذلك فيهم ليدلهم على صحة نبوته، وهو معنى قول مجاهد. {إِذَاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم مشركو قريش، قاله مجاهد. الثاني: مشركو العرب أن يقولوا لو كان يقرأ قد تعلمه من غيره، قاله قتادة. الثالث: أنهم المكذبون من اليهود، قاله السدي. قوله تعالى: {بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} فيه قولان: أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وسلم في كونه أمياً لا يكتب ولا يقرأ {ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} من أهل الكتاب لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة، قاله الضحاك. الثاني: أنه القرآن {ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، قاله الحسن. قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ وكان من قبلها لا يقرأُون كتابهم إلا نظراً فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيين. وقال كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حلماء علماء كأنهم في الفقه أنبياء. {وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ} قال ابن عباس: المشركون.
ابن عطية
تفسير : تقدم في الآية التي قبل هذه ما يتضمن نزول شرع وكتاب من عند الله على أنبياء قبل محمد عليه السلام فحسن لذلك عطف {كذلك أنزلنا} على ما في المضمر، أي وكما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا إليك، و{الكتاب} القرآن، وقوله {فالذين آتيناهم الكتاب} يريد التوراة والإنجيل، أي فالذين كانوا في عصر نزول الكتاب وأوتوه حينئذ {يؤمنون به} أي كانوا مصدقين بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، فالضمير في {به} عائد على القرآن، ثم أخبر عن معاصري محمد صلى الله عليه وسلم أن منهم أيضاً {من يؤمن به} ولم يكونوا آمنوا بعد، ففي هذا إخبار بغيب بينه الوجود بعد ذلك، ثم أنحى على الجاحدين من أمة قد آمن سلفها في القديم وبعضها في الحديث، وحصل الجاحدون في أخس رتبة من الضلال، ويشبه أن يراد أيضاً في هذا الإنحاء كفار قريش مع كفار بني إسرائيل، ثم بين تعالى الحجة على "المبطلين" المرتابين ما وضح أن مما يقوي نزول هذا القرآن من عند الله أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء به في غاية الإعجاز والطول والتضمن للغيوب وغير ذلك وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتاباً ولا يخط حرفاً ولا سبيل له إلى العلم، فإنه لو كان ممن يقرأ {لارتاب المبطلون} وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده، وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً لا يخط ولا يقرأ كتاباً فنزلت هذه الآية، وذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وأسند أيضاً حديثاً إلى أبي كبشة السلولي مضمنه أنه عليه السلام قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه، وقوله تعالى: {بل هو آيات بينات} إضراب عن مقدر من الكلام يقتضيه ما تقدم كأنه قال: ليس الأمر كما حسبوا {بل هو} وهذا الضمير يحتمل أن يعود على القرآن، ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود "بل هي آيات"، ويحتمل أن يعود على محمد صلى الله عليه وسلم ويؤيده أن قتادة قرأ "بل هو آية بينة" على الإفراد، وقال: المراد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على أمر محمد صلى الله عليه وسلم في أنه لم يتل ولا خط، وبكل احتمال قالت فرقة، وكون هذا كله {آيات} أي علامات {في صدور} العلماء من المؤمنين بمحمد، يراد به مع النظر والاعتبار. و {الظالمون} و {المبطلون}، قيل يعم لفظهما كل مكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم، قاله مجاهد، وقال قتادة: {المبطلون} اليهود.
النسفي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الإنزال {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية، أو كما أنزلنا الكتب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } هم عبد الله بن سلام ومن معه {وَمِنْ هَـؤُلاء } أي من أهل مكة {مَن يُؤْمِنُ } أو أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ومن هؤلاء الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } مع ظهورها وزوال الشبهة عنها {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ } إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه ككعب بن الأشرف وأضرابه {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ } من قبل القرآن {مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } خص اليمين لأن الكتابة غالباً تكون باليمين أي ما كنت قرأت كتاباً من الكتب ولا كنت كاتباً {إِذَا } أي لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة ومن الخط {لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ } من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجد نعته في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده. وسماهم مبطلين لإنكارهم نبوته. وعن مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ {بَلْ هُوَ } أي القرآن {بَيّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَمَا } أي في صدور العلماء به وحفاظه وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز وكونه محفوظاً في الصدور بخلاف سائر الكتب فإنها لم تكن معجزات ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } الواضحة {إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي المتوغلون في الظلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير تعليلاً للأمر بهذا القول: إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم، عطف عليه قوله مخاطباً للرأس تخصيصاً له لئلا يتطرق لمتعنت طعن عموم أو اتهام في المنزل عليه: {وكذلك} أي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم {أنزلنا إليك الكتاب} أي هذا القرآن الذي هو الكتاب في الحقيقة، لا كتاب غيره في علو كماله، في نظمه ومقاله، مصدقاً لما بين يديه: {فالذين} أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن الذين {آتيناهم} أي إيتاءاً يليق بعظمتنا، فصاروا يعرفون الحق من الباطل {الكتاب} أي من قبل {يؤمنون به} أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما، أو مجازاً بالمعرفة به مع الكفر كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم {ومن هؤلاء} أي العرب {من يؤمن به} أس كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة بالباطن بأنه حق لما أقامه من البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر به، وأدل دليل على ما أردته من الحقيقة والمجاز قوله: {وما يجحد} أي ينكر من الفريقين بعد المعرفة، قال البغوي: قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. {بآياتنا} التي حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت الإضافة إلينا {إلا الكافرون*} أي العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها طمعاً في إطفاء نورها. ولما أشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في الكفر، دل على ذلك بحال المنزل إليه صلى الله عليه وسلم فقال مسلياً له: {وما} أي أنزلناه إليك والحال أنك ما {كنت تتلوا} أي تقرأ مواصلاً مواظباً في وقت ما. ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله، أدخل الجار فقال {من قبله} أي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك؛ وأكد استغراق الكتب فقال: {من كتاب} أصلاً {ولا تخطه} أي تجدد وتلازم خطه؛ وصور الخط وأكده بقوله: {بيمينك} أي التي هي أقوى الجارحتين، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك مواظبة قوية ينشأ عنها ملكة، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل، ولذلك قال: {إذاً} أي إذ لو كان شيء من هذه المواظبة في التلاوة أو الخط التي يحصل بها الدربة المورثة للملكة {لارتاب} أي لساغ أن تكلف أنفسهم لدخول في الريب أي الشك {المبطلون*} أي هؤلاء الذين ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ومن العرب، ويقولون: هو سجع وكهانة وشعر وأساطير الأولين، العريقون في وصف الإبطال، أي الدخول في الباطل، فكانوا يجدون مطعناً، فتقول العرب: لعله أخذه من كتب الأقدمين، ويقول الكتابيون: المبشر به عندنا أمي. ولكنه لم يكن شيء من قراءة ولا خط كما هو معروف من حالك فضلاً عن المواظبة لشيء منهما، فلا ريبة في صدقك في نسبته إلى الله تعالى، وإذا انتفت الريبة من أصلها صح نفي ما عندهم منها، لأنه لما لم يكن لهم في الواقع شبهة، عدت ريبتهم عدماً، وسموا مبطلين على تقدير هذه الشبهة، لقيام بقية المعجزات القاطعة بالرسالة، القاضية بالصدق، كما قضت بصدق أنبيائهم مع أنهم يكتبون ويقرؤون، وكتبهم لم تنزل للإعجاز، فصح أنهم يلزمهم الاتصاف بالإبطال بالارتياب على كل تقدير من تقديري الكتابة والقرءة وعدمهما، لأن العمدة على المعجزات. ولما كان التقدير: ولكنهم لا ريبة لهم أصلاً ولا شبهة، لقولهم: إنه باطل، قال: {بل هو} أي القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير {آيات} أي دلالات {بينات} أي واضحات جداً في الدلالة على صدقك {في صدور الذين} ولما كان المقصود المبالغة في تعظيم العلم، بني للمفعول، أظهر ما كان أصله الإضمار فقال: {أوتوا العلم} دلالة على أنه العلم الكامل النافع، فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم لا أثر له، ولما كان المراد بالعلم النافع، قال إشارة إلى أنه في صدور غيرهم عرياً عن النفع: {وما يجحد} وكان الأصل: به، ولكنه أشار إلى عظمته فقال: {بآياتنا} أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجحده أحد {إلا الظالمون*} أي الراسخون في الظلم الذي لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله، بل هم في وضع الأشياء في غير محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولاً بالكفر الذي هو تغطية أنوار العقول. ولما كان التقدير: فجحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم أصلاً ورأساً، ولم يعدوها آيات فضلاً عن كونها بينات، عطف عليه قوله: {وقالوا} موهمين مكراً وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق: {لولا} أي هلا {أنزل عليه} أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال {آية} أي واحدة تكون بحيث تدل قطعاً على صدق الآتي بها {من ربه} أي الذي يدعي إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما، لنستدل به على صدق مقاله، وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبي بكر بالإفراد، وجمع غيرهم دلالة على أن فريقاً آخر قالوا: إن مثل هذا المهم العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة، وأوهموا مكابرة وعناداً أن ذلك لم يقع، وإن وقع ما يسمى آية. ولما كان هذا إنكاراً للشمس بعد شروقها، ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها، أشار إليه بقوله: {قل} أي لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء: {إنما الآيات عند الله} أي الذي له الأمر كله فلا يقدر على إنزال شيء منها غيره، فإنما الإله هو لا سواه {وإنما أنا نذير} أقوم لكم بما حملني وكلفني من النذارة، دالاً عليه بما أعطيت من الآيات، ونواقض المطردات وليس لي أن أقترح عليه الآيات، على أن المقصود من الآية الدلالة على الصدق، وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر البشارة لأنه ليس أسلوبها {مبين*} أي أوضح ما آتى به من ذلك بعد أن أوضح صحة كوني نذيراً، فليس إليّ إنزال الآيات ولا طلبها اقتراحاً على الله، فهو قصر قلب فيهما، خوطب به من لزمه ادعاء أن إنزال الآيات إليه صلى الله عليه وسلم وأن أمره الإتيان بما يريد أو يطلب منه.
القشيري
تفسير : يعني أنهم على أنواع: فمرحوم نظرْنا إليه بالعناية، ومحرومٌ وسمناه بالشقاوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده اى ومثل ذلك الانزال البديع الموافق لانزال سائر الكتب {انزلنا اليك الكتاب} اى القرآن {فالذين آتيناهم الكتاب} من الطائفتين {يؤمنون به} اريد بهم عبدالله بن سلام واضرابه من اهل الكتاب خاصة كأن من عداهم لم يؤتوا الكتاب حيث لم يعملوا بما فيه اومن تقدم عهد الرسول عليه السلام حيث كانوا مصدقين بنزوله حسبما شاهدوا فى كتابيهما ومنهم قس بن ساعدة وبحيرا ونسطورا وورقة وغيرهم وتخصيصهم بايتاء الكتاب للايذان بان من بعدهم من معاصرى رسول الله قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ فلم يؤتوه والفاء لترتيب مابعدها على ماقبلها فان ايمانهم به مترتب على انزاله على الوجه المذكور {من هؤلاء} اى من العرب {من يؤمن به} اى بالقرآن {ومايجحد} الجحد نفى مافى القلب اثباته او اثبات مافى القلب نفيه {بآياتنا} اى بالكتاب المعظم بالاضافة الينا عبر عنه بالآيات للتنبيه على ظهور دلالته على معانيه وعلى كونه من عند الله {الا الكافرون} المتوغلون فى الكفر المصممون عليه فان ذلك يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم الى معرفة حقيتها. وفى الآية اشارة الى ان ارباب القلوب واصحاب العلوم الباطنة الذين علومهم من مواهب الحق يجب ان يجادلوا اهل علم الظاهر الذين علومهم من طريق الكسب والدارسة بالرفق واللين والسكون ونحوها لئلا تهيج الفتنة الامارية ويزدادوا انكارا فمن رحمه الله منهم صدق الدلائل الكشفية والبراهين الحقية فى دلالتها الى الحق واهتدى ومن حرمه الله استقبل بالانكار وزاد بعدا من الوصول الى الله الغفار: وفى المثنوى شعر : هركرا مشك نصيحت سودنيست لاجرم بابوى بدخوكردنيست مغزرا خالى كن از انكار يار تاكه ريحان يابد ازكلزار يار كاشكى جون طفل ازحيل باك آمدى تاجو طفلان جنك درمادر زدى يابعلم ونقل كم بودى ملى علم وحى دل ربودى ازولى باجنين نورى جوبيش آرى كتاب جان وحى آساى تو آرد عتاب جون تيمم باوجود آب دان علم نقلى بادم قطب زمان خويش ابله كن تبع مى روز بس رستكى زين ابلهى يابى وبس اكثر اهل الجنة البله اى بدر بهراين كفتست سلطان البشر زيركى جون كبرباد انكيز تست ابلهى شو تابماند دل درست ابلهى نى كو بمسخر كى دوتوست ابلهى كوواله وحيران هوست ابلهانند آن زنان دست بر از كف ابله وزرخ يوسف نذر تفسير : واعلم ان المجادلة فى الدين تبطل ثواب الاعمال اذا كانت تعنتا وترويجا للباطل واما الجدال بالحق لاظهاره فمأمور به وقد جادل على رضى الله عنه شخصا قال انى املك حركاتى وسكناتى وطلاق زوجتى واعتق امتى فقال على رضى الله عنه أتملكها دون الله او مع الله فان قلت املكها دون الله فقد اثبت دون الهل مالكا وان قلت املكها مع الله فقد اثبت له شريكا كذا فى شرح المواقف. قال الشيخ سعدى [يكى درصورت درويشان در محفلى ديدم نشسته ودفتر شكايت بازكرده وذم توانكاران آغاز كفتم اى يارتوانكران مقصد زائرين وكهف مسافرانند عبادت اينان بمحل قبول نزديكترست كه جمعند وحاضرنه براكنده خاطر ودرخبراست (الفقر سواد الوجه فى الدارين) كفت آن نشنيدى كه بيغمبر عليه السلام فرموده است [الفقر فخرى] كفتم خاموش كه اشارت سيد عالم بفقر طائفة ايست كه مردان ميدان رضااند وتسليم تير قضا درويش بى معرفت نياراميد تافقرش بكفر آنجاميد (كاد الفقر ان يكون كفرا) شعر : باكرسنكى قوت وبرهير نماند افلاس عنان از كف تقوى بستاند تفسير : [كفت توانكران مشتى طافئه اند مغرور نظر نكنند بغير الا بكراهت سخن نكويند الا بسفاهت علما بكدايى منوسب كنند وفقرارا به بى سر وبايى معيوب كردانند كفتم مذمت ايشان روامداركه خدواندان كرمند كفت خطا كفتى بنده درمند جه فائده اكر ابر آذرند بركس نمى بارند كفتم بر بخل خداوندان وقوف نيافته الا بعلت كدايى ورنه هركه طمع يكسونهد كريم وبخليش يكسان نمايند كفتا بتجربه آن ميكويم كه متعلقان بردر بدارند تادست برسينه صاحب تمييزنهند وكويند كه كسى اينجانيست وراست كفته باشند زيرا شعر : آنرا كه عقل وهمت وتدبير وراى نيست خوش كفت برده داركه كس درسراى نيست تفسير : كفتم اين حركت ازايشان بعد ازانست كه از دست سائلان بجان آمده اندو محال عقلست كه اكر ريك بيا بان در شود جشم كدا يان برشود كفتا كه من برحال ايشان رحمت مى برم "اى لان لهم مالا ولا يشترون ثوابا" كفتم نه كه بر مال ايشان حسرت مى خورى "اى لحرصك" مادرين كفتار وهردو بهم كفتار هربيد قى براندى بدفع آن بكوشيدمى تانقد كيسه همت همه درباخت عاقبة الامر دليلش نماند ذليلش كردم دست تعدى درازكرد وسنت جاهلانند كه جون بدليل فرومانند سلسله خصومت بجنبانند دشنامم داد سقطش كفتم كريبانم دريد زنخدانش كرفتم مرافعه اين سخن بيش قاضى برديم قاضى جون هيئات ما ديد ومنطق ما شنيد بعد از تأمل بسيار كفت اى آنكه توانكر انرا ثنا كفتى بدانكه هرجا كلست خارهست وبرسر كنج مار همدجنان در زمره توانكران شاكرانند وكفور ودر حلقه درويشان صابرانند وضجور واى كه كفتى توانكران مشتغل تباهى ومست ملاهى اند قومى ازايشان برين صفتند وطائفه ديكر طالب نبك نامند ومغفرت وصاحب دنيا وآخرت قاضى جون اين سخن بكفت بمقتضاى حكم قضا رضاداديم واز ماضى در كذشتيم وبوسه برسروروى همد كرداديم وختم سخن بدين دوبيت بود] شعر : مكن زكردش كيتى شكايت اى درويش كه تيره بختى اكرهم برين نسق مردى توانكرا جودل ودست كامرانت هست بخور ببخش كه دنيا وآخرت بردى تفسير : وهذه الحكاية طويلة قد اختصرناها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وكذلك} أي: ومثل ذلك الإنزال البديع {أنزلنا إليك الكتاب} مصدقاً لسائر الكتب السماوية وشاهداً عليها، {فالذين آتيناهم الكتاب}؛ التوراة والإنجيل، {يؤمنون به}، وهم عبد الله بن سلام ومن آمن معه، وأصحاب النجاشي، أو: من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، {ومن هؤلاء}، من أهل مكة، {من يؤمن به}، أو: فالذي آتيناهم الكتب قبلك يؤمنون به قبل ظهوره، ومن هؤلاء الذين أدركوا زمانك من يؤمن به. وإذا قلنا: إِنّ السورة كلها مكية، يكون إخباراً بغيب تحقق وقوعه، {وما يجحد بآياتنا}، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، {إلا الكافرون}؛ إلا المتوغلون في الكفر، المصممون عليه، ككعب بن الأشرف وأضرابه، أو كفار قريش، إذا قلنا: الآية مكية. {وما كنت تَتْلوا من قبله}؛ من قبل القرآن {من كتاب ولا تَخُطُّه بيمينك}، بل كنت أمياً، لم تقرأ ولم تكتب، فظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة والأخبار السالفة، على يد أُمي؛ لم يُعْرَفْ بالقراءة والتعلم، خرق عادة، قاطعة لبغيته. وذكر اليمين، لأن الكتابة، غالباً، تكون به، أي: ما كنت قارئاً كتاباً من الكتب، ولا كَاتِباً {إِذاً لارتابَ المبطلون} أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: تعلمه، والتقطه من كتب الأقدمين، وكتبه بيده. أو: يقول أهل الكتاب: الذي نجده في كتابنا أُمي لا يكتب ولا يقرأ، وليس به. وسماهم مبطلين، لإنكارهم النبوة، أو: لارتيابهم فيها، مع تواتر حججها ودلائلها. هذا، وكونه صلى الله عليه وسلم أُمياً كَمَالٌ في حقه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أمياً أحاط بعلوم الأولين والآخرين، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم الماضية، من غير مدارسة ولا مطالعة، وهو، مع ذلك، يُخبر بما مضى، وبما يأتي إلى قيام الساعة، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة الواحدة منها إلا الفذ من أحبارهم، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه، وهذا كله في جاهلية جهلاء، بَعُد فيها العهد بالأنبياء، وبدّل الناس، وغيَّروا في كتب الله تعالى؛ بالزيادة والنقصان، ففضحهم صلى الله عليه وسلم وقرر الشرائع الماضية، فهذا كله كاف في صحة نبوته، فكانت أميته صلى الله عليه وسلم وَصْفَ كمال في حقه، ومعجزةً دالة على نبوته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أُمياً، ظهر عليه من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، ما يعجز عنه العقول، ولا تُحيط به النقول، مع إحكامه لسياسة الخلق، ومعالجتهم، مع تنوعهم، وتدبير أمر الحروب، وإمامته في كل علم وحكمة. وأيضاً: المقصود من القراءة والكتابة: ما ينتج عنهما من العلم؛ لأنهما آلة، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما. والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط. وقال الباجي وغيره: إنه كتب، لظاهر حديث الحديبية. وقال مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. وهذا كله ضعيف. قال تعالى: {بل هو} أي: القرآن {آيات بيناتٌ في صدور الذين أُوتوا العلم} اي: في صدور العلماء وحُفاظه، وهما من خصائص القرآن كون آياتِه بيناتِ الإعجاز, وكونه محفوظاً في الصدور، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ولم تكن تُقرأ إلا بالمصاحف. قال ابن عباس: {بل هو} أي: محمد، والعلم بأنه أُمي، {آيات بينات}؛ في صدور أهل العلم من أهل الكتاب، يجدونه في كتبهم. هـ. و(بل): للإضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، أي: ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه، بل هو آيات واضحات. و(في صدور): متعلق ببينات، أو: خبر ثان لهو. {وما يجحدُ بآياتنا} الواضحة {إلا الظالمون}؛ المتوغلون في الظلم. قال ابن عطية: الظالمون والمبطلون هم كل مُكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عُظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم. قاله مجاهد. هـ. الإشارة: كم من وليٍّ يكون أُمياً، وتجد عنده من العلوم والحِكَم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء. ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علَّمه ولقد سمعت من شيخنا البوزيدي رضي الله عنه علوماً وأسراراً، ما رأيتها في كتاب، وكان يتكلم في تفسير آيات من كتاب الله على طريق أهل الإشارة، قلّ أن تجدها عند غيره، وسمعته يقول: والله ما جلست بين يدى عالم قط، ولا قرأت شيئاً من العلم الظاهر. قال القشيري: قلوبُ الخواص من العلماء بالله خزائنُ الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سرِّه، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته، فقانون الحقائق في قلوبهم، وكلُّ شيء يُطلب من موطنه ومحله، فالدر يُطلب من الصدف؛ لأنه مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف الحق يُطْلَبُ من قلوب خواصه؛ لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ترفع نسخةُ توحيده. هـ. ثم ردّ اقتراحهم للآيات، فقال: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَكَذَلِكَ} اى مثل انزال الكتاب اليهم، او مثل انزال الامر بالمجادلة بالّتى هى احسن، او مثل انزال الامر بان تقولوا آمنّا بالّذى انزل اليكم (الى آخر الآية) {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} اى كتاب النّبوّة او القرآن {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} اى القرآن وهم آل محمّدٍ (ص) او فالّذين آتيناهم احكام النّبوّة بقبول الرّسالة بالبيعة العامّة او بقبول الولاية بالبيعة الخاصّة، او فالّذين آتيناهم الكتاب اى الانتعاش او الاستعداد لامور الآخرة تكويناً {يُؤْمِنُونَ بِهِ} اى يذعنون او يؤمنون بالبيعة العامّة او الخاصّة بالقرآن او بمحمّدٍ (ص) او بكتاب النّبوّة او بعلىٍّ (ع) فانّه المنظور من كلّ منظورٍ {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ} يعنى من اهل الكتاب وهم اليهود والنّصارى او من هؤلاء المشركين او من هؤلاء الّذين آتيناهم القرآن وآمنوا به بالبيعة {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} اى يؤمن باحدى البيعتين او يذعن قلباً بمحمّدٍ (ص) او بالقرآن او باحكام النّبوّة او بعلىٍّ (ع) {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ} الّتى اعظمها علىّ (ع) {إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} وهذا تعريض بمنافقى الامّة الّذين جحدوا عليّاً (ع).
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي انزالا مثل ذلك الانزال وهو انزال الكتب او انزال التوراة. {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ} القرآن مصدقا لسائر كتبنا وهو تحقيق لقوله. {فالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ} اي التوراة وقيل والانجيل على ان أل للجنس الصادق بآتينا. {يُؤْمِنُونَ بِهِ} ولقوله {أية : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم }تفسير : واراد بالذين آتيناهم الكتاب من سيؤمن به كعبدالله بن سلام واضرابه وقيل: اراد من تقدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن آمن به من اهل الكتاب فعلى الأول فالمضارع للاستقبال والأخبار إخبار بالغيب وعلى الثاني المضارع للاستمرار والأخبار اخبار بالواقع. {وَمِنْ هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ} بالقرآن والمراد ان من العرب او من اهل مكة او ممن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيؤمن به وهذا إخبار بالغيب. {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا} مع ظهورها وقيام الحجة عليها. {إِلا الكَافِرُونَ} الكاملون في الكفر فإن جرمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يفيدهم صدقها وعن بعضهم اراد كفار قريش وقيل كعب ابن الاشرف ونحوه من اليهود والظاهر العموم ذلك ان اليهود عرفوا ان النبي صلى الله عليه وسلم نبي مرسل والقرآن حق واعلموا بذلك قريشا وجحدوا هم وقريش والجحود انما يكون بعد المعرفة والا بات معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله جل وعلا.
اطفيش
تفسير : {وكذلك} الانزال البعيد مرتبة لارتفاعها فوق كل انزال، والمراد الانزال لمذكور بعد او كانزال الكتب عليهم {أنْزلنا إليك الكتاب} مصدقا لكتبهم {فالذين آتيناهم الكتاب} جنس الكتاب {يؤمنون به} المراد الجنس لا كل فرد كما علم، كعبد الله بن سلام، وقد تقدم ذكر جملة منهم آمنوا به، او المراد في مثل هذا آتيناهم ايتاء توفيق، والاول اولى، كانه قيل: وجد الايمان في اهل الكتاب كما قابله بقوله: (ومن هؤلاء) اي من العرب، او من اهل مكة، او الذين آتيناهم الكتاب من تقدم قبل عمره صلى الله عليه وسلم، فانهم يرونه فى كتبهم، ولا يكفرون به، وهؤلاء من فى عصره. {مَنْ يؤمن به} والهاء فى به للموضعين له صلى الله عليه وسلم، او الكتاب الذي انزل عليه، وهو اولى لان مقتضى عوده اليه ان يقال يؤمنون بك، ويؤمن بك الا على الالتفت، والاصل خلافه، ولا يخفى ان نحو عبدالله بن سلام مدنى، والاية مكية، فاذا فسرت الآية به فلعلها مدنية فى سورة مكية، او بيان لما سيكون، والمضارع للاستقبال، وان فسرت بمن مضى قبله صلى الله عليه وسلم، فلحكاية الله الحال الماضية، وكذا فيمن فى عصره، او نزلت بعد ايمانه فللاستقبال، بمعنى ومن هؤلاء من سيؤمن به. {وما يجْحَد بآياتنا} هى الكتاب المذكور، وهو القرآن فمقتضى الظاهر، وما يجحد به، لكن عبر عنه بآيات ليذكره برسم الدلائل وليفخمه بالاضافة اليه تعالى، والجحد انكار ما فى القلب ثبوته، او اثبات ما فى القلب انكاره، او المراد مطلق النفى، وهو اولى لانه اعم {إلاَّ الكافِروُن} الراسخون فى الاصرار والعناد، حتى لا يؤثر ما هو اقوى دليل ككعب بن الاشرف، واصحابه ونحوهم.
الالوسي
تفسير : {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } تجريد للخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل أي مثل ذلك الإنزال البديع الشأن الموافق لإنزال سائر الكتب أنزلنا إليك القرءان الذي من جملته هذه الآية الناطقة بما ذكر من المجادلة بالتي هي أحسن، وقيل: الإشارة إلى ما تقدم لذكر الكتاب وأهله أي وكما أنزلنا الكتاب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب. {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَٰهُم ٱلْكِتَـٰبِ } من الطائفتين اليهود والنصارى على أن المراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والكلام على ظاهره، وقيل: هو على حذف مضاف أي آتيناهم علم الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالكتاب الذي أنزل إليك، وقيل: الضمير له صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى، والمراد بهم في قول من تقدم عهد النبـي صلى الله عليه وسلم من أولئك حيث كانوا مصدقين بنزول القرآن حسبما علموا مما عندهم من الكتاب، والمضارع لاستحضار تلك الصورة في الحكاية وتخصيصهم بإيتاء الكتاب للإيذان بأن ما بعدهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ، وفي قول آخر معاصروه عليه الصلاة والسلام العاملون بكتابهم من عبد الله بن سلام وأضرابه، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب لما أنهم هم المنتفعون به فكأن من عداهم لم يؤتوه، قيل: هذا يؤيد القول: بأن الآيات المذكورة مدنية إذ كونها مكية وعبد الله ممن أسلم بعد الهجرة بناء على أنه إعلام من الله تعالى بإسلامهم في المستقبل، والتفصيل باعتبار الإعلام بعيداً جداً، وجوز الطبرسي أن يراد بالموصول المسلمون من هذه الأمة وضمير {بِهِ} للقرآن، ولا يخفى ما فيه، ولعل الأظهر كون المراد به علماء أهل الكتابين الحريون بأن ينسب إليهم إيتاء الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ولا بعد في كون الآيات مكية بناء على ما سمعت، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله على الوجه المذكور {وَمِنْ هَـؤُلاء} أي ومن العرب أو من أهل مكة على أن المراد بالموصول عبد الله وأضرابه، أو ممن في عصره صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى على أن المراد به من تقدم {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} أي بالكتاب الذي أنزل إليك، {وَمِنْ} على ما استظهره بعضهم تبعيضية واقعة موقع المبتدأ وله نظائر في الكتاب الكريم. {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } أي وما يجحد به، وأقيم هذا الظاهر مقام الضمير للتنبيه على ظهور دلالة الكتاب على / ما فيه وكونه من عند الله عز وجل، والإضافة إلى نون العظمة لمزيد التفخيم. وفيما ذكر غاية التشنيع على من يجحد به. والجحد كما قال الراغب: «نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه»، وفسر هنا بالإنكار عن علم فكأنه قيل: وما ينكر آياتنا مع العلم بها {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ } أي المتوغلون في الكفر المصممون عليه فإن ذلك يمنعهم عن الإقرار والتسليم، وقيل: يجوز أن يفسر بمطلق الإنكار، ويراد بالكافرين المتوغلون في الكفر أيضاً لدلالة فحوى الكلام، والتعبير بآياتنا على ذلك أي وما ينكر آياتنا مع ظهورها وارتفاع شأنها إلا المتوغلون في الكفر لأن ذلك يصدهم عن الاعتناء بها والالتفات إليها والتأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيتها، والمراد بهم من اتصف بتلك الصفة من غير قصد إلى معين، وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه.
ابن عاشور
تفسير : هذا عود إلى مجادلة المشركين في إثبات أن القرآن منزل من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فالمعنى: ومثلَ ذلك التنزيل البديع أنزلنا إليك الكتاب، فهو بديع في فصاحته، وشرف معانيه، وعذوبة تراكيبه، وارتفاعه على كل كلام من كلام البلغاء، وفي تنجيمه، وغير ذلك. وقد تقدم بيان مثل هذه الإشارة عند قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسَطاً}تفسير : في سورة [البقرة: 143]. وقد تفرع على بداعة تنزيله الإخبارُ بأن الذين علمهم الله الكتاب يؤمنون به أي يصدقون أنه من عند الله لأنهم أدرى بأساليب الكتب المنزَّلة على الرسل والأنبياء وأعلم بسمات الرسل وشمائلهم. وإنما قال: {فالذين ءاتيناهم الكتاب} دون أن يقول: فأهل الكتاب، لأن في {آتيناهم الكتاب} تذكيراً لهم بأنهم أمناء عليه كما قال تعالى: {أية : بما استحفظوا من كتاب الله}تفسير : [المائدة: 44]. وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أنه سيقع في المستقبل أو للدلالة على تجدد إيمان هذا الفريق به، أي إيمان من آمن منهم مستمرّ يزداد عدد المؤمنين يوماً فيوماً. والإشارة بــــ {هؤلاء} إلى أهل مكة بتنزيلهم منزلة الحاضرين عند نزول الآية لأنهم حاضرون في الذهن بكثرة ممارسة أحوالهم وجدالهم. وهكذا اصطلاح القرآن حيث يذكر {هؤلاء} بدون سبق ما يصلح للإشارة إليه، وهذا قد ألهمني الله إليه، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فإن يكفر بها هؤلاء}تفسير : في سورة [الأنعام: 89]. والمعنى: ومن مشركي أهل مكة من يؤمن به، أي بأن القرآن منزل من الله، وهؤلاء هم الذين أسلموا والذين يسلمون من بعد، ومنهم من يؤمن به في باطنه ولا يظهر ذلك عناداً وكِبراً مثل الوليد بن المغيرة. وقد أشار قوله تعالى: وما يجحد بآياتنا إلاّ الكافرون} إلى أن من هؤلاء الذين يؤمنون بالقرآن من أهل الكتاب وأهل مكة من يكتم إيمانه جحوداً منهم لأجل تصلبهم في الكفر. فالتعريف في {الكافرون} للدلالة على معنى الكمال في الوصف المعرّف، أي إلا المتوغلون في الكفر الراسخون فيه، ليظهر وجه الاختلاف بين {ما يجحد} وبين {الكافرون} إذ لولا الدلالة على معنى الكمال لصار معنى الكلام: وما يجحد إلا الجاحدون. وعبر عن {الكتاب} بــــ (الآيات) لأنه آيات دالة على أنه من عند الله بسبب إعجازه وتحدّيه وعجز المعاندين عن الإتيان بسورة مثله. وهذا يتوجه ابتداء إلى المشركين لأن جحودهم واقع، وفيه تهيئة لتوجهه إلى من عسى أن يجحد به من أهل الكتاب من دون أن يواجههم بأنهم كافرون لأنه لم يعرف منهم ذلك الآن فإن فعلوه فقد أوجبوا ذلك على أنفسهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {آتَيْنَاهُمُ} {بِآيَاتِنَآ} {ٱلْكَافِرونَ} (47) - كَمَا أَنْزَلْنَا الكُتُبَ السَّابِقَةَ عَلَى مَنْ جَاءَ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلك أنزلنَا عَلَيكَ القُرآنَ يَا مُحَمَّدُ، فَالذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، يُؤْمِنُونَ بأَنَّ القُرآنَ مُنْزَل مِنْ عِنْدِ اللهِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِن كُتُبِهِمْ أَنَّ اللهَ سَيُنزِلُ قُرآناً عَرَبياً عَلَى رَسُولِهِ. وَمِنْ كُفَّارِ قُريشٍ، وَمِنْ غَيرِهِمْ، مَنْ يؤمن بِهِ، وَلا يُكَذِّبُ بآيَاتِ اللهِ إلاَّ مَنْ يَجْحَدُ بِنِعْمَةِ اللهِ عَليهِ، وَيكفُرُ باللهِ، ويُنْكِرُ وحدَانِيَّتَهُ عِنَاداً واسْتِكْبَاراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ..} [العنكبوت: 47] أي: كما أنزلنا كتباً على مَنْ سبقك أنزلنا إليك كتاباً يحمل منهجاً، والكتب السماوية قسمان: قسم يحمل منهج الرسول في (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، وذلك شركة في كل الكتب التي أُنزِلَتْ على الرسل، وكتاب واحد هو القرآن، هو الذي جاء بالمنهج والمعجزة معاً. فكلُّ الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان للواحد منهم كتاب فيه منهج ومعجزة منفصلة عن المنهج، فموسى عليه السلام كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، وعيسى عليه السلام كان كتابه الإنجيل، ومعجزته إحياء الموتى بإذن الله. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتابه القرآن ومعجزته القرآن، فانظر كيف التقت المعجزة بالمنهج لتظل لصيقة به؛ لأن زمن رسالة محمد ممتدٌّ إلى قيام الساعة، فلا بُدَّ أنْ تظل المعجزة موجودة ليقول الناس محمد رسول الله، وهذه معجزته. في حين لا نستطيع مثلاً أن نقول: هذا عيسى رسول الله وهذه معجزته؛ لأنها ليست باقية، ولم نعرفها إلا من خلال إخبار القرآن بها، وهذا يُوضِّح لنا فَضْل القرآن على الرسل وعلى معجزاتهم حيث ثبتها عند كل مَنْ لم يَرهَا، فكل مَنْ آمن بالقرآن آمن بها. لكن، أكُلُّ رسول يأتي بمعجزة؟ المعجزة لا تأتي إلا لمن تحدَّاه، واتهمه بالكذب، فتأتي المعجزة لتثبت صِدْقه في البلاغ عن ربه؛ لذلك نجد مثلاً أن سيدنا شيثاً وإدريس وشَعيباً ليست لهم معجزات. وأبو بكر - رضي الله عنه - والسيدة خديجة أم المؤمنين هل كانا في حاجة إلى معجزة ليؤمنا برسول الله؟ أبداً، فبمجرد أنْ قال: أنا رسول الله آمنوا به، فما الداعي للمعجزة إذن؟ إذن: تميَّز صلى الله عليه وسلم على إخوانه الرسل بأن كتابه هو عَيْن معجزته. وسبق أنْ قلنا: إن الحق - تبارك وتعالى - يجعل المعجزة من جنس ما نبغ فيه القوم، فلو تحداهم بشيء لا عِلْم لهم به لقالوا: نحن لا نعلم هذا، فكيف تتحدّانا به؟ والعرب كانوا أهل فصاحة وبيان، وكانوا يقيمون للقوْل أسواقاً ومناسبات، فتحداهم بفصاحة القرآن وبلاغته أنْ يأتوا بمثله، ثم بعشر سُور، ثم بسورة واحدة، فما استطاعوا، والقرآن كلام من جنس كلامهم، وبنفس حروفهم وكلماتهم، إلا أن المتكلم بالقرآن هو الله تعالى؛ لذلك لا يأتي أحد بمثله. والقرآن أيضاً كتاب يهيمن على كل الكتب السابقة عليه، يُبقي منها ما يشاء من الأحكام، ويُنهِي ما يشاء. أما العقائد فهي ثابتة لا نسخَ فيها، وأيضاً لا نسخَ في القصص والأخبار. والنسْخ لا يتأتى إلا في التشريع بالأحكام افعل ولا تفعل، ذلك لأن التشريع يأتي مناسباً لأدواء البيئات المختلفة. لذلك كان بعض الرسل يتعاصرون كإبراهيم ولوط، وموسى وشعيب، عليهم السلام، ولكل منهم رسالته؛ لأنه متوجه إلى مكان بعينه ليعالج فيه داءً من الداءات، في زمن انقطعت فيه سُبُل الالتقاء بين البيئات المختلفة، فالجماعة في مكان ربما لا يَدْرون بغيرهم في بيئة مجاورة. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء - كما يعلم ربه أَزَلاً - على موعد مع التقاء البيئات وتداخُل الحضارات، فالحدث يتم في آخر الدنيا، فنعلم به، بل، ونشاهده في التوِّ واللحظة، وكأنه في بلادنا. إذن: فالداءات ستتحد أيضاً، وما دامت داءات الأمم المختلفة قد اتحدتْ فيكفي لها رسول واحد يعالجها، ويكون رسولاً لكل البشر. ثم يقول سبحانه: {فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ..} [العنكبوت: 47] أي: من قبلك {يُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [العنكبوت: 47] لأنه لا سلطة زمنية تعزلهم عن الكتاب الجديد، فينظرون في أوصاف النبي الجديد التي وردتْ في كتبهم ثم يطابقونها على أوصاف رسول الله؛ لذلك لما بلغ سلمان الفارسي أن بمكة نبياً جديداً، ذهب إلى سيدنا رسول الله، وأخذ يتأمله وينظر إليه بإمعان، فوجد فيه علامتين مما ذكرتْ الكتب السابقة، وهما أنه صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، فراح ينظر هنا وهناك لعله يرى الثالثة، ففطن إليه رسول الله بما آتاه الله من فِطْنة النبوة التي أودعها الله فيه، وقال: لعلك تريد هذا، وكشف له عن خاتم النبوة، وهو العلامة الثالثة. ومن لباقة سيدنا عبد الله بن سلام، وقد ذهب إلى سيدنا رسول الله وهو - ابن سلام - على يهوديته - فقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت - يعني يُكثرون الجدال دون جدوى - وأخشى إنْ أعلنتُ إسلامي أن يسبوني، وأن يظلموني، ويقولوا فِيَّ فُحْشاً، فأريد يا رسول الله إنْ جاءوك أن تسألهم عني، فإذا قالوا ما قالوا أعلنتُ إسلامي، فلما جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله سألهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: شيخنا وحَبْرنا وسيدنا .. إلخ فقال عبد الله: أما وقد قالوا فيَّ ما قالوا: يا رسول الله، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقالوا لتوِّهم: بل أنت شرنا وابن شرنا، ونالوا منه، فقال عبد الله: ألم أقُلْ لك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت؟ وقوله سبحانه {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ..} [العنكبوت: 47] أي: من كفار مكة مَنْ سيأتي بعد هؤلاء، فيؤمن بالقرآن {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ} [العنكبوت: 47] الجحد: إنكار متعمد؛ لأن من الإنكار ما يكون عن جهل مثلاً، والجحد يأتي من أن النِّسب إما نفي، وإما إثبات، فإنْ قال اللسان نسبة إيجاب، وفي القلب سَلْب أو قال سلب وفي القلب إيجاب، فهذا ما نُسمِّيه الجحود. لذلك يُفرِّق القرآن بين صيغة اللفظ ووجدانيات اللفظ في النفس، واقرأ مثلاً قول الله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 1] وهذا منهم كلام طيب وجميل {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ..} تفسير : [المنافقون: 1] أي: أنه كلام وافق علم الله، لكن {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] فكيف يحكم الحق عليهم بالكذب، وقد قالوا ما وافق علم الله؟ نقول: كلام الله يحتاج إلى تدبُّر لمعناه، فالحق يحكم عليهم بأنهم كاذبون، لا في قولهم: إنك لرسول الله، فهذه حق، بل في شهادتهم؛ لأنها شهادة باللسان لا يوافقها اعتقاد القلب، فالمشهود به حق، لكن الشهادة كذب. لكن، لماذا خَصَّ الكافرين في مسألة الجحود؟ قالوا: لأن غيرالكافر عنده يقظة وجدان، فلا يجرؤ على هذه الكلمة؛ لأنه يعلم أن الله تعالى لا يأخذ الناس بذنوبهم الآن، إنما يُؤجِّلها لهم ليوم الحساب، فهذه المسألة تحجزهم عن الجحود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَكَذَلِكَ أَنزلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد، هذا { الْكِتَاب } الكريم، المبين كل نبأ عظيم، الداعي إلى كل خلق فاضل، وأمر كامل، المصدق للكتب السابقة، المخبر به الأنبياء الأقدمون. { فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } فعرفوه حق معرفته، ولم يداخلهم حسد وهوى. { يُؤْمِنُونَ بِهِ } لأنهم تيقنوا صدقه، بما لديهم من الموافقات، وبما عندهم من البشارات، وبما تميزوا به من معرفة الحسن والقبيح، والصدق والكذب. { وَمِنْ هَؤُلاءِ } الموجودين { مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } إيمانا عن بصيرة، لا عن رغبته ولا رهبته. { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ } الذين دأبهم الجحود للحق والعناد له. وهذا حصر لمن كفر به، أنه لا يكون من أحد قصده متابعة الحق، وإلا فكل من له قصد صحيح، فإنه لا بد أن يؤمن به، لما اشتمل عليه من البينات، لكل من له عقل، أو ألقى السمع وهو شهيد. ومما يدل على صحته، أنه جاء به هذا النبي الأمين، الذي عرف قومه صدقه وأمانته ومدخله ومخرجه وسائر أحواله، وهو لا يكتب بيده خطا، ولا يقرأ خطا مكتوبا، فإتيانه به في هذه الحال، من أظهر البينات القاطعة، التي لا تقبل الارتياب، أنه من عند اللّه العزيز الحميد، ولهذا قال: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو } أي: تقرأ { مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا } لو كنت بهذه الحال { لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة، أو استنسخه منها، فأما وقد نزل على قلبك، كتابا جليلا تحديت به الفصحاء والبلغاء، الأعداء الألداء، أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا غاية العجز، بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة، لعلمهم ببلاغته وفصاحته، وأن كلام أحد من البشر، لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله، ولهذا قال: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):