Verse. 3390 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَقَالُوْا لَوْلَاۗ اُنْزِلَ عَلَيْہِ اٰيٰتٌ مِّنْ رَّبِّہٖ۝۰ۭ قُلْ اِنَّمَا الْاٰيٰتُ عِنْدَ اؘ۝۰ۭ وَاِنَّمَاۗ اَنَا نَذِيْرٌ مُّبِيْنٌ۝۵۰
Waqaloo lawla onzila AAalayhi ayatun min rabbihi qul innama alayatu AAinda Allahi wainnama ana natheerun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» أي كفار مكة «لولا» هلا «أنزل عليه» أي محمد «آية من ربه» وفي قراءة آيات كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى «قل» لهم «إنما الآيات عند الله» ينزلها كيف يشاء «وإنما أنا نذير مبين» مظهر إنذاري بالنار أهل المعصية.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : لما فرغ من ذكر دليل من جانب النبـي عليه السلام ذكر شبهتهم وهي بذكر الفرق بين المقيس عليه والمقيس، فقالوا إنك تقول إنه أنزل إليك كتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك لأن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها، ثم إن الله تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها قوله: {إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } ووجهه أن النبـي صلى الله عليه وسلم ادعى الرسالة وليس من شرط الرسالة الآية المعجزة، لأن الرسول يرسل أولا ويدعو إلى الله، ثم إن توقف الخلق في قبوله أو طلبوا منه دليلاً، فالله إن رحمهم بين رسالته وإن لم يرحمهم لا يبين، فقال أنا الساعة رسول وأما الآية فالله إن أراد ينزلها وإن لم يرد لا ينزلها وهذا لأن ما هو من ضرورات الشيء إذا خلق الله الشيء لا بد من أن يخلقها كالمكان من ضرورات الإنسان فلا يخلق الله إنساناً إلا ويكون قد خلق مكاناً أو يخلقه معه، لكن الرسالة والمعجزة ليستا كذلك فالله إذا خلق رسولا وجعله رسولا ليس من ضروراته أن تعلم له معجزة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب ولم تعلم لهم معجزة فإن قيل علم رسالتهم، نقول من ثبتت رسالته بلا معجزة فنبينا كذلك لا حاجة له إلى معجزة لأن رسالته علمت بقول موسى وعيسى فتبين بطلان قولهم لم لم ينزل عليه آية؟ وهذا لأنهم طلبوا سبق الآية وليست شرطاً حتى تسبقها، بلى إن كان لهم سؤال فطريقه أن يقولوا يا أيها المدعي نحن لا نكذبك ولا نصدقك لكنا نريد أن يبين الله لنا آية تخلصنا من تصديق المتنبـي وتكذيب النبـي ونعلم بها كونك نبياً ونؤمن بك، فبعد ذلك ما كان يبعد من رحمة الله أن ينزل آية. ثم قوله: {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معناه أن الآية عند الله ينزلها أو لا ينزلها لا تتعلق بـي ما أنا إلا نذير وليس لي عليه حكم بشيء ثم إنه بعد بيان فساد شبهتهم من وجه بين فسادها من وجه آخر، وقال هب أن إنزال الآية شرط لكنه وجد وهو في نفس الكتاب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} هذا قول المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه هلا أنزل عليه آية كآيات الأنبياء. قيل: كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بإحياء الموتى؛ أي {قُلْ} لهم يا محمد: {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} فهو يأتي بها كما يريد، إذا شاء أرسلها وليست عندي {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: {آيَةٌ} بالتوحيد. وجمع الباقون. وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ}. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} هذا جواب لقولهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر؛ والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار عن يحيـى بن جعدة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه كتاب فقال: «حديث : كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم» تفسير : فأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أخرجه أبو محمد الدارميّ في مسنده. وذكره أهل التفسير في كتبهم. وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «حديث : لو كان موسى بن عمران حيّاً لما وسعه إلا اتباعي» تفسير : وفي مثله قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس منا من لم يَتغنَّ بالقرآن»تفسير : أي يستغني به عن غيره. وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية. وإذا كان لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فالرغبة عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في القرآن {لَرَحْمَةً} في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. {وَذِكْرَىٰ} في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قوله تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيداً يشهد لي بالصدق فيما أدعِيه من أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي لا يخفى عليه شيء. وهذا احتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم؛ لأنهم قد أقروا بعلمه فلزمهم أن يقرّوا بشهادته. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ} قال يحيـى بن سلام: بإبليس. وقيل: بعبادة الأوثان والأصنام؛ قاله ابن شجرة. {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ} أي لتكذيبهم برسله، وجحدهم لكتابه. وقيل: بما أشركوا به من الأوثان، وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات، يعنون ترشدهم إلى أن محمداً رسول الله كما أتى صالح بناقته، قال الله تعالى: {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا ٱلأَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} أي إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن هذا سهل عليه يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا}. وقوله: {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي إنما بعثت نذيراً لكم بين النذارة، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} تفسير : [الكهف: 17] وقال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272] ثم قال تعالى مبيناً كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحداً من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِىۤ إِسْرَآءِيلَ} تفسير : [الشعراء: 197] وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : . [طه: 133]. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» تفسير : أخرجاه من حديث الليث. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إن في هذا القرآن لرحمة أي بياناً للحق وإزاحة للباطل، وذكرى بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين لقوم يؤمنون. ثم قال تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أي هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذباً عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 44 ــــ 47] وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات {وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي لا تخفى عليه خافية { وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } أي كفار مكة {لَوْلآ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ } أي محمد {ءَايَٰتٌ مِّن رَّبِّهِ } وفي قراءة «آياتٌ» كناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى {قُلْ } لهم {إِنَّمَا ٱلأَيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } ينزلها كيف يشاء {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } مظهر إنذاري بالنار أهل المعصية.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِهِ} وفيه قولان: أحدهما: أنهم كانواْ يسألونه آيات يقترحونها عليه كما كان يفعله مشركو قريش أن يجعل الصفا ذهباً وأن يجري بمكة نهراً. الثاني: أنهم سألوه مثل آيات الأنبياء قبله كما جاء صالح بالناقة وموسى بالعصا وعيسى بإحياء الموتى. {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ} أي أن الله هو الذي يعطي ما يشاء من الآيات لمن يشاء من الأنبياء بحسب ما يرى من المصلحة ولذلك لم تتفق آيات الأنبياء كلها وإنما جاء كل نبي بنوع منها. {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مندوب للإنذار والبيان لا لما يقترح عليه من الآيات وإنما يلزم أن يأتي بما يشهد بصدقه من المعجزات وقد فعل الله ذلك فأجابهم به فقال. {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} يعني القرآن يتلى عليهم وفيه وجهان: أحدهما: أولم يكفهم من الآيات التي سألوها أنا أنزلنا عليك الكتاب آية لك ودليلاً على صدقك لما فيه من الإعجاز في نظمه وصدق خبره وصحة وعده؟ الثاني: أنه محمول على ما رواه عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب في كتف فقال: كفى بقوم حمقاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم فأنزل الله {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكَتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يعني استنقاذهم من الضلال، وبالذكرى إرشادهم إلى الحق. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يريدون الإيمان ولا يقصدون العناد. قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شِهِيداً} يعني شهيداً بالصدق والإبلاغ، وعليكم بالتكذيب والعناد. {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} وهذا احتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم لأنهم قد أقرواْ بعلمه فلزمهم أن يقرواْ بشهادته. {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَاطِلِ} فيه وجهان: أحدهما: بإبليس، قاله يحيى بن سلام. الثاني: بعبادة الأَوثان والأصنام، قاله ابن شجرة. {وَكَفَرُوا بِاللَّهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: لتكذيبهم برسله وجحدهم لكتبه. الثاني: بما أشركوه معه من الآلهة وأضافوه إليه من الأولاد والأنداد. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: خسروا أنفسهم بإهلاكها، قاله علي بن عيسى. الثاني: خسروا في الآخرة نعيم الجنة بعذاب النار، قاله يحيى بن سلام.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قالوا} لقريش ولبعض اليهود، لأنهم كانوا يعلمون قريشاً مثل هذه الحجة يقولون: لم لا يأتيكم بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وعلي بن نضر عن أبي عمرو "آية من ربه"، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم "آيات من ربه"، فأمر الله تعالى نبيه أن يعلم أن هذا الأمر بيد الله عز وجل ولا يستنزله الاقتراح ولا التمني وأنه بعث نذيراً ولم يؤمر بغير ذلك، وفي مصحف أبي بن كعب "قالوا لو ما يأتينا بآيات من ربه قل إنما الآيات"، ثم احتج عليهم في طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز للجن والإنس فقال: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب}، ثم قرر ما فيه من "الرحمة والذكرى" للمؤمنين، فقوله {أو لم يكفهم}، جواب لمن قال {لولا أنزل}، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المؤمنين كتبوا عن اليهود بطائق أخبروهم بشيء من التوراة فكتبوه، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : كفى بها ضلالة قوم أن رغبوا عما آتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غيره"تفسير : ، ونزلت الآية بسببه. قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول أجرى مع نسق الآيات، ثم أمر تعالى نبيه بالإسناد إلى أمر الله تعالى وأن يجعله حسبه {شهيداً} وحاكماً بينه وبينهم بعلمه وتحصيله جميع أمورهم، وقوله {بالباطل}، يريد بالأصنام والأوثان وما يتبع أمرها من المعتقدات، والباطل، هو أن يفعل فعل يراد به أمر ما، وذلك الأمر لا يكون عن ذلك الفعل، والأصنام أريد بأمرها الأكمل والأنجح في زعم عبادها وليس الأكمل والأنجح إلا رفضها فهي إذاً باطل، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَوْلآ أُنزِلَ} اقترحوا عليه الآيات ليجعل الصفا ذهباً وتفجير الأنهار، أو سألوه مثل آيات الأنبياء كالناقة والعصا واليد وإحياء الموتى. {الأَيَاتُ} عند الله تعالى يخص بها من شاء من الأنبياء {وَإِنَّمَآ أَنَأْ نَذِيرٌ} لا يلزمني الإتيان بالمقترح من الآيات وإنما يلزمني أنه يشهد على تصديقي وقد فعل الله تعالى ذلك وأجابهم بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} دلالة على نبوتك القرآن بإعجازه واشتماله على الغيوب والوعود الصادقة، أو أراد بذلك ما رُويَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُتِي بكتاب في كتف فقال: "حديث : كَفَى بقوم حمقاً أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم " تفسير : فنزلت {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ}. {لَرَحْمَةً} إستنقاذاً من الضلال. {وَذِكْرَى} إرشاداً إلى الحق {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقصدون الإيمان دون العناد.

النسفي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مِّن رَّبِهِ} {آية} بغير ألف: مكي وكوفي غير حفص. أرادوا هلا أنزل عليه آيات مثل الناقة والعصا ومائدة عيسى عليهم السلام ونحو ذلك {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } ينزل أيتها شاء ولست أملك شيئاً منها {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات وليس لي أن أقول أنزل على آية كذا دون آية كذا مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي أولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال معهم آية ثابتة لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون مكان {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان إلى آخر الدهر {لَرَحْمَةً } لنعمة عظيمة {وَذِكْرَىٰ } وتذكرة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } دون المتعنتين {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } أي شاهداً بصدق ما أدعيه من الرسالة وأنزل القرآن علي وبتكذيبكم {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} فهو مطلع على أمري وأمركم وعالم بحقي وباطلكم {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ } باليهودية أو بالشرك إو بإبليس {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ } وآياته {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف كقوله {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }تفسير : [سبأ: 24] وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت

الثعالبي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِ} الضمير في: {قَالُوا} لقريش ولبعض اليهود؛ لأنهم كانوا يعلِّمون قريشاً مثل هذه الحجة؛ على ما مر في غير ما موضع. ثم احتج عليهم في اقتراحهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات؛ ومعجز للجن والإنس؛ فقال سبحانه: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ...}. وقوله: {ءَامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ} يريد: الأصنام وما في معناها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} كما أنزل على الأنبياء من قبل. وقرأ الأخوانِ وابنُ كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك والباقون "آيات" بالجمع لأن بعده {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ} بالجمع إجماعاً، والرسم يَحْتَمِلُهُ. فصل اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أُوتِيَ تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئاً منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها. قوله: "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ" هذا جواب لقولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} قل: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}، ففاعل "يكفهم" هو قوله: "أنا أنزلنا" والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطاً في الرسالة فلا يشترط إلا إنْزَالُ "آيةٍ" وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة كافية. وقوله: "أولم يكفهم" عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لِوُجُوهٍ: أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثُعْبَاناً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فيقال له: فَأتِ بآيةٍ من مثله. الثاني: أن قلب العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحد، وهنا لطيفه هي أن آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أشياء لا تختص بمكان دونَ مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر "ساوَةَ" في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانْهَدَّت) الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عاماً. الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً} أي في إنزال القرآن {لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به. قَوْلُهُ (تعالى): {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: "الله يعلمُ صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك"، كل ذلك إنذار وتهديد ثم بين كونه كافياً، بكونه عالماً بجميع الأشياء، فقال: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: {أية : فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ}تفسير : [العنكبوت: 47] أي من أهل الكتاب؟ فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن شهادة الله أقوى (في ألزامهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ}، قال ابن عباس: بغير الله {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. فإن قيل: قوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً. فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله (فَيَكُون قائلاً) بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به. فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفراً (به) فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل (قم ولا تقعد و "واقتربْ مني ولا تَبْعُدْ"؟ فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقولُ بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قبيح.

القشيري

تفسير : خفَيَتْ عليهم حالتُكَ - يا محمد - فطالبوكَ بإقامة الشواهد، وقالوا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ} أَوَ لَم يَكْفِهم ما أوضحنا عليكَ من السبيل، وأَلَحْنا لكَ من الدليل؛ يُتْلَى عليهم ذلك، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشيءٍ من مثله؟ هذا هو الجحود وغاية الكُنود!

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى كفار قريش {لولا} تحضيضة بمعنى هلا: وبالفارسية [جرا] {انزل} [فرو فرستاه نمى شود] {عليه} على محمد {آيات من ربه} مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى عليهم السلام {قل انما الآيات من عند الله} فى قدرته وحكمه ينزلها كمايشاء وليس بيدى شىء فآتيكم بما تقترحونه {وانما انا نذير مبين} ليس من شأنى الا الانذار والتخويف من عذاب الله بما اعطيت من الآيات: يعنى [تخويف ميكنم بلغتى كه شمادريابيد] وهو معنى الظهور. قال فى كشف الاسرار والحكمة فى ترك اجابة النبى عليه السلام الى الآيات المقترحة انه يؤدى الى مالا يتناهى وان هؤلاء طلبوا آيات تضطرهم الى الايمان فلو اجابهم اليها لما استحقوا الثواب على ذلك انتهى ولو لم يؤمنوا لاستأصلوا وعذاب الاستئصال مرفوع عن هذه الامة ببركة النبى عليه السلام ثم قال تعالى بيانا لبطلان اقتراحهم {أولم يكفهم} الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والكفاية مافيه سد الخلة وبلوغ المراد فى الامراى اقصر ولم يكفهم آية مغنية عما اقترحوه {انا انزلنا عليك الكتاب} الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وانت بمعزل من مدارستها وممارستها {يتلى عليهم} بلغتهم فى كل زمان ومكان فلا يزال معهم آية ثابتة لاتزول ولا تضمحل كما تزول كل آية بعد كونها وتكون فى مكان دون مكان. وفيه اشارة الى عمى بصر قلوبهم حيث لم يروا الآية الواضحة التى هى القرآن حتى طلبوا الآيات والى ان تيسير قراءة مثل هذا القرآن فى غير كاتب وقارىء وانزاله عليه وحفظه لديه واحالة بيانه اليه واضحة {ان فى ذلك} الكتاب العظيم الشان الباقى على ممر الدهور والازمان {لرحمة} اى نعمة عظيمة {وذكرى} اى تذكرة: وبالفارسية [بندى ونصيحتى] {لقوم يؤمنون} اى لقوم هممهم الايمان لا التعنت كاولئك المقترحين: وفى المثنوى شعر : بند كفتن باجهول خابناك تخم افكندن بود درشوره خاك

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقالوا} أي كفار قريش: {لولا أُنزل عليه آية من ربه} تدل على صدقه، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، ونحو ذلك. وقرأ نافع وابن عامر وحفص: بالجمع؛ "آيات"، كثيرة {قل إنما الآيات عند الله}، يُنزل منها ما شاء متى شاء، ولست أملك منها شيئاً، {وإنما أنا نذير مبين}؛ إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس من شأني أن أقول: أنزل على آية كذا دون آية كذا، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة على نبوتي، والآيات كلها في حُكم آية واحدة في ذلك. {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم}، أي أَوَلَمْ يكفهم إنزال آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتين، وهو هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابته، لا تزول ولا تنقطع، كما انقطع غيره من الآيات، وفي ذلك يقوم البوصيري: شعر : دامَتْ لَدَيْنا؛ فَفاقَتْ كلَّ مُعْجِزَةٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، إِذْ جاءَتْ ولَمْ تَدُمِ تفسير : {إن في ذلك} أي: هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر، {لرحمة}؛ لنعمة عظيمة، {وذكرى}؛ وتذكرة {لقوم يؤمنون} من دون المتعنتين. قال يحيى بن جعدة: إن ناساً من المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فألقاها، وقال: كفى بها حماقة، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم، فنزل: {أولم يكفهم...} إلخ. {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} أي: شاهداً بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرآن عليّ، وتكذبيكم، {يعلم ما في السماوات والأرض}، فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم، فلا يخفى عليه شيء. {والذين آمنوا بالباطل}، وهو ما يُعبد من دون الله، {وكفروا بالله} وبآياته منكم {أولئك هم الخاسرون}؛ المغبونون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر المؤدي إلى النيران، بالإيمان المؤدي إلى الخلود في الجنان. رُوي أن كعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزل: {قل كفى...} إلخ. الإشارة: اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق؛ إذ ليس بيد النبي أو الولي شيء من ذلك، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على الله، والدعاء إليه، والكرامة لا تدل على كمال صاحبها، "ربما رُزق الكرامة من لم تَكْمُلْ له الاستقامة"، ليس كل من ثبت تخصيصه كَمُلَ تخليصه. وقد تظهر الكرامات في البدايات وتخفى في النهايات، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله وعبده حتى يشاهده عياناً، ويذهب عنه الأوهام والشكوك، وأما غير هذا فقد يكون استدراجاً لمن يقف معه. والله تعالى أعلم. ولما لم تظهر آية كما اقترحوا، استعجلوا بالعذاب استهزاءً كما قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} عطف بلحاظ المعنى كأنّه قال جحد الظّالمون الآيات وقالوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ} لهم بالتّنزّل عن مقامك الولوىّ وباظهار العجز بحسب مقامك البشرىّ {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} وليس شيءٌ منها عندى حتّى آتى بمقترحكم {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ظاهر او مظهر لانذارى وصحّته وقد مضى انّ الرّسول (ص) لا بدّ وان يكون ذا شأنين؛ شأن الانذار برسالته وشأن التّبشير بولايته لكنّه لمّا كان شأن الرّسالة فيه غالباً كان قد يتكلّم بشأن الرّسالة ويحصر شؤنه فيه كما انّه حصر جملة شؤنه ههنا فى الانذار الّذى هو شأن الرّسالة لا الولاية.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} أي كفار قريش وقيل اليهود للكل. {لَوْلا أُنزِلَ} لولا للتوبيخ. {عَلَيْهِ} على محمد. {آيَاتٌ مِّن رَّبِهِ} هذه قراءة نافع وابن عامر والبصريين وحفص وقرأ غيرهم آية بالافرادة حول عليه نزول آية كناقة صالح وعصى موسى ومائدة عيسى. {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ} ينزلها كما يشاء وعلى من يشاء وفي وقت يشاء. {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} مظهر لانذاري بالنار أهل المعاصي وليس لي أن أتخير على الله فأقول: أنزل علي آية كذا دون كذا مع علي بأن الله حكيم وأن القصد من الآية ثبوت الدلالة الآيات كلها في حكم آية واحدة في الدلالة.

اطفيش

تفسير : {وقالوا} كفار قريش بتعليم اهل الكتاب، وقيل: الواو ولأهل الكتاب {لَوْلا أنزل عليه آيات مِنْ ربِّه} كناقة صالح، وعصا موسى {فل إنَّما الآيات عِنْد الله} لا يملكها سواه، وانما ينزلها بحسب مشيئته {وإنَّما أنَا نَذيرٌ مبينٌ} شأنى الانذار لا الايتان بما شئتم من الآيات.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ} أي كفار قريش بتعليم بعض أهل الكتاب. وقيل: الضمير لأهل الكتاب {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مّن رَّبّهِ} مثل ناقة صالح وعصا موسى، وقرأ أكثر أهل الكوفة {ءايَةً} على التوحيد {قُلْ إِنَّمَا ٱلأَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ذلك قطعاً {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من الآيات لا الإتيان بما اقترحتموه فالقصر قصر قلب.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر الجاحدين لآية القرآن ثلاث مرات ووصفهم بالكافرين والمبطلين والظالمين انتقل الكلام إلى مقالتهم الناشئة عن جحودهم، وذلك طلبهم أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بآيات مرئية خارقة للعادة تدل على أن الله خلقها تصديقاً للرسول كما خلق ناقة صالح وعصا موسى، وهذا من جلافتهم أن لا يتأثروا إلا للأمور المشاهدة وهم يحسبون أن الرسول عليه الصلاة والسلام ينتصب للمعاندة معهم فهم يقترحون عليه ما يرغبونه ليجعلوا ما يسألونه من الخوارق حديث النوادي حتى يكون محضر الرسول عليه الصلاة والسلام فيهم كمحضر المشعوذين وأصحاب الخنقطرات. وقد قدمتُ بيان هذا الوهم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربّه}تفسير : في سورة [الأنعام: 37]. ومعنى {عند الله} أنها من عمل القدرة الذي يجري على وفق إرادته تعالى فلكونها منوطة بإرادته شبهت بالشيء المحفوظ عند مالكه. وأفادت {إنما} قصر النبي عليه الصلاة والسلام على صفة النذارة، أي الرسالة لا يتجاوزها إلى خلق الآيات أو اقتراحها على ربّه، فهو قصر إفراد ردّاً على زعمهم أن من حق الموصوف بالرسالة أن يأتي بالخوارق المشاهدة. والمعنى: أنه لا يُسَلَّم أن التبليغ يحتاج إلى الإتيان بالخوارق على حسب رغبة الناس واقتراحهم حتى يكونوا معذورين في عدم تصديق الرسول إذا لم يأتهم بآية حسب اقتراحهم. وخُصّ بالذكر من أحوال الرسالة وصف النذير تعريضاً بالمشركين بأن حالهم يقتضي الإنذار وهو توقع الشر. والمبين: الموضح للإنذار بالدلائل العقلية الدالة على صدق ما يخبر به. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب: {ءايات}. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف: {ءاية}. والجمع والإفراد في هذا سواء لأن القصد إلى الجنس، فالآية الواحدة كافية في التصديق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لولا أُنزل عليه آيات: أي قال كفار قريش هلاّ أُنزل على محمد آيات من ربِّه كناقة صالح، وعصا موسى. قل إنما الآيات عند الله: أي قل يا رسولنا الآيات عند الله ينزلها متى شاء. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب: أي أو لم يكفهم فيما طلبوا من الآيات إنزالنا الكتاب عليك. إن في ذلك لرحمة وذكرى: أي في القرآن رحمة وموعظة للمؤمنين فهو خير من ناقة صالح. والذين آمنوا بالباطل: وهو ما يعبد من دون الله. وكفروا بالله: وهو الإِله الحق. أولئك هم الخاسرون: أي حيث استبدلوا الكفر بالإِيمان. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية فقوله تعالى: {وَقَالُواْ} أي أهل مكة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} أي هلاّ أُنزل على محمد آيات من ربّه كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى إذ هذا الذي يعنون بالآيات أي معجزات خارقة للعادة. قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا لقومك المطالبين بالآيات دليلا على صدق نُبُوَّتك قل لهم: أولا: الآيات التي تطالبون بها هي عند الله وليست عندى فهو تعالى ينزِّلها متى شاء وعلى من شاء. وثانيا {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي وظيفتي التي أقوم بها هي إنذار أهل الظلم من عاقبة ظلمهم وهي عذاب النار فلذا لا معنى بمطالبتي بالآيات. وثالثا أو لم يكفهم آية أن الله تعالى أنزل عليّ كتابه فأنا أتلوه عليكم صباح مساء فأي آية أعظم من كتاب من أميّ لا يقرأ ولا يكتب تُتلى آياته تحمل الهدى والنور وهو في الوقت نفسه رحمة وذكرى أي موعظة لقوم يؤمنون فهي معجزة ثابتة قائمة باقية يجد فيها المؤمنون الرحمة فيتراحمون بها ويجدون فيها الموعظة فهم يتعظون بها، فأين هذا من معجزة تبقى ساعة ثم تذهب وتروح كمائدة عيسى أو عصا موسى. ورابعا: شهادة الله برسالتي كافية لا يُطلب معها دليل آخر على نبوتي ورسالتي، فقد قال لي ربي: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً}. ربي الذي يعلم ما في السماوات والأرض من كل غيب ومن ذلك علمه بأني رسوله فشهد لي بذلك بإِنزاله عليَّ هذا الكتاب وأخيراً وبعد هذا البيان يقول تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ} وهو تأليه المخلوقات من دون الله {وَكَفَرُواْ} بأولوهية الله الحق {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء في الفساد العقلي وسوء الفهم {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} في صفتهم حين اشتروا الكفر بالإِيمان واستبدلوا الضلالة بالهدى. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث فلتعد تلاوتها بالتأنِّي والتدبر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير النبوة المحمدية بالأدلة القاطعة التي لا تُرد، وهي أربعٌ كما ذُكر آنفاً. 2) بيان أكبر معجزة لإِثبات النبوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي نزول القرآن الكريم عليه وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: "حديث : ما من نبي إلا أُوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أُوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". تفسير : 3) القرآن الكريم رحمة وذكرى أي عبرة وعظة للمؤمنين به وبمن نزل عليه. 4) تقرير خسران المشركين في الدارين لاستبدالهم الباطل بالحق والعياذ بالله تعالى.

القطان

تفسير : فاجابهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} قل يا محمد: إن المعجزات عند الله ينزلها حين يشاء، وانما أنا مكلف بالإنذار الواضح، وتبليغ الرسالة، وليس عليَّ هداكم. ثم قال تعالى: كيف يطلبون الآياتِ مع نزول القرآن! أليس فيه ما يكفي ويقنع! {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. انهم يطلبون المعجزات الحسية، أما كفاهم دليلاً على صدقك هذا القرآنُ الذي أنزلناه عليك يُقرأ عليهم، وهو الآيةُ الخالدة على الزمن!. ان في إنزال هذا الكتاب عليك لرحمةً من الله بهم وبالناس اجمعين، وتذكرةً دائمة نافعة لمن يؤمن به. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. بعد ان أقام الله الادلة على صدق رسالة النبي الكريم، وبيّن أن المعاندين من أهل الكتاب والمشركين لم يؤمنوا به - أمر رسوله ان يَكِلَ عِلم ذلك الى الله، فهو العليم بصدقه. أما الذين عبدوا غيره فقد خسروا الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ نافع وابو عمرو وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم: لولا انزل عليه آياتٌ من ربه، بالجمع، وقرأ الباقون: لولا انزل عليه آيةٌ من ربه، بالإفراد. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ.... } الآيات. بعد ان أنذر المشركين بالعذاب وهدّدهم، قالوا تهكماً واستهزاء: ان كان هذا حقاً فأْتنا بالعذاب. فأجابهم الرسول بانه لا يأتيكم بسؤالكم، ولا يعجّل باستعجالكم، لأن الله أجَّله لحكمة، ولولا ذلك الأجل المسمّى الذي اقتضته حكمته لعجّله لكم، ولَيأتينكم فجأة وانتم لا تشعرون. ثم تعجّب منهم في طلبهم استعجال العذاب، وهو سيحيط بهم في جميع نواحيهم، ويكون من الأهوال ما لا يوصف، ويقال لهم على سبيل التوبيخ {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. قراءات: قرأ أهل الكوفة ونافع: ويقول ذوقوا.... بالياء. والباقون: ونقول: بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتٌ} {ٱلآيَاتُ} (50) - وقَالَ كُفَّارُ قُريشٍ تَعَنُّتاً: هَلاَّ أُنزِلَ عََلَى مُحَمَّدٍ آيةٌ منَ الآياتِ التي أُنزِلَ مِثْلُهَا عَلَى رُسُلِ اللهِ السَّابِقِينَ، كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى.. فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً وبُرْهَاناً على صِدْق مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ. وقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم بأَنْ يُجِيبَهُمْ: إِنَّ أَمْرَ حُدُوثِ المُعْجِزَاتِ (الآيَاتِ) يَرْجِعُ إِلى اللهِ تَعَالى، ولوْ أَنَّهُ عَلِمَ أنَّكُمْ سَأَلتُمُ اسْتِبْصَاراً وتَعَلُّماً، وَطَلَباً لِزيَادَةِ اليَقينِ، لأَجَابَكُم إِلى مَا سَأَلتُمْ، لأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَيهِ، ولكِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أََنَّكُمْ إنَّما قَصَدْتُم بِذلِكَ التَّعَنُّت والتَّعْجِيز، وَلِذلِكَ فإِنَّهُ لا يُجِيبُكُم إِلى مَا سَأَلتُمْ. ثُمَّ أَمَر اللهُ تَعالى رَسُولَهُ بأنْ يَقُولَ لِكُفَّارِ قُرَيشٍ: إِنَّهُ رَسُولٌ مَهَمَّتُهُ إِبلاَغُ رِسَالةِ رَبِّهِ إِلى مَنْ أُرسِلَ إِليهِمْ، وأَنْ يُنذِرَهُمْ عَذَابَ اللهِ وَبَأسَهُ، إِنِ استَمَرُّوا عَلَى كُفرِهِمْ وعِنَادِهِمْ، وليسَ مِنْ مَهَمَّتِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلى الإِيمَانِ حَمْلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: بعد أنْ جاءهم القرآن وبعد أنْ أعجزهم يطلبون آيات أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الحق سبحانه كان إذا اقترح القومُ آيةً من رسولهم فأجابهم إلى ما طلبوا، فإنْ كذبوا بعدها أخذهم أَخْد عزيز مقتدر. واقرأ مثلاً قوله سبحانه: {أية : وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا ..} تفسير : [الإسراء: 59] فلما كذَّبوا بالآية التي طلبوها أهلكهم الله؛ لأن المسألة إذن ليست مسألة آيات وإقناع، إنما هي الإصرار على الكفر، إذن: فطلب الإنزال لآية خاصة باقتراحهم ليس مانعاً لهم أنْ يكفروا أيضاً برسول الله. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ ..} تفسير : [الإسراء: 59] أي: التي اقترحوها {أية : إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..} تفسير : [الإسراء: 59] وحين تنزل الآية ويُكذِّبون بها تنزل بهم عقوبة السماء، لكن الحق - سبحانه وتعالى - قطع العهد لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ألاَّ يُعذِّب أمته وهو فيهم، كما قال سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 33]. فهذا هو السبب المانع من أنْ تأتي الآية المقترحة، ثم إن الآيات المقترحة آيات كونية تأتي وتذهب، كما تشعل عود الثقاب مرة واحدة، ثم ينطفئ، رآه مَنْ رآه، وأصبح خبراً لمن لم يَرَه. وكلمة {لَوْلاَ ..} [العنكبوت: 50] تستخدم في لغة العرب استخدامين: إنْ دخلتْ على الجملة الاسمية مثل: لولا زيد عندك لَزرتُك، وهي هنا حرف امتناع لوجود، فقد امتنعتْ الزيارة لوجود زيد. وإنْ دخلتْ على الجملة الفعلية مثل: لولا تذاكر دروسك، فهي للحضِّ وللحثِّ على الفعل. فقولهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ..} [العنكبوت: 50] كأن الآية التي جاءتهم من عند الله لا يعترفون بها، ثم يناقضون أنفسهم حينما يقولون: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] . إذن: أنتم معترفون بالقرآن، مقتنعون به، لكن ما يقف في حلوقكم أن ينزل على محمد من بين الناس جميعاً. ثم نراهم يناقضون أنفسهم في هذه أيضاً، ويعترفون من حيث لا يشعرون بأن محمداً رسول الله حينما قالوا: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ..} تفسير : [المنافقون: 7] فما دُمْتم تعرفون أنه رسول الله، فلماذا تُعادونه؟ إذن: فالبديهة الفطرية تكذِّبهم، ينطق الحق على ألسنتهم على حين غفلة منهم. ويرد الحق - تبارك وتعالى - عليهم: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 50] فهي عند الله، ليست عندي، وليست بالطلب حسب أهوائكم {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [العنكبوت: 50] أي: هذه مهمتي، واختار الإنذار مع أنه صلى الله عليه وسلم بشير ونذير، لكن خَصَّهم هنا بالإنذار، لأنهم أهل لِجَاج، وأهل باطل وجحود، فيناسبهم كلمة الإنذار دون البشارة. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من غاية بغضهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه {قَالُواْ} مقترحين منه على سبيل التعجيز والإنكار: {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} إن كان صادقاً في دعواه كالآيات التي نزلت على الأنبياء الماضين مثل: ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى وسائر معجزاته، وغير ذلك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كاملاً ناشئاً عن محض الحكمة، خالياً عن وصمة الشبهة، {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ} كلها {عِندَ ٱللَّهِ} أنزلها وفي قبضة قدرته، وعلى مقتضى إرادته ومشيئته حتى تعلقت إرادته بإنزال آية منها، أنزلها على من أنزلها إرادةً واختياراً {وَ} ليس في وسعي وطاقتي ولا في وسع كل من مضى قبلي من الأنبياء والرسل إنزال عموم ماطلبتم، وإتيان جميع ما اقترحتم من الآيات وكذا حال الأنبياء الماضين مع أممهم المقترحين عليهم بالآيات، بل {إِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ} من قبل الحق إياكم {مُّبِينٌ} [العنكبوت: 50] ظاهر الإنذار والتخويف، وكل من الأنبياء والرسل أيضاً كانوا كذلك بالنسبة إلى إممهم؛ إذ نحن معاشر الأنبياء والرسل ما لنا إلا التبليغ والإنذار على مقتضى الوحي والإلهام الإلهي بلا تخويف منا وتبديل، وأمَّا التنزيل والإنزال من قبل الحق، والقبول منكم فموض إلى القادر الحكيم. ثم قال سبحانه على المقترحين وتقريعاً لهم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} ولم يغنهم من جميع الآيات التي اقترحوا عنك يا أكمل الرسل {أَنَّآ أَنزَلْنَا} من مقام جودنا ولطفنا معك {عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} الجامع لما في الكتب السالفة، المحتوي على أحوال النشأتين على الوجه الأبلغ مع أنه لا يغيب عنهم، بل {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} ويُقرأ عندهم دائماً بخلاف سائر الآيات، فإنها كما ظهرت غابت هي وأثرها وهو وأثرها حاضر عندهم غير مغيب عنهم، وبالجملة: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الكتاب الذي هو في نفسه آيات عظيمة الفوائد، دائمة العوائد، غير منقطعة آثارها عن من تمسك بها واستهديا {لَرَحْمَةً} أي: نعمة عامة نازلة من قبل الحق {وَذِكْرَىٰ} أي: عظة وتذكيراً شاملاً لعموم عباده، ملقاه من عنده سبحانه {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] بتوحيده وأسمائه وصفاته، ويصدقون المبدأ والمعاد والعرض والجزاء والفوز بشرف اللقاء جميع ما وعد لهم في النشأة الأخرى. ثم لما أتى قوم من ضعفاء المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف رُقم فيها بعض أراجيف اليهود وأقوايلهم الكاذبة، متبركين بها، متيمنين بما فيها، فقال صلى الله عليه وسلم مبغضاً عليهم: كفى بضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم من قبل ربهم إلى ما جاء به غير نبيهم، وصدقوا ما جاء به غير نبيهم مع أنه كذب مفترى، وكذبوا ما جاء به النبي مع أنه صدق مطابق للواقع، فنزلت حينئذ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا أكمل الرسل للمكذبين لك وبما جئت به مصدقين لأعدائك وبما جاءوا به: {كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أيها المكابرون {شَهِيداً} حاضراً معي ومعكم مطلقاً، على حالي وحالكم وما جرى في ضميري وضمائركم؛ إذ هو سبحانه {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَ} ما ظهر في {ٰتِ وَٱلأَرْضِ} وكذا ما ظهر بينهما ما بطن فيهما، فيجازي كلاً منا ومنكم على مقتضى علمه بنا وبكم. {وَ} كيف لا يجازي القادر المقتدر على انتقام عصاة عباده {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأطاعوا {بِٱلْبَاطِلِ} الذي هو بمراحل عن الحق والصدق {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ} الحق الحقيق بالحقية، المستوي على منهج الصدق والصواب، وأعرضوا عن إطاعته وانقياده عناداً وكابرةً، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور، والأشقياء المحرومون عن سعة رحمة الملك الغفور {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52] المقصورون على الخسران الخذلان، لا يُرجى ربحهم وتفريجهم أصلاً. {وَ} من غاية غيِّهم وضلالهم، ونهاية انهماكهم في بحر الغفلة والغرور {يَسْتَعْجِلُونَكَ} تهكماً استهزاءً {بِٱلْعَذَابِ} واستهزاءً بك الذي أنذرتهم بوحي منا إليك بنزوله إياهم من كمال إنكارهم وتكذيبهم {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} ووقت معين موعود، مثبت في لوح قضائنا {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} اليوم فجأةً عاجلاً؛ لاستحقاقهم بنزوله إلا أنه مؤقت موعود على مقتضى سنتنا القديمة المستمرة من ترهين الأمور على الأوقات المعينة المثبتة في لوح القضاء وحضرة العلم. قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: لا تغتروا بإمهالنا إياكم زماناً {وَ} الله {لَيَأْتِيَنَّهُمْ} ولينزلن عليهم العذاب الموعود {بَغْتَةً} أي: دفعة وفجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53] ولا يطلعون بنزوله وأمارات إتيانه. ومن غاية عمههم وسكرتهم وكمال انهماكهم في أسباب العذاب وموجباته ولوازمه {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} ظناً منهم أن ما هم عليه إنما هو من موجبات الثواب وأسباب النجاة الجنة، بل هي عينهما؛ إذ لا إيمان لهم بالنشأة الأخرى وما فيها، كيف لا يعذبون في النشأة الأخرى ولا يدخلون النار {وَإِنَّ جَهَنَّمَ} الموعودة فيها لهم {لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54] محتوية عليهم الآين في النشأة الأولى باعتبار أسبابها وموجباتها؟!.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ولما جاء به، واقترحوا عليه نزول آيات عينوها، كقولهم: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } الآيات. فتعيين الآيات ليس عندهم، ولا عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فإن في ذلك تدبيرا مع اللّه، وأنه لو كان كذلك، وينبغي أن يكون كذلك، وليس لأحد من الأمر شيء. ولهذا قال: { قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } إن شاء أنزلها أو منعها { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة. وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل، فإذا حصل المقصود -بأي: طريق- كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ظلما وجورا، وتكبرا على اللّه وعلى الحق. بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات، ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها، كان ذلك ليس بإيمان، وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم، فآمنوا، لا لأنه حق، بل لتلك الآيات. فأي فائدة حصلت في إنزالها على التقدير الفرضي؟ ولما كان المقصود بيان الحق، ذكر تعالى طريقه، فقال: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ } في علمهم بصدقك وصدق ما جئت به { أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } وهذا كلام مختصر جامع، فيه من الآيات البينات، والدلالات الباهرات، شيء كثير، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده وهو أمي، من أكبر الآيات على صدقه. ثم عجزهم عن معارضته، وتحديه إياهم آية أخرى، ثم ظهوره، وبروزه جهرا علانية، يتلى عليهم، ويقال: هو من عند اللّه، قد أظهره الرسول، وهو في وقت قلَّ فيه أنصاره، وكثر مخالفوه وأعداؤه، فلم يخفه، ولم يثن ذلك عزمه، بل صرح به على رءوس الأشهاد، ونادى به بين الحاضر والباد، بأن هذا كلام ربي، فهل أحد يقدر على معارضته، أو ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته؟. ثم إخباره عن قصص الأولين، وأنباء السابقين والغيوب المتقدمة والمتأخرة، مع مطابقته للواقع. ثم هيمنته على الكتب المتقدمة، وتصحيحه للصحيح، ونَفْيُ ما أدخل فيها من التحريف والتبديل، ثم هدايته لسواء السبيل، في أمره ونهيه، فما أمر بشيء فقال العقل "ليته لم يأمر به" ولا نهى عن شيء فقال العقل: "ليته لم ينه عنه" بل هو مطابق للعدل والميزان، والحكمة المعقولة لذوي البصائر والعقول [ثم مسايرة إرشاداته وهدايته وأحكامه لكل حال وكل زمان بحيث لا تصلح الأمور إلا به]. فجميع ذلك يكفي من أراد تصديق الحق، وعمل على طلب الحق، فلا كفى اللّه من لم يكفه القرآن، ولا شفى اللّه من لم يشفه الفرقان، ومن اهتدى به واكتفى، فإنه خير له فلذلك قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية. { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا } فأنا قد استشهدته، فإن كنت كاذبا، أَحَلَّ بي ما به تعتبرون، وإن كان إنما يؤيدني وينصرني وييسر لي الأمور، فلتكفكم هذه الشهادة الجليلة من اللّه، فإن وقع في قلوبكم أن شهادته -وأنتم لم تسمعوه ولم تروه- لا تكفي دليلا فإنه { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ }. ومن جملة معلوماته حالي وحالكم، ومقالي لكم فلو كنت متقولا عليه، مع علمه بذلك، وقدرته على عقوبتي، لكان [قدحا في علمه وقدرته وحكمته] كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ }. تفسير : { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } حيث هم خسروا الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحيث فاتهم النعيم المقيم، وحيث حصل لهم في مقابلة الحق الصحيح كل باطل قبيح، وفي مقابلة النعيم كل عذاب أليم، فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.