Verse. 3388 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَمَا كُنْتَ تَتْلُوْا مِنْ قَبْلِہٖ مِنْ كِتٰبٍ وَّلَا تَخُطُّہٗ بِيَمِيْنِكَ اِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُوْنَ۝۴۸
Wama kunta tatloo min qablihi min kitabin wala takhuttuhu biyameenika ithan lairtaba almubtiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كنت تتلوا من قبله» أي القرآن «من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا» أي لو كنت قارئا كتابا «لارتاب» شك «المبطلون» اليهود فيك وقالوا الذي في التوراة أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } هذه درجة أخرى بعد ما تقدم على الترتيب، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة مختلفاً فيها كقول القائل: الزكاة تجب في مال الصغير، فإذا قيل له لم؟ فيقول كما تجب النفقة في ماله، ولا يذكر أولا الجامع بينهما، فإن قنع الطالب بمجرد التشبيه وأدرك من نفسه الجامع فذاك، وإن لم يدرك أو لم يقنع يبدي الجامع، فيقول كلاهما مال فضل عن الحاجة فيجب فكذلك ههنا ذكر أولا التمثيل بقوله: { أية : وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } تفسير : [العنكبوت: 47] ثم ذكر الجامع وهو المعجزة، فقال ما علم كون تلك الكتب منزلة إلا بالمعجزة، وهذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة، فيعرف كونه منزلاً، وقوله تعالى: {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ } فيه معنى لطيف، وهو أن النبـي إذا كان قارئاً كاتباً ما كان يوجب كون هذا الكلام كلامه، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب، وعلى ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل في الإبطال وهذا كقوله تعالى: { أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] أي من مثل محمد عليه السلام وكقوله: { أية : آلم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 1، 2]. ثم قال تعالى: {بَلْ هُوَ ءايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } قوله {في صدور الذين أوتوا العلم} إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين، لأن من يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلبـي وخاطري، وإذا حفظه من غيره يقول إنه في قلبـي وصدري، فإذا قال: {فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } لا يكون من صدر أحد منهم، والجاهل يستحيل منه ذلك ظهور له من الصدور ويلتحقون عنده هذه الأمة بالمشركين، فظهوره من الله. ثم قال تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ } قال ههنا {الظالمون}، ومن قبل قال {الكافرون} [العنكبوت:47] مع أن الكافر ظالم ولا تنافي بين الكلامين وفيه فائدة، وهي أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين، فلفظ الكافر هناك كان بليغاً يمنعهم من ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند هذه الآية بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين، أي مشركين، كما بينا أن الشرك ظلم عظيم، فهذا اللفظ ههنا أبلغ وذلك اللفظ هناك أبلغ.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} الضمير في {قَبْلِهِ} عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتاباً، ويخط حروفاً {لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلَّق، وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أميّ لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ؛ فنزلت هذه الآية؛ قال النحاس: دليلاً على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك. الثانية: ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب. وأسند أيضاً حديث أبي كَبْشة السَّلُولي؛ مضمنه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعُيَيْنة بن حِصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه. قلت: وقع في «صحيح مسلم» من حديث البراء في صلح الحديبية حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى عليه محمد رسول الله» فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ـ وفي رواية بايعناك ـ ولكن اكتب محمد بن عبد الله فأمر عليًّا أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرني مكانها» فأراه فمحاها وكتب ابن عبد اللهتفسير : . قال علماؤنا رضي الله عنهم؛ وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده، وكتب مكانها ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب. فقال جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذرّ والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميّاً، ولا معارَض بقوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} ولا بقوله: «حديث : إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب»تفسير : بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبد الله لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة؛ كما أنه عليه السلام علِم عِلم الأوّلين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله. ولا يزول عنه اسم الأميّ بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسِن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأميّ مع كونه قال كتب. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا؛ لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رميُ من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة؛ على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار أحادٍ صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها. وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها. قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أمياً لا يكتب؛ وبكونه أميّاً في أمّة أميّة قامت الحجة، وأفحِم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألاّ يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً. وإنما معنى كتب وأخذ القلم؛ أي أمر من يكتب به من كُتّابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتباً. الثالثة: ذكر القاضي عِياض حديث : عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «أَلقِ الدواة وحرّف القلَم وأقم الباء وفرّق السين ولا تُعور الميم وحسّن الله ومدّ الرحمن وجوّد الرحيم» تفسير : قال القاضي: وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يُرزَق علم هذا، ويُمنَع القراءة والكتابة. قلت: هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفاً واحداً، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى. فإن قيل: حديث : فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال: «مكتوب بين عينيه ك ا ف ر» تفسير : وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أمياً؛ قال الله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} الآية وقال: «إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب» فكيف هذا؟ فالجواب ما نصّ عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضاً. ففي حديث حذيفة: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» فقد نصّ في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميّاً. وهذا من أوضح ما يكون جلياً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ } أي القرآن {مِن كِتَٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً } أي: لو كنت قارئاً كاتباً {لاَّرْتَابَ } شكَّ {ٱلْمُبْطِلُونَ } اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة أنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ} قبل القرآن كتاباً من الكتب المنزلة ولا تكتبه بيمينك فتعلم ما فيه حتى يشكوا في إخبارك عنه أنه من وحي الله إليك، أو كان نعته في الكتب المنزلة أن لا يكتب ولا يقرأ فكان ذلك دليلاً على صحة نبوته. {الْمُبْطِلُونَ} مكذبو اليهود، أو مشركو العرب، أو قريش لأنه لو كتب وقرأ قالوا تعلمه من غيره.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد‏؛‏ في قوله‏ {‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك‏} ‏ قال‏:‏ كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتاباً‏.‏ فنزلت ‏ {‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون‏}‏ قريش‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والاسمعيلي في معجمه عن ابن عباس في قوله ‏{‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك‏} قال‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب، كان أميا‏ً.‏ وفي قوله ‏{‏بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم‏}‏ قال‏:‏ كان الله أنزل شأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإِنجيل لأهل العلم، وعلمه لهم وجعله لهم آية فقال لهم‏:‏ إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه‏.‏ وهي الآيات البينات التي قال الله تعالى‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك‏} قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ كتاباً قبله، ولا يخطه بيمينه، وكان أمياً لا يكتب‏.‏ وفي قوله ‏ {‏آيات بينات‏} ‏ قال‏:‏ النبي آية بينة {‏في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب‏}‏ قال‏:‏ وقال الحسن‏:‏ القرآن {‏آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم‏} ‏ يعني المؤمنين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك جعل نعته في التوراة والإِنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب‏.‏ وهي الآية البينة‏.‏ وهي قوله ‏{‏وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون‏} ‏قال‏:‏ يعني صفته التي وصف لأهل الكتاب يعرفونه بالصفة‏. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب‏.‏‏..‏‏} ‏ قال‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ} أي ما كنتَ قبل إنزالِنا إليك الكتابَ تقدرُ على أنْ تتلوَ شيئاً من كتابٍ {وَلاَ تَخُطُّهُ} أي ولا تقدرُ على أنْ تخطَّه {بِيَمِينِكَ} حسبَما هُو المعتادُ أو ما كانت عادَتُك أنْ تتلوَه ولا أنْ تخطَّه {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي لو كنتَ ممَّن يقدرُ على التِّلاوةِ والخطِّ أو ممَّن يعتادُهما لارتابُوا وقالُوا: لعلَّه التقطَه من كتبِ الأوائلِ، وحيثُ لم تكن كذلكَ لم يبقَ في شأنِك منشأُ ريبٍ أصلاً، وتسميتُهم مُبطلينَ في ارتيابِهم على التَّقديرِ المفروضِ لكونِهم مُبطلينَ في اتِّباعِهم للاحتمالِ المذكورِ مع ظهورِ نزاهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن ذلكَ {بَلْ هُوَ} أي القرآنُ {آيَاتٌ بَيّنَاتٌ} واضحاتٌ ثابتةٌ راسِخةٌ {فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من غيرِ أنْ يُلتقطَ من كتابٍ يحفظونَهُ بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ على تحريفِه {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا} مع كونِها كما ذُكر {إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ} المُتجاوزونَ للحدودِ في الشرِّ والمكابرةِ والفسادِ {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مّن رَّبّهِ} مثلُ ناقةِ صالحٍ وعَصَا مُوسى ومائدةُ عيسَى عليهم السَّلامُ. وقُرىء آيةٌ {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} يُنزِّلها حسبَما يشاءُ من غيرِ دخلٍ لأحدٍ في ذلكَ قطعاً {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ليسَ من شأنِي إلا الإنذارُ بما أُوتيتُ من الآياتِ {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} كلامٌ مستأنفٌ واردٌ من جهتِه تعالى ردّاً على اقتراحِهم وبـياناً لبُطلانِه والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أقصُر ولم يكفِهم آيةٌ مغنيةٌ عن سائرِ الآياتِ {أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الناطقَ بالحقِّ المصدِّقَ لما بـين يديهِ من الكتبِ السَّماويَّةِ وأنتَ بمعزلٍ عن مدارستِها وممارستِها {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فلا يزالُ معهم آيةٌ ثابتةٌ لا تزولُ ولا تضمحلُّ كما تزولُ كلُّ آيةٍ بعدَ كونِها وتكونُ في مكانٍ دُونَ مكانٍ أو يُتلى على اليَّهودِ بتحقيقِ ما في أيديهم من نعتِك ونعتِ دينِكَ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الكتابِ العظيمِ الشَّأنِ الباقِي على مرِّ الدُّهورِ {لَرَحْمَةً} أي نعمةً عظيمةً {وَذِكْرَىٰ} أي تذكرةً {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لقوم همُّهم الإيمانُ لا التعنُّتُ كأولئك المُقترحينَ، وقيل: « حديث : إنَّ ناساً من المؤمنينَ أَتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بكتبٍ فيها بعضُ ما يقولُه اليَّهودُ فقال: "كَفَى بها ضلالةَ قومٍ أنْ يرغبُوا عمَّا جاءَ به نبـيُّهم إلى ما جاءَ به غيرُ نبـيِّهم" » تفسير : فنزلتْ

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} [الآية: 48]. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: أبيدت عنه الرسوم وأشكال الطبائع لما فيه من تدبير المحبة والاختصاص بخصائص القربة فلم يدنس لمرسوم ولم يرجع إلى معلوم لذلك لما بَدَهَهُ الحق أثر فيه حيث وجده خاليًا عما فيه من الأغيار ألا ترى أنه لما قيل له: {ٱقْرَأْ} قال: ما أنا بقارئ فقيل له: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1] سَكن إليه وألفه لخلوه عن التدنيس بالمرسومات.

القشيري

تفسير : أي تَجَرَّد قلبك عن المعلومات، وتقدّس سرّك عن المرسومات، فصادَفك من غير ممازجة طبْعٍ ومشاركةِ كَسْبٍ وتكلف بشرية، فلما خلا قلبك وسرُّك عن كل معلومٍ ومرسوم ورَد عليك خطابُنا وتفهيمنا مقرونٍ بهما ما ليس مِنَّا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} ان الله سبحانه ازال عن ساحة الاصطفائية الازلية وشرف النبوة والرسالة المصطفوية لنسبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الانبياء والرسل علل التكلف والاسباب بما اخبرنا بهذه الأية ما علمناه من ابنائه تقديس الولاية والفضل العميم القديم السابق فى حق العارفين والمحبين قال ابو سعيد الخراز فى هذه الأية ابيدت عن الرسوم واشكال الطبائع لما فيه من تدبير المحبة والاختصاص بخصائص القربة فلم يتدنس بمرسوم ولم يرجع الى معلوم لك لما بدعه الحق اثر فيه حيث وجده خاليا عما فيه الاغيار الا ترى انه لما قيل له اقرأ قال ما انا بقارى فقيل له اقرأ اسم ربك فلما قيل له باسم ربك سكن اليه والفه لخلوه عن التدنس بالمرسومات.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كنت تتلو من قبله} اى وما كانت عادتك يا محمد قبل انزالنا اليك القرآن ان تتلو شيئا {من كتاب} من الكتب المنزلة {ولا تخطه} ولا ان تكتب كتابا من الكتب والخط كالمد ويقال لما له طول ويعبر عن الكتابة بالخط {بيمينك} حسبما هو المعتاد يعنى ذكر اليمين لكون الكتابة غالبا باليمين لا انه لايخط بيمينه ويخط بشماله فان الخط بالشمال من ابعد النوادر. قال الشيعة انه عليه السلام كان يحسن الخط قبل الوحى ثم نهى عنه الوحى وقالوا ان قوله و لاتخطه نهى فليس ينفى الخط. قال فى كشف الاسرار قرىء ولا تخطه بالفتح على النهى وهو شاذ والصحيح انه لم يكن يكتب انتهى. وفى الاسئلة المقحمة قول الشيعة مردود لان لاتخطه لو كان نهيا لكان بنصب الطاء او قال لاتخططه بطريق التضعيف {اذا} [آن هنكام] اى لو كنت ممن يعتاد التلاوة والخط {لارتاب المبطلون}. قال فى المختار الريب الشك. قال الراغب الريب ان يتوهم بالشىء امرا ينكشف عما يتوهمه ولهذا قال تعالى {أية : لاريب فيه}تفسير : والارابة ان يتوهم فيه امرا فلا ينكشف عما يتوهمه والارتياب يجرى مجرى الارابة ونفى عن المؤمنين الارتياب كما قال {أية : ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون}تفسير : والمبطل من يأتى بالباطل وهو نقيض المحق وهو من يأتى بالحق لما ان الباطل نقيض الحق. قال فى المفردات الابطال يقال فى افساد الشىء وازالته حقا كان ذلك الشىء او باطلا قال تعالى {أية : ليحق الحق ويبطل الباطل}تفسير : وقد يقال فيمن يقول شيئا لاحقيقة له. والمعنى لارتابوا وقالوا لعله تعلمه او التقطه من كتب الاوائل وحيث لم تكن كذلك لم يبق فى شأنك منشأ ريب اصلا. قال الكاشفى [درشك افتادندى تباه كاران وكجروان يعنى مشركان عرب كفتندى كه جون مى خواند ومى نويسد بس قر آنرا از كتب بيشينيان التقاط كرده وبرما مى خواند ياجهودان درشك افتادندكه دركتب خود خوانده ايم كه بيغمبر آخر زمان امى باشد واين كسى قارى وكاتب است]. فان قلت لم سماهم المبطلين ولو لم يكن اميا وقالوا ليس بالذى نجده فى كتبنا لكانوا محقين ولكان اهل مكة ايضا على حق فى قولهم لعله تعلمه او كتبه فانه رجل قارىء كاتب. قلت لانهم كفروا به وهو امى بعيد من الريب فكأنه قال هؤلاء المبطلون فى كفرهم به لو لم يكن اميا لارتابوا اشد الريب فحيث انه ليس بقارىء ولا كاتب فلا وجه لارتيابهم. قال فى الاسئلة المقحمة كيف منّ الله على نبيه بانه امى ولا يعرف الخط والكتابة وهما من قبيل الكمال لا من قبيل النقص والجواب انما وصفه بعدم الخط والكتابة لان اهل الكتاب كانوا يجدون من نعته فى التوراة والانجيل انه امى لايقرأ ولا يكتب فاراد تحقيق ماوعدهم به على نعته اياه ولان الكتابة من قبيل الصناعات فلا توصف بالمدح ولا بالذم ولان المقصود من الكتابة والخط هو الاحتراز عن الغفلة والنيسان وقد خصه الله تعالى بما فيه غنية عن ذلك كالعين بها غنية عن العصا والقائد انتهى. وقال فى اسئلة الحكم كان عليه السلام يعلم الخطوط ويخبر عنها فلما ذا لم يكتب والجواب انه لو كتب لقيل قرأ القرآن من صحف الاولين. وقال النيسابورى انما لم يكتب لانه اذا كتب وعقد الخنصر يقع ظل قلمه واصبعه على اسم الله تعالى وذكره فلما كان ذلك قال الله تعالى لاجرم ياحبيبى لما لم ترد ان يكون قلمك فوق اسمى ولم ترد ان يكون ظل القلم على اسمى امرت الناس ان لايرفعوا اصواتهم فوق صوتك تشريفا لك وتعظيما ولا ادع بسبب ذلك ظلك يقع الى الارض صيانة له ان يوطأ ظله بالاقدام. قيل انه نور محض وليس للنور ظل. وفيه اشارة الى انه افنى الوجود الكونى الظلى وهو نور متجسد فى صورة البشر وكذلك الملك اذا تجسد بصورة البشر لا يكون له ظل وبذلك علم بعض العارفين تجسد الارواح القدسية واذا تجسدت الارواح الخبيثة وقعت كشافة ظلها وظلمته على الارض اكثر من سائر الاظلال الكونية فليحفظ ذلك. قال الكاشفى [درتيسير آورده كه خط وقرائت فضيلت بوده است مرغير بيغمبر مارا وعدم آن فضل معجزه آن حضرت بوده وجون معجزه ظاهر شده ودراميت اوشك وشبه نماند حق سبحانه در آخر عمر اين فضيلت نيزبوى ارزانى داشته تامعجزه ديكر باشد وابن ابى شيبه درمصنف خود از طريق عون بن عبد الله نقل ميكندكه "مامات رسول الله حتى كتب وقرأ" واين صورت منافىء قرآن نيست زيرا كه درآيت نفى كتابت مقرر ساخته بزمانى قبل از نزول قرآن ومذهب آنانكه ويرا امى دانند از اول عمرتا آخر بصواب اقربست شعر : بقلم كرنرسيد انكشتش بود لوح وقلم اندر مشتش ازسواد خط اكرديده ببست بكاملش نرسد هيدج شكست بود اونور خط تيره ظلم نشود نور وظلم جمع بهم تفسير : ولذا قال بعضهم من كان القلم الا على يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لايحتاج الى تصوير الرسوم وتمثيل العلوم بالآلات الجسمانية لان الخط صنعة ذهنية وقوة طبعية صدرت بآلاتها الجسمانية. قال رجل من الانصار للنبى عليه السلام انى لاسمع الحديث ولا احفظه فقال "حديث : استعن بيمينك"تفسير : اى اكتبه. قيل اول من كتب الكتاب العربى والفارسى والسريانى والعبرانى وغيرها من بقية الاثنى عشر وهى الحميرى واليونانى والرومى والقبطى والبربرى والاندلس والهندى والصينى آدم عليه السلام كتبها فى طين وطبخه فلما اصاب الارض وانفرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه فاصاب اسماعيل عليه السلام كتاب العربى واما ماجاء (اول من خط بالقلم ادريس عليه السلام) فالمراد به خط الرمل. وفى التأويلات النجمية القلب اذا تجرد عن المعلومات والسر تقدس عن المرقومات والروح تنزه عن الموهومات كانوا اقرب الى الفطرة ولم يشتغلوا بقبول النفوس السفلية من الحسيات والخياليات والوهميات فكانوا لما صادفهم من المغيبات قابلين من غير ممازجه طبع ومشاركة كسب وتكلف بشرية ولما كان قلب النبى عليه السلام فى البداية مشروطا بعمل جبريل اذا خرج منه مااخرج وقال هذا حظ الشيطان منك. وفى النهاية لما كان محفوظا من النقوش التعليمية بالقراءة والكتابة كان قابلا للانزال عليه مختصا عن جميع الانبياء كما قال {أية : نزل به الروح الامين على قلبك}تفسير : ثم اثبت هذه بتبعيته لمتابعيه فقال {بل هو} اى القرآن {آيات بينات} واضحات ثابتات راسخات {فى صدور الذين اوتوا العلم} من غير ان يلتقط من كتاب يحفظونه بحيث لايقدر احد على تحريفه. قال الكاشفى [درسينه آنانكه داده شده اند علم را يعنى مؤمنان اهل كتاب ياصحابه كرام كه آنرا ياد ميكردند تاهيج كس تحريف نتوان كرد واما خواندن قرآن ازظهر القلب خاصه امت مرحومه است جه كتب مقدمه را از اوراق مى خوانده اند] يعنى كونه محفوظا فى الصدور من خصائص القرآن لان من تقدم كانوا لايقرأون كتبهم الا نظرا فاذا اطبقوها لم يعرفوا منها شيئا سوى الانبياء ومانقل عن قارون من انه كان يقرأ التوراة عن ظهر القلب فغير ثابت [وازينجاست كه موسى عليه السلام درمناجاة حضرتكفت] يارب انى اجد فى التوراة امة اناجيلهم فى صدورهم يقرأون ظاهرا لو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه عليه السلام بقلوبهم لكمال قوتهم وظهور استعدادتهم ولما اختل رسم التوراة اختلت شريعتهم. وفى بعض الآثار ماحسدتكم اليهود والنصارى على شىء كحفظ القرآن. قال ابو امامة ان الله لايعذب بالنار قلبا وعى القرآن وقال عليه السلام "حديث : القلب الذى ليس فيه شىء من القرآن كالبيت الخراب"تفسير : وفى الحديث "حديث : تعاهدوا القرآن فوالذى نفس محمد بيده لهو اشد تفلتا من الابل من عقلها"تفسير : اى من الابل المعقلة اذا اطلقها صاحبها والتعاهد والتعهد التحفظ اى المحافظة وتجديد الامر به والمراد هنا الامر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره فمن سنة القارىء ان يقرأ القرآن كل يوم وليلة كيلا ينساه وعن النبى عليه السلام "حديث : عرضت علىّ ذنوب امتى فلم ار ذنبا اكبر من آية او سورة اوتيها الرجل ثم نسيها"تفسير : والنسيان ان لايمكنه القراءة من المصحف كذا فى القنية، وكان ابن عيينة يذهب الى ان النسيان الذى يستحق صاحبه اللوم ويضاف اليه الاثم ترك العمل به والنيسان فى لسان العرب الترك قال تعالى {أية : فلما نسوا ماذكروا به}تفسير : اى تركوا وقال تعالى {أية : نسوا الله}تفسير : اى تركوا طاعته {أية : فنسيهم}تفسير : اى فترك رحمتهم. قال شارح الجزرية وقراءة القرآن من المصحف افضل من قراءة القرآن من حفظه هذا هو المشهور عن السلف ولكن ليس هذا على اطلاقه بل ان كان القارىء من حفظه يحصل له التدبر والتفكر وجمع القلب والبصر اكثر مما يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ افضل وان تساويا فمن المصحف افضل لان النظر فى المصحف عبادة واستماع القرآن من الغير فى بعض الاحيان من السنن شعر : دل ازشنيدن قرآن بكيردت همه وقت جو باطلان ز كلام حقت ملول جيست تفسير : قال فى كشف الاسرار قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب فيها براهين حقه وبينات سره ودلائل توحيده وشواهد ربوبيته فقانون الحقائق قلوبهم وكل شىء يطلب من موطنه ومحله [درشب افروز ازصدف جويند وآفتاب تابان از برج فلك وعسلك مصفى از نحل ونور معرفت ووصف ذات احديت از دلهاى عارفان جويندكه دلهاى ايشان قانون معرفت است ومحل تجلىء صفات] بل يطلب حضرة جلاله عند حظائر قدس قلوب خواص عباده كما سأل الله موسى عليه السلام قال "الهى اين اطلبك قال انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى" وفى المثنوى شعر : ازدرون واهل دل آب حيات جند نوشيدى وواشد جشمهات بس غذاى سكر ووجد وبينحودى از در اهل دلان بر جان زدى تفسير : قال المولى الجامى شعر : نكته عرفان مجو از خاطر آلود كان كوهر مقصود رادلهاى باك آمد صدف تفسير : {وما يجحد بآياتنا} مع كونها كما ذكر {الا الظالمون} اى المتجاوزون للحدود فى الشر والمكابرة والفساد ـ روى ـ ان المسيح بن مريم عليه السلام قال للحواريين "انا اذهب وسيأتيكم الفارّ قليط يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم روح الحق الذى لايتكلم من قبل نفسه ولكنه مايسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب وهو يشهد لى كما شهدت له فانى جئتكم بالامثال وهو يأتيكم بالتأويل ويفسر لكم كل شىء. قوله يخبركم بالحوادث. يعنى مايحدث فى الازمنة المستقبلة مثل خروج الدجال وظهور الدابة وطلوع الشمس من مغربها واشباه ذلك ويعنى بالغيوب امر القيامة من الحساب والجنة والنار مما لم يذكر فى التوراة والانجيل والزبور وذكره نبينا صلى الله عليه وسلم كذا فى كشف الاسرار. وفى الآية اشارة ان الحرمان من رؤية الآيات من خصوصية رين الجحد والانكار اذا غلب على القلوب فتصدأ كما تصدأ المرآة فلا تظهر فيها نقوش الغيوب وتعمى عن رؤية الآيات: اقل الكمال الخجندى شعر : له فى كل موجود علامات وآثار دو علام برز معشوقست كويك عاشق صاد تفسير : قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : نخست ديده طلب كن بس آنكهى ديدار ازانكه يار كند جلوه بر اولو الابصار تراكه جشم نباشد جه حاصل ازشاهد تراكه كوش نباشد جه سود از كفتار اكرجه آينه دارى از براى رخش ولى جه سود كه دارى هميشه آينه تار بيا بصيقل توحيد ز آينه بز داى غبار شرك كه تاباك كردد از زنكار تفسير : قال ابراهيم الخواص رحمه الله دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. والخلاء. وقيام الليل. والتضرع الى الله عند السحر. ومجالسة الصالحين جعلنا الله واياكم من اهل الصلاح والفلاج انه القادر الفتاح فالق الاصباح خالق المصباح

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ} جملة حاليّة او معطوفة وردّ لمن زعم او قال انّه اخذه من غيره او التقطه من كتب السّابقين {مِن قَبْلِهِ} اى من قبل القرآن {مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ} اى القرآن او الكتاب المطلق {بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعنى لكان ارتيابهم فى موقعه والاّ فهم كانوا مرتابين ومن اعظم آيات صدقه فى دعواه انّه (ص) كان يتيماً فقيراً راعياً لم يختلف الى معلّمٍ ولم يختلط مع عالمٍ ولم يتعلّم الخطّ ولم يكن فى كُتّابٍ وقد جاء بكتابٍ وشريعةٍ قد حار فى درك دقائقهما الحكماء، وعجز عن استقصاء العلوم المندرجة فيهما العلماء، واستحصر عن بلوغ لطائفهما العرفاء، واعترف ببراعة كتابه فى البلاغة البلغاء، وعن مولانا ومقتدانا علىّ بن موسى الرّضا (ع): ومن آياته انّه كان يتيماً فقيراً راعياً اجيراً لم يتعلّم كتاباً ولم يختلف الى معلّم ثمّ جاء بالقرآن الّذى فيه قصص الانبياء (ع) واخبارهم حرفاً بحرفٍ، واخبار من مضى ومن بقى الى يوم القيامة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن {مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ} أي: لو كنت تقرأ وتكتب. والمبطلون في تفسير مجاهد مشركو قريش. وقال بعضهم: من لم يؤمن من أهل الكتاب. {بَلْ هُوَ} يعني القرآن {ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} يعني النبي والمؤمنين. قال بعضهم: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلهم لا يقرأون كتابهم إلا نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيّون. وقال بعضهم: بلغنا أن كعباً قال في صفة هذه الأمة: حلماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء. قال: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون. {وَقَالُوا لَوْلاَ} أي: هلاّ {أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الأَيَاتُ عِندَ اللهِ} كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بالآيات كقولهم: (أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ)تفسير : [الأنبياء: 5]، وما أشبه ذلك. قال الله: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ} إذا شاء أنزلها {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: ليس عليّ أكثر من أن أنذركم كما أمرت. قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} أي: من الآيات {أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: تتلوه، أي: تقرأه عليهم، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، فكفاهم ذلك لو عقلوا. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. ثم قال: {قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أَنِّي رسوله، وأن هذا الكتاب من عنده، وأنكم على الكفر. قال: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَاطِلِ} [أي: بإبليس] {وَكَفَرُوا بِاللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: في الآخرة، أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار.

اطفيش

تفسير : {وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} فأنت امي لا تقرأ المكتوب ولا تكتب وظهور القرآن الجامع لأنواع العلوم الشريفة عليك مع انك لا تكتب ولا تقرأ ما كتب ولا تتعلم امر خارق للعادة وذكر اليمين مع ان نفي الخط وهو الكتابة بغنى عنه زيادة في انتفاء الكتابة وتأكيد لانتفائها ونفي للتجوز عن الاسناد فلو اسقط مثلا لجاز ان يراد بالنظر الى ظاهر اللفظ انه لا يكتب وان يراد انه لا يأمر بالكتابة مع انه عالم بها وهذا الثاني مجاز الاتراك تقول رأيت الامير يكتب هذا بيده كان اشد لاثباتك انه تولى الكتابة فكذلك النفي. {إِذاً لارْتَابَ المُبْطِلُونَ} جواب للو محذوفة أي لو كنت تتلو كتابا من قبل القرآن او تخطه بيمينك إذاً لارتاب اي شك المبطلون وهم اليهود فيك فيقولون الذين نجد نعته في التوراة انه خاتم الأنبياء لا يقرأ المكتوب ولا يكتب وقال مجاهد: المبطلون كفار قريش وارتيابهم ان يقولوا انه يقرأه من كتب الأولين ويتعلمه وينسخه منها واما ارتيابهم مع انه لا يكتب ولا يقرأ ما كتب فظاهر الفساد والعناد وانما سماهم مبطلين مع انه اذا لم يكن امينا كانوا صادقين في قولهم انه ليس بالذي نجد في التوراة وكان قريش صادقين في قولهم انه تعلمه وقرأه من كتاب او نسخه لانهم كفروا به وهو امي بعيد الريب فكأنه قال هؤلاء مبطلون في كفرهم به لو لم يكن اميا لارتابوا اشد الارتياب ولان سائر الانبياء لم يكونوا اميين ووجب الايمان بهم وبما جاءوا به لكونهم مصدقين بالمعجزات فهب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب فما لهم لا يؤمنون به من الوجه الذي آمنوا به بموسى وعيسى مع ما انزل عليهما غير معجز والقرآن معجز.

اطفيش

تفسير : {وما كنت تتلو مِنْ قبله} من قبل الكتاب المنزل عليك {مِن كتاب} مكتوبا ما من الله، ولا من غيره لانك لا تعرف قراءة الكتابة {ولا تخطُّه} اى لا تخط كتاباً، اى لا تحصل كتابا بخطك، والهاء لمطلق كتاب، ولو عادت للكتاب المذكور على الاستخذام، لا تعرف ان تكتب {بيَمينكَ} فضلا عن ان يخطه بيساره، وذلك تحقيق وتأكيد، كقولك: رايته بعينى {إذاً} لو كان يتلو كتاباً او يكتبه، {لارتابَ المبْطلون} مشركو مكة، وأهل الكتاب فيقولون: لعله التقطه من كتب الاولين، ولا يتصور ايضاً ان يتعلمه من السن اهل الكتاب، لانهم اعداءه وقلوا فى مكة، وهو يخطرون فيها خطرا، ولا يشاهد معهم، وايضاً هو على استمرار وتفاصيل، ولو كان يكتب ويقرأ الكاتب لقال اهل الكتاب: ليس بالنبى المعهود فى التوارة، لان الذي فيها لا يكتب، وبقى على ذلك لا يكتب، ولا يقرأ الكتاب حت مات، لان القرآن لم يزل ينزل عليه حتى مات، ولو عرف الكتابة والقراءة، ولو فى آخر عمره لاتهموه فيما نزل عليه فيه، وفيما قبله فليس كما قيل: انه لما شهر الاسلام وظهر، عرف الكتابة والقراءة. وايضاً المنكرون له باقون يعد شهرة الاسلام فيتهمونه، وقول ابن ابى شبيبة والشعبي قبله وغيرهما، انه ما مات حتى عرفهما باطل، واما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر"تفسير : وذلك قراءة منه، والقراءة تستلزم القدرة على الكتابة، فمعناه ان الله اراد مكتوبا وقال له: ان في ذلك المكتوب كذا وكذا، او ذلك خاص بذلك الوقت، واما حديث البخارى وغيره فى صلح الحديبية: اخذ صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن الكتاب فكتب، فمعناه اخذ الكتاب وامر بكتابته، الا ترى انه لما كتب على: هذا ما قاضى به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ، قال له اهل مكة: لو نعرفك رسول الله ما نازعناك، فامح الرسالة فقال لعلى: ارنى هذه الحروف لامحوها، فقال له: من هذا الموضع الى هذا، فمحا فهو لم يعرف، وقد قال ابو الوليد الباجى بانه عرفهما فخطأه العلماء على المنابر، ورموه بالزندقة ثم جمع مجلسا بيد الامير، وقد اجابه علماء الاشراف بما يوافقه، وقد أخطأ هو وهم، وقيل: شعر : برأت ممن شرى دنيا بأخرة وقال: إن رسول الله قد كتبا تفسير : واتفق الناس أنه لا يكتب ولا يقرأ، ومن ادعى ذلك له فليأت بحجة لا تحتمل، وثبت "أنا أمة لا نكتب ولا نحسب" ومن ادعى ثبوت ذلك فى نفسه صلى الله عليه وسلم فليبين.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْهُ قَبْلِهِ} أي وما كنت من قبل إنزالنا إليك الكتاب تقدر على أن تتلو {مِن كِتَـٰبِ} أي كتاباً على أن {مِنْ} صلة {وَلاَ تَخُطُّهُ} ولا تقدر على أن تخطه {بِيَمِينِكَ} أو ما كانت عادتك أن تتلوه ولا تخطه، وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفي عنه صلى الله عليه وسلم من الخط فهو مثل العين في قولك: نظرت بعيني في تحقيق الحقيقة وتأكيدها حتى لا يبقى للمجاز مجاز {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك لم يكن لارتيابهم وجه، وكأن احتمال التعليم مما لم يلتفت إليه لظهور أن مثله من الكتاب المفصل الطويل لا يتلقى ويتعلم إلا في زمان طويل بمدارسة لا يخفى مثلها، ووصف مشركي مكة بالإبطال باعتبار ارتيابهم وكفرهم وهو عليه الصلاة والسلام أمي فكأنه قيل: اذن لارتاب هؤلاء المبطلون الآن وكان إذ ذاك. لارتيابهم وجه، وقيل: وصفهم بذلك باعتبار ارتيابهم، وهو صلى الله عليه وسلم أمي وباعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة والسلام ليس بأمي أما كونهم مبطلين بالاعتبار الأول فظاهر، وأما كونهم كذلك بالاعتبار الثاني فلأن غاية ما يلزم من عدم أميته صلى الله عليه وسلم انتفاء أحد وجوه الاعجاز، ويكفي الباقي في الغرض فيكون المرتاب مبطلاً كالمرتاب في نبوة الأنبياء الذين لم يكونوا أميين وصحة ما جاؤوا به. والأول أظهر، وكون المراد بالمبطلين مشركي مكة هو المروى عن مجاهد، وقال قتادة: هم أهل الكتاب أي لو كنت تتلو من قبل أو تخط لارتاب أهل الكتاب لأن نعتك في كتابهم أمي، ووصفهم بالإبطال قيل: باعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة والسلام أمي كما هو الواقع، وإلا فهم ليسوا بمبطلين في ارتيابهم على فرض عدم كونه صلى الله عليه وسلم أمياً، وفي الكشف هذا فرض وتمثيل دلالة على أن مدار الأمر على المعجز، وان كونه عليه الصلاة والسلام أمياً لا يخط ليس مما لا يتم دعواه به، وتلك الدلالة لا تختلف والمنكر مبطل اهـ فتأمل. هذا واختلف في أنه صلى الله عليه وسلم هل كان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا؟ فقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في «التهذيب» وقال: إنه الأصح، وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية. فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ، وروي ابن أبـي شيبة. وغيره / «ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ». ونقل هذا للشعبـي فصدقه وقال: سمعت أقواماً يقولونه وليس في الآية ما ينافيه، وروي ابن ماجه عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ليلة أسري بـي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر»تفسير : والقدرة على القراءة فرع الكتابة ورد باحتمال إقدار الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام عليها بدونها معجزة أو فيه مقدر وهو فسألت عن المكتوب فقيل: الخ، ويشهد للكتابة أحاديث في «صحيح البخاري» وغيره كما ورد في صلح الحديبية «فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» الحديث، «وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني، وصنف فيه كتاباً، وسبقه إليه ابن منية، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته صلى الله عليه وسلم لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم، ورد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح ـ إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ـ، وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب فمعناه أمر بالكتابة» كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان، وتقديم قوله تعالى: {مِن قَبْلِهِ} على قوله سبحانه: {وَلاَ تَخُطُّهُ} كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقاً وكون القيد المتوسط راجعاً لما بعده غير مطرد، وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال: يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان قادراً على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلواً عن الفائدة، وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة إلا إذ قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته، ولا يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»تفسير : ليس نصاً في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وكذا أكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالكتابة فخلاف الظاهر، وفي «شرح صحيح مسلم» للنواوي عليه الرحمة نقلاً عن القاضي عياض «أن قوله في الرواية التي ذكرناها: «ولا يحسن يكتب فكتب» كالنص في أنه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا فالله تعالى أعلم». ورأيت في بعض الكتب ولا أدري الآن أي كتاب هو، أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ما يكتب لكن إذا نظر إلى المكتوب عرف ما فيه بإخبار الحروف إياه عليه الصلاة والسلام عن أسمائها فكل حرف يخبره عن نفسه أنه حرف كذا وذلك نظير إخبار الذراع إياه صلى الله عليه وسلم بأنها مسمومة. وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل بدون خبر صحيح ولم أظفر به.

ابن عاشور

تفسير : هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتُها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة وقد ورد الاستدلال بها في القرآن في مواضع كقوله: {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}تفسير : [الشورى: 52] وقوله: {أية : فقد لبثتُ فيكم عُمراً من قَبْلِه أفلا تَعْقِلون}تفسير : [ يونس: 16]. ومعنى: {ما كنت تتلو من قبله من كتاب} أنك لم تكن تقرأ كتاباً حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل. و {لا تَخُطُّهُ} أي لا تكتب كتاباً ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما التعلم بالقراءة والتعلّم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتاباً ولا يعرف يكتب لا يُعدّ أمياً كالعلماء العمي، والذي يستطيع أن يكتب ما يُلقى إليه ولا يحفظ علماً لا يُعدّ أمياً مثل النُسَّاخ فبانتفاء التلاوة والخط تحقق وصف الأمية. و {إذن} جواب وجزاء لشرط مقدّر بــــ (لو) لأنه مفروض دل عليه قوله: {وما كنت تتلو} {ولا تُخطه}. والتقدير: لو كنت تتلو قبله كتاباً أو تخطه لارتاب المبطلون. ومجيء جواب {إذن} مقترناً باللام التي يغلب اقتران جواب (لو) بها دليل على أن المقدر شرط بــــ (لو) كما في قول قُريط العنبري:شعر : لو كُنتُ من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا إذَنْ لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا تفسير : قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: وفائدة (إذن) هو أنه أخرج البيت الثاني مُخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا إبلك ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: شعر : إذن لقام بنصري معشر خشن تفسير : ويجوز أن يكون أيضاً: إذن لقام، جواب (لو) كأنه أجيب بجوابين. وهذا كما تقول: لو كنتَ حراً لاستقبحت ما يفعله العبيد إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار اهــــ. يعني يجوز أن تكون جملة: إذن لقام، بدَلاً من جملة: لم تستبح. وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى: {أية : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لَذَهَب كل إله بما خلق}تفسير : في سورة [المؤمنين: 91]. والارتياب: حصول الريب في النفس وهو الشك. ووجه التلازم بين التلاوة والكتابة المتقدمين على نزول القرآن، وبين حصول الشك في نفوس المشركين أنه لو كان ذلك واقعاً لاحتمل عندهم أن يكون القرآن من جنس ما كان يتلوه من قبلُ من كتب سالفة وأن يكون مما خطَّه من قبل من كلام تلّقاه فقام اليوم بنشره ويدعو به. وإنما جعل ذلك موجب ريب دون أن يكون موجب جَزم بالتكذيب لأن نظم القرآن وبلاغته وما احتوى عليه من المعاني يبطل أن يكون من نوع ما سبق من الكتب والقصص والخطب والشعر، ولكن ذلك لما كان مستدعياً تأملاً لم يمنع من خطور خاطر الارتياب على الإجمال قبل إتمام النظر والتأمل بحيث يكون دوام الارتياب بهتاناً ومكابرة. وتقييد تخطه بقيد {بيمينك} للتأكيد لأن الخط لا يكون إلاّ باليمين فهو كقوله: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38]. ووصف المكذبين بالمبطلين منظور فيه لحالهم في الواقع لأنهم كذبوا مع انتفاء شبهة الكذب فكان تكذيبهم الآن باطلاً، فهم مبطلون متوغلون في الباطل، فالقول في وصفهم بالمبطلين كالقول في وصفهم بالكافرين.

د. أسعد حومد

تفسير : {تَتْلُواْ} {كِتَابٍ} (48) - لَقَدْ لِبِثْتَ فِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ عُمْراً طَويلاً قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيكَ القُرآنُ، وأَنْتَ لاَ تَقْرأُ كِتاباً، وَلاَ تَعرِفُ كِتَابَةً، وكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْمِكَ يعرفُ أَنَّكَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ - وَكَذلِكَ كَانَتْ صِفَةُ الرَّسُولِ، عَليهِ السَّلامُ، في الكُتُبِ المَتَقَدِّمَةِ - لَمْ تَعْرِفِ القِراءَةَ وَلا الكِتَابَةَ. ولَوْ أنَّكَ كُنْتَ تَعْرِفُ القِرَاءةَ والكِتَابَةَ لارْتَابَ أَهلُ البَاطِلِ مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ، ولَقَالُوا: إنهُ رُبَّما اقْتَبَسَ ما يَقُولُ مِنْ كُتُبِ الأَنبياءِ السَّابِقينَ. وَلكِنْ لَمّا كُنتَ أُمِّياً فإِنَّهُ لمْ يَعُدْ لارتِيَابِهِمْ وَجْهٌ مَقْبُولٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {تَتْلُواْ ..} [العنكبوت: 48] أي: تقرأ، واختار تتلو لأنك لا تقرأ إلا ما سمعت، فكأن قراءتك لما سمعت تجعل قولك تالياً لما سمعتَ، نقول: يتلوه يعني: يأتي بعده {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ..} [العنكبوت: 48] يعني: الكتابة. وفَرْق بين أنْ تقرأ، وبين أنْ تكتب، فقد تقرأ لأنك تحفظ، وتحفظ نتيجة السماع، كإخواننا الذين ابتلاهم الله بكفِّ نظرهم ويقرأون، إنما يقرأون ما سمعوه؛ لأن السمع كما قلنا أول حاسة تؤدي مهمتها في الإنسان، فمن الممكن أن تحفظ ما سمعت، أما أن تكتبه فهذا شيء آخر. والكلام هنا لون من ألوان الجدل والإقناع لكفار قريش الذين يُكذِّبون رسول الله، ولوْن من ألوان التسلية لرسول الله، كأنه يقول سبحانه لرسوله: اطمئن. فتكذيب هؤلاء لك افتراء عليك؛ لأنك ما تلوْتَ قبله كتاباً ولا كتبته بيمينك، وهم يعرفون سيرتك فيهم. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. أربعون سنة قضاها رسول الله بين قومه قبل البعثة، ما جرَّبوا عليه قراءة ولا كتابة ولا خطبة، ولا نمَّق قصيدة، فكيف تُكذِّبونه الآن؟ فإنْ قالوا: كانت عبقرية عند محمد أجَّلها حتى سِنِّ الأربعين. نقول: العبقرية عادة مَا تأتي في أواخر العقد الثاني من العمر في السابعة عشرة، أو الثامنة عشرة، ومَنْ ضمن لمحمد البقاء حتى سِنِّ الأربعين، وهو يرى مصارع أهله، جده وأبيه وأمه؟ لو كان عندك شيء من القراءة أو الكتابة لكان لهم عذر، ولكان في الأمر شبهة تدعو إلى الارتياب في أمرك، كما قالوا: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. وقالوا: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103] فردَّ القرآن عليهم {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. وقالوا: ساحر. وقالوا: شاعر. وقالوا: مجنون. وكلها افتراءات وأباطيل واهية يسهل الردُّ عليها: فإنْ كان ساحراً، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً وتنتهي المسألة؟ وإنْ كان شاعراً فهل جرَّبتم عليه أنْ قال شعراً قبل بعثته؟ وإنْ قُلْتم مجنون، فالجنون فَقْد العقل، بحيث لا يستطيع الإنسان أنْ يختار بين البدائل، فهل جرَّبتم على محمد شيئاً من ذلك؟ وكيف يكون المجنون على خُلُق عظيم بشهادتكم أنتم أنه الصادق الأمين، فعنده انضباط في الملَكات وفي التصرفات، فكيف تتهمونه بالجنون؟ وكلمة {مِن قَبْلِهِ ..} [العنكبوت: 48] لها عجائب في كتاب الله منها هذه الآية: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ..} [العنكبوت: 48] فيقول بعض العارفين (من قبله): أي من قبل نزول القرآن عليك، وهذا القول {مِن قَبْلِهِ ..} [العنكبوت: 48] يدل على أنه من الجائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم كيف يقرأ وكيف يكتب بعد نزول القرآن عليه، حتى لا يكون في أمته من هو أحسن حالاً منه في أي شيء، أو في خصلة من خصال الخير. ثم تأمل قوله تعالى: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ..} تفسير : [البقرة: 91] بالله لو جاءت هذه الآية بدون كلمة (مِنْ قَبْل) ألاَ يدخل في روع رسول الله أنهم ربما يجترئون عليه فيقتَلوه، فيتهيب منهم، أو يدخل في نفوسهم هم، فيجترئون عليه كما قتلوا الأنبياء من قبل؛ لذلك جاءتْ الآية لتقرر أن هذا كان في الماضي، أما الآن فلن يحدث شيء من هذا أبداً، ولن يُمكِّنكم الله من نبيه. وكلمة {وَمَا كُنتَ ..} [العنكبوت: 48] تكررت كثيراً في كتاب الله، ويُسمُّونها (ماكُنَّات القرآن) وفيها دليل على أن القرآن خرق كل الحجب في الزمن الماضي، والحاضر، والمستقبل. كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ..} تفسير : [القصص: 44]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ..} تفسير : [القصص: 45]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ..} تفسير : [آل عمران: 44]. وهنا: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ..} [العنكبوت: 48]. لذلك وصفه ربه - عز وجل - بأنه {أية : ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ..} تفسير : [الأعراف: 157] وإياك أن تظن أن الأمية عَيْب في رسول الله، فإنْ كانت عيباً في غيره، فهي فيه شرف؛ لأن معنى أمي يعني على فطرته كما ولدتْه أمه، لم يتعلم شيئاً من أحد، وكذلك رسول الله لم يتعلَّم من الخَلْق، إنما تعلم من الخالق فعلَتْ مرتبةُ علمه عن الخَلْق. ومن ذلك المكانة التي أخذها الإمام علي - رضي الله عنه - في العلم والإفتاء حتى قال عنه عمر رضي الله عنه - مع ما عُرف عن عمر من سداد الرأي حتى إن القرآن لينزلُ موافقاً لرأيه، ومُؤيّداً لقوله - يقول عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. لماذا؟ لأنه كان صاحب حجة ومنطق وصاحب بلاغة، ألم يراجع الفاروقَ في مسألة المرأة التي ولدتْ لستة أشهر من زواجها، وعمر يريد أنْ يقيم عليها الحد؛ لأن الشائع أن مدة الحمل تسعة أشهر فتسرَّع البعض وقالوا: إنها سُبق إليها، لكن يكون للإمام على رأي آخر، فيقول لعمر: لكن الله يقول غير هذا، فيقول عمر: وما ذاك؟ قال: ألم يقُل الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ..} تفسير : [البقرة: 233] قال: بلى. قال: ألم يقل: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15] وبطرح العامين من ثلاثين شهراً يكون الباقي ستة أشهر، فإذا ولدتْ المرأة لستة أشهر، فهذا أمر طبيعي لا ارتيابَ فيه. وفي يوم دخل حذيفة على عمر رضي الله عنهما - فسأله عمر: كيف أصبحتَ يا حذيفة؟ فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين، أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأُصلِّي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر، وهَمَّ أن يضربه بدرة في يده، وعندها دخل عليٌّ فوجد عمر مُغْضباً فقال: مالي أراك مغضباً يا أمير المؤمنين؟ فقصَّ عليه ما كان من أمر حذيفة، فقال علي: نعم يا أمير المؤمنين يحب الفتنة؛ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ..} تفسير : [التغابن: 15]. ويكره الحق أي: الموت فهو حقّ لكنا نكرهه، ويُصلِّي على النبي بغير وضوء، وله في الأرض ولد وزوجة، وليس ذلك لله في السماء. فقال عمر قولته المشهورة: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. فلماذا تميَّز عليٌّ بهذه الميزة من العِلْم والفقه والحجة؟ لأنه تربَّى في حِجرْ النبوة فاستقى من نَبْعها، وترعرع في أحضان العلوم الإسلامية منذ نعومة أظافره، ولم يعرف شيئاً من معلومات الجاهلية، فلما تتفاعل عنده العلوم الإسلامية لا تَلِد إلا حقاً. ثم يقول سبحانه {إِذاً ..} [العنكبوت: 48] يعني: لو حصل منك قراءة أو كتابة {لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] أي: لَكَان لهم عُذْر ووجهة نظر في الارتياب، والارتياب لا يعني مجرد الشك، إنما شك باتهام أي: يتهمون رسول الله بأنه كان على عِلْم بالقراءة والكتابة؛ لذلك وصفهم بأنهم مبطلون في اتهامهم له صلى الله عليه وسلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} معناه شَكٌّ الكَذوبُ.